شتاء الرسائل الجميلة

شتاء الرسائل الجميلة

إلى الصديقة العزيزة كندة شريقي حنا.

حارتنا هي صوتٌ عتيق لعجوز، صوتٌ يتلاشى ببطءٍ خلف شاحنة ذاهبة إلى العتمة، سأرحل وبذمتي هذا اليقين الوحيد.

عجوز حارتنا أقدم من كلّ بيوتنا، لا أحد يعرف تاريخها، لكنها،  تعرف تاريخنا كلّنا، حتى تفاصيله المملّة، نحن وأهلنا ولدنا على يديها.

الكبار يقولون إنّ لديها يقينيات غريبة تشبه حياتها… أنا لا أحبها، هي غير مؤذية، لكنّنا نخاف منها عندما نمرّ بها وهي على كرسيها فوق رصيفها تدخن كخريفٍ عمره ألف سنة.

اليوم سمعتُ صوتها لأول مرّة منذ سنوات، لا يزال دافئاً كحارتنا، كانت تهذي في الخارج للناجين مصادفة من الحرب:

ـ ابن البدينة… أنا أعرفه جيداً، ذلك الشتاء جعل بناتي جميلات… ابن السكير، اشتقتُ له، بسببه صار الحب في حارتنا أحلى، لأجله كانت تلك الرقصة الساحرة. هل تذكرون ذلك الشتاء؟ أمه لم تحب أباه، أجمل الصبيان أولئك الذين يولدون عن غير حب، الوغد. كسر قلبي في ليلته الأخيرة إلى تسع بنات واثنين وأربعين رسالة، اجلبوه إليّ إن كان حياً، اشتقتُ له، يا كلاااااب… أعطوني سيجارة…

(أبو رسائل) سخرتْ مرّة أختي، حملتُ هذا اللقب طويلاً بين غرف بيتنا.

في بيتنا القديم كان لدينا مكتبة بعدّة رفوف، تسلّيتُ أثناء المراهقة بقراءة كتبها، فصارتْ لغتي جميلة.

في ذلك الشتاء، ذات ليلة.. تسلق خالد حائطنا ليقفز إلى شجرة الأكيدنيا حتى غصنها المحاذي لشباك غرفتي، نقر بسبابته على البلور، فتحته مستغرباً. بقلب منكسر الخاطر همس لي وهو يبكي:

ــ أرجوك… أنا أحب يسرى، ساعدني واكتب لي رسالة حبٍ إليها.

وكتبت لخالد ابن الحانوتي، رسالة حب لـ يسرى بنت الخياطة، بعد مسائين كانت النتيجة جميلة له فأعطاني بضع سجائر. ابن عمه حيان فهم القصة، توسل لي من فوق غصن شجرة الأكيدنيا في مساءٍ بارد آخر أنّ أكتب له رسالة حب لـ هناء.

كتبتُ له متأففاً رسالة جميلة، بعد أيام عرف أمجد قصة الرسالتين، ثلاثتهم تسلقوا الشجرة وأمام شباكي ترجوني أن أكتب لهم رسائل لعشيقاتهم من بنات حارتنا.

وكتبت لهم، بصراحة. كنت أستمتع بكتابة الرسائل للبنات جانب المدفأة، وأوقعها بأسماء الآخرين، هذه الرسائل كانت تشغلني عن متابعة مشاجرات والديّ كلّ ليلة.

في درس الفيزياء الغليظ، كتب لي قاسم على دفتره ملاحظة وناولي إيّاه من أسفل المقعد:

ـــ بـ حياة أمك. اكتب لي رسالة حب لـ سمية. ومساءً نلتقي على شجرة الأكيدنيا…

زفرتُ، خلال أسابيع قليلة صاروا تسعة مراهقين أكتب لهم رسائل لتسع مراهقات، ودائماً، بين الأرض والسماء… على أغصان شجرة الأكيدنيا في المساءات الماطرة،  أعطي الأوراق لأصحاب الوجوه النحيلة ذاتِ القلوب المعذبة.

أظنّ أنّ أحدهم كان جاسوساً لمدير الإعدادية الأستاذ خليل، طلبني إلى الإدارة فذهبت وبعد دخولي مكتبه طلب مني ــ بلطف غير معتاد ــ أن أجلس، كان مرتبكاً قال لي بخجل:

ـــ بني… أنا أحب المستخدمة جمانة، الغبية لا تفهم عليّ. أريدك أن تكتب لها رسالة مني… عليها اللعنة، مجرد مستخدمة ومغرورة!

ـــ حبيبي أبو الخل، في الحب لا يوجد مستخدمة أو طبيبة… مهندسة أومتسولة… يوجد أنثى فقط و…

كنت أشرح له فلسفتي في رسائل الحب بعد خبرة أوراق كثيرة، وأنا ألف ساقاً على ساق وأنسل من علبة سجائره فوق المكتب سيجارة و…

ـــ انقلع من هنا يا كلب.

قذفني بصحن السجائر فأسرعتُ لأخرج وأنا أتعثر برِجْلي.

ثمّة ليلة محال أنّ أنساها، كان مطرها غزيراً دونما قمر، أمام بلور شباكي تناثر بصمت على أغصان الأكيدنيا تسعة أشباح. أمامهم كنت جالساً على سريري وفوقي لحاف وأمامي أوراق وأقلام. أتأملهم وأتأمل أوراقي، وفي الغرفة المجاورة مشاجرة مؤلمة بين صلاة نقية لأمي وخمر تعيس لأبي.

صراخ هنا وهناك ثمّة عيون حزينة ، تنتظر أوراقي، مصير روحها معلق بالقلم بين أصابعي، والمطر لا يرحم الوجوه المائلة على الأغصان.

ثمّ، ساعتين ونصف… أفتح شباكي لأعطي المبللين بالماء والحب رسائلهم. يأخذونها بفرح ويمضون لأبقى وحيداً على شباك الحب بلا رسالة خاصة بي، محاولاً فهم عدم انسجام الصلوات النقية مع الخمور التعيسة.

ذات ملل اخترعتُ رسالة حب إلى أمي موقعة باسم أبي ووضعتها فوق قطرميز المكدوس، لم تنتبه، مرّة ثانية كتبتُ رسالة حب من أبي لأمي ووضعتها جانب قنينة العرق، لم ينتبه. فشلتُ بمصالحة صلاتِها مع خمره.

بعد شهرين، نساء حارتنا مع بناتهنّ اجتمعنَ في بيت أم العبد للاحتفال بولادتها، العجوز كانت موجودة تراقب بصمت كعادتها، انتبهتْ لشلة بنات في زاوية بعيدة معهن أوراق يقرأن منها سراً، تأملتهن مطولاً. شعرتْ أنهن جميلات، من يقينياتها الغريبة: البنت لا تصير جميلة إلا عندما تصلها أوّل رسالة حب في حياتها.

نهضتْ ومشتْ إليهن، انتبهن بخوف خبأن الرسائل، انحنتْ عليهن وهمستْ بثقة:

ــ من يكتب لكُنّ؟

لم يتجرأن على الإنكار، كلّ واحدة همستْ بخجل باسم المراهق الخاص بها، أخذتْ العجوز الأوراق ونظرتْ فيها، هي لا تعرف القراءة لكن حاستها بالخطوط قديمة، شهقتْ:

ـــ كلّ هذه الرسائل كتبتها يدٌ واحدة.

والتفتت إلى الخلف، كأنها تنظر إلى الليالي السابقة، تذكرتْ مرورها بضع مرّات من أمام بيتنا، والأشباح المعلقة بصمت على أغصان شجرة الأكيدنيا، ابتسمتْ بخبث وتمتمتْ:

ـ ابن السكير. هو من كتب كلّ هذه الرسائل، ما أحلاه (هزّتْ رأسها بحزن وهي تردف بأحد يقينياتها) أجمل الصبيان أولئك الذين يولدون عن غير حب.

تنهدتْ وانحنتْ على البنات مجدداً، همستْ لهن محذرة:

ـــ لا تخبرن الصبيان أنكنّ قد عرفتن صاحب الرسائل، ليظل ابن البدينة يكتب. إن توقفتْ رسائله سوف تصرن قبيحات، بدون رسائل لن تبقين جميلات..

تلك الحفلة، كلّ بنات حارتنا رقصن، أحياناً رقصات فردية وأحياناً جماعية، الرقصة الأحلى كانت جماعية لتسع بنات، صفقن لها النساء كثيراً وما عرفن سرّها.

البنات حافظن على السرّ، لتمر الأيام الممطرة، وشجرة الأكيدنيا تسجل القمر في أغلب الليالي: غياب، والمتسلقون لا يؤذيهم برد، شباكي تغادر منه أوراق وترجع منه سجائر. وفي الغرفة المجاورة، شجار أمي مع أبي لا ينتهي.

أستمرّ بكتابة رسائل الحب دونما حب، أوقعها بتسع أسماء وأظلّ بعد رحيلهم على شباكي مع السجائر.

بعد أشهر انتقلنا إلى بيت صغير في حارة بعيدة، بعد أن تراكمتْ علينا الديون، جلبنا شاحنة، في ثلاث رحلات نقلنا كلّ  إخوتي وصلوات أمي وخمور أبي وأثاثنا.

في النقلة الرابعة والأخيرة تناثرتْ على الشاحنة أشياء غرفتي وكراكيب غرفة المؤونة، مشتْ الشاحنة والمطر يهطل علينا. عبرنا شارع حارتنا، القمر كان موجوداً على غير عادته، صوت الشاحنة كان مزعجاً. وهي تبتعد لوحتُ لها فلوحتْ لي بغصنها شجرة الأكيدنيا، ضيعنا بيتنا القديم، غصة تبتلع الحنجرة، تأملتُ بيوت حارتنا مقهوراً، فجأة. تحت المطر، تسع بنات يخرجن إلى شرفاتهن الصغيرة، ينظرن إليّ… ثمّ، يرفعن أيديهن برسائلي ويلوحن ليّ في بكاءٍ صامت.

خرجتْ من بيتها شبه المهجور إلى الشارع، طاردتْ الشاحنة تحت المطر وهي تدق الإسفلت بعكازها، كانت تصرخ فيّ:

ـــ إلى أين راحل يا ابن السكير؟ ارجع. اللعنة على أمك البدينة… ارجع يا وغد، بناتي صرن جميلات بسبب رسائلك، من سيكتب لهن بعد الليلة؟ لا تقتل قلبي برحيلك يا حقير، ارجع.

عندما جاء الصيف، أختي الكبيرة في المطبخ قالتْ لخالتي بحنق من فوق ماكينة الكبة:

ـــ الله وكيلك، كنا نظن أنّه يدرس في غرفته، بعد رسوبه في الشهادة الإعدادية اكتشفنا أنّه كان يكتب رسائل للبنات. معها حق أن تشمت فينا أم مالك، أبو رسائل، الله يلعنه.

الشاحنة في نهاية الشارع، العجوز وهي تسقط أرضاً قذفتني بعكازها، عكازها وصلني بعد عقدٍ ونصف ليسقط عليّ بهيئة قذيفة في حربٍ لم نعرف من أين جاءتنا.

تمزق كلّ جسدي، اكتشفتُ بعد استيقاظي من القذيفة أن يدي اليمنى خسرتْ خنصرها وبنصرها، أخذوني عبر أنقاض الحارات إلى مستشفى بعيد، قال الطبيب بعد تضميد ثلاثة أرباعي:

ـــ صباح الغد سوف نبتر ساعدك الأيمن. العظم تفتت، جزء من اللحم طارت عنه، أعصاب كثيرة مقطوعة و…

حتى منتصف الليل وأنا أهذي وأتأمل يدي غير قادر على تحريكها:

ــــ إما أن أعيش كلّي أو أموت كلّي.

اقتربتْ الممرضة لتعبث بعامود السيروم، نظرتُ في وجهها، ياااه. حلوة كحارتنا القديمة:

ـــ هل تسمحين لي أن اكتب لك رسالة حب؟ هي أمنية رجل سوف يموت قريباً.

دمعتها بنت مراهقة وعينها شرفة، عجز لسانها عن الرد.

ـــ كتبتُ في حياتي رسائل حب للكثيرات بأسماء الآخرين، أشتهي الآن كتابة رسالة خاصة باسمي.

ـــ لن تموت (قالتْ وهي تمسح على جبيني، ليغني في قلبي قطرميز مكدوس لأمي نسيناه في بيتنا القديم، فحزنتْ لأجله أياماً) مستحيل أن تكتب بيدك أو تحركها.

توسلتُ لها أن تجلب ورقة وقلماً، استجابتْ لملامحي الشاحبة. أدخلتْ بلطف القلم بين أصابعي المضمدة، وتحت يدي بهدوء وضعتْ ورقة، ثم مضتْ.

بيدي اليسرى شبه السليمة، أشعلتُ سيجارة. من الشباك تأملتُ الليل، تأملني الليل ثمَّ ردد لي بصدى مزعج وهو يضحك: سوف تخذلك يدك، أبو رسائل.

أخذتُ آخر نفس من سيجارتي ومن الشباك بأصابعي قذفتُ الليل بها، ثمّ صرختُ بصوت عالٍ: (يالله) وانحنيت.

الكلمة الأولى، تحركتْ يدي اليمنى، أوجاع الأرض تعزف موسيقى غير منسجمة في كلّ جسدي.

دونما إصبعين دخلتُ في السطر الأول، تسعة صبيان يتسلقون على عجل شجرة الأكيدنيا، تسع بنات يسرعن إلى شرفاتهن، كلهم… معاً، يصرخون فيّ: اكتب، اكتب…

دخلتُ في السطر الثاني:  أمي وخلفها عشرات المصلين في جامع في العالم الآخر، يلتفتون إليّ، هي وهم ــ من ورائها ــ بصوت واحد يصرخون فيّ: اكتب، اكتب…

دخلتُ في السطر الثالث، أبي وألف مخمورٍ في حانةٍ في العالم الآخر، وهم يترنحون يرفعون كؤوسهم ويصرخون فيّ: اكتب، اكتب…

دخلتُ في السطر الرابع، أنثى جميلة بثياب بيضاء تضمد ما تبقى من حياتي، تهمس لي: ولا مرّة كتب لي أحدهم، لهذا أنا قبيحة، اجعلني جميلة اكتب، اكتب…

دخلتُ في السطر الخامس، واحد وثلاثون شتاءً في حياتي يصرخون حولي كعواء ذئاب جريحة: اكتب، اكتب…

ودخلتُ في السطر السادس.

الصباح يقتحم الغرفة عبر شباكها، يقترب من يدي وقد نزفتْ كثيراً ثمّ يقبلها، كما يقبل حفيدٌ يد جده.

في نهاية السطر السادس من آخر رسالة حب لي، صار صباحي الأخير حفيداً شرعياً ليدي… ابتسمت.

دخلتْ الممرضة، تأملتني. بكتْ، أخذتْ الرسالة من بين أصابعي لتتأمل في سطورها القليلة، جمالها هي. جثتْ جانب السرير.

دخل الطبيب فأسرع إلى ساعدي، فحصه بسرعة ثمّ صاح مندهشاً:

ـــ حال يده صار أفضل، لم تعد بحاجة إلى بتر.

ـــ مات.

قالتْ له بقهر وهي تخفي دموعها خلف رسالتي.

بعد أن دفنتُ، كثرت الأحاديث همساً حول هذا الطبيب.

قالوا إنه قد جنًّ بسب الحرب وأهوالها، كان يحكي دائماً للجرحى، لمرافقيهم، للممرضين، للأطباء، للجدران، لأعمدة السّيروم: عن جريحٍ يعرفه جيداً، مات كله لكن يده ظلّت على قيد الحياة، ويقسم على هذا.

لا أحد صدّقه، سوى ممرضة وتلك العجوز التي تدخن بملل وتبيع الكعك جانب باب المستشفى، وكلما شاهدت طيفي على شاحنة تمرّ بها، تصرخ:

ـــ يا كلااااب، أعطوني سيجارة.

يوميات سورية: رمضان كريم

يوميات سورية: رمضان كريم

دمشق

في الطريق من صحنايا إلى دمشق أذّن المؤذن معلناً وقت الإفطار، المسافة طويلة رغم خلو الطريق من السيارات والحافلات والعابرين، مشهد اعتيادي أن تقفر الطرقات وقت الإفطار! ما الذي يدفع البشر للانكفاء في بيوتهم وخاصة غير الصائمين؟ أهو انصراف السائقين إلى منازلهم للراحة وتناول الإفطار فحسب؟ أم هو اختلال بالوقت واتساق مع عادات صارت عرفاً قائماً ونافذاً؟ في الحافلة  الوحيدة المهترئة والممتلئة بالركاب العائدين لبيوتهم بعد نهار عمل طويل صائمون أنهكهم العطش والجوع، يمسحون وجوههم ببرَكة الصوم، يصمتون وعيونهم ترنو إلى مطابخ بيوتهم ووجبة اليوم. كان بيدي عبوة ماء فمنحتها لأحدهم، يشرب بضعة قطرات ويسأل (مين صايم يا أخوان؟) وتدور العبوة على أربعة رجال، يد أخرى تمنحهم عبوة أخرى، وتدور المياه في الحلوق اليابسة.

نستفيق على صوت المسحراتي، طبلته غير شجية، تشز عن الإيقاع المختزن في الذاكرة شاب حديث العهد وطارئ على العمل، كمسحراتي  بسروال جينز وقميص نصف كم، تغيب الملابس التقليدية والإيقاع والصوت الرخيم، يغيب الوجه المعروف من أهل الحي. يستفيق الصائمون على رنين جوالاتهم ويصبح حضور المسحراتي مجرد بروتوكول شكلاني لا يضفي على السحور أية قيمة مضافة سوى ارتزاقه من البيوت التي تدفع له ما تجود به جيوبها للحفاظ على نكهة ومظهر من مظاهر شهر رمضان التقليدية، ومنهم من يصل الليل من ما بعد الإفطار حتى السحور لينام بعد الإمساك حتى وقت متأخر من نهار الغد تحايلاً على مشقة الصوم في ظروف الحر في جو صيفي خانق. ومن يصل الإفطار بالسحور هو حتماً خالٍ من العمل ويمتلك رفاهية البقاء في فراشه والاستسلام للنوم العميق والمريح. وهنا يبرز التناقض الحاد بين بشر مجبورين على مباشرة أعمالهم بعد السحور بساعات قليلة، فيستيقظون منهكين ومتعبين للذهاب إلى أعمالهم المضنية لتحصيل الرزق.

في الساحات وعند مواقف الحافلات وعلى قواعد معدنية عملاقة  توضعت عبوات كبيرة تعج بالعصائر المشكلة والملونة، إنها العاشرة صباحاً وثمة من يشتري ويبيع، وثمة من يشرب العصير والماء ويأكل الفطائر والبسكويت والعلكة علناً وفي كل الأوقات ومن كل الأعمار.

رخاوة ظاهرة فيما كان يسمى مراعاة الصائمين وحرمة الشهر الفضيل! لم يعد التعرض لأحد المفطرين باللوم أمراً بسيطاً ومقبولاً ومباركاً، ما معنى مفطر هنا؟ هل هو من لا يصوم عن قناعة ويعلن عدم صيامه؟ أم من يصوم جهاراً ويفطر سراً في محاولة لتجنب التشكيك في إيمانه أو احترامه لدينه وبيئته الاجتماعية؟ أو أن المفطر المدان هو غير مسلم أصلاً؟

غيّرت الحرب في توصيف المؤمن والصادق والجاحد والكافر والمهمل للواجبات الدينية والاجتماعية، باتت الأحكام تدور داخل غرف مغلقة عبر همسات أو انتقادات بصوت خفيض. التصنيفات الظاهرية لم تعد تشغل بال أولي الأمر ورجال الدين لأنها خارج مهمتهم الآن، هم يهللون للأقوى فقط، والصيام من عدمه عملة غير مربحة في زمن الشدة النارية وتآكل المدن ونزوح ولجوء السكان والتهجير الواسع.

يتوحد الخطاب الجمعي في شهر رمضان؟ يقول سائق السرفيس للراكب (عامل حالك صايم وماسك مسبحة وما دفعت الأجرة) وتقول سيدة للفرّان (يعني إذا صايم لازم تشلف الخبزات بوجهنا!). ثمة ترميز عام للأداء البشري، وهن عام وتعب، شفاه متيبسة من العطش، عزوف عن الكلام وردود أفعال عصبية حيال أي تصرف غير مقصود أو حيال أي خلاف ولو على طريقة شراء كيلو من الخضار.

على محطات الإذاعة أغان تقليدية محّورة بكلمات دينية على لحن غير متسق مع الإيقاع الديني، خطب دينية سطحية، حكم فلسفية باهتة عن العطاء والمحبة والوهب وسماحة النفس وسخاء اليد والشيم، وحلقات حوارية تكرر أقوالاً لا تزيد من عدد الصائمين ولا تردع المفطرين، بروتوكول موسمي مكرر، وأكثر ما يزعج المتفرجين هو الدعايات والإعلانات السخية جداً بمناقب أنواع السمن والزيوت والأجبان، إعلانات لترويج أسماء خيم رمضانية ودعوات للتآخي والتكاتف.

تقول أم ياسر: (أهم شي صحن السلطة، فجأة صار سعر ربطة البقلة مية ليرة!)،

ارتفاع شره بأسعار الخضار والفاكهة تصل حدود الضعفين، مواد غير معروفة تواريخ إنتاجها تباع على الأرصفة وفي الأسواق بأوزان قليلة وأسعار تناسب الفقراء، لكن الجودة والسلامة في مهب الريح وعبث المراقبين وطمع التجار.

في المحال التجارية أكوام من أكياس معبأة بإهمال ومن جودة وسط أو ما دونه لتوزع على الفقراء والمحتاجين، يبدو الفقر جلياً في الشهر الكريم، وجبات شحيحة قد لا تتعدى خبزاً وشاياً للسحور، وسكبات مدللة لطبخات مطبوخة بسخاء وعناية من بعض البيوت. ينتظر الكثيرون دعوات الإفطار في رمضان لتعويض النقص الحاد في حصصهم الغذائية من اللحوم والفاكهة والحلويات، دعوات من الأهل والأصدقاء وأرباب العمل أو من الجمعيات الخيرية التي درجت على مد موائد  وقت الإفطار في بضعة أماكن أشهرها الجامع الأموي بدمشق، موائد ممتدة وواسعة للفقراء والمشردين والساكنين في الحدائق العامة والعمال الوحيدين والنساء المهجورات وأطفال الشوارع والمتسولين.

العصائر والتمر الهندي والعرقسوس محضرة مسبقاً ومعبأة في أكياس من النايلون، تروي ظمأ العطاش لكنها غير صحية ولا تخلو من أسباب ممرضة في ظل ارتفاع أثمان العصائر الطبيعية واستسهال تحضير الصناعي ورخص أثمانه.

تعاني الأسواق من تخمة باذخة في المعروض من البضائع وخاصة الطعام، استعراض مُنفر لأكوام  من المنتجات الغذائية يستحيل على الكثيرين شراء حاجتهم الأساسية منها. مع الإشارة إلى أن إحصائيات دقيقة أكدت أنه وخلال شهر رمضان  يزيد الاستهلاك الغذائي ثلاثة أضعاف الحصص المعهودة باقي أيام السنة، مع أن الجائع يحافظ على معدته خاوية ومرهقة من شدة النقص في الاحتياجات الأساسية والمتخمين يرمون الفائض في حاويات القمامة دون التفكير بغيرهم، مجرد توضيبها ومنحها للمحتاجين، مجرد الاقتصاد في شراء وجبات لا تفتح أكياسها ،لاشيء يبدو قابلا للتوزيع في ظل غياب الإرادة ولو بعدالة مؤقتة!

تقول الحكاية أن امرأة أصرت على دعوة صديقة قديمة لها على الإفطار في مصادفة غريبة حيث التقيتا صدفة في عيادة طبيب في الحي الذي تسكنه الداعية، ولما اقترب موعد الإفطار وافقت الصديقة على الدعوة لكن لشرب كأس من الماء وفنجان قهوة فقط، لكن بؤس حال البيت ورائحة المجدرة المقلاة بزيت نباتي رخيص دفعت بالسيدة للاعتذار حتى عن شرب القهوة، والمضحك المبكي أنه لا وجود للقهوة أساساً في ذاك البيت الممتلئ جوعاً وعوزاً.

يقضي أبو عماد جل نهاره وليله في الجامع طيلة شهر رمضان، فالبيت المستأجر خانق في الصيف وعائلته الكبيرة بما فيها أحفاده لا تترك له أية فرصة للاسترخاء والنوم كي يحصل على قسط من الراحة من تعب خلفه الصيام على جسده المريض والنحيل. يقول الجامع مكيف وواسع، يفطرغالباً في الوجبة الجماعية التي توزع أحياناً للزاهدين والمتقربين المتضرعين بإيمان والتزام شديدين، أو على المائدة المفروشة قريباً من وسط دمشق، يزيد من قراءة القرآن ويضاعف الركعات ولا يقطع صلوات التراويح. يقول إنه يشعر بأنه يكاد أن يطير من وداعة الإيمان والتحسب والاتكال على رب العالمين، رمضان بالنسبة له مساحة للاستسلام لسكينة مفقودة ولسلام داخلي مستلب وممزق خارج أوقات الشهر الفضيل كما يسميه.

أعوّل على عبوة الماء التي منحها غير صائم لصائم في بلد أراد الجميع أن يصف الحرب الدائرة فيها بأنها مجرد تنافر طائفي أو مذهبي، أعوّل على شبع مؤقت وجلسة طبيعية أمام مائدة طبيعية برفقة بشر يجمعهم الجوع في بلد خمسة وثمانون بالمئة من أهلها على حدود خط الفقر أو دونه بدرجات، أعوّل على احترام رمضان كشهر للسكينة والتعمق بتقبل الآخر وبث روحية التسامح و المشاركة، أعوّل على أن تبقى طقوس رمضان الإنسانية طقوساً ثقافية أصيلة في مجتمع متنوع ومتعدد.

حينها سيجود رمضان بخيراته ويصبح كريماً كما هو مكرس في الوجدان العميق للسوريين البسطاء والأنقياء، الصادقين والمؤمنين، عندها يليق بنا أن يكون رمضان شهر للاحتفال…

كتاب كان اسمه سوريا

كتاب كان اسمه سوريا

لطالما سَرَقَتنا الكتب، وسلب حضورها عقولنا وقلوبنا، تقودنا أقدامنا بخفةٍ ونشوةٍ إليها أينما كانت. نترقب معارضها، نمُشّط الشوارع والأرصفةَ بحثاً عن عرباتٍ وبسطاتٍ فُرِدَت لأجلها، لنفتّش فيها عن عناوين فريدة بنهمِ ظمآنٍ يبحثُ عن نبعِ ماء، أو طامحٍ يبحث عن كنز ثمين، فنصطاد الكنوز النفيسة لنغني مكتباتنا العطشى للاتساع.

الكتبُ زاد حياتنا، ذخيرتنا المعرفية والهدية الأجمل التي نزهو بها، ونُدهش كأطفالٍ صغار بمجرد لمسها. ننفق على شرائها جُلَ ما في جيوبنا المهترئة، حتّى لو لم يبقَ لدينا ما يسد رمق الجوع، وكثيراً ما نقترضُ المال لشراءِ كتبٍ تفرح بها مكتباتنا، التي كلّما اتّسعت اتّسعنا، وكلّما ازدحمت بالعناوينِ والأغلفةِ شَعرنا بالثراء والاكتمال، كيف لا وهي قوتنا، وبيوتنا الحميمة؟، نبنيها كمن يبني برجاً فريداً من المعاني، نغازلها وننادمها، نصونها كأمٍ حنون، ندللها كعاشقةٍ توزِّع علينا الحب والسعادة والجمال.  

ولأنَّ الحربَ لا تعبأ بعاشقةٍ أو أمّ، ببيتٍ أو حضنٍ دافئ، ولأنها لا تعبأ بعشقنا لكتبنا وشغفنا بها، لم ترأف بأيّ معنىً من معاني حياتنا، ولم تكتفِ بمجازرها بحقّنا نحن البشر، بل عاثت دماراً وهتكاً بكتبنا، بتاريخها وحكاياتها، بتفاصيلنا معها وعلاقتنا المتأصلة بها. كُتبنا التي أضاءت قلوبنا وأرواحنا والتي وهبتنا أجنحةً لنحلِّق إلى عوالم شاسعة وملونة، لم نتمكن من إنقاذها أو رد الجميل لها، إذ تحوّلت، ككلِّ شيءٍ جميل، إلى فريسةٍ سهلة لوحش الحرب، ولاقت مصير أصحابها وقُرائها.

كتبٌ سرقها الحصار والموت

لم يلق الحصار بلعناته على البشر فحسب، بل أطبق خناق سجنه على روح المكان وكل نبضٍ يقبع فيه، فكانت الكتب إحدى معتقليه المعذبين والمغيّبين قسراً. حوصرَت مع أصحابها، خافت ونزفت مثلهم، وفي مفارقاتٍ كثيرة كانت أقل حظاً منهم، فبينما تمكن بعضهم من النجاة بقيت هي قيد حصارها تنتظر فرجاً للحاق بأهلها الّذين ما زالوا حتى اليوم يبكونها بلوعة وحسرة من يبكي ابناً قتلته الحرب.

منذ سنوات نزح (حسام) من إحدى مناطق الصراع الساخنة، تاركاً خلفه مكتبةً ضخمة، حفرت في قلبه جرحاً عميقاً يتحدث عنه بمرارة: ” كنت أجمع كتبي كمن يجمع قطع آثارٍ نادرة، وكانت مكتبتي تكبر يوماً بعد يوم، كانت ملاذي الآمن، ورفيقتي التي تعينني على أهوال الحرب، تبثّ الحياةَ فيَّ كلما اشتدّ الموت، وتفتح لي آفاقاً للأمل والأحلام. عند خروجي حملتُ معي خمسةً من كتبي التي لا أستغني عنها، لكن عناصر الحاجز صادروها… أذكر فيما مضى أنّني وأصدقائي كنا نرفض إعارة أي كتابٍ من كتبنا لأننا سنشتاقه إذا ما ابتعد، ونخشى فقده، وكأن أيّ فراغٍ في رفوف المكتبة سيحدث فراغاً في الرّوح، فتخيل أن تفقد جميع كتبك دفعةً واحدة لتتركها تحت رحمةِ الحرب وأذرعها؟!. صدِّقني إن هذا لمأساةٌ حقيقية، لن يشعر بها إلا من كان مغرماً ومتيماً بالكتب.”

مكتباتٌ عريقةٌ كانت تحتفي بمئات العناوين الفريدة والنفيسة، تناقلتها الأجيال عبر عشرات السنين، هي ليست مكتباتٌ بقدر ماهي نسغٌ وذاكرةٌ وتاريخ حافل بملامح الآباء والأجداد. تلك المكتبات لم يشفع السلاح لها ولم يكترث لأصالتها، وبكل وحشية ودمٍ بارد أحالها رماداً وأثراً بعد عين.

كتبٌ عاملها أسيادُ الحرب كعدوٍّ، ثأروا منها كما يفعلونُ مع كلِّ من يشكّل تحدياً لهم، لسلطاتِهم واستبدادهم، لسياطِهم وكراسيهم، فعاقبوها وأُعدموها، حرقاً وتمزيقاً، نيابةً عن أصحابها، فهي التي علَّمتهم الوقوف في وجه الظلم والاستبداد وهي من جعلتهم يبصرون نور الحق والعدالة. وفي حالاتٍ أخرى أحرقت بعض الفصائل المسلحة المتطرفة فيضاً من الكتبِ الثّمينة، بحجة أنها بِدعٌ وخرافات تلهي من يقرأها عن ذكر الله، فالثقافة بنظر أولئك شركٌ وخطيئة، كما أجبرت البعض على حرق كتبه بنفسه ليتجنب الحساب والعقاب.

(محمد) نازحٌ آخرٌ، نجى من الموت بأعجوبة، يروي بعضاً من حكايته: ” كنت شاهداً على مئات الكتب التي ماتت تحت أنقاض البيوت. نعم، الكتب تموت كما البشر والشجر والحيوانات. حاولنا إنقاذ الكثير منها من بين الركام علَّها تحيا من جديد، لكن معظم من نجى منها لم يُكتب له البقاء، فماتت بطرقٍ أخرى… في ظروف الحصار القاهرة قد تضطر أحيانا أن تضحي بأغلى ما لديك لتنجو من شبح الموت. لقد أجبَرَنا الجوع على استخدام مئات الكتب كوقودٍ لطهو طعامنا البائس الذي كنا نحصل عليه بشق الأنفس، أما وحش البرد فأجبرنا على استخدامها كبديلٍ لحطب التدفئة بعد أن صارت أغلب الأشجار حولنا في خبرِ كان. في البداية كنا نضحي بالكتب الأقل قيمة وأهمية، ولكن مع الوقت صرنا نقدم أضحية أكبر، فَنُطعِم النار كتباً ثمينةً من الأدب والعلوم والتاريخ، لتعود علينا بشيء من الفائدة، فالحرب التي لم تشبع من لحم البشر توحّشت لتلتهم ذاكرتهم وثقافتهم ومنابع فكرهم.”

كتب رهن الإقامة الجبرية

أسيرة الصناديق، حبيسة المستودعات، تجثم في حضرة الغبار وشِباك العنكبوت في انتظار مصيرٍ ما، هجرها أصحابها مرغمين وتقطَّعت سُبل اللقاء بها أو التواصل معها. ترى هل ستلتقي بهم يوماً ما؟

كثيرٌ من السوريّين أودعوا كتبهم كأماناتٍ عند أصدقائهم أو معارفهم ليحافظوا عليها من التلف وليبقوها تحت الرعاية والعناية المشددة، بعد أن غادروا بلادهم هرباً من بطش الحرب والموت، وهي اليوم لاتزال قابعةً في بيوتٍ لا تعرفها، مصلوبة على الرفوف، تكابد عناء الفقد، في مكتباتٍ غريبةٍ عنها.

في مدينة جرمانا قبوٌ تحول إلى ذاكرةٍ مصغَّرة للسوريين، وربما يتحول مع الزمن إلى متحف. في جولتي داخل هذا القبو، كنت كمن يسير في تلافيف ذاكرةٍ ما، ذاكرة البلاد.

كتبٌ مخزَّنة في كراتين مغلقة بعناية، تحمل أسماءً ما، مكتباتٌ تحتفي رفوفها بعشرات العناوين، غُطَيت بستائر القماش والنايلون لحمايتها من الغبار وعواصف الزمن، بضع لوحاتٍ متراصفة هنا وهناك لرسامين رحلوا عنها، أشياء مبعثرة في كل ركنٍ، تفوح منها أسماء وروائح أشخاصٍ ما.

يروي لي صاحب القبو شيئاً من حكايته مع هذه الكتب “هذه الكتب هي رائحة الأصدقاء الذين غادروا البلاد، هي صوتهم ونبضهم وحضورهم، أراهم من خلالها. بعضها تُرك كأماناتٍ، وأخرى قمنا بنقلها من بعض البيوت المستأجرة التي هجرها ساكنوها قبل أن يسعفهم وقت سفرهم المفاجئ لجمع أشيائهم وذكرياتهم… كتبٌ كثيرة جمعناها من أماكن متفرقة، بطلبٍ من ذويها، ليتم حفظها في مكانٍ آمن، هم مخلصون لكتبهم حتى وإن ابتعدوا عنها. لقد أصبح هذا المستودع حارساً أميناً لتاريخ الأصدقاء، إذ يحمي مئات الكتب ويدافع عن بقائها، حتى أصبحنا نسميه “مستودع الذكريات.”

في السنوات الماضية أصبح منزلي يعجُّ بمثل تلك الودائع، كتب موزّعة هنا وهناك، بعضها خصصت له ركناً في مكتبتي، والآخر يغفو في الأدراج أو تحت السرير. أتذكر ماضي تلك الكتب، لقد كانت إكسير الحياة لدى أصحابها، كانت سنداً وحضناً لهم وروحاً تلوِّن منازلهم، كانت لسانهم وعيونهم، ولكن عند الرحيل ضاقت أحمالهم عن حمل أخفّها وزّناً… إنَّ عيشي جنباً إلى جنب مع هذه الكتب بات يؤرقني ويجعلني في كلِ لحظةٍ أعيشُ الحاضرَ والماضي معاً، فهي حوَّلت منزلي إلى مسرحٍ مزدحمٍ بالأحبّة وذكرياتهم. ومنزلي هذا ليس استثناء، فكلّ منازل أصدقائي في دمشق أصبحت مأوى لمئات الكتب التي نجت من بطش الحرب لتعيش على أمل البقاء.”

بين الضياع والنهب

كتب أضاعها أصحابها، أعاروها فيما مضى، وأنساهم ضجيج الحرب أن يسترجعوها، وأخرى  كانت تعيش في منازل مشتركة يسكنها مجموعة من الأصدقاء، لكل صديق كتبه الخاصة، وفي غيابهم أضاعت هوية أصحابها بعد اختلاطها ببعضها أثناء جمعها ومن ثم اختلاطها بأخرى خلال تنقلها من منزلٍ إلى آخر في رحلة بحثها عن مكان آمن، أما من مات أصحابها فقد بقيت في أماكن شتاتها كذكرى مؤلمة أو ككتبٍ مجهولة النسب والانتماء.

لقد أصبح اقتفاء أثر الكتب الضائعة حدثاً بارزاً في سنوات الحرب، فلا عجب أن تجد أصدقاء غادروا البلاد منذ سنوات، يسألون أصدقاءهم في سوريا عن مصير كتبهم ويوصونهم بالبحث عنها، طلباً لحياةٍ كانت لهم يوماً ما.

كتب خُطِفت، اعتقلت واغتصبت، نُهبت وضاعت كتاريخ كثيرٍ من السوريين. نهبٌ أشبه بسرقة الأوكسجين، بسرقةِ خيالك وأحلامك وأعضاءِ جسدك. مكتباتٌ حوَّلها تجار ومجرمو الحرب إلى أطلال، لتباع محتوياتها في أسواقهم التي باعت البشر قبل ممتلكاتهم، أو لتحنَّط في بيوتهم التي أصبحت تزدان بمئات الكتب النفيسة المنتقاة بعناية لصٍ محترف. كتبٌ بأغلفةٍ ملفتة وطباعةٍ فاخرة لم يُنظر إلى مضمونها ومحتواها الفكري، يفاخر الناهبون بعظمتها ويمتدحون هيبة حضورها في مكتباتهم التي تشبه الزنازين، دون أن يتذكروا أنها سُرقت بقوة السلاح من بيوتٍ ثكلى سطي عليها للانتقام من أصحابها والاستيلاء على ذاكرة حياتهم. والأكثر إيلاماً أن أولئك اللصوص مجرمي الثقافة لا يقرأون ولا يغنون الثقافة، بل يتعاملون مع الكتاب كمجرد أثاثٍ فاخر.

قد نجد الجرح الأكثر نزفاً في أسواق (التعفيش)، حيث تتكدّس أكوامٌ من الكتب بين البرادات والغسالات وأثاث المنازل. مشهدٌ دراميٌ لو رصدته كاميرات السينما لحصدت عشرات الأفلام. هنا ” تُعَفَّش” الذاكرة والأفكار والأحلام، هل فكر اللصوص بتاريخ وحكايات تلك الكتب؟ بالطبع لا، وبالطبع لا يعرفون قيمتها الفكرية والمعنوية والإنسانية، هي فقط غنيمةٌ أخرى بين (غنائم) الحرب، ومصدرٌ إضافيٌّ للحصول على الأموال.

ثمة رواياتٌ كثيرة عن أشخاصٍ وجدوا كتبهم، مسبيّة في أسواق التعفيش، لتقع المفاجأة في قلوبهم كوقع الطعنة السّامّة، طعنةٌ لن يزولَ أثرها مهما طال الزمن.

كتب مسجاة على الأرصفة

التّشرّد الذي طال حياة نسبةً كبيرةً من السوريين، طال حياةَ كتبهم أيضاً، فأينما التفتّ ستراها مسجَّاة على الأرصفة والبسطات. لو تفحصت صفحاتها ستقرأ تاريخاً كاملاً عن حياةٍ مضت. عباراتٌ لوِّنت بحبرٍ فارق، خُط بجانبها بضع كلماتٍ تشرح معنىً ما، سطورٌ وضع تحتها خطوط  للدلالة على فقرةٍ مميزة. صفحاتٌ تطل منها وجوه قرائها، تتعرف إليهم من العلامات الفارقة التي خلفوها على الأوراق… لمسات حبرهم، رائحة عطرهم… أثر ريقهم وعرقهم ، بقع شايهم وقهوتهم. حكاياتُ شخوصٍ عبروا تاركينَ أدقَّ تفاصيلهم الشخصية بين السطور.

على أحد أرصفة  دمشق التقيت ببائع كتب مستعملة، رفض ذكر اسمه، حدَّثني عن مصادر تلك الكتب: “في السنوات الماضية اشترينا مكتبات بأكملها من أشخاصٍ كثيرين، بأسعارٍ بسيطة. نشتري المكتبة بأكملها دون النظر إلى عناوين كتبها، لذا تحسب كسعر جملة. كثيرون باعوا مكتباتهم الشخصية بداعي السفر، أو الفقر والعوز، أو نتيجة نزوحهم لمناطق أخرى. كتب كثيرة اشتريناها من مكتباتٍ عامة أو دور نشر أُغلقت بعد إفلاسها أو هجرة أصحابها.”  

يضيف البائع: “بشكلٍ شبه يومي، يحضر الكثيرون إلينا ليبيعوا ما يملكونه أو ما يمكنهم الاستغناء عنه من الكتب. البعض يحضرون بصحبة كتبٍ لا يعلمون شيئاً عن مصدرها ولا يعرفون فحواها أو قيمتها، أعرف ذلك من ملامحهم ومن طريقة تعاملهم معها وكأنها خردة. قد تكون كتباً منهوبة أو مباعة من ضمن أثاث المنازل المشتراة، أو كانت منسية في أماكن هجرها سكانها.”

في زيارة أخرى للبائع رأيته يجادل شاباً يحمل حقيبة تحوي كتباً بأحجامٍ مختلفة، وبعد مفاوضات طويلة، اشتراها من الشاب بثلاثة آلاف ليرة. استوقفني المشهد، شعرت وكأن الشاب يبيع قطعةً منه، فسألته عن سبب البيع. أجاب بألم وحرقة: ” توقفت عن العمل منذ فترة، ومنذ أسبوع دفعت إيجار المنزل فخسرت كل ما أملك، ومن حينها وأنا أستدين من أصدقائي ما تيسر من نقود. اليوم أفقت وجيوبي خاوية، فأجبرت مكرهاً على بيع تلك الكتب لأشتري طعاماً وسجائر. هذه ثالث مناسبة أبيع فيها شيئاً من كتبي، الحاجة كافرةٌ يا صديقي وحين تجوع بحقّ تكتشف أن الثقافة لا تبقيك على قيد الحياة.”

بين النزوح ودروب السفر

حين نزح (أبو عدي) من الغوطة، أنقذ مع عائلته عشرة كتب، اصطحبها معه كفردٍ من أفراد العائلة.  تلك الكتب، كعائلته، مكثت معه لأيامٍ في الحدائق، تشردت واستُخدمت كوسائد للنوم، ثم رافقته إلى مركز الايواء في منطقة الزاهرة، ومن ثم إلى مراكز ايواءٍ أخرى، وهي اليوم تعيش معه في شقة (على العظم) لتشاطره البرد والرطوبة وغيرهما.  

منذ عامٍ وكتب (ديمة) مهملةٌ في سجنها المؤقت، في انتظار محطةٍ ما، فهي لا تعرف حتى الآن إن كانت ستسافر أو ستبقى، حالها حال الكثير من سوريي الداخل، لذا لم تتحرر لتستقر في مكتبة، بل بقيت على أهبة الرحيل إلى أن تعرف وجهتها الأخيرة.  

تلك الكتب عاشت سلسلة لا منتهية من النزوح، فمنذ ستة أعوام نزحت مع (ديمة) من مدينة قدسيا إلى مدينة جرمانا، وبعد مسلسل التفجيرات والقذائف في المدينة انتقلت ديمة الى قريتها بصحبة عائلتها الورقية تلك. وفي العام 2015 عادت الى دمشق بنفس الحمولة، التي عبرت الحواجز وتم تفتيشها والتعامل معها بريبة والنظر إلى حاملتها بسخرية: “لماذا تكلف نفسها مشقة نقل هذه السخافات؟” استقرت في دمشق لعامين متنقلة بين بيوت عدة كانت تستأجرها، ثم جاء موعد سفرها إلى لبنان، فنقلت كتبها الى منزل أهلها، لتبقى حتى اليوم على حالها منتظرة استقراراً ما، هل ستنقل الى منزل أخيها ليحفظها في مكتبته، هل ستبقى في مكانها؟ هل سترسل إلى لبنان؟

ثمة كتب سافرت مع أصحابها الذين تحملوا تكاليف نقلها لكي تبقى معهم، أو لحقت بهم بعد أشهر أو سنوات، لم يتحملوا فكرة الابتعاد عنها، فطارت إليهم عبر مكاتب الشحن وحقائب بعض المسافرين. هناك كتب تعيش على أمل لم شملها بأحبائها، ليس في الأمر أحجية، فبعض البشر يتوقون لعناق كتبهم كتوقهم لعناق أحبتهم وذويهم. تلك كتبٌ حالفها الحظ، لكن الأخير لم يحالف كتباً أخرى تاهت وماتت في المنافي، غرقت في البحر مع حامليها أو قدموها كقرابين له ليرأف بحالهم ويمنحهم النجاة. كتبٌ تغرَّبت في لبنان وتركيا وبلدان أخرى، بعد هجرة أصحابها، من دونها، نحو مجهولٍ جديد، فكُتِبَ لها أن تبقى أسيرة منفاها أو أن تعود وحيدةً إلى وطنها الأم.

أتذكر صديقتي “عاشقة الكتب”، حين غادرت لبنان نحو أوروبا منذ عامين، أرسلت لي خمسة عشر كتاباً لأحتفظ بهم “كأمانة غالية”، وأوصتني بالعناية بهم وحمايتهم كما لو أنها توصيني بأبنائها.

لطالما كانت تلك الصديقة صلة وصلٍ بين بعض الكتب وأصحابها وجسراً لعبورها نحوهم، إذ قامت بنقل العشرات منها من دمشق إلى بيروت، خلال سفرها بين العاصمتين، وكانت الكتب المنقولة تشغل الحيّز الأكبر من حِمل حقائبها. حِملٌ جميلٌ تنقله بفرحٍ وحب، ليلتم شمل الكتب مع أصحابها المبعدين عنها.

كانت تقول دائماً “الكتب ليست مجرد أوراق خرساء أو مصدر للثقافة والاكتشاف والمتعة فقط، بل هي كائنات حية لها قلبٌ وروحٌ ومشاعر، فهي تحزن وتنزف إذا ما فارقت أصحابها.” اليوم أنظر إلى كتبها الحاضرة أمامي وأتذكر ما قالت، وأشردُ بعيداً…

ترى ما مستقبل هذه الكتب؟ هل ستحتضنُ أحبتها يوماً ما؟ وهل ستحيا إلى ذلك الحين؟ أم ستلقى مصير كتابٍ نعيش الآن خارج سطوره؟ كتابٌ كان اسمهُ سوريا.

سوريا في أسبوع، ٢١ أيار

سوريا في أسبوع، ٢١ أيار

روسيا باقية
١٦ أيار/مايو

قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ١٦ مايو/أيار، إن سفنا عسكرية روسية مزودة بصواريخ كاليبر الموجهة ستكون في حالة تأهب دائم في البحر المتوسط للتصدي لما وصفه بـ “التهديد الإرهابي” في سوريا.

ويظهر نشر الصواريخ كيف تعزز روسيا وجودها العسكري في الشرق الأوسط منذ تدخلها في سوريا في ٢٠١٥ لتقلب موازين الحرب لصالح حليفها الرئيس بشار الأسد.

وقال بوتين إن السفن الحربية المسلحة بصواريخ كاليبر ستكون وحدها في حالة تأهب دائم، وليس الغواصات. وأعلن بوتين عن نشر السفن المزودة بالصواريخ في كلمة أمام القيادة العسكرية العليا خلال اجتماع في مدينة سوتشي المطلة على البحر الأسود. وقال إن نشر السفن جاء نتيجة “التهديد الإرهابي الذي لا يزال قائما في سوريا”. وتملك روسيا بالفعل قاعدة بحرية دائمة في طرطوس على الساحل السوري، وقاعدة جوية في حميميم.

شظايا “الانفجار” السوري
١٦ أيار/مايو

حذر ستيفان دي ميستورا، مبعوث الأمم  المتحدة إلى سوريا من أن التوترات في البلد لا تزال مرتفعة بسبب “المواجهات الدولية” على الأرض. وحذر دي ميستورا، خلال اطلاع مجلس الأمن الدولي على الوضع في  سوريا ، من أن التوتر في العلاقات بين إسرائيل وإيران يمثل “مسارا مضطربا للمواجهات الدولية المتكررة والمكثفة أكثر من أي وقت مضى.”

وتبادلت إسرائيل وإيران ضربات صاروخية في مرتفعات الجولان في الأسبوع  الماضي، مما أثار المخاوف من اندلاع صراع أوسع في سوريا.

وقال دي مستورا إنه يشعر بالتشجيع جراء الجولة التاسعة من المحادثات في أستانة  التي انعقدت الاثنين مع مفاوضين من إيران وروسيا وتركيا وهي الدول الثلاث التي ترعى ما يسمى عملية أستانة.

وأضاف أنه يتم الآن اتباع “دبلوماسية حذرة ولكن استباقية” وهذا أمر مطلوب لإحياء العملية السياسية وخفض التصعيد في القتال. وانتهت تركيا من نشر نقاط المراقبة الـ ١٢ في ادلب بين حلب واللاذقية وحماة في شمال غربي سوريا بموجب عملية آستانة.

“حزب الله” ينسحب
١٧ أيار/مايو

انسحبت قوات تابعة لموالين للجيش السوري الخميس من نقاط لها في منطقة الحاضر جنوب حلب.

وقال مصدر في المعارضة السورية لوكالة الأنباء الألمانية إن “رتلا عسكريا يقدر بحوالي ٢٥ آلية ترفع أغلبها أعلام حزب الله اللبناني بينها ناقلات تحمل دبابات انسحبت صباح الخميس من بلدة الحاضر/ ٢٢ كلم جنوب مدينة حلب/ واتجهت إلى مواقع جبل عزان الذي يسيطر عليها الحرس الثوري الإيراني.”

وأكد المصدر أن “انسحاب مقاتلي حزب الله اللبناني وعناصر من القوات الحكومية جاء بضغط من القوات الروسية التي تريد إنشاء نقاط مراقبة في المنطقة، بعد نشر الجيش التركي نقاط مراقبة في منطقة تلة العيس بريف حلب الجنوبي.”

وتعرضت القوات الإيرانية في جبل عزان لقصف صاروخي يعتقد أنه من طائرات التحالف أو إسرائيلية نهاية الشهر الماضي.

بوتين والأسد
١٧ أيار/مايو

اعتبر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وحليفه السوري بشار الأسد، خلال لقاء نادر الخميس في روسيا، أن الوقت حان لتسريع العملية السياسية للانتقال الى اعادة الاعمار وسحب القوات الاجنبية المنخرطة في سوريا.

وهذا اللقاء هو الأول بين الرئيس الروسي ونظيره السوري منذ اللقاء المقتضب في كانون الاول/ديسمبر في القاعدة الروسية في حميميم بسوريا والذي اعلن بوتين على أثره سحب جزء من الوحدات العسكرية الروسية الموجودة في البلاد.

وكان الزعيمان التقيا أيضا في تشرين الثاني/نوفمبر في سوتشي البلدة الساحلية على البحر الأسود في جنوب غرب روسيا حيث يمتلك الرئيس الروسي منزلا. وكما حصل في تشرين الثاني/نوفمبر، عقد اجتماع الخميس بشكل سري. وبث التلفزيون الروسي مساء الخميس مقتطفات قصيرة من اللقاء بين الرجلين اللذين شددا على النجاحات العسكرية للنظام السوري المدعوم من الجيش الروسي.

ويبدو ان هذا الاجتماع يعزز موقف الاسد، قبل لقاء بوتين المستشارة الالمانية انغيلا ميركل والرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الأسبوع المقبل.

وهنأ بوتين الرئيس السوري على “نجاحات جيش الحكومة السورية في مكافحة الجماعات الإرهابية” ما أتاح “تهيئة ظروف جديدة لاستئناف العملية السياسية على نطاق واسع” بحسب بيان صادر عن الكرملين.

والتدخل العسكري الروسي في سوريا الذي بدأ في ايلول/سبتمبر ٢٠١٥ سمح للجيش السوري باستعادة غالبية الأراضي.

وتابع الرئيس الروسي أنه “مع بدء المرحلة النشطة من العملية السياسية، ستنسحب القوات المسلحة الأجنبية من الأراضي السورية”، من دون أن يحدد هوية تلك القوات. واضاف بوتين ان “المهمة التالية تكمن بالتأكيد في إنعاش الاقتصاد وتقديم المساعدات الانسانية.”

وأوضح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ان القوات الروسية موجودة في سوريا بناء على طلب الحكومة الشرعية وستبقى طالما تطلبت الحاجة.

انفجارات غامضة في حماة
١٨ أيار/مايو

هزّت انفجارات ضخمة الجمعة مطار حماة العسكري في وسط سوريا لم تُعرف أسبابها بعد، وفق ما أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان.

وقال مدير المرصد رامي عبد الرحمن إن الانفجارات وقعت “في مستودعات أسلحة ووقود لقوات النظام في المطار” قرب مدينة حماة. وأورد المرصد أنه “لم ترد معلومات إلى الآن عن أسباب الانفجارات”، مشيراً إلى أنها “تسببت بتصاعد أعمدة الدخان في محيط وأطراف مدينة حماة.”

وأفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) عن “سماع دوي انفجارات في محيط مطار حماة” من دون إضافة أي تفاصيل.

خلال الأسابيع الماضية، استهدفت إسرائيل مرات عدة مواقع عسكرية في سورية كان آخرها ليلة التاسع والعاشر من أيار/مايو، حيث أعلنت إسرائيل قصف عشرات الأهداف “الإيرانية” رداً على هجوم صاروخي قالت أيضاً أنه “إيراني” على الجولان المحتل.

ومنذ ٢٠١١، قصفت اسرائيل مرارا أهدافاً عسكرية للجيش السوري أو أخرى لحزب الله في سوريا، لكن الاستهداف طال مؤخراً مواقع يتواجد فيها إيرانيون.

ابتزاز روسي!
١٨ أيار/مايو

ذكرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أن حكومتها ترى أنه يتعين على روسيا استخدام نفوذها لمنع مصادرة حقوق اللاجئين في سورية.

بحثت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الجمعة في لقاء استمر ساعة واحدة بمدينة سوتشي على البحر الأسود ما يسمى المرسوم رقم عشرة الذي أصدرته الحكومة السورية.

وينص المرسوم على أن السوريين الذين لا يسجلون أنفسهم خلال عدة أسابيع في مواطنهم بالداخل سيفقدون عقاراتهم داخل الأراضي السورية، ووصفت ميركل هذا المرسوم بأنه “سيكون عائقا كبيرا للعودة” في إشارة إلى اللاجئين السوريين في ألمانيا.

ناشد الحزب الديمقراطي الحر حكومة ميركل عدم الخضوع لابتزازات بوتين بخصوص قضية اللاجئين السوريين وإعادة إعمار البلاد.

وقال بيجان جيرساراي مسؤول الشؤون الخارجية بجناح الحزب لصحيفة “بيلد” الألمانية إن على ألمانيا أن لا تشارك إلا في إعادة إعمار سورية، حين ينتهي العنف فيها، ويتم التوصل إلى خطة سلام دائمة لمستقبلها.

وحذر جيرساراي الحكومة الألمانية قائلا: “لا ينبغي أن تخضع ألمانيا لإملاءات وابتزازات بوتين في كيفية تشكيل إعادة إعمار سورية بعد الحرب”، مؤكدا أن ألمانيا “لا يصح أن تعيد بناء المدن السورية التي دمرتها روسيا بلا قيد أو شرط.”

سوريا الأسوأ في التاريخ
١٨ مايو/أيار

قال مسؤول بالأمم المتحدة االجمعة إن الأزمة الإنسانية في سوريا هذا العام أسوأ منها في أي وقت سابق منذ بدء الحرب قبل نحو سبع سنوات.

قال بانوس مومتزيس منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في أزمة سوريا في بيروت “نلاحظ في ٢٠١٨ أن الوضع الإنساني داخل سوريا هو الأسوأ منذ بدء الحرب: تدهور مأساوي للغاية، ونزوح واسع النطاق، وعدم اكتراث بحماية المدنيين وما زالت حياة الناس تقلب رأسا على عقب.”

وذكر أن سوريا هي أسوأ مكان في التاريخ الحديث فيما يتعلق بالهجمات على موظفي ومنشآت الرعاية الصحية، حيث تمثل نحو ٧٠ بالمئة من إجمالي تلك الهجمات في أرجاء العالم.

وذكر المنسق أن بيانات الأمم المتحدة تظهر مقتل ٨٩ موظفا بالرعاية الصحية في ٩٢ هجوما عسكريا مؤكدا على منشآت صحية في الفترة بين الأول من يناير كانون الثاني والرابع من مايو/أيار، وذلك مقارنة مع مقتل ٧٣ في ١١٢ هجوما في عام ٢٠١٧ بأكمله.

بين “النظام والتنظيم”
٢٠ أيار/مايو

أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بإجلاء مجموعة من مقاتلي “داعش” من آخر جيب للمعارضة قرب العاصمة دمشق اليوم الأحد في انسحاب سيعيد للدولة سيطرتها على المنطقة.

ولم تذكر وسائل الإعلام الرسمية السورية شيئا عن اتفاق للسماح للمتشددين بمغادرة الجيب الذي يقع في محيط مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين. ونقل الإعلام الرسمي عن مصدر عسكري سوري نفيه أمس السبت التوصل لأي اتفاق.

و باستعادة جيب اليرموك تكون الحكومة السورية قد سحقت آخر جيب محاصر للمعارضة في غرب سوريا وإن ظلت بعض قطاعات الأراضي على الحدود مع تركيا والعراق والأردن خارج نطاق سيطرتها.

وقال المرصد إن حافلات دخلت الجيب بعد منتصف الليل لنقل المقاتلين وأسرهم. وغادرت الحافلات باتجاه منطقة البادية ذات الكثافة السكانية المنخفضة والتي تقع إلى الشرق من العاصمة.

خلاف موسكو ودمشق على “مناطق النفوذ” في سوريا

خلاف موسكو ودمشق على “مناطق النفوذ” في سوريا

ما أن انتهت قوات الحكومة السورية بدعم من الجيش الروسي من معارك وتسويات الغوطة الشرقية وريف حمص، حتى بدأ السؤال يتصاعد في موسكو من جهة وطهران ودمشق من جهة أخرى، عن المرحلة المقبلة ومستقبل مناطق النفوذ الخارجي الثلاث الباقية: جنوب غربي سوريا، شمال غربي سوريا، شمال شرقي سوريا.

أما في برلين وباريس وعواصم أخرى، فكان السؤال، يتناول كيفية تحريك العملية السياسية ومستقبل مساري جنيف وآستانة وإمكانية الإفادة من تجربة مينسك للحل الأوكراني باجتراح «مينسك سوري».

الاعتقاد في برلين وباريس ودول أخرى، أن الأمر لم يعد يتعلق بالسوريين، نظاماً ومعارضة. بل بات يتعلق باللعبة الكبرى. لذلك؛ فإن إحدى القضايا التي حملتها المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في سوتشي أمس، هو الإفادة من خصوصية العلاقة الألمانية – الروسية، وإطلاق مجموعة عمل جديدة خاصة بسوريا، مشابهة لمجموعة مينسك، بحيث تضم روسيا، وأميركا، وألمانيا، وفرنسا. ولا شك أن الرئيس الفرنسي مانويل كامرون سيحمل الفكرة ذاتها إلى بوتين في 25 الشهر الحالي، خصوصاً بعدما فشل اقتراح فرنسي سابق بتأسيس «مجموعة اتصال».

الاقتراح الألماني الجديد هو بين اقتراحات أخرى، كان بينها الجمع بين مجموعة آستانة التي تضم روسيا وإيران وتركيا من جهة ومجموعة الدول الخمس ذاتها التفكير المماثل، أميركا، وفرنسا، وبريطانيا، والسعودية، والأردن التي انضمت إليها لاحقاً ألمانيا.

العقبة أمام هذا الاقتراح، هو رفض واشنطن الجلوس على طاولة مع الجانب الإيراني خصوصاً بعد قرار الرئيس دونالد ترمب الانسحاب من الاتفاق النووي. أما ألمانيا، فإنها تحمل بعض المقترحات لتجاوز هذه العقدة. لكن جهوداً كبيراً مطلوبة لذلك، خصوصاً إذا أضيفت العقبات القائمة بين روسيا وأميركا حالياً.

هذه العقبات زادت في الأيام الأخيرة؛ إذ إن واشنطن رفضت حضور اجتماع آستانة الأخير. كما أن الجانب الأميركي لا يزال يفضل مفاوضات جنيف وإن كان لا يبذل الرأسمال السياسي الكافي لتحريكه.

موسكو من جهتها تسير في مسار آستانة، وباتت أنقرة تدعمها في ذلك وتفضله على مفاوضات جنيف وتنفيذ القرار 2254. لذلك، فإن إحدى نتائج اجتماع آستانة الأخير كان الاتفاق على عقد الاجتماع المقبل في سوتشي في يوليو(تموز) المقبل لبحث الملف السياسي، مع أن عملية استانة كانت مخصصة للبعد العسكري وإجراءات بناء الثقة فقط.

لكن العقدة أمام موسكو، كانت في إقناع دمشق على السير في المسار السياسي لسوتشي، أي تشكيل لجنة دستورية من قبل المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا. وكان لافتاً، أن الأمر تطلب لقاءً بين الرئيس فلاديمير بوتين والرئيس بشار الأسد الذي وافق على إرسال قائمة من مرشحين إلى اللجنة الدستورية لـ«تعديل» الدستور الحالي، مع تجنب ذكر مفاوضات جنيف.

ولم يكن هذا الخلاف الوحيد بين موسكو من جهة وطهران ودمشق من جهة أخرى؛ ذلك أن الخلاف الآخر الذي استدعى لقاء بوتين والأسد، يتعلق بمرحلة ما بعد الغوطة. بحسب المعلومات، فإن موسكو تفضل التزام «هدنة الجنوب» مع أميركا والأردن. وكان وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي بحث مع نظيره الروسي سيرغي لافروف «ترتيبات» معينة لجنوب سوريا، تتعلق بفتح معبر نصيب الحدودي وتجنب العمل العسكري وتحييد السلاح الثقيل وانسحاب ميلشيات إيران إلى مسافات متفق عليها تصل إلى 25 كيلومتراً من الحدود ومحاربة فصائل «الجيش الحر» تنظيمي «جبهة النصرة» و«جيش خالد» التابع لـ«داعش». ويعتقد الجانب الروسي بإمكانية الوصول إلى «ترتيبات» مقبولة من الأردن وإسرائيل وأميركا تسمح بانتشار الجيش السوري من دون معارك.

لكن طهران تدفع دمشق للذهاب عسكرياً إلى جنوب غربي سوريا والسيطرة عليها، وهما تعتقدان بأن لديهما «إمكانية الردع العسكري» لإسرائيل في حال تصاعدت المواجهات في الجنوب؛ ما يعتبره الجانب الروسي «مغامرة فيها الكثير من المخاطر»، قد يستغلها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتصعيد عسكري لـ«تصفية الحساب ومنع أي موطئ قدم إيراني في سوريا».

حماسة طهران ودمشق إزاء العمل العسكري في إدلب التي تضم 2.3 مليون شخص، نصفهم من النازحين، بات أقل بعد اجتماع آستانة الأخير الذي بارك نشر الجيش التركي 12 نقطة مراقبة كان بعضها بين إدلب، وحماة، واللاذقية، وحلب؛ ما يعني قبول تولي تركيا «عزل» إدلب وحل مشكلة الأجانب في «هيئة تحرير الشام» وغيرها، الذين يقدرون بعشرة آلاف من أصل 60 ألف عنصر.

أما المنطقة الثالثة في شمال شرقي سوريا، فإنها خاضعة أكثر للمزاج الروسي – الأميركي وتطور العلاقات بينهما، خصوصاً أنها المنطقة الوحيدة التي يقوم نوع من التعاون بين البلدين وسط توترات في مناطق أخرى. لكن، طهران ودمشق تدفعان رويداً رويداً في جعل الإقامة الأميركية والفرنسية شرق نهر الفرات وفي معسكر التنف مرهقة ومكلفة، إضافة إلى توفيرها ذخيرة للخطاب السياسي السوري الذي يتضمن «مقاومة الاحتلال» ورفض قبول أي قوات أجنبية غير شرعية. وهذا العنصر وافق عليه الرئيس بوتين عندما طالب خلال لقائه الأسد أول من أمس بانسحاب جميع القوات الأجنبية من سوريا، الموجودة من دون موافقة دمشق.

A Syrian Game of Thrones: Infotainment and New York Times’ Spectacular Coverage

A Syrian Game of Thrones: Infotainment and New York Times’ Spectacular Coverage

If infotainment, a portmanteau of information and entertainment, is indeed a twenty-first century phenomenon, then one must wonder whether the Syrian war’s world coverage, best championed by the New York Times, follows the rules of good reporting or good storytelling. If the ascendency of Game of Thrones and other high-concept shows has informed us on anything about our televisual consumption habits, it is that the Netflix Generation loves the spectacle. Expensive. Fast-paced. Full of action. How could old people watch excruciatingly-slow silent movies? With our decreasing attention spans, it is no wonder that our entertainment needs leak over our news consumption. This need for sensationalism that is worth one’s time is problematic, especially with regards to Syria, whose conflict must be solved, contrary to television shows, in as few episodes as possible. My findings, based on a reflective look into the ‘catchiest’ New York Times’ articles about Syria since 2011, reveal an obsession with the spectacle, with the incredible and the extraordinary, all traits true to the infotainment theory. I have ended up with four kinds of spectacles that the New York Times has, wittingly or not, tapped into in their coverage of Syria’s own theatre of war, whether it is the spectacle of plot-twisting alliances in the conflict, the thrilling debates it inspires, its elements of suspense and need for cliffhangers, and finally, its cathartic apocalyptic depictions. Is not the latest episode of Syria perfect before watching The Walking Dead or Westworld, our favorite post-apocalyptic shows?

Spectacle of Politics and Alliances

“Whom Is Fighting Whom in Syria” asked the New York Times in September 2015 in the headline of their piece. Besides applauding them for the wonderful chiasmus of the title, which, if Syria was indeed a coded novel, would be enthusiastically seen to equate whom with whom, and fighting with Syria, it is the presentation of the article’s content that catches the eye the most. Similar to the way that the first minute of a television show is often dedicated to reminding viewers of previous highlights, the New York Times reserves one block for each country involved in the conflict (United States, Russia, Iran, Turkey, etc.), with three identical labels underneath each country’s name; Backs: x, Opposes: y, How It Is Fighting: z. Thus, the article becomes an attempt to sketch out the various superpowers involved in the conflict, and it is interesting to see the omission of a final label, Why It Is Fighting. An extra note about the diverging interests around Syria, which can logically be deemed as driving forces of the conflict, is cut out. Perhaps not intentionally, but at least conveniently to also add paragraphs about other countries less involved in the conflict, such as Saudi Arabia, Qatar, France, and the United Kingdom. The emphasis in the article becomes precisely this obsession with producing an exciting trailer of some kind, which, because there is only so much it can portray of the full picture, restricts itself to introducing the audience to as many colorful characters as possible, rather than explaining why these characters are at odds. Number becomes important here, with the age-old rule of ‘the more, the merrier’ perfectly applying. Also, what is up with calling the Syrian President “Mr. Assad” nine times in the article? Perhaps a title next to his name adds something to his characterization in the story. Too bad he is not a Count or a Lord.

Spectacle of Debate

Besides depicting Syria as a battleground for all the lords of our ring, the New York Times has successfully caught their readers’ attention by focusing a significant amount of their coverage on the moral crisis and need for intervention that the conflict must inspire in them. These articles, judging from my collection, can be piled into two categories: indirect incitement based on what external parties are saying, with articles titled “Syria Is Using Chemical Weapons Again, Rescue Workers Say,”U.N. Finds ‘Deliberate’ Destruction of Hospitals in Syria,” “51 U.S. Diplomats Urge Strikes Against Assad in Syria” or direct incitement based on what the media itself seems to be saying, with articles titled “Is an Attack on Syria Justified? – Room for Debate,” “5 Reasons to Intervene in Syria Now” or straight-to-the-point one “Bomb Syria, Even If It’s Illegal.” Though the former category’s conservative headline could be regarded as more dangerous than the latter’s zeal precisely because of its suspicious conservatism (since the most dangerous propaganda is the one that does not seem like propaganda), my emphasis in this article about spectacle guides my reflection toward the titles directly inciting us to act. Indeed, “Is an Attack on Syria Justified? – Room for Debate” is interesting because it appears to be a forum for debate, which assesses both the pros and cons of intervening. Yet the wording of the question, which is not a neutral “Is an Attack on Syria Justified or Unjustified?” somehow answers the question itself, with the standalone word “Justified” standing out the most in the title. It is no surprise that the one-sided debate morphed in the next article with the title “5 Reasons to Intervene in Syria,” which could be perfectly read along with other articles like “Five Reasons to Love Personal Progress,” “Five Reasons to Avoid Going Gluten-Free” or “Five Reasons To Wash Hands” – these are suggestions Google has given me to complete a “Five Reason To” phrase. Exaggerations aside, one cannot dismiss the use of a “Five Reason To” format that the New York Times has chosen to use to discuss an intervention in Syria that would cause wreckage and collateral damage. It is not used to echo the similarly-worded titles mentioned previously but it does not either distance itself from them. For readership numbers’ sake, the New York Times would rather blend into your timeline and slide smoothly down regardless of your knowledge or impression of Syria. The last thing the media wants you to do is to mark its would-be disturbing “Why Don’t You Care About Syria?” titles as spam, forever lost in the merciless mechanisms of Facebook’s algorithms.

Spectacle of Suspense

The sensational titles and articles I have explored all feed from our desire with memorable catchphrases (bomb Syria!) and interesting plotlines (Saudi Arabia and Israel versus Iran? The enemy of my enemy is your friend?) but it is truly the suspense linking all their articles that create a much bigger impact to their readers. Evidently, the multiple alliances in the conflict and their diverging interests leave room for perhaps television fans’ favorite hobby after an episode’s cliffhanger – speculation. Indeed, from titles such as “CIA Said to Aid in Steering Arms to Syrian Rebels” to “In Shift, Saudis Are Said to Arm Rebels in Syria” one can notice the use of the word said, used usually for hearsay and gossip tabloids. Its use in a context of conflict becomes evidently more dangerous, especially since a giant media outlet like the New York Times has the means to either find confirmation for their claims or reject them altogether. But their choice to cover them nevertheless could be less about their brave attempt to blow the whistle on the subject matter and perhaps more embedded in the exciting nature of the uncertain. CIA agents with silencers in their suits deployed to Syria? Of course this is exciting. What the New York Times here does successfully is not understanding the conflict itself but understanding the spectators of the conflict, tapping into our own fetishes and fantasies, our own history of our imagination of covert missions so often used in the Cold War, and the Hollywood movies about the Cold War. Cold war references are not the only tools used to strike our imagination as readers that remember history. Articles such as “Syrian Rebels Tied to Al Qaeda Play Key Role in War” or “U.N. Links North Korea to Syria’s Chemical Weapons Program” tap even quicker into our collective imaginary, now zealously revisiting a post-9/11 climate and hearing once again another reckless US president drawing for us the axis of evil, sailing from North Korea to Iran and now Syria. It is these past sensational imagery and speeches that the New York Times, willingly or unwittingly, taps into when it restricts its coverage of Syria to its broader, more spectacular context and the connotations that such a context leaves upon us, consciously or not. One would argue that it is important for the New York Times to cover such ‘coincidentally’ sensational aspects of the conflict. Are the CIA really in Syria? Is Al Qaeda Still Present? Of course, but there is something to say about the choices that the New York Times makes in its limited possible coverage time of Syria. When it merely dwells upon the spectacular side of such covert activities, rather than condemning them all together, one begins to wonder whether the New York Times becomes excited in the discovery of who is inflicting harm rather than becoming appalled by the harm itself. We are once again dictated by the laws of television shows and their suspenseful cliffhangers. Suppose the episode ends with a crime. If the victim is a secondary character or an extra, will you even think twice about them? No, because finding out the murderer’s identity is more exciting – so exciting that you will engage your friends on Twitter about it, and get more and more people excited to watch the show… or read the news.

Spectacle of Apocalypse

Plot-twisting rivalries, tough dilemmas, suspenseful plotline… all necessary ingredients for an exciting show. The one missing ingredient, though, is perhaps a classic ingredient – classic in the sense of the true classics, the Ancient Greeks. The true delight of Oedipus Rex, for example, is the sight of Oedipus rushing to his own demise in his search for King Laos’ murderer – the audience knows in advance that he is himself the murderer. It is this unfolding of an impending tragedy, looming apocalypse, that we have been obsessed to find in every story we read or watch. The stakes must be high or else why bother? A whole kingdom or passionate love affair must be at risk. We need to be at once taught to love our characters and hate to lose them, love how bad events are unfolding and hate if no happy ending magically rises in the end, preferably at the last rolling minute.

We definitely see this key ingredient of successful storytelling in the coverage of Syria by the New York Times. Article titles such as “Syria’s Crumbling Pluralism” in 2012 or “Fractured Lands: How the Arab World Came Apart” in 2016 both link this idea of apocalypse with a reader’s existing idea of tragedy with regards to the Middle East as a whole: New York Times’ articles contribute to an association between our imaginary of the Middle East from other conflicts with the special case of Syria. This idea of a region doomed to an apocalyptic fate is best exemplified in one of the most dramatic New York Times’ titles: “Syria Is Iraq.” We are back to the famous chiasmus, but what this does here is not only equate Syria’s condition in the second decade of the twenty-first century with Iraq’s state in its first decade, but the headline also draws its power from all the connotations associated with Iraq: destruction, mayhem, apocalypse. Interestingly, this article is dated from 2012, before the explosion of the conflict. How to deem current affairs? By this point, you know who can word things best. I leave you with a final one from 2018. “For 8 Days, Syria Felt More Like World War III.”

Syria. This word, which a decade ago, at most connoted delicious food, now has a different meaning. Complicated. Devastating. Apocalyptic. The change of what Syria means to us is driven by the exciting plotline we have been spoon-fed since 2011, a plot about festive and beloved emperors eyeing that coveted province, a plot about the use of a hidden arsenal to change the turn of events, a plot about secrets and mysterious agents crossing borders, a plot about apocalypse. But what the plot is not, and cannot be about, is dead people. Because dead people cannot act. Because dead people cannot speak. Who else will be moving on our screens? Who else has to take action? Definitely not us. We are spectators after all.