تدريباتنا

سوريا الجديدة والحضور النسائي في المشهد الوطني والسياسي العام 

بواسطة | أغسطس 19, 2026

مع انطلاق الثورة السورية عام 2011، شاركت آلاف النساء في الحراك الثوري، والنشاط الإغاثي والسياسي والإعلامي، وقَدَّمن كثير من المبادرات الإنسانية والسياسية والوطنية الفاعلة والمؤثِّرة، كما شَغِلن مناصب قيادية في كثيرٍ من الأجسام والتشكيلات السياسية. ورغم حجم الأدوار والتضحيات الكبيرة التي قدّمنها خلال الثورة والحرب، ورغم أهمية وضرورة حضورهن في مرحلة ما بعد سقوط الأسد، التي تحتاج لإعادة إصلاح وترميم المنظومة الإجتماعية والمدنية التي تأثَّرت بظروف الحرب ومظاهر العسكرة وانتشار السلاح، يتم إقصاؤهن، بشكلٍ يكاد يكون مُمنهجاً، عن مراكز صنع القرار، والمناصب الوطنية القيادية الفاعلة، وعن أي شراكةٍ حقيقية في مواقع التأثير، كما يتم تَهميشهنَّ سياسياً وإجتماعياً، بشكلٍ يَغَفل حجم عطائهن ومدى تأثيرهن الكبير في بناء المجتمع، في مشهدٍ بات يراه كثيرون أنه يُرسّخ  ثقافة السلطة الذكورية، ويُثير الكثير من القلق والمخاوف حول واقع النساء في سوريا مستقبلاً.  

غياب عن المناصب القيادية ومراكز صنع القرار 

بحسب مؤشر تمثيل النساء السوريات، خلال الرُبع الأول من العام الحالي، والذي يعتمد على القرارات والمراسيم الرسمية والتعيينات الإدارية المركزية والمحلية، يبدو واضحاً حجم الغياب الكبير للنساء عن المناصب العُليا في مؤسسة الرئاسة والوزارات السيادية ومراكز صنع القرار، فمن أصل 437 موقع مسؤولية، يوجد فقط 28 امرأة مُقابل 409 رجل، فيما لم تَشغل النساء سوى أربعة مناصب (وزيرة وثلاث معاونات وزراء) من أصل 87 منصباً في الحكومة، أي ما نسبته 4،60 %، ولم يتجاوز حضورهن في المؤسسات والمديريات والهيئات المركزية نسبة 2،94% ، وغالباً ما ينحصر حضورهن في مواقع تتعلق بشؤون التعليم والأسرة والمجتمع، ويرتبط بالأدوار الاجتماعية التقليدية للمرأة، التي تحاول إبعادها عن مواقع النفوذ والتأثير. 

 ويتركز حضور النساء غالباً في مؤسسات ومديريات ذات طابع خدمي واجتماعي، مثل التربية والشؤون الاجتماعية والعمل، فيما يغيب حضورهن بشكلٍ تام عن رئاسة الهيئات الوطنية الجديدة، ومنصب المُحافظ، ورئاسة مجالس المدن، ورئاسة النقابات المركزية، وحتى رئاسة الجامعات الحكومية، وتنحصر مناصبهنَّ في مجالاتٍ محددة، مثل: عضوات مكاتب تنفيذية، ومديرات في بعض القطاعات الاجتماعية وبعض المجالس والنقابات الفرعية. وقد بلغت نسبة تمثيل النساء في الإدارة المحلية والمديريات الرئيسية 5،23 % فقط، وهي نسبة تعكس محدودية مشاركتهن في مواقع صنع القرارات المحلية، حيث ينحصر حضورهن ضمن المكاتب التنفيذية لأربع محافظاتٍ فقط، فيما يغيب عن معظم المديريات المرتبطة بالقطاعات الأمنية والاقتصادية والسيادية الأكثر تأثيراً على مستوى الإدارة المحلية، وكل ما يتعلق برسم السياسات العامة للدولة.   

وبحسب المؤشر، بلغت  نسبة تمثيل النساء في النقابات 9،2 %، وهي تُشكِّل أعلى تمثيلٍ نسائي، ورغم ذلك بَقيت المواقع القيادية حكراً على الرجال، إذ لم تصل النساء إلى أي مناصب عُليا، ولم يترأسن أي نقابةٍ حتى ولو كانت فرعية، ليقتصر حضورهن على عضوية المكاتب التنفيذية والمجالس النقابية، وذلك على الرغم من التوازن العددي بين الجنسين داخل أغلب النقابات، كما أن تمثيلهن المحدود في النقابات لم يأتِ نتيجة عملياتٍ انتخابية ضمن إطار القوانين النقابية، وإنما جاء ضمن التعيينات التي أقرتها الحكومة، وهو ما رآه البعض تهميشاً ممنهجاً من قِبلها بحق النساء. 

وبالنظر إلى تلك الأرقام يبدو واضحاً حجم  تدني نسبة تمثيل النساء مقابل الرجال في سوريا، وهي نسبة تبتعد كثيراً عن معدل الكتلة الحرجة التي تتبناها الأمم المتحدة، والتي أقرَّت بأن نسبة تمثيل النساء يجب أن تصل، في الحد الأدنى، إلى 30 %، وصولاً للمساواة الكاملة مستقبلاً.  

النساء والتمثيل البرلماني  

مع إعادة تشكيل وهيكلة مجلس الشعب، في مرحلة ما بعد سقوط الأسد، لم تُشكّل نسبة تمثيل النساء في المجلس سوى  10.63% فمن أصل 210 عضواً، هناك 22 امرأة فقط، وذلك على الرغم من أن النظام الانتخابي المؤقت لمجلس الشعب قد حدّد نسبة لا تقل عن 20% لتمثيل المرأة في الهيئات الانتخابية. وبما أن آلية انتقاء الأعضاء لم تكن عبر صناديق الانتخابات، فبالتالي لم يكن هناك حالة تنافسية بين المُرشحين تُعبِّر بشكلٍ حقيقي عن صوت وتطلعات الشعب، إذ تم اختيار ثلثي الأعضاء (140 عضواَ) عبر الهيئات الناخبة المُعيَّنة من قبل الرئيس أحمد الشرع، والتي اختارت سبع نساء فقط، فيما اختير الثلث الباقي (70 عضواً) من قبل الرئيس بشكلٍ مباشر، ومن بينهم 15 امرأة. وقد بدا واضحاً أن معظم النساء المُعينات في المجلس، إما مقرباتٍ من السلطة، أو يحملن توجُّهاً سياسياً وفكرياً مُتقارباً، يتقاطع بشكلٍ أو بآخر مع نهجها وسياستها، وهو ما جعل التمثيل النسائي البرلماني، القليل أصلاً، لا يُحاكي تنوع المجتمع السوري، ولا يُمثِّل مختلف شرائحه ومكوناته، على اختلاف توجهاتها الفكرية والثقافية والسياسية. 

ومع تراجع نسبة المشاركة البرلمانية للنساء، احتلت سوريا المرتبة 162 عالمياً، لتصبح ضمن قائمة آخر عشر دول في العالم تُسجّل أدنى نسبة تمثيل للمرأة في البرلمان،  وهي نسبة لم تصل حتى إلى النسبة (20%) التي اقترحها النظام الانتخابي لمجلس الشعب.   

 الخطاب الإقصائي في الإعلام والمشهد العام

من خلال متابعة وسائل الإعلام الرسمية سيُلاحظ تغّييب النساء بشكلٍ واضح عن المشهد الإعلامي، فعلى سبيل المثال، خلال إطلاق الحملة الترويجية لقناة “الإخبارية السورية”، ورغم وجود إعلامياتٍ ومُذيعات ضمن فريق القناة، التي يُفترض أنها تُمثِّل صوت جميع السوريات والسوريين، كان واضحاً حجم تهميشهن وعدم إظهارهن في المراكز والمواقع الأساسية للقناة، مُقابل التركيز الكبير على الإعلاميين الذكور وإبرازهم بأبهى صورهم وحضورهم الإعلامي، سواء في  الفيديوهات المُصورة من داخل الاستديوهات أو التي صَوَّرت زيارة وفدٍ من الناشطين والإعلاميين للإطلاع على مُجريات العمل قبل إطلاق القناة. وخلال لقاء للرئيس الشرع مع عدد من الإعلاميين والناشطين وما يُسمى بـ”المؤثرين” و”صُناع المحتوى” كان واضحاً من الصورة التي التُقِطت خلال اللقاء، حجم الغياب الكبير للنساء، إذ لم يظهر فيها سوى امرأة واحدة مقابل عشرات الرجال. 

وفي مثالٍ آخر، وخلال نشر البوستر الإعلاني  لمؤتمر تطوير طب حديثي الولادة، الذي نظمته نقابة أطباء سوريا/ فرع حماة، وبينما وُضعت الصور الشخصية للأطباء الرجال على البوستر، ظهرت صور الطبيبات المشاركات في المؤتمر بطريقةٍ كرتونية بدلاً من وضع صورهن الشخصية، وهو ما أثار موجة من الجدل والاستنكار على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ رأى كثيرون أن ذلك السلوك يُمثل انتقاصاً من قيمة الطبيبات. 

ومن الأمثلة الأخرى التي تُكرّس ثقافة الخطاب الإقصائي، صدور عددٍ من القرارات التمييزية الغريبة التي تتناقض مع أبسط قواعد العدالة والمساواة بين الجنسين في الأماكن العامة وبيئات العمل، كقرار فصل النساء عن الرجال في ساحة الجامع الأموي، وقرار مدير مستشفى المواساة، الذي يقضي بجلوس الطبيبات وجميع العاملات في المستشفى في القسم الخلفي للباصات المُخصصة لنقل الموظفين، فيما يجلس الأطباء والموظفين الذكور في الجزء الأمامي. 

 ويرى كثيرون من مُتابعي الإعلام الرسمي أنه يحاول إبراز الرجال وحدهم في صدارة المشهد، ويُرسِّخهم في مواقع السلطة والمبادرة، مقابل دفع النساء إلى الهامش، حتى ولو كنّ حاضرات بالفعل في كثيرٍ من المجالات. كما أن ارتفاع سقف الخطاب السياسي، الذي يتبنى مبادئ “الشرعية الثورية” وشعار “من يُحرّر يقرر”، بات يُكرِّس، عن قصدٍ أو دون قصد، تهميش النساء وإقصاءهن عن الفضاء العام، ويجعل أدوارهنّ محدودةً، وفي أحسن الأحوال يُمكن الاستعانة بحضورهن فقط عند الحاجة إلى تلميع  صورة النظام الحالي أمام المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان.  

وتحاول اليوم بعض الخطابات الشعبوية الإقصائية المواربة، التي انتشرت في كثيرٍ من المجتمعات السورية، إعادة تعريف دور النساء، بما ينسجم مع إيديولوجياتها الدينية والسلطوية، عَبر نشر أفكارٍ تتعلق بتبعية المرأة للرجل، وتكريس صور النساء فقط في الأدوار الرعائية، وإظهارهن كأمهاتٍ وزوجاتٍ وأخواتٍ للرجال، وإظهار كثير من الأدوار النسائية على أنها مُخلّة بالآداب العامة وتُشكِّل خطراً على المرأة، وهو ما نشر حالة من الخوف بين النساء الراغبات بالمشاركة في الشأن العام، وخاصة في بعض الأرياف والمجتمعات المُحافظة.   

اللجوء إلى مواقع التواصل الإجتماعي 

في ظل ما تتعرض له النساء من إقصاء عن مواقع التأثير والفضاء العام، ومن تضييقٍ على المشاركة في الحياة السياسية، لجأت الكثيرات منهن إلى منصات مواقع التواصل الاجتماعي، لعلهن يجدن فيها مساحة للتعبير عن آرائهن وللدفاع عن مواقفهن وإثبات وجودهنّ في الميدان السياسي والفضاء العام بأي طريقة، لكنّ تلك المساحة  ضاقت بوجه الكثيرات منهن أيضاً، بعد أن تحول النقد والتعبير عن الرأي إلى فعلٍ محفوف بالمخاطر، حيث تعرض عدد من الناشطات والصحافيات لحملات مُنظمة من التشهير والتحريض، بهدف إخراس أصواتهنّ وإبعادهن عن الميدان السياسي بأي  ثمن، وهو ما أجبر بعضهن، خاصة بعد تعرضهن إلى تهديدات وشتائم ذات طابع جنسي، على حذف منشوراتهن التي تنتقد الحكومة  وتتحدث عن السياسة وتهميش النساء، وذلك  في ظل غياب أية مؤسساتٍ قانونية يمكنهن اللجوء إليها، وغياب الأحزاب السياسية الذي يُبقي تأثيرهن وفعاليتهن السياسية محدودة ومُشتتة.

تحتاج البلاد اليوم، وبصورة مستعجلة، إلى إعادة الاعتبار للمرأة، بوصفها شريكة فاعلة ومؤثِّرة في بناء سوريا الجديدة، ويُشكِّل تمثيلها وحضورها الفاعل جوهر عملية التحول الديمقراطي المنشود، وهو ما يحتاج إلى إعادة هيكلة لجميع المنظومات السياسية والثقافية والقانونية بطريقةٍ ناجعة تضمن مشاركة متكافئة لكلا الجنسين، وتمنح المرأة تمثيلاً حقيقياً ومُستداماً في المجتمع، وجميع المؤسسات والمجالس ومواقع القرار، كما ينبغي أن تكون تلك المشاركة ليست مُجرد استجابة للضغوط الدولية أو محاولة لإظهار خطابٍ مُعاصر يُلمّع صورة السلطة، وإنما استجابة طبيعية للدور التاريخي للمرأة، وطنياً وإجتماعياً وإنسانياً، وإيماناً راسخاً بأن إعادة بناء البلاد تتطلب طاقات وعقول جميع أبنائها، من كلا الجنسين. 

مواضيع ذات صلة

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات...

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

مواضيع أخرى

من يملك الفضاء العام؟ الثقافة السورية في زمن الخوارزميات

من يملك الفضاء العام؟ الثقافة السورية في زمن الخوارزميات

جلست في مقرّ شبكة (مدنيّة- MADANIY) في بيت فارحي، الكائن في حي الأمين الدمشقي، أتأمل الشعار اللفظي (السلوجان) الذي تبنته: «مدنيّة في سوريا... نستعيد بلدنا، فضاءاتنا، وأحقيتنا السّياسية»، وعلى الفور رحت أفكر، بعد أن أصبح الكلام ممكناً: من يصل صوته إلى المجال العام؟ ومن...

قبرص تعيد ترتيب الوجود السوري: حماية أقل وعودة أكثر

قبرص تعيد ترتيب الوجود السوري: حماية أقل وعودة أكثر

تواجه قبرص تحديات خطيرة في المرحلة الأخيرة من مسار انضمامها المحتمل إلى منطقة شنغن؛ أبرزها الأمن القومي، والطاقة، والهجرة، والصراع المفتوح في الشرق الأوسط". بهذه الكلمات يختصر دبلوماسي رفيع المشهد الذي تتحرك فيه الدولة القبرصية، وهي تراقب، من موقعها في أقصى شرق...

انتهت الحرب بسوريا لكنّ غودو لم يعد بعدْ

انتهت الحرب بسوريا لكنّ غودو لم يعد بعدْ

في مسرحية "في انتظار غودو"، لا يقع الحدث الذي ينتظره الجميع. يمضي النهار، وتتكرر الحوارات، ويغادر الأمل ثم يعود، لكنّ غودو لا يأتي. لم يكتب "صمويل بيكيت" مسرحيته عن الحرب، بل عن الانتظار؛ عن تلكَ اللحظة التي يتحول فيها انتظارُ الغد من حالة مؤقتة إلى أسلوب حياة....

تدريباتنا