بعد مرور أكثر من عامٍ على تولي الحكومة الجديدة شؤون الدولة، شهدت البلاد...
تدريباتنا
ورشة تدريب صالون سوريا
أجرى فريق #صالون_سوريا، دورة تدريبية عن الانواع الاعلامية والصحافة الحساسة...
ترصد رواية الدوار الجنوبي للكاتب السوري مفيد عيسى أحمد الصادرة عن محترف أوكسجين للنشر 2025 فترة زمنية مهمة من تاريخ البلاد، تم طمس وتغييب أحداث على أعلى المستويات جرت خلالها، وتلخص الصراع داخل السلطة، الذي انتهى بطريقة غامضة وفق مساومات غير معلنة، تمخضت عن رحيل المعلم وتفكيك فرقته العسكرية بشكل نهائي.
يجري ذلك في خلفية الرواية فالكاتب لا يخوض في تفاصيله لكنه يضع القارئ في المناخ العام لتلك الفترة حيث نرى قوة المعلم العسكرية ونفوذه ونمو صلاته الواسعة وصولاً إلى حدث مبهم انتهى برحيله، يعكس ذلك طبيعة النظام الشمولي القائم وطريقته في الادارة السياسية للبلاد التي رآها كمزرعة، وأدوات السيطرة التي استخدمها للتلاعب بالمكونات الاجتماعية سواء بالشراكة الاقتصادية أو بالقوة العسكرية أو باستثماره للذاكرة الجمعية والبنية النفسية لفئات محددة.
ينطلق مفيد عيسى أحمد من قصر المعلم ويوميات العاملين فيه ليسلط الضوء على طبيعة المجتمع السوري في تلك الفترة والواقع الاجتماعي والاقتصادي للبلاد، بدءاً من هجرة الريف إلى المدينة والتي كان جوهرها الحاجة الاقتصادية، التي دفعت بالكثيرين للانتساب إلى قوات المعلم سعياً للحصول على الراتب والحماية أمام الإحساس بالغربة واللا انتماء في المدينة الكبيرة، أو للعمل في التهريب وغيرها من أعمال عشوائية على هامش الاقتصاد والمدنية.
وينتقل إلى قلب المدينة وعالمها الاجتماعي والاقتصادي، لنرى كيف نمت العلاقة بين تجارها والسلطة وتزاوج رأس المال مع متنفذي النظام، ولعل هذا ما أطال عمر النظام ومنحه قوة التلاعب بهندسة بنية المجتمع السوري وفق مصالحه واحتفاظه بسدة الحكم.
تأخذ الرواية عنوانها ( الدوّار الجنوبي) من خط سير حافلة عامة تعبر دمشق بمسار حيوي دائري، يطلق الكاتب عليها اسم (حافلة سورية)، وتصبح حركتها مجازاً لحركة المجتمع وحياة المدينة، من القاع الذي نشأ على أطراف العاصمة خليطاً من الفقر والتهريب والعنف الكامن أو المرئي ممثلاً برجال التهريب ورجال المعلم وسلاحهم، متابعاً التحولات السريعة للمجتمع السوري التي رافقها توافد أبناء الريف للدراسة والعمل سواء من الساحل أو أكراد الشمال والجزيرة، ونشوء المناطق المستحدثة دون تخطيط على أطراف العاصمة لاستيعاب النمو السكاني الحاصل كالمزة 86 وغيرها.
تصبح دمشق ليس فقط التاريخ والأحياء القديمة والعراقة، بل وأحياء مستحدثة تتمدد أفقياً بشكل عشوائي وتضخ الكثافة السكانية، بما تحمله من عبء حاجات خدمية متزايدة على المدينة.
في ظل تنامي قوة العسكر وسلطته المطلقة، كان المعلم نموذجاً للرجل الذي لا يرد له أمر إلا بالموت، ينقل لنا الكاتب ما يدور خلف الأسوار فيخبرنا عن قصر المعلم والحفلات الصاخبة التي تقام فيه، راسماً صورة المعلم وحركاته وانفعالاته وشخصيته متعددة المواهب فهو شاعر وكاتب أغاني، يعمل في قصره كثيرون للسهر على راحته وعلى استمرار كل ما يريد وفق ما يريد دون أي خطأ، فحين تتعطل المولدة يجب إصلاحها قبل أن يشعر المعلم وعائلته بالانقطاع وإلا فثمن غضبه كبير.
يقدم الكاتب شخصياته بلسان الراوي العليم، وإذ يخبرنا عن حياتها وعلاقتها مع المحيط ومنبتها ومسيرتها، يقوم بالتسلل إلى عمق بنيتها السيكولوجية وأزماتها النفسية، ورصد انفعالاتها وطريقة تعبيرها وتأثرها بالمناخ العام، فمع ظهور شخصيات متنفذة (المعلم) تحلق حولها أتباع استفادوا من سلطتها المطلقة والحظوة التي منحها لهم مجرد الانتماء لرجال المعلم، لفرض سطوتهم على العامة وانتهوا بانتهائها.
دخل رجال المعلم إلى سوق التهريب وتكسبوا فارضين وجودهم لكنهم حافظوا على العلاقة الجيدة مع رجال السوق لحاجتهم لهم. انسجموا مع طبيعة القوة والعنف ولم تنج من تسلطهم حتى مؤسسات الدولة، إذ صار العنف لغة لفرض الوجود، وحل كل الأمور بالقوة، فهي وسيلة لا تحتاج بذل أي جهد، مثل عساف الذي كان يطلق النار على أي شيء، فبدل إطفاء اللمبة كان يطلق عليها رصاصة!
يعيد الكاتب العنف والعنجهية والسطوة التي يتصرفون بها إلى تناقضهم النفسي وتمزقهم بين طبيعة حياتهم البسيطة ومنبتهم الريفي الذي أورثهم الشعور بالدونية وبين واقع القوة والسلطة العنيف والتي صاروا يعيشون في ظلها كأتباع لا صوت لهم.
لكن هناك من كانوا بعد انتهاء دوامهم يعودون لطبيعتهم خجولين وطيبين وقد خرجوا من دائرة السطوة وثقلها.
يتابع الكاتب رصد القاع ، حيث إلى جانب سوق التهريب، بيت الدعارة ومديرته الجوجانية التي سخرت جسدها لإغواء الفحل وهو رجل من رجال المعلم المقربين وانتهى بتلميح لمشاركته بعملية اغتيال كبرى كان المعلم قد رتبها وانتهت بالفشل فكانت نهاية الفحل وأسطورة المعلم معاً.
يفكك مفيد عيسى أحمد العلاقات الاجتماعية، التي تركها نظام العسكر في شكل بدائي قائم على أساس المجتمع التراحمي، ولم ترتق إلى علاقات المواطنة سواء في علاقتها مع الدولة أو على مستوى الفرد ضمن المكونات الاجتماعية ومع بعضها، ولهذا لم تندثر تلك الصور النمطية لكل منها عند الآخر، بل دفع النظام لبقائها في توزيع على مستوى البلاد ضمن حُسن العلاقة (العسكر لكم والاقتصاد لنا)، وإلى هذا يعود رفض تجار المدينة علناً لوجود أبناء الساحل وعملهم في السوق أو تملكهم ولو بسطة وهو الإرث الذي حمله الطرفان من أيام السلطة العثمانية إذ بقي العلويون محط سخرية أبناء المدن طوال قرون، و بقي النظر إليهم كروافض وزنادقة، بينما بقي تاريخ الرفض حاضراً في ذاكرة العلويين يستحضره كبار السن بذاكرة مشبعة بالخوف وحكايات الاضطهاد وألمهم الخاص، فيسمون المختلف عنهم غريباً، لكن الجيل الشاب كان أقدر على النسيان، وحاول البحث عن روابط جديدة ومكان يضع قدمه فيه في هذا العالم المزدحم والمتحرك، متكئاً على أفكار تتماشى معه حول حقيقة النسبية في المجتمع فليس من طائفة جيدة كلها بالمطلق ولا من أخرى سيئة بالمطلق، والفقراء من كل الطوائف لهم آلام واحدة.
اصطدم الشاب رامي الطالب الجامعي حين عمل عند تاجر دمشقي للحصول على مورد مادي يساعده على إكمال دراسته في العاصمة، برفض تجار السوق دخوله لمجتمعهم رغم أنه أثبت إخلاصه لعمله وحسن أخلاقه، إلى أن فرض وجوده التاجر الأكبر شأناً في السوق. كان رامي واعياً التقط كل ملاحظة وحاول إتقان عمله فنجح وحاول الانخراط بالمجتمع الجديد بتوطيد العلاقات ودفع التهم المسبقة والصورة النمطية عن بيئته دون أن يفقد خصوصيته.
ينتقل رامي يومياً بين الجامعة والحميدية إلى سكنه في حي شعبي، بين حاضرة المدينة وقاعها ليصور الكاتب ذلك التناقض بين عالمين في مدينة واحدة. وحيث يبدأ الريفي القادم إلى المدينة بمحاولة الانخراط في المجتمع الجديد بتغيير مظهره ولباسه ثم رؤيته للحياة، كاشفاً البون الشاسع بين الواقع الذي يعرفه جيداً لبيئته وبين الصورة التي صُدرت عنها للآخر.
في الرواية نميز بين نوعين من الدعارة: السرية والمعلنة، فنرى الفتاة الضحية التي تعيش في دار المعلم، نموذجاً للسرية منها، كانت المسكينة، تنتظر أن يتزوجها بعد أن قضى الليلة الأولى معها، لكنه تركها للإهمال، مما سبب لها دماراً نفسياً وانحطاطاً ذاتياً في محاولة إنكار والقفز عن الواقع، فلم تستوعب أنها باتت شيئاً انتهت صلاحيته بالنسبة للمعلم وللمجتمع.
أما الجوجانية التي كانت تدير دار الدعارة فهي امرأة خرجت عن الظلم وامتلكت زمام قرارها، وحين التقت الفحل أحد رجال المعلم أحبته وأوقفت جسدها عليه، لكن هذه العلاقة في النهاية، ورغم كل قوتها كانت الفأس الذي حفر قبرها.
في الطريق بين قصر المعلم وخط الدوار الجنوبي بستان لعجوزين فلسطينيين، لم يعودا قادرين على استثماره، لشح المياه والعزم، إذ أكل الزمن من جسديهما ما أكل، كما أكل الأمل بالعودة إلى البلاد، أو لقاء الأولاد.
صار العجوزان رمزاً لقضية غائبة حاضرة، لا يملكان قوة الفعل فيها، ولا شيء إلا الانتظار. هدم العجوز جدار بستانه ليمر من خلاله العابرون حاملين الحياة لحياتهما البسيطة والراكدة، وكأنه يريد الاستعانة بهؤلاء للعودة إلى الحياة، لكن عجزه عن الحديث بسبب عطب حنجرته منعه من التواصل مع المحيط وشرح أفكاره، في إشارة للعجز الذاتي وإهمال المحيط الذي حاول الاستعانة به وانتظر منه المساندة والمشاركة، ولو بالجلوس على كأس شاي، يموت العجوز مقهوراً دون تحقيق أي من أحلامه حتى في رؤية أولاده. تعكس قصة العجوزين، حقيقة التعامل مع القضية وتهميشها بينما كانت ترفع شعارات القومية والوطنية والدفاع عن القضية المركزية فلسطين.
كانت علاقة الزوجين العجوزين نموذجاً واقعياً وإنسانياً بسيطاً، فالزوجة متفهمة ورغم أنها استنكرت سلوك زوجها أحياناً، لكنها تفهمته ووجدت له مبررات دائما حتى في التخلي عن حدود بستانه ووقفت إلى جانبه حتى النهاية.
رواية الدوار الجنوبي مليئة بالمشاهد والأفكار المدروسة سياسياً ونفسياً واجتماعياً بعمق وإحساس رائع، حمله سرد مشوق حاول الإحاطة الكاملة بالأحداث، ليقدم صورة عن البلاد في فترة زاخرة سياسياً، و نجح بشد القارئ مضيفا على كل ما كتب عن تلك الفترة الشيء الكثير.
مواضيع ذات صلة
مواضيع أخرى
تدريباتنا
هل سيتغير الوجه المدني لسوريا؟
بعد مرور أكثر من عامٍ على تولي الحكومة الجديدة شؤون الدولة، شهدت البلاد...
ورشة تدريب صالون سوريا
أجرى فريق #صالون_سوريا، دورة تدريبية عن الانواع الاعلامية والصحافة الحساسة...






