بواسطة طارق علي | يونيو 26, 2020 | Culture, غير مصنف
للمسرح والفن تأثيرٌ مباشرٌ على بناء ثقافة الأمم، فكما يُقال “أعطني مسرحاً أعطك شعباً”. وفي الحالة السورية قد لا يعرف كثيرون أن سوريا أطلقت أول مسارحها على يد رائد المسرح العربي، أبو خليل القباني السوري، في عام 1871، وهو صاحب الفضل الأول في سقاية بذرة الحركة المسرحية انطلاقاً من سوريا، لتصل إلى كل بلدان العرب لاحقاً.
قوبل القباني بالرفض حيناً والتكفير أحياناً أخرى، لكنه في النهاية انتصر وصار رواد مسرحه بالمئات لكل عرض حسب ما تخبرنا به الوثائق المحلية، وليس المجال هنا متاحاً للخوض في تفاصيل مسرح القباني، ولكن الإشارة إليه واجبةً لنقول أين وكيف تأسس المسرح السوري، الذي غاب لسنوات بعد وفاة رائده ومؤسسه، حتى شهدت الشام لاحقاً تأسيس أكثر من 30 فرقة مسرحية وموسيقية، أبرزها المسرح القومي في عام 1959 والذي نقل المسرحيين من الهواية إلى الاحتراف، وصولاً إلى مسرح الشوك الستيني.
مسرح الشوك
في ستينيات القرن الماضي أسس الفنان عمر حجو مسرح الشوك، ليضم لاحقاً خيرة فناني المسرح، في محاولة منهم لتصحيح ما يمكن من التردي الذي وصل إليه حال المجتمع، مؤمنين أن الفن طريق للخلاص، ومن بين أعضاء هذه الفرقة كان: “دريد لحام، رفيق السبيعي، ياسين بقوش، طلحت حمدي، ناجي جبر، مظهر الحكيم، هدى شعراوي وغيرهم كثر”.
جميعهم حاولوا ترميم آفات المجتمع، قد يكون الظرف الزماني وقتها لعب دوراً إيجابياً في مساعدتهم، وقد حالفهم النجاح أحياناً، ولكن العبرة في الاستمرار، وهذا المسرح قُتل لصالح الدراما التلفزيونية وثورة الشاشة الصغيرة، الشاشة التي دخلت بيوتنا عنوةً، وقولبت أفكارنا من حيث ندري ولا ندري، حتى صرنا عبيداً في طور النمو لثورة التكنولوجية التي وصلت ذروتها النسبية/المؤقتة بعيد عملية استمرار لتطوير ملامحها الهجومية والتي لم تتوقف، حتى اليوم.
الدراما السورية – صعوداً
تعتبر الدراما السورية سباقةً عربياً في دخولها على خط الإنتاج شبه المنظم، فالبداية كانت مع عام 1960، ومع انطلاق التلفزيون السوري انتقل إليه رواد المسرح، ولعلّ أول ظهور كان مع الممثل “نهاد قلعي”، يرافقه “دريد لحام، رفيق السبيعي”، إذ كان “قلعي” يقدم برنامجاً كوميدياً باسم “سهرة دمشق”.
أما العمل الدرامي الحقيقي فكان في ذات عام البداية، تحت اسم “تمثيلية الغريب”، يتحدث عن الثورة الجزائرية وأبطالها ومجرياتها، من بطولة “ثراء الدبسي، وياسر أبو الجبين، وبسام لطفي”، ومن إخراج “سليم قطايا”.
وكذا أخذت الدراما طريقها في الصعود بلا توقف، فكانت شخصية “غوار” لصاحبها “دريد لحام”، هي بذرة ما قد جاء بعدها، الشخصية التي شكلت مكوناً للذاكرة العربية في أعمال “كصح النوم” و”حمام الهنا”، وهكذا انهمرت الأعمال السورية بعد السبعينات دون توقف، وأبرزها في تلك الحقبة كان “الحب والشتاء”، “عطر البحر”، “القيد”، “طرائف أبي دلامة”، “الدولاب”، وغيرهم؛ ولعل عراب تلك المرحلة بإجماع معاصريها كان المخرج “غسان جبري”.
المرحلة الثانية – صعوداً
في هذه المرحلة نظمت الدراما نفسها أكثر، وامتلكت مفاتيح تأسيس النجاح المستديم، معتمدة على شخصيات بإمكانها رفع سوية الصنعة، كمثل شخصية غوار ومعه مرايا ياسر العظمة، السلسلة التي استمرت حتى منتصف الحرب السورية تقريباً.
المرحلة الثالثة – بطولة نجدة أنزور
في تسعينيات القرن الماضي، دخل الشاب نجدة اسماعيل أنزور إلى ساحة العمل الفني الحقيقي، المخرج الذي يقول عنه النقاد أنه صنع نقلةً تاريخية في تاريخ المهنة، تجلى ذلك في عمله “نهاية رجل شجاع” عام 1994، حيث قام الرجل المستند على خبرة عملياتية بإدخال سمة جديدة لنوعية الإخراج التقني والبصري والصوري، ومع العمل المذكور وبعده “إخوة التراب” و”الموت القادم إلى الشرق”، اخترق المخرج أبواب المنازل العربية ودخلها بالجمال الفني.
وإلى جانبه كان للمخرجان بسام الملا وهاني الروماني رغبتهما في منافسة الدراما المصرية، والتي أخذت تتفوق عربياً، لأسباب عدة، لا مكان لذكرها هنا، فالملا تخصص بالبيئة الشامية، والروماني أخرج العمل الخالد “حمام القيشاني”، وكلاهما ترك بصمة، لكن الدراما المصرية ظلت متفوقة لناحية الانتشار في زمن ذاك العمل وظروفه.
الكوميديا والدراما السورية – المرحلة الذهبية
في أواسط التسعينات لمع نجم الفنان “أيمن زيدان”، كعراب للكوميديا خاصة ً في عمله “يوميات مدير عام” سنة 1995. وشهدت هذه الفترة نجاحات لم تتوقف كخالدة ياسر العظمة سلسلة “مرايا”. وبعد بداية الألفية الجديدة، تربع الفن السوري على العرش؛ فصارت الصنعة أقرب لحرفة يجيدها السوريون، ويملكون تكتيك تحريك كرتها في الملعب؛ فالموسم الرمضاني في كل عام، أصبح الشغل الشاغل لأقلام النقاد، فما يصنعه أهل الاختصاص صار مدرسة تُدرس وقطعاً نادراً من عملة صعبة اكتشفها المحليون بالاجتهاد.
الغرور الدرامي
“الفن ابن بيئته، ومحيطه، ومعاناته”، هذه المقولة لا تنطبق على النجم السوري الذي انسلخ عن مجتمعه، وصار جليس برجه العاجي؛ فالشهرة إلى جانب الثراء وفيض النجومية، جعل منه آفة فكرية متعالية على مواطنيه، أكثر منه مرشداً وعارفاً وناصحاً.
كيف لا يكون ذلك، وقد صار النجم بحكم التبدلات تاجراً، لم يعد النص يهم الكثيرين، صار الأجر هو المهم، وبالمحصلة فإن أي عمل كان يصنع سيضيف لرصيدهم آلاف المعجبين، الغرور هنا قضى على المعايير؛ فالفنان السوري صار يعتبر نفسه هو المجتمع، لا المجتمع هو، وتالياً هو معصوم وصاحب إنجاز مهما بلغ سوؤه. لذا كان الأمر عاملاً أدى لتراجع السوية الفنية، لقدرات الفنان أولاً، وللنص ثانياً، وللعمل ثالثاً.
الاستثناء قائم هنا، وبشدة، فالبعض حافظ على سويته الأخلاقية والفنية، لكن الجمع يلغي الاستثناء، ولو كان ظلماً.
الانحدار الفني، خسارة المجد
الدراما التي وصلت قمتها، انهارت اليوم، فهاجرت رؤوس الأموال الممولة، وهاجر معها كثير من الفنانين السوريين،؛ فضعف التسويق والمردود عاملان جوهريان في التراجع، ولكن المشكلة هنا أن الدراما التي لطالما تحايلت على الممنوعات سائرة على حد الخطر، باتت اليوم تتمتع بهامش حرية واسع لم تحاول استثماره بمهنية، فسقطت معه إلى هاوية قد يصعب انتشالها منها.
الحرب فعلاً قد فعلت فعلتها، ولكن التحدي القائم هو ألا تعيد هذه الدراما إنتاج المشهد الإخباري السوري، مع العمل على ألا تنفصم عن الواقع المعاش، أكان اقتصادياً أم سياسياً، كأن تحاول مثلاً أن تقدم عملاً اجتماعياً كهدنة منظمة بين العقل الإنتاجي والعقل الاستنتاجي، ففي مؤلف “دراما النار والقلق” وهو بحث أكاديمي أصدره الناقد الصحفي “ماهر منصور”، يرى أن أقل من ربع الإنتاج السوري جاء محاكياً للحرب الحالية، وكذا في سنوات الحرب الأولى، كان هناك سنوياً 4 إلى 5 أعمال بيئة شامية، وهو أمر مطلوب للتسويق العربي.
كما أن الاصطدام السياسي والعسكري مع كثير من الدول العربية، جعل حصارهم للدراما السورية أمراً واقعاً، فتوقفت الكثير من الشركات المنتجة عن العمل، على حساب ولادة شركات أخرى هربت باتجاه أعمال عربية مشتركة، وهي عملياً لا تقدم مادةً فنيةً خالصةً أكثر منها ترفيهيةً مبهرةً بصريةً ببذخٍ إنتاجي مبالغ به.
الدولة السورية عملت ربما على ألا تحارب الصنعة في بعض الزوايا، فسمحت بإنتاج أعمال تُحاكي مواقف حساسةً في جسد الملف السوري، كالتظاهرات مثلاً، ولكنها في زاوية أخرى، جعلت من مؤسسة عريقة كمؤسسة السينما، وقفاً على مخرجين متنفذين، يحق لهم ما لا، ولن، يحق لغيرهم، في سابقةٍ، نسفت معها مدرسة لحام والماغوط، أصحاب المنجز السينمائي الخالد، “الحدود”.
بواسطة Aws Yacoub | سبتمبر 19, 2019 | Culture, غير مصنف
نستعرض في هذا المقال كتاب «في مهب الرقابة: العرض المسرحي في سورية 1988- 1997 (قراءات نقدية)» للكاتب والناقد المسرحي والمترجم السوري ناصر ونوس، الصادر عن “دار إي – كتب” في لندن، في آب/ أغسطس الماضي.
جاء الكتاب في 220 صفحة، وهو بحسب ناشره، يمكن قراءته من ثلاثة وجوه، فهو من ناحية أولى قراءات نقدية ذات طبيعة منهجية، في عدد من أبرز الأعمال المسرحية التي عرضت على مسارح دمشق، لا غنى عنها لكل مؤلف أو مخرج أو ممثل مسرحي. وهو من ناحية ثانية، سجل لقراءات واحدٍ من أبرز النقاد المسرحيين العرب ترك من خلالها بصمة خاصّة به في نقد المسرح.
وهو من ناحية ثالثة، وثيقة تاريخية للأعمال المسرحية التي قام بعرضها وتحليلها، حتى لكأنّها وثيقة موجِبة، لا بد لمخرجي ومؤلفي وممثلي المسرح في المستقبل، أن يأخذوها بعين الاعتبار إذا ما أراد أحدٌ أن يعود لينهض بهذا الفن الرائع والذي يكاد يأفل في عالمنا العربي، مع أفول الدولة نفسها، وانقراض المجتمع.
- تأسيس لاتّجاه أو تيار أو ظاهرة..
يتألف محتوى الكتاب على مقدّمةٍ وبابين رئيسيين، الأوّل: “من المسرح العالمي”، ونقرأ من عناوينه: (سكان الكهف: قراءة في شعرية العرض المسرحي، روميو وجولييت: السينوغرافيا وأساليب التمثيل، وكاليغولا في دمشق: الطاغية بين المسرح والتاريخ).
وحمل الباب الثاني عنوان: “من المسرح العربي والمحلي”، ونقرأ من عناوينه أيضًا: (“حكاية الملوك” ولعبة المسرح داخل المسرح، “سفر برلك” مسرحة الجوع والتاريخ، ويوم من زماننا وحداثة التخلف).
إضافة إلى ملحقين، جاء الأوّل بعنوان: “مهرجان دمشق الحادي عشر”، وحمل الثاني عنوان: “مهرجان القاهرة الثالث للمسرح التجريبي”.
ونقرأ في نهاية الكتاب نبذة عن سيرة المؤلف.
موضوع الكتاب، وفقًا لما جاء في مقدّمة ونوس، “ليس هو الرقابة على المسرح في سورية، كما قد يتبادر إلى ذهن القارئ في الوهلة الأولى، بل موضوعه العروض المسرحية التي أتيح لها أن ترى النور في ظلِّ الرقابة القائمة على المسرح. وهو مجموعة قراءات لأهم هذه العروض التي شهدتها العاصمة السورية دمشق بين عامي 1987 و1997”.
يتناول الكتاب بالنقد والتحليل العروض التي كانت محل اهتمام ونوس من حيث قيمتها الفنية والفكرية من جهة، ومن حيث أنّها تنطوي على إمكانية تأسيس لاتّجاه أو تيار أو ظاهرة في المسرح السوري من جهة ثانية.
في هذا السياق، يشير المؤلف إلى أنّ “هذا لا ينفي أنّه كانت هناك عروض مسرحية أخرى كان لها قدر من الأهمية لم نتناولها، والسبب ببساطة يعود إما لأنّنا لم نشاهدها أو لأنّنا لم نكتب عنها لسبب ما”. لافتًا إلى أنّ من هذه العروض على سبيل المثال أربعة عروض تم تقديمها بين عامي 1993 و1994 وحظيت بترحيب واسع ولم يشاهدها بسبب سفره خارج سورية حينها، وهي: “تقاسيم على العنبر” للمخرج العراقي جواد الأسدي، و”منمنمات تاريخية” لسعد الله ونوس الذي قدمته نائلة الأطرش، و”الآلية” لمانويل جيجي، والرابع بعنوان: “النو” وهو عرض ارتجالي لطلبة قسم التمثيل في المعهد العالي للفنون المسرحية بإشراف الفنان فايز قزق.
يخبرنا ناصر ونوس، في منشور له على جدار صفحته في موقع التواصل الاجتماعي (فيس بوك)، إلى أنّ هذا الكتاب انتهى من كتابته قبل عشرين عامًا، وأنّ أسبابًا كثيرة حالت دون نشره حينها.
- مسرح سوري في مهب الرقابة..
تحت عنوان عريض هو “في مهب الرقابة” يستهل ونوس كتابه بالقول: إنّه “عندما نجح رجال الدين في سورية عام 1884 في طرد الشيخ أحمد أبي خليل القباني من سورية بعد إحراق مسرحه، كانوا بذلك يضعون اللبنة الأولى في جدار ما سمي في ما بعد (أزمة المسرح السوري). فمع إحراق مسرح القباني انطفأت شعلة المسرح في سورية، ولم يكن قد مضى على إضرامها سوى سنوات عدّة، ولم تعد للاشتعال مرّة ثانية إلّا في عشرينات القرن العشرين”.
هنا يؤكد صاحب «المراجع المسرحية العربية والمعربة – ببليوغرافيا وشروحات»،أنّ “أزمة المسرح في سورية ظهرت بعد سنوات قليلة على انطلاقته، وتفاقمت بعد هزيمة حزيران (يونيو) 1967، وكُتب عنها الكثير منذ مطلع سبعينات القرن الماضي وإلى الآن من دون جدوى، حيث لم يتم وضع الخطط والمشروعات للخروج منها، وذلك أسوة بجميع الأزمات التي تمر بها ثقافتنا ومجتمعنا، والتي لا نستطيع الخروج منها، بل إنّ أزمة المسرح هي الأكثر تعبيرًا عن بقية الأزمات التي يمر بها المجتمع بصورة عامة، ذلك لأنّ المسرح، من بين الفنون الأخرى، وكما هو معروف، هو الأكثر حساسية والأكثر عرضة للتأثر بأزمات المجتمع”.
يشدّد ونوس في سياق تحليله النقدي على أنّ أزمة المسرح في سورية لا تكمن في النصّ المسرحي وعدم توافره، كما يشاع، وليست في المخرجين ولا في الممثلين، بل إنّها تكمن في غياب حرية التعبير، ومنع المخرجين من معالجة القضايا والمشكلات التي يغرق فيها مجتمعهم، وبالتالي منع المسرح من القيام بلعب دور اجتماعي، وتجريده من وظائفه ومسؤولياته، وسجنه داخل جدرانه الأربعة، خوفًا من «خطره».
وقد غدا المسرح السوري أشبه بورقة مزعجة تتقاذفها الرقابة على هواها، ومن هنا يمكن القول عنه إنّه «مسرح في مهب الرقابة».
يقول ونوس: إنّه “خلال العقدين الأخيرين استطاع القائمون عليه قطع كل الروابط التي كانت تربطه بجمهوره، وقاموا بذلك بذكاء لا نعهده عند المسؤولين عادة، وتخطيط مدروس قلَّ نظيره، ولو كان هذا الذكاء والتخطيط موجهين لخدمة مسرحنا لكان هذا المسرح من أهم المسارح العربية الآن، لكنه، للأسف، موجه لتدمير هذا المسرح عبر تفريغه من محتواه وعزله عن جمهوره؛ فالجمهور يأتي عادة إلى المسرح لكي يتمتع بمشاهدة فن جميل، ولكي يرى من يضع مشكلاته على بساط البحث، ويسمع من يناقشها ويعالجها ويكشف أسبابها وسبل الخروج منها، لكن عندما يأتي إلى المسرح ويرى إخراجًا رديئًا وتمثيلًا متكلفًا، ويسمع أحاديث وحوارات لا معنى لها، فلن يكرر زيارته إلى المسرح، والخطر سيكون أكبر على المتفرج الجديد الذي يقدم له هذا النوع من المسرح على أنّه (هذا هو المسرح)، وبالتالي سيهجر المسرح إلى الأبد”.
- قيود وافتقار لحرية التعبير..
يلفت الناقد المسرحي السوري إلى أنّه خلال عقدي الثمانينات والتسعينات لم يظهر كاتب مسرحي جديد؛ وهذا ما يعزز مقولة إنّ سبب أزمة المسرح في سورية هو الافتقار لحرية التعبير، فمن المعروف أنّ أوّل شروط ازدهار المسرح، وازدهار الإبداع على وجه العموم، هو وجود فضاء كافٍ من الحرية، يستطيع المبدع التحرك فيه، ويستطيع الكتابة في الموضوع الذي يشاء بعيدًا عن قيود الرقابة، ودون خوف، فضاء يتاح فيه لمختلف الأفكار والمواقف أن تعبر عن ذاتها، وتعلن اختلافها، وتدافع عن حقها في هذا الاختلاف، معتبرًا أنّ الافتقار إلى حرية التعبير أجبر بعض كتّاب المسرح على التوقف عن الكتابة، وأسطع مثال على ذلك هو المرحوم سعد الله ونوس الذي توقف عن الكتابة لمدة 15 عامًا لم يكتب خلالها سوى نصٍّ مسرحيٍ واحد هو «الاغتصاب»، الذي اقتبسه عن مسرحية «القصة المزدوجة للدكتور بالمي» للكاتب الإسباني أنطونيو بويرو باييخو، والذي نشره للمرّة الأولى عام 1989 في مجلة “الحرية” التي تصدر في دمشق عن “الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين”، وليس “الجبهة الشعبية” كما ذكر المؤلف، وأخرجه العراقي جواد الأسدي لصالح فرقة المسرح الوطني الفلسطيني.
يذكر ونوس في سياقِ سرده التاريخي للمسرح السوري المعاصر، أنّ الكاتب الراحل ممدوح عدوان أوّل من كتب المونودراما في سورية، وأنّ أوّل نصٍّ كتبه من هذا النوع هو “حال الدنيا”، وتبعه بـ “القيامة” ثم “الزبال”، وذلك في النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي.
ومن النقاط الهامة التي توقف عندها ناصر ونوس حول “المخرجون والعروض”، هي أنّه “مع منتصف الثمانينات، ومع فورة الأعمال التلفزيونية، بدأت ظروف العمل المسرحي في سورية تتدهور؛ فقد أصبح اختيار وتجميع عدد من الممثلين وإجراء البروفات على عرض مسرحي لعدّة أشهرٍ متواصلة أمرًا بالغ الصعوبة، فقد غدت مسألة ترك الممثل للبروفات وانضمامه إلى مسلسل تلفزيوني أمرًا مألوفًا، مهما كان طول الفترة التي قضاها في هذه البروفات، خصوصًا في ظلِّ غياب أيّ عقد يُلزمه بمواصلة هذه البروفات حتى الخروج بالعرض المسرحي إلى العلن. فإغراء التلفزيون لا يقاس ببؤس الأجر الذي يتقاضاه عن عمله في المسرح، خصوصًا إذا علمنا أنّ معظم الممثلين ينحدرون من فئات اجتماعية فقيرة، أتوا من محافظات وأرياف مختلفة لدراسة التمثيل وعينهم على التلفزيون، حيث المال والشهرة والنجومية”.
من استخلاصات ونوس في قراءة نقدية فاحصة للمسرح المحلي السوري خلال عقدين قناعته بأنّ كل التحديات التي مرَّ على ذكرها لن تؤثّر في مسرح متقدم متطور فنيًا وفكريًا، مرتبط بقضايا المجتمع، يعالجها ويضعها على بساط البحث أمام الجمهور، ويفتح فضاءات للحوار الذي ينطلق من الخشبة إلى الصالة متغلغلًا في ثنايا المجتمع، ومن الطبيعي القول: إنّ مسرحًا كهذا لا يمكن أن يرى النور في ظلِّ استمرار سيطرة العقليات والمعايير الرقابية القائمة في سورية. مبرزًا أنّ الآليات التي اعتمدها الرقيب عملت على تفريغ المسرح من محتواه الفني والفكري، بحيث استطاعت أن تحوّل المسرح إلى وجبة باردة، عسيرة الهضم، تربك المعدة والأمعاء على حدٍّ سواء.
أخيرًا، يُشار إلى أنّ مؤلف الكتاب ناصر ونوس حاصل على شهادة البكالوريوس في النقد المسرحي من المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق 1988.
عمل صحافيًا مستقلًا لعدد من الصحف والمجلات العربية، كما عمل محررًا في قسم الأخبار في تلفزيون “روسيا اليوم” ثم في تلفزيون “العالم”.
وهو ناقد سينمائي ومسرحي وإعلامي ترجم وألف العديد من الكتب، ومن أعماله تأليفًا وترجمةً: «المراجع المسرحية العربية والمعربة – ببليوغرافيا وشروحات»، حمص 1992.
وله في الترجمة: «الباب المفتوح – أفكار في المسرح والتمثيل»، تأليف بيتر بروك، دمشق: دار كنعان 2007. «صناعة الأفلام الوثائقية، دليل عملي للتخطيط والتصوير والمونتاج»، تأليف بارى هامب، مشروع كلمة للترجمة في أبوظبي، 2011.و«الإخراج السينمائي، تقنياته وجمالياته»، تأليف مايكل رابيجر،مشروع كلمة للترجمة في أبوظبي، 2018.
بواسطة Lojain AlArnji | مايو 4, 2019 | Culture, غير مصنف
لطالما اهتمت الدراسات ببحث الدور التغييري للفن في المجتمع أكثر من اهتمامها بالتطرق لمحاربة هذا الفن ذاته بمختلف السبل، وإذا ما بحثنا على محركات البحث الالكترونية عن هذا الموضوع سنجد هذه النتيجة بسهولة. لم يكن الفن يوماً إلا اشكالياً شكلاً ومضموناً، وبالتالي فالمشتغلون بالفن (الفنانون/الفنانات) لهم حيواتهم/ن الخاصة وأساليب عيشهم/ن المختلفة التي يمليها ابداعهم/ن الفني، ومن الصعب انصياع الفنان/ة لكل العادات والتقاليد والنظم والقوانين التي لا تكفل حرية الإبداع ونشر الأفكار. هذا الإشكال بين الفن والمجتمع وجد في كل زمان ومكان، فكيف الحال في البلدان العربية التي يخضع أغلبها لشرائع إسلامية صارمة لطالما حاربت الفن ومجتمعات مقيدة بما تنص هذه الشرائع. هذا الوضع يجعل هوامش التعبير التي تملكها الفنانات النسويات ضيقة خاصةً ضمن هيمنة ذكورية مجتمعية تخصهن بالنصيب الأكبر من المضايقات وتكبيل الحريات.
النساء السوريات في السينما
لم تُهمش المرأة في مضامين السينما السورية، بل كان لها وضع معقد كوضعها الإجتماعي تماماً، فهناك من المخرجين من قدمها على شكل جسد وهذا أسوأ ما تم طرحه، وهناك من أعطاها دوراً ثانوياُ إلى جانب البطل الرجل، ومنهم من قدمها بصورة وردية مزيفة في مجتمعها. والقليل من المخرجين من قدم صورة حقيقية وعميقة عن المرأة وتناول قضاياها، ومن أهمهم المخرجة أمل حنا وواحة الراهب وأسامة محمد ومحمد ملص. ولكن تبقى هذه الأعمال تمثل حالات فردية كان لها همها الجدي بالطبع، إلا أنه لم يمر في تاريخ سورية مشروع سينمائي مدروس أو متبنى من جهة منتجة لأعمال تُعنى بوضع المرأة السورية بما يتعلق بحقوقها وواقعها العام وعالمها السيسيولوجي الهام. لذا احتاجت صورة المرأة في السينما السورية لاهتمام أكبر من المخرجين والكتاب الذين بدورهم كانوا على الأغلب رجالاً ولم يستطيعوا التعبير عن واقع النساء كما يجب. وعلى الصعيد المهني، لم تكف المحاولات النسائية عن السعي لقيادة العمل السينمائي السوري (الإخراج)، إلا أنّ النسبة كانت ضئيلة جداً مقارنةً مع الرجل وأغلبهن انكفأن وانتقلن إلى العمل في التلفزيون حيث تكررت المعاناة ذاتها، مع بعض التسهيلات لأنه لا يوازي أهمية فن السينما. وفي الفترة الراهنة الحساسة لم يتحسن حال المرأة السورية في السينما، بل زاد سوءاً في الداخل السوري بسبب توجيه أغلب الأعمال السينمائية لخدمة ايديولوجيات معينة تهم النظام الحاكم، ويبقى التعويل على ما ينتجه وسينتجه المخرجين والمخرجات في الخارج أو الذين يحصلون على منح إخراجية من منظمات ومؤسسات دولية والتي للأسف يقل ويندر تداولها إعلامياً وبالتالي يبقى تأثيرها ودورها في التغيير محدوداً.
النساء السوريات في المسرح
لم يكن حال مضامين المسرح السوري بأفضل من مثيلتها في السينما لأسباب أكثر تعقيداً، فالدراسات في المنطقة العربية حول أزمة المسرح لم ولن تتوقف. ويبقى التساؤل ذاته يطارد المسرح العربي ومنه المسرح السوري دون نتيجة نهائية حتى الآن. فمن البديهي أن تعاني المضامين المطروحة في المسرح من أزمة أيضاً، فأغلب المخرجين في سورية اعتمدوا على الاقتباس والإعداد عن نصوص عالمية، وبعضهم من غيّر المصطلح لـ(دراماتورجيا) اعتباطياً دون دراسة. ويحتاج حال المرأة في سورية لنصوص تُكتب من قبل الكتّاب السوريين والسوريات أنفسهم، لذلك فإن النص المسرحي السوري وبالتالي العرض المسرحي السوري يفتقد إلى معالجة عميقة ومحلية لقضايا المرأة باستثناء بعض التجارب النادرة التي كان روادها نساء عملوا في الإخراج السينمائي كالمخرجة نائلة الأطرش ومها الصالح، اللتان حاولتا تقديم المرأة بصورة مختلفة عن المطروق والنمطي. وعلى الرغم من عدم تناول مواضيع تخص المرأة في المسرح إلا أنها اقتحمت بقوة هذا العالم كعاملة فيه، وهذا شأن له أهميته الكبيرة÷ فقد ظهرت نصوص مسرحية تتحدث عن قضايا متعددة كتبتها خريجات المعهد العالي للفنون المسرحية/قسم الدراسات المسرحية (قسم النقد المسرحي سابقاً) وما زلن، وتحتفظ مكتبة المعهد بغالبية هذه النصوص. كما أنه لا يقل عدد خريجات المعهد العالي/قسم التمثيل عن عدد الخريجين وأغلبهن يمثلن ويعملن في المسرح، ولنا أمل أن يلامسن قضايا نسوية مهمة. ورغم أن النص المسرحي والعرض المسرحي المدعوم من جهات خاصة هو الأقل ظهوراً ورواجاً إلا أنه ربما يُعنى بقضايا المرأة أكثر مما يقدمه المسرح المحلي حالياً في الداخل السوري. فعلى سبيل المثال، يطغى اليوم على المسرحيات المدعومة من مديرية المسارح والموسيقى تمثيل المرأة على أنها أم الشهداء الحزينة والمستكينة دون مساس بعوالمها المختلفة (أنثى/عاملة/مفكرة). يتم هذا التمثيل لخدمة الرؤى التي تريدها هذه المؤسسة الرسمية. ومن الاستثناءات في المشهد المسرحي السوري، حصول مسرحيتين لشابتين سوريتين (إحداهما بعنوان “كحل عربي” والأخرى بعنوان “عزلة”) على منحتين من قبل اتجاهات ثقافة مستقلة عام 2017. تغوص المسرحيتان في عمق عالم المرأة السورية اليوم. ونأمل ظهور نصوص وعروض أخرى مشابهة في المستقبل القريب.
وبالعودة إلى ما بدأنا به عن مواجهة المجتمع للفن، يحضرنا سؤال مهم، كيف يمكن أن يكون للفنانة السورية دور تغييري وهي مُحاربة على مختلف الصعد؟ فمن المعروف أنه لم يكن من السهل انخراط الإنسان السوري في الفن كمسرح وسينما، ولا يغيب عن المشهد السوري حرق مسرح القباني في أوائل الثمانينات. ودائماً ما عانت المرأة من مضايقات ونبذ وقلة تقدير عند انخراطها في الوسط الفني، وما زالت تعاني من الاستخفاف بقدراتها وتحديد أدوارها واستغلالها من قبل العقلية المتخلفة المهيمنة حتى الآن على الوسط الفني والعاملين فيه. وشكلت الفنانات سنة 2011 جزءاً من المجتمع السوري الذي انتفض ضد الديكتاتورية. وكان هم الفنانات الثائرات الاحتجاج على الآليات الفكرية التي تمنعهن من ممارسة حقوقهن والتعبير عن آرائهن. بعد 7 سنوات من هذه الثورة، يمكن الجدل إن كانت النتيجة مفائلة أو مخيبة للآمال، ولكن رغم عدم حدوث تغيير كبير في واقع السينمائيات والمسرحيات، إلا أنه يجب احترام تحديهن للمجتمع عبر الفن ونشر الأفكار التي تشجع على التمرد والثورة على كل النظم الاستبدادية والإقصائية.
* يعاد نشر هذا المقال في صالون سوريا ضمن تعاون مع شبكة الصحفيات السوريات