بواسطة سحر حويجة | ديسمبر 3, 2019 | Roundtables, غير مصنف
*تُنشر هذه المادة ضمن ملف “آفاق العلمانية في سوريا“
يزداد الجدل حدة، في أوساط النخب الثقافية والسياسية العربية ومنها بالطبع سوريا بيت القصيد، حول مفهوم الدولة المدنية، بين من يقول بأن الدولة المدنية لا يمكن أن تكون إلا دولة علمانية، وآخر يقول أن الدولة المدنية ليست نقيضاً للدولة الإسلامية، لأن المعايير التي تقوم عليها الدولة المدنية متوفرة في نظرة الإسلام للدولة.
وفي الوقت الذي يلتقي على الرأي الأول اتجاهان متناقضان ايديولوجياً، أولهما: التيارات العلمانية التي يؤكد منظروها، على علمانية الدولة المدنية. وثانيهما: الاتجاهات الإسلامية الراديكالية، التي تصر على اعتبار الدولة المدنية هي نفسها الدولة العلمانية، لذلك ترفض الاثنتان، هذا لسان حال المنظمات الإسلامية المتشددة منها جبهة النصرة ناهيك عن القاعدة، كما عبر عن ذلك بصراحة شديدة حزب التحرير الإسلامي الأردني.
غير أن أغلب تيارات “الإسلام السياسي” اتخذت موقفا مغايراً، رأت فيه أن “الأصول الإسلامية لا تتنافى في شيء مع مفهوم الدولة المدنية، بل تؤسس لها وتتفق معها. في المقابل نجد عدداً من القوى والشخصيات العلمانية في سوريا، تبتعد عن العلمانية، بل تتخلى عنها لصالح الدولة المدنية، منهم برهان غليون[i] وحسن عبد العظيم المنسق العام لهيئة التنسيق الوطنية يعلن أنه مع الدولة المدنية بوصفها دولة المدينة وصحيفة المدينة، وهي التي أنشأها النبي العربي منذ 14 قرناً، ويبرر استخدامه لمصطلح المدنية كون العلمانية لها حساسية في القواعد الشعبية. من بين المتراجعين أيضاً، المعارض حازم نهار، الذي كان يقول إن سر نجاح أي ثورة هو منطقها العلماني، لكنه حالياً يسوق للدولة المدنية على اعتبار أن الشارع يملك حساسية تجاه كلمة العلمانية. وأيضاً رئيس تيار بناء الدولة السورية لؤي حسين الذي يعتبر الاستبدال هو في المصطلح فقط وليس المضمون.
وهناك قوى عديدة علمانية أو تدعي العلمانية (كالقوى الشيوعية التي لا تشغلها قضية العلمانية إلاّ في المناسبات)، التي تساهم رغم حسن النوايا في خلط المفاهيم ودعم القوى المعارضة للعلمانية.
ومن جهة النظام في سوريا، بقيادة حزب البعث، فهو لم يكن يوماً نظاماً علمانياً، فالموقف التاريخي لقيادة حزب البعث منذ تأسيسه غامض، ومنذ تسلمه السلطة لم يكن حزب البعث سوى تابع وأداة بيد النظام الديكتاتوري الشمولي العسكري، المسيطر على مفاصل الدولة، ومؤسساتها وعلى المجتمع بشكل مطبق، حيث لا نجد فرقاً بين السلطة والدولة ، بل السلطة هي الدولة في ظل النظام الشمولي.
ورغم قدرة هذا النظام على فرض ما يشاء من قوانين وقرارات، دون رقابة أو معارضة، إلا أنه لم يشأ أن يفرض نظاماً علمانياً، حيث هناك تجارب تم فرض العلمانية فيها بقوة النظام، كما حصل في تركيا والاتحاد السوفيتي.
غير أن النظام السوري استخدم العلمانية، واستفاد من هذه الصورة الملتبسة التي ساهمت فيها أولاً: القوى الإسلامية التي كانت تدعي وتحرض ضد النظام مدعية أنها تحارب نظاماً علمانيا كافراً. واستفاد النظام من هذه الورقة كوسيلة للدعاية له أمام وسائل الإعلام الغربية لينال دعمها ضد الأصولية الإسلامية، غير أنه على أرض الواقع لم يفصل الدين عن مؤسسات الدولة، ويبرهن على ذلك الدستور في نص المادة الثالثة مننسخة عام 1973 وعام 2012 التي تتكون من فقرتين الأولى: دين رئيس الجمهورية الإسلام، والثانية: الشريعة الإسلامية مصدر أساسي للتشريع. ويجدر الإشارة هنا، أن قانون الأحوال الشخصية في سوريا، ليس فقط خاضعاً للشريعة، بليضعه رجال الدين وليس السلطة التشريعية،[ii] حيث يتم بداية اقتراح القوانين من قبل المرجعية الدينية الخاصة بكل طائفة،وتطرح على أعضاء مجلس الشعب لإقرارها و بعدها يتم التصديق والنشر وتصبح قانوناً. وغالباً ما يتم إقرار هذه القوانين دون الكثير من النقاش. إضافة لوجود مواد تجعل من أتباع ديانات غير المسلمين من المرتبة الثانية. كما أن وزارة الأوقاف جزء من السلطة التنفيذية، ويتم تعيين خطباء المساجد بقرار رسمي، و يتم تحديد الخطب الدينية والموافقة المسبقة عليها.
بعد الحراك الثوري الذي شهدته الساحة السورية، والتحول الدامي بعد استخدام العنف المسلح إلى الحرب، وصلت الانقسامات إلى أوجها بين مكونات الشعب السوري، على أساس سياسي وطائفي ومناطقي واجتماعي. وأصبح خطاب الكراهية والانقسام الطائفي طافياً وبارزاً من خلال محاولات الاستقطاب والتعبئة من قبل الأطراف المتناحرة، سواء من قبل النظام أو المعارضة المسلحة، واستطاعت القوى المتشددة في المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام، بناء كنتونات عسكرية، تحكم المواطنين وفق قوانين شرعية، شكلت طابعاً مصغراً لدويلات دينية، وفي هذا السياق الاجتماعي والسياسي، حصلت مساومات بين النظام والمرجعية الدينية الفقهية واتخذت السلطة قرارات في خدمة أسلمة المجتمع السوري تحت مسمى دعم التيارالديني الوسطي.
ونحن على أعتاب مرحلة، يُفترض أن تحمل حلاً للأزمة السورية يؤدي إلى بناء مؤسسات جديدة للدولة، وإن كان الدستور المرتقب جزءاً من الحل، من المتوقع أن يتم التوافق فيه على جملة من القضايا، في ظل توافق وتأثير دولي وازن ومؤثر. ولو فرضنا تم الاتفاق على علمانية الدولة السورية، كيف ستكون ردة فعلالفئات الاجتماعية المختلفة والقوى المؤثرة في الواقع السوري؟ وماذا نريد دولة علمانية أم دولة مدنية أمدولة علمانية مدنية؟ هذا ما سوف أحاول الإجابة عليه في هذا البحث.
تعريف الدولة العلمانية
استخدم مصطلح العلمانية لأول مرة، مع نهاية حرب الثلاثين عاماً سنة 1648 عند توقيع صلح وستفاليا.[iii] وكلمة علمانية هي ترجمة لكلمة secularism (سكيولاريزم) المشتقة من الكلمة اللاتينية saculum (سيكولوم) والتي تعني العصر أو الجيل، أما في لاتينية العصور الوسطى، فهي تعني العالم أو الدنيا.
انبثقت دولة الحق والقانون، في سياق التحولات التاريخية الكبرى التي شهدتها أوروبا، بعد صراع طويلامتد ثلاثة قرون، ما بين العقل التنويري العلمي، وبين العقل الديني المسيحي وهذا ما سمي عصر التنوير. وتحت لوائه اندلعت الثورات في الغرب كالانكليزية 1680 والأمريكية 1770 والفرنسية 1789. وتزامن اندلاع الثورات في الغرب مع انتشار الفلسفات العقلانية، والرؤية العلمية والمادية بين الجمهور المتعلم، التي تعود جذورها إلى ما أنتجه فرانس بيكون 1620 في المنهج الجديد، وإلى كتابات هوبز 1679، وإلى عقلانية ديكارت، وإلى حلولية سبينوزا 1670 وإلى امبريقية جون لوك 1726 وأفكار لا بنتس، ومن بعدهم جاء: جان جاك روسو 1787 ، ومونتسيكو 1787. وتميزت هذه الثورات بالقطيعة المعرفية مع التصورالإلهي للكون، وقامت على أساس اعتبار المواطن الإنسان مركز الكون. ومن المتفق عليه أن فكر حركة التنوير هو الأساس الفلسفي التي انطلقت وبنيت عليه الدولة العلمانية، هي ببساطة رؤية مادية عقلانية حول رؤية محددة للعقل وعلاقته بالطبيعة، يكون فيها عقل الإنسان، والمرجعية الإنسانية مصدراً وحيدا للمعرفة وفق قواعد المنطق والحواس والتجريب. فمثلاً اعتبر روسو العقد الاجتماعي هو تعبير عن الإرادة العامة، من خلالها يتنازل الناس أمام الإرادة العامة، عن إرادتهم الخاصة. انطلاقاً من الرؤية الطبيعية التعاقدية، ومن الإيمان بالقانون الطبيعي وبقدرات الإنسان، أكد عصر التنوير فصل الدين عن الدولة، وعن رقعة الحياة العامة التي يمارس المواطن فيها حقوقه وحرياته.
ثمّة مبدآن علمانيان جوهريان ينبثقان من هذا الفصل:
المبدأ الأوّل: تفصلُ الدولة العلمانية بين مجالين مختلفين في حياة الناس: المجال العام مكرّسٌ لخدمة جميعالمواطنين على قدم المساواة، ويضمّ شؤون كالقانون والتعليم، وفي هذا المجال لا مرجعية لأي دينٍ. أماالمجال الخاص فيستوعب كلَّ المعتقدات والرؤى الشخصية، دينية كانت أم لادينية، أوإلحادية.
المبدأ الثاني: الدولة العلمانية تضمن المساواة الكلية، بين كل المتدينين بمختلف مذاهبهم، واللامتدينين والملحدين أيضاً. وتدافع عن حريتهم المطلقة في إيمانهم أو عدم إيمانهم (حريّة الضمير) .
تعريف الدولة المدنية
الدولة المدنية[iv] هي دولة لا عسكرية ولا دينية، ينعم فيها المواطنون بالحرية والمساواة في الحقوقوالواجبات، تسودها قيم الثقافة المدنية: كالتسامح وقبول الآخر والثقة في عمليات التعاقد والتبادل المختلفة. ومن مبادىء الدولة المدنية:
مبدأ المواطنة الذي يعني أن الفرد لا يُعرّف بمهنته أو بدينه أو بإقليمه أو بماله أو بسلطته، أو بجنسه، وإنمايُعرّف تعريفاً قانونياً اجتماعياً بأنه مواطن وعضو في المجتمع له حقوق وعليه واجبات.
مبدأ الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة.
ومن المبادىء الهامة في الدولة المدنية أيضاً، أنها لا تتأسس بخلط الدين بالسياسة. كما أنها لا تعادي الدينأو ترفضه. حيث أن ما ترفضه الدولة المدنية هو استخدام الدين لتحقيق أهداف سياسية، فذلك يتنافى مع مبدأالتعدد الذي تقوم عليه الدولة المدنية.
ما الفرق بين الدولة المدنية و الدولة العلمانية؟
- العلمانية والمدنية كلاهما ضد الدولة الدينية. لكن العلمانية ترى أن الدين لديه شكل معين للدولة، وبالتالييجب فصله عن الدولة. بينما المدنية ترى أن الدين ليس لديه شكل للدولة، وبالتالي يتم التعامل معه كقضيةاجتماعية وثقافية.
- العلمانية تدعو للمساواة أمام القانون. وتعني المساواة فرض قانون واحد على الجميع. والتشريع والقوانينفي العلمانية يجب فصلها عن الدين. بينما في الدول المدنية تحترم الاستحقاق الديمقراطي. وبالتالي يجوزللأغلبية الفائزة تعديل القوانين مع مراعاة حقوق الأقلية والحفاظ على الشكل المدني للدولة.
- العلمانية لا تهتم بشكل نظام الحكم: علماني ملكي عسكري (ككوريا الشمالية) . حزبي (كالصين). المهمهو فصل الدين عن الدولة وقوانينها. أما الدولة المدنية فتشترط التداول السلمي المدني للسلطة. وبالتالي لنتكون دولة عسكرية.
- عدم اعتناقِ الدولة المدنية، للمبدأ العلماني ومنها حق عدم الإيمان بدين أو الإلحاد، يثير الكثير من الشكوك المحقة، حول إمكانية المساواة الكليّة الحقيقية بين مختلف الفئات الدينية أو العرقية وحول إمكانية القطيعة مع ما يؤدّي إلى تمييز فئة عن أخرى.
- من أبرز الإنجازات الحضارية لتجارب الدول العلمانية، الفصل القانوني بين الدين والسياسة والعِلم، وبالتالي فصل التعليم عن تأثير أي دين. كما ألغت بشكل مطلق شرعية أية «فتوى» دينية أو سياسية تمسّحياة عالِمٍ أو مفكِّر، بينما لا تبدو في مشاريع الدول المدنية أية نوايا باتجاه إلغاء الفتاوى المعادية للحريةوالإنسان.
الإسلاميون والدولة المدنية
يُعرف زكي بن أرشيد (الأمين العام السابق لجبهة العمل الإسلامي في الأردن) الدولة المدنية من وجهة نظرإسلاموية[v] بقوله “إن المعايير التي تجعل الدولة مدنية خمسة هي: تمثيلها إرادة المجتمع وكونها دولةقانون، وانطلاقها من نظام مدني يضمن الحريات ويقبل التعددية وقبول الآخر، وقيامها على اعتبار المواطنة أساساً في الحقوق والواجبات لجميع المواطنين فيها، والتزامها بالديمقراطية والتداول السلمي على السلطة”.
أما كون القوانين تستند إلى المرجعية الإسلامية، لا يمنع تحولها بفعل الآلية الديمقراطية إلى قوانين مدنية،ويفيد هذا الأساس النظري في التمييز بين الشريعة والقانون على أساس أن الشريعة أحكام ملزمة دينياً للفردالمؤمن، بينما القانون فهو وضع بشري ملزم دنيوياً.
غير أنه ومن التجارب العديدة على أرض الواقع إن الديمقراطية لم تشكل سوى صباغ تتجمل بها الحركات الإسلامية شكلاً بأنها تقبل الديمقراطية والتنوع.
حيث رفض الأخوان في مصر أن تشارك قيادات غير محسوبة عليهم في تشكيل الحكومة رغم افتقارهمللقدرات الفنية لإدارة دولة. لكن عندما تكون العلمنة راسخة في المجتمع، فإن القوى الدينية سوف تتلاءم مع مستوى تطور الوعي الاجتماعي، حتى لا تفقد رصيدها وتحافظ على وجودها، مثال: حزب النهضة فيتونس. والسؤال يدور عن الشكل الذي سوف يتخذه التنافس السياسي بين الأحزاب الدينية والأحزاب العلمانيةأو اللادينية ؟ نظرياً يجب أن لا يكون الدين حزباً سياسياً، لأنه يتحول إلى عامل انقسام بين مكونات المجتمععلى أساس طائفي. ولو اتفقنا جدلاً على وجود أحزاب دينية، تقبل التعددية وتلتزم بمبادئ الديمقراطية،والتنافس السلمي للوصول إلى السلطة، من المعروف أنه خلال الصراع السلمي على السلطة في الدول الديمقراطية، يتم استخدام وسائل النقد وربما التجريح والتشهير بين القوى المتنافسة، فإن التوظيف السياسي للدين سوف يؤدي إلى استخدام أوصاف تكفير العلمانيين والتشهير بهم كونهم مرتدين والتركيز على حياتهم الشخصية وأمورهم الخاصة. وهذا ما يدفع العلمانيين بالمقابل للتشهير، والإساءة للأديان، ما يفقد الدين مكانته العقائدية، ويثير حساسية عالية لدى الجمهور، ويبعد الناخبين والمرشحين من التركيز على البرامج الاقتصادية والاجتماعية للمرشحين لصالح قضايا لا تخدم حياتهم بشيء، بل التلاعب بعواطف المتدينين ومناقشة قضايا تركز على الدين والأشخاص.
يقول الباحث د. نصير العمري[vi] إن تيارات الإسلام السياسي هي أحزاب سياسية يميزها عن غيرها أنهاتلعب لعبة مزدوجة، فمن ناحية تقدم نفسها للرأي العام من جمهور المتدينين على أنها أحزاب دينية إصلاحية “زاهدة” في السلطة. وفي نفس الوقت يقدمون أنفسهم بين الحزبيين وأمام الحكومات على أنهم مجرد أحزابسياسية لها برامج يعرضونها على الناس الذين لهم حق قبولها أو رفضها.
وبناء على هذه الازدواجية، يحق لمن ينافس الأحزاب الإسلامية أن ينزع عنها صفة “الإسلامية” لأنهاتستخدم الدين كغطاء وأداة سياسية.
والنتيجة: من غير المقبول وجود أحزاب دينية في الدولة المدنية لأسباب كثيرة كعدم قبول الفكر الديني للحرية بمفهومها المعاصر، وعدم قبول الفكر الديني للمساواة ومنها مساواة المرأة للرجل، والمساواة بين الأديان، كل هذا يقوض مبادئ الدولة المدنية المنشودة.
المجتمع السوري بين العلمنة والأسلمة
إن التمايز بين الفئات والمكونات المجتمعية على أساس الانتماء لطائفة، تخدم عملية تزرير المجتمع، وهذاالوضع ساعد و يساعد النظام في السيطرة على مكونات المجتمع وبث الفرقة بينها.
المجتمع السوري مجتمع حي، لعبت الأحداث التي مرت بها سوريا من الانتفاضة الشعبية ضد النظام إلى الحرب المكشوفة السافرة، في تغيير الكثير من أنماط وسلوك حياة الناس، وعلى الأخص دور المرأة في الأسرة والمجتمع بعد أن دخلت المرأة إلى المجال العام كمشاركة في التغيير المجتمعي. فقد دفعت الأحداث شريحة واسعة من الفئات المهمشة التقليدية من النساء إلى دخول المعترك العام، حيث اتجهت النساء للعمل وأصبحن معيلات وحيدات لعائلاتهن. بل أن عمليات النزوح والتشرد والهجرة الواسعة، أثرت كثيرا على أنماط السلوك في المجتمع وعلى كسر التقاليد والعادات المتخلفة التي تقيد مشاركة المرأة في الشأن العام، كل ذلك أثر على إمكانية تقبل النساء والرجال لأفكار جديدة وعادات وتقاليد جديدة فرضتها عليهم الحرب ومانتج عنها من عمليات النزوح واللجوء الفقر والتشرد، التي أدت إلى تفكك الأسرة سواء بسبب الموت أو الاعتقال والتغييب القسري أو بسبب تشتت العائلة الواحدة في أماكن متباعدة. كثيرة هي الظواهر التي أثارت الرعب في أوصال المجتمع المحافظ حتى صارت الخطب في الجوامع تتناول لباس النساء وتحررهن وتطالب رجال العائلة بالتدخل. وهنا نخلص إلى أن المتغيرات المجتمعية وخروج فئات عن سيطرة العائلة البطريركية والقوى التقليدية تشكل رصيداً لعلمنة المجتمع وتقبله أفكار المساواة والحرية.
هذا الرصيد تم دعمه بفشل القوى المتشددة في إدارة المناطق التي وقعت تحت سيطرتها، حيث استخدمت مختلف وسائل العنف وقمع الحريات الشخصية للمواطنين، من تدخل في لباسهم وشرابهم وطعامهم وتنقلاتهم تحت ذريعة الشريعة. وطبقت القوى المتشددة القوانين الشرعية بشكل قسري ليس على مستوى قوانين الأحوال الشخصية فحسب، بل إن المحكمة الشرعية هي المحكمة الوحيدة المتواجدة في هذه المناطق وتحكم في كل القضايا وفق الشريعة الإسلامية. هذه السياسات أدت إلى ردود أفعال مناقضة لها عند المواطنين تمثلت بطوقهم للتحرر والانعتاق خاصة في أماكن سيطرة داعش، وجبهة النصرة.
من جهة أخرى، شكلت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية على مساحة واسعة من الشمال الشرقي في سوريا (تحت مسمى مناطق الإدارة الذاتية) حيث فرضت قوانينها العلمانية تجربة إيجابية وقبولاً عند شريحة واسعةمن المجتمع السوري.
إضافة الى ذلك تشكل الأقليات الدينية والعرقية سواء من دافع منها عن النظام أو من التزم الحياد أو منعارض النظام، رصيداً لدعم العلمانية حتى لو كانوا متعصبين لطوائفهم وحتى لو كان وعيهم للعلمانيةمحدوداً، غير أن الجميع يرفض استلام أغلبية دينية للحكم.
في المقابل اتخذ النظام السوري (الذي لا يعينه من أمر الدولة والمجتمع سوى الحفاظ على سلطته مهما كان الثمن) في فترة الأزمة عدة قرارات تصب في خدمة أسلمة المجتمع، حيث منح النظام رجال ونساء الدين سلطات وميزات تحت سقف الولاء للنظام، ما يُشكل على مستقبل المدنية والعلمانية المنشودة في سوريا،وتفضح وتكشف الهوة بين العلمانية والنظام السوري. نسلط الضوء في هذا السياق على:
1 ـ القبيسيات: قيل الكثير من الكلام عن حركة القبيسيات النسوية بعد أن سجلت حضوراً واسعاً في الشارعالسوري حيث تجاوزت أنشطة الحركة العمل الخيري، والدعوي التي بدأت به، فالجمعية على سبيل المثالتشرف على 40 من أصل 80 مدرسة لتحفيظ القرآن في سوريا بناء على تراخيص رسمية. ويُقدر عددالمنتميات إلى الجمعية حالياً بأكثر من 75 ألف عضوة. كما أن عضواتها تقلدن مناصب رفيعة في وزارةالأوقاف السورية، وهو أمر سمح لهن بالمشاركة في صنع القرار .
وعلى صعيد الممارسة تتبع القبيسيات طريقة تمجّد الشيخة أو الآنسة القبيسية، وتفرض عليهن تقاليد طاعةمبالغ فيها ، تتعارض مع قيم الحرية الفردية.
ويبدو أن القبيسيات نجحن أيضاً من خلال علاقاتهن مع صناع القرار في الحصول على تراخيص رسميةلإنشاء مدارس ابتدائية تابعة لهن مثل “دار النعيم”، و “دار المجد”، يتم فيها تخصيص دروس إضافية لتعليمالدين.[vii]
إن خطر القبيسيات على مستقبل العلمانية ينبع من تدخلهن في شؤون التعليم (وهو شأن عام)، حيث لم يقتصر عملهن على النشاط الدعوي في المساجد، بل امتد لتأثيرهن لمنع إصدار أي قانون لا يتوافق مع الشريعة الإسلامية كحال قانون الأحوال الشخصية. ويجدر الذكر أنهن المنظمة النسوية الوحيدة التي نالترخصة وشرعية في النشاط، في الوقت الذي منعت الجمعيات النسوية العلمانية من الترخيص، وتم حلالاتحاد النسائي التابع لحزب البعث.
2 ـ قانون الأوقاف رقم 31 لعام 2018 مواده ملغومة، لها تأثيرات سياسية واجتماعية واقتصادية، و تشكل خطراً على العلمانية والمدنية في سوريا حاضراً ومستقبلاً نخص بالذكر المادة 8 الأكثر تأثيراً بل خطراً، فهي توسع قنوات إشراف الوزارة على الشؤون الدينية، وتمنحها فرصة الرقابة على أي منتج فكري أو إعلامي.
فقد أصبحت وزارة الأوقاف أحد أذرع النظام في الرقابة وقمع الحريات، حيث يحق لها وفق القانون مراقبة الكتب، ويرى الدكتور محمد حبش “أنه ستتوسع صلاحيتها بما يشمل كل ما ينشر ويطبع، وليس فقط الكتب الدينية والمتعلقة بالقرآن والتفسير، فلا يصدر أي مقال أو كتاب له صلة بالشأن الديني إلا بإذن الأوقاف“ا[viii] وبالتنسيق مع وزارتي الإعلام والثقافة للإشراف على البرامج الخاصة بالعمل الديني في وسائل الإعلام كافة، وكذلك المطبوعات الدينية.
وقد أثمرت هذه السياسة بمنع الكتب النقدية للدين من التداول في الأسواق “ككتب الباحث نبيل فياض” وبالمقابل أغرقت السوق بالكتب الدينية الأصولية.
ويمكن الاستنتاج هنا أن العلمانية وحدها تجعل الدين وحرية الاعتقاد شأناً خاصاً وللمتدين حرية ممارسة اعتقاده الديني دون أي تدخل من السلطة وبموجب قانون الدولة.
بالمقابل المؤسسة الدينية عليها أن لا تتدخل على الإطلاق بالتعليم والصحافة والنشر والإعلام، فهذه حرياتعامة يجب أن تكون مكفولة بالقوانين.
إن سوريا المستقبل تحتاج إلى دولة علمانية تفصل الدين عن المجال العام الذي يتضمن شؤون القانون والتعليم والحريات العامة إضافة إلى الاقتصاد والسياسة. نشير هنا إلى أن قوى الإسلام السياسي لن يكون لها مستقبل في الدولة العلمانية إلا إذا خرجت من عباءة الدين وتحولت على سبيل المثال إلى أحزاب على غرار حزب العدالة التركي.
ونحن أيضاً بحاجة إلى دولة مدنية ديمقراطية، تقوم على أساس المواطنة المتساوية. غير أن القوى التي ترسم مستقبل سوريا قد تبتعد كثيراً عن حاجات الواقع، بل عن الوزن الواقعي للقوى المعبرة عن مصالح مختلف الفئات الاجتماعية، تحت وقع الضغوط والمصالح الدولية المؤثرة في عملية التسوية التي يعملون على تمريرها عبر الدستور، الذي سوف يكون أشبه بعقد بين الدول، وليس عقداً بين السوريين. فالدستور الذي يصنعه السوريون\ات هو الدستور الذي يخلق أكبر مساحات للحوار والنقاش والجدل والخلاف بين مختلف فئات المجتمع السوري، في ظروف تتوفر فيها فرص التمثيل الصحيح لتنوع كفاءات المجتمع. وأهم نقطة خاصة بالدستور المأمول هو كيف سيطبق دون حل سياسي شامل، ودون بناء الثقة بين مكونات المجتمع. فهل سيفرض بموجب وصاية دولية؟ وأي سلطة ستطبقه؟ النظام أم سلطة الشعب الذي يعبر عنهاالدستور! يكتنف مستقبل سوريا الغموض، لكن كل الأمل في العمل على إنشاء دولة علمانية مدنية رغم كل التحديات.
هوامش:
[i] العلمانية في سوريا بين المجتمع والسلطة تقرير وسام العبدالله نشر في موقع اليوم الثالث تاريخ 27/8/2017
[ii] قانون الأحوال الشخصية في سوريا بين الواقع والطموح بحث سحر حويجة منشور في المنتدى القانوني السوري تاريخ 2018.
[iii] د. . عبد الوهاب المسيري العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة المجلد الأول .
[iv] وكييديا الموسوعة الحرة .
[v] ازكي بن ارشيد مقال على موقع الجزيرة نت ا تحت عنوان الدولة المدنية هل تشكل نقيضا للدولة الإسلامية
[vi] د. نصير العميري مقال معضلات الصراع السياسي بين العلمانيين والإسلاميين موقع المواطن 23/ 10 /2019
[vii] حركة القبيسيات شكوك عقائدية ومخاوف سياسية تقرير عفراء محمد D W
[viii] نور دالاتي عنب بلدي مقال قانون الاوقاف الجديد سم في عسل الديمقراطية .
بواسطة Mona Asa'ad | نوفمبر 5, 2019 | Roundtables, غير مصنف
*تُنشر هذه المادة ضمن ملف “آفاق العلمانية في سوريا” بالتعاون مع “حكاية ما انحكت” و”جدلية“
ساد في مجتمعنا، ولا يزال، الكثير من الخلط والتشويه بشأن مفهوم العلمانية، باعتبارها نقيض الدين وصنو الكفر والإلحاد، وهذا تشويه مقصود ساهم به بداية إرث الحقبة البعثية التي تدّعي العلمانية، عبر أدوات الاستبداد والمواقف الإقصائية المعادية للدين والإيمان والمؤمنين أيضا، ولكل من لا ينضوي تحت رايتها، تيمنا بتجارب أنظمة الاستبداد الشيوعي شمولية الطابع.
استمرت هذه الحقبة لخمسة عقود تقريبا، احتكرت فيها الدولة مساحة الشأن العام والعمل السياسي، كما احتكرت الاقتصاد وثروات البلد، وسيّجت نفسها بأجهزة أمنية وجيش عقائدي، يتبنى أيديولوجية الحزب القائد التي حَلتْ تدريجيا مكان ولائه للوطن وحقوق المواطنة، ودجنت في هذا السياق كل تعبيرات المجتمع المدني والنقابات التي أصبحت تابعة لمكتب الأمن القومي في قيادة حزب البعث، القائد للدولة والمجتمع وفق نص الدستور السوري.
أنظمة تدّعي العلمانية
مع ذلك لم تتوان هذه الأنظمة التي تدعي العلمانية عن توظيف مفهوم الخصوصية الدينية والقومية، واستغلال الحس الديني لجمهور المسلمين، كأدوات في صراعها مع الإسلام السياسي، فكان السادات الرئيس المؤمن في مصر، وأضاف صدام حسين عبارة “الله أكبر” للعلم العراقي عام 1991، فيما رعى نظام الأسد في دمشق أكبر طفرة في بناء الجوامع، إضافة لإنشائه “معاهد الأسد لتحفيظ القرآن“، والأهم من ذلك كله، أن هذه الأنظمة التقدمية والعلمانية كانت حريصة في كل الدساتير التي أنتجتها، على النصّ بصيغ متعددة أن “دين رئيس الدولة هو الإسلام”، وأن “الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع”!
هذه البراغماتية تُصر من موقعها في السلطة، على احتواء جمهور الإسلام الشعبي، عبر مؤسسات الإفتاء والأوقاف وخطباء الجوامع، وعن طريق رشوة هذا الجمهور ببعض الشعارات، أو بناء بعض الجوامع، أو بالسماح لبعضهم أن يتغيب عن عمله الوظيفي لأكثر من ساعة يوميا بحجة صلاة الظهر!
بالمقابل، لم تجد هذه البراغماتية في لحظة ما، ضيرا من احتواء بعض المثقفين أوالقوى العلمانية في مجتمعاتها، بدافع الاستجابة لضغوطات غربية، أو لمطالب المنظمات الدولية بضرورة تحديث القوانين فيما يخص الحريات العامة وحقوق الانسان، وبشكل خاص حقوق النساء والأطفال.
قوانين دخلت الأدراج ولم تخرج منها
في هذا السياق ساهمتُ مع فريق قانوني من الزميلات والزملاء، عملًن مع “الهيئة السورية لشؤون الأسرة، والتي كانت قد أنشئت بالمرسوم 42 لعام 2003، بهدف تحديث بنية الدولة القانونية والدستورية، ومُنحت حق العمل على تعديل كل التشريعات بما يفضي لتعزيز المساواة بين الجنسين.
أنجزنا عمليا “قانون حقوق الطفل السوري” و”قانون الأحزاب والجمعيات في سوريا”، وكنا بصدد إعداد قانون أسرة عصري بديل لقانون الأحوال الشخصية، وتمّ نقاش القوانين المنجزة مع فريق من القانونين السوريين ثم مع ممثلي الاتحاد الأوروبي والمنظمات الدولية في دمشق، ومن ثم أحيلت هذه المشاريع القانونية إلى الجهات صاحبة الاختصاص لمناقشتها وإقرارها، لكنها دخلت الأدراج ولم تخرج منها.
فهكذا صحوة لم يكن مقدراً لها أن تستمر أكثر، إذ طُوي ملف تحديث وتطوير البنية القانونية في سوريا سريعاً، وبشكل خاص ما يتعلق منها بقانون الأحوال الشخصية وحقوق المرأة والطفل، بل أكثر من ذلك، إذ طُرح عام 2009، مشروع قانون أحوال شخصية جديد يعبر عن نزعة أصولية أكثر تخلفاً وتمييزا وانتهاكاً لإنسانية المرأة وحقوقها، الأمر الذي أثار حفيظة غالبية المثقفين السوريون والسوريات فانبروا لمناقشته ودحضه، وحالوا دون إقراره.
انكفاء إلى ما قبل الدولة
في ظل مناخات الاستبداد البعثي/ العسكري، وغياب الدولة الكبير عن وظائفها في حقل الخدمات والتنمية وحماية مواطنيها، ظهرت أشكال من الانكفاء باتجاه بنى مجتمعية وأيديولوجية تنتمي لما قبل الدولة الحديثة، بدءا من العائلة وامتدادا إلى العشائر والقبائل وانتهاء بالطوائف وحتى الانتماءات المناطقية أو الجهوية، والتي شكلت مناخا ملائما لانتعاش كل أشكال التدين من الصوفية إلى السلفية، وصولا للإسلام السياسي والحركات الجهادية التي وجهها النظام باتجاه خصمه التاريخي ممثلاً بسلطة البعث في العراق، قبل أن ترتد إليه بعيد اندلاع انتفاضات الربيع السوري عام 2011.
كما ظهر في سياق هذه الانتفاضة عدد كبير من الانتماءات الدينية والطائفية والعشائرية والقبلية والإثنية، التي كان الاستبداد البعثي ينكر وجودها قبل انهيار أصنامه. لذلك يمكننا القول، أن هذا الربيع، ورغم مآلاته الراهنة، نجح بتعرية ثنائية الاستبدادين البعثي والديني، فالأول دافع عن بقائه ضد الشعب من خلال خلق استقطابات مذهبية وإثنية ومناطقية، كما استقوى بدول وميليشيات ساهمت بتدمير البلد والمجتمع وبنى الدولة، فيما ذهب الإسلام السياسي وقواه المفوتة تاريخيا في الاتجاه ذاته عاكساً المنحى فقط، حين اعتمد الخطاب الطائفي والتقسيمي للسوريين، واستعان بقوى أشد تخلفا ووحشية، ساهمت بخراب سوريا وقتل وتشريد السوريين.
إشكالية الإسلام السياسي
إشكالية الإسلام السياسي أنه يرفض الفصل بين حقلي الايمان والعبادات وبين شؤون والدولة، معتبرا أن الإسلام لم يكتف بالجانب الإيماني من العقيدة، بل نظم شؤون البشر في المأكل والملبس والتعامل، ويضيف دعاته أن زمن الخلافة الإسلامية عهد بالسلطتين الدينية والسياسية للخليفة أو السلطان، فهو الحاكم وهو الإمام أيضا، وبرأيهم أن ذلك معاكس لما عرفته الأديان التوحيدية السابقة، لذلك أصروا على شعار “الإسلام هو الحل”، متجاهلين فعل الزمن وضرورات العصر من جهة، ومتجاهلين إشكالية التعدد والانقسامات بين الأديان، وحتى داخل الدين الواحد.
يفسر هذا عداء ورفض الخطاب الإسلامي المتطرف للعلمانية، بقصد إبعاد حاضنتهم ذات الإسلام الشعبي غير المتطرف عن هذا المفهوم، وعن المنادين به من مثقفين وقوى اجتماعية وسياسية، باعتبار أن العلمانية هي كفر وفجور، وخروج عن الشرع والتقاليد الموروثة لمجتمعاتنا المحافظة، بل وتخريب لها وزعزعة لاستقرارها أيضاً.
فيما يكتشف أي متتبع لمعادلة الصراع بين الاستبدادين العسكري والديني في سوريا، أنه كان صراعا على المصالح والدنيا، ولم يكن يوما بشأن الدين والعلمانية، وهذا ساهم بخلق استقطاب أيديولوجي تبسيطي، وضع السوريين وحتى شرائح من مثقفيهم أو فعالياتهم السياسية والمدنية بين فكي ثنائية الاستبداد الغبية، التي أعاقت تطور وتحديث المجتمع، لأن ذلك يحتاج إلى مناخات من الحرية والديمقراطية، بما فيها حرية الإيمان وممارسة الطقوس والشعائر الدينية، والتي لا يمكن لأي دولة دينية أن توفرها.
الدولة الدينية دولة استبدادية بالضرورة
فالدولة الدينية عبر التاريخ هي بالضرورة دولة استبدادية لأنها تقصي باقي الأديان عن المجال السياسي للدولة الذي تحتكره، كما نشاهد في دولة إسرائيل مثلاً، ناهيك أن الدين عموما والإسلام تحديدا منقسم ومتعدد تاريخيا إلى مذاهب وطوائف، سيجري استبعادها أو اضطهادها في أي دولة دينية، مثال نظام الملالي في إيران في كل سياستها الداخلية وفي حروبها الخارجية، فكيف يمكننا الخروج من هذا المأزق؟
حاول الشيخ علي عبد الرازق منذ عام 1925، أن يعالج هذا الموضوع في كتابه “الإسلام وأصول الحكم”، رافضا فكرة الحكم الإسلامي، ومضيفا “أن الإسلام رسالة وليس حكما، وأنه دين وليس دولة”، كما أكد: “أن الخلافة ليست نظاما دينيا، والقرآن لم يأمر بها ولم يشر إليها، والدين الإسلامي بريء من نظام الخلافة”.
لذلك نحن نحتاج لبدائل عن دولة الخلافة الدينية التي تُقسّم المجتمع ولا توحده، وتدمر الاقتصاد ولا تصنع تنمية، وتقف على الضد من العصر والتاريخ ولا تطور العلم والمجتمع، نحن نحتاج إلى دولة معاصرة تتبنى مبدأ العلمانية والنظام الديمقراطي التعددي، وتنهي حقبة الاستبداد، وتوقف مسلسل الحروب والاقتتال، وتوحد كل مواطنيها تحت سقف الدستور والقانون الذي يحولهم إلى شعب قادر على صناعة مستقبله.
العلمانية لا تحارب الدين
العلمانية هي نظام فلسفي واجتماعي وسياسي يقوم على مبدأ فصل الدين عن الدولة، دون أن تحارب الدين أو الايمان، بل تعتبر أن الدين يرتبط بالأشخاص الطبيعيين أو الحقيقيين، ويكون مجاله في حيز الضمير الشخصي للأفراد، والمعتقدات الفكرية والإيمانية، ولا يجوز أن يرتبط بالدولة، لأن الدولة في الفكر السياسي المعاصر، هي كائن اعتباري كأي مؤسسة إدارية، يمكن للسكان فيها أن يؤمنوا بدين أو أديان أو لا يؤمنوا بشيء من ذلك، وعلى الدولة أن تكون محايدة تجاه الأديان كلها وتجاه مذاهب مواطنيها واعتقاداتهم المتنوعة.
أن إطلالة سريعة على الدول الغربية التي تعتمد في دساتيرها مبدأ العلمانية، ورغم الكثير من الشوائب التي تنمو في ثنايا بعضها هنا أوهناك، إلا أن تلك الدول حافظت على حيادها تجاه الدين أو الأديان عموما، دون العداء لها أو محاربتها، فالدولة العلمانية ومن باب ديمقراطيتها تحترم كل الأديان وتحميها، وتحترم المتدينين بكل تلاوينهم ومللهم، وتدافع عن حقهم في الاعتقاد وممارسة طقوس العبادات، كما تحترم حقوق رافضي التديّن أيضاً، لكنها تحول دون تعدي دين ما أو المتدينين على حيز الشأن العام من الإدارة وأنظمة الدولة، التي لادين لها.
لا بد من نظام ديمقراطي يؤصل لمبدأ العلمانية
وفي واقعنا العياني كسوريين، في بلد يعيش حرباً أو حروباً فوق أرضه، وتصفية حسابات إقليمية ودولية مستمرة منذ سنوات، وبعد أن أصبح قرابة نصف عدد سكانه بين نازح ولاجئ، أصبحنا بحاجة ماسة إلى قوة كبيرة لاستعادة لحمة السوريين التي ضيعها الاستبدادان العسكري والديني، ولا يبدو أن أيا منهما قادر على ذلك الآن أو في المستقبل، ولا بد من نظام ديمقراطي يؤصل لمبدأ العلمانية باعتبارها الممكن الوحيد في إطار هذه اللوحة الرمادية، بل هي ضرورة تاريخية لأي مشروع وطني وديمقراطي في سوريا المستقبل، مشروع دولة لا دينية، مهمتها السيطرة عبر عقد اجتماعي مع كافة مواطنيها على المجال السياسي والإدارة العامة، هذا العقد الاجتماعي هو الذي يوحد كل مواطني الدولة تحت سقف الدستور والقانون ويحولهم إلى شعب، بغض النظر عن معتقداتهم ومذاهبهم.
العلمانية الغربية كمثال
والتاريخ خير دليل على ذلك، حيث عاشت المسيحية الغربية صراعات دامية وانقسامات مذهبية متعدد، بدأت مع الإصلاح الديني الذي قاده مارتن لوثر عام 1517، ودفعت أوروبا ملايين الضحايا ثمنا لهذه الانقسامات، قبل أن توقع الإمبراطورية الرومانية المقدسة في عام 1648، صلح وستفالياPeace of Westphalia”“، الذي أنهى حقبة الحروب الدينية بين البروتستانت والكاثوليك.
أهمية هذا الصلح أنه أرسى نظاما جديدا في أوربا يقوم على استقلال كل دولة ضمن حدود أراضيها، أي سيادة الدول بالمعنى السياسي والإداري في حدود الجغرافيا، كنقيض لسيادة الكنيسة أو المقدس الذي لا حدود له، بمعنى آخر فصل مؤسسة الدين عن مؤسسة الدولة، وليس إلغاء الدين ومحاربته، مما سمح لاحقا بتطور أنظمة الحكم والإدارة والاقتصاد بعيدا عن هيمنة النص الديني ومصالح الكنيسة.
غياب الإصلاح الديني الإسلامي
المجتمعات الإسلامية بكل أسف لم تعرف هذه الحقبة من الإصلاح الديني، فانحطاط الخلافة العثمانية في أواخر أيامها، شجع الاستعمار الأوروبي على تقاسم تركة الرجل المريض، ولم تقم أنظمة الاستقلال اللاحقة بتحقيق تطور مجتمعي وديمقراطي لبنى وهياكل الدولة، حيث ساهمت الانقلابات العسكرية المتلاحقة في سوريا، بالانتقال إلى سيطرة الاستبداد البعثي وديكتاتورية الحزب الواحد، التي أنتجت فشلا ذريعا في كل المستويات الأخلاقية والسياسية والتنموية.
أليست مفارقة في سوريا وفي المنطقة بشكل عام، أننا وبعد 500 سنة على الإصلاح الديني الذي عرفته المسيحية وأوروبا، أن نعود إلى أردأ نسخة من الخلافة الإسلامية بصيغتها الاستبدادية المتخلفة، التي ظهرت باسم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق “داعش”، والتي أدت إلى تدمير المجال السياسي والاقتصادي والحقل العام للإدارة والمجتمع المدني، وأساءت إلى جوهر الدين العقيدي أو الإيماني، حين أعادت الناس إلى بداوة الصحراء وجهل الأمراء والشرعيين، الذين قطعوا الرؤوس وسبوا النساء وباعوهن جواري في سوق النخاسة، وتآمروا باسم الدين والله على الناس، مما أنتج الفشل التاريخي الراهن للإسلام السياسي الذي يقف على النقيض من العالم والتاريخ ومصالح الشعوب.
نعم، إن الواقع مزري، ولا طريق للنهوض خارج مشروع وطني ديمقراطي يتبنى العلمانية إطارا دستوريا لبناء الدولة.
بواسطة Wael Sawah | أكتوبر 29, 2019 | Roundtables, غير مصنف
*تُنشر هذه المادة ضمن ملف “آفاق العلمانية في سوريا” بالتعاون مع “حكاية ما انحكت” و”جدلية“
كان الخطاب العلماني في سوريا أحد ضحايا الثورة السورية. وقد جاءت تلك الخسارة نتيجة لأكثر من مسبّب واحد، حيث تعاون النظام والفصائل الإسلامية ودول الخليج وتركيا على تحييد هذا الخطاب وإفقاره وإقصائه من على طاولة النقاش. وبينما استخدم النظام العلمانية كورقة سياسية وزينة تجميلية فارغة من أي مضمون، هشّمت فصائل المعارضة مفهوم العلمانية باعتباره مرادفا للإلحاد والردّة.
قبل اندلاع الثورة، كان ثمّة حوار حاد (وجارح أحيانا)، بين أربعة تيارات فكرية تناولت مسألة العلمانية.
التيار الإسلامي والعلمانية
التيار الأول كان التيار الإسلامي الذي لا تهادن بين فكره وبين الفكر العلماني، وقاد هذا التيار رجال دين مثقفون وفقهاء[1] وآخرون سوقيون وشعبويون[2]. واتفق الجميع على استسهال الاستشهاد بالمقدس[3] في مواجهة الدنيوي واختصار السجال بفكرة أن العلمانية هي نتاج غربي يهدف إلى تدمير الإسلام، بل ذهب البعض أبعد من ذلك فصرّحوا أن العلمانية نتاج الحركة اليهودية التي “أرادت نشر الإلحاد في الأرض فتسترت بالعلمانية،” كما يقول عبد الرحمن حسن حبنّكة.[4]
تيار النظام
التيار الثاني هو تيار النظام الذي عقد تسوية تاريخية بينه وبين التيار الإسلامي، وعلى رأسه الشيخ الراحل محمد سعيد رمضان البوطي، بحيث يترك الإسلاميون السياسة والاقتصاد للنظام وجماعته، ويتخلّى النظام بالمقابل عن الفضاءين الثقافي والاجتماعي لرجال الدين.
وزاد من قوّة هذا الاتفاق الضغط الدولي على النظام السوري بعد الاحتلال الأمريكي للعراق ودور سوريا في توريد مقاتلين جهاديين للقتال ضدّ القوات الأمريكية وارتكاب أبشع المجازر الطائفية. نتيجة تلك الضغوط، استخدمت السلطة المزاوجة بين الوطني والديني كورقة في مواجهة الضغوطات الخارجية التي كانت تتعرض لها. وقد لاحظنا قبل الثورة ارتفاعا كبيرا للخطاب الديني في الأداء السياسي لصناع القرار في سورية، وبخاصّة أثناء أزمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وما تلاه من ضغوط خارجية على الحكومة السورية، وارتفاع وتيرة الغزل بين أركان السلطة وأركان المؤسسة الدينية الأكثر انغلاقا. ورأينا انفلاتا همجيا للفئات الإسلامية الأكثر تطرفا، تجسّد في ذروته في إحراق وتدمير سفارتي الدانمارك والنرويج في شباط 2006.
شحرور والخزنوي
وكان على التحالف العتيد ما بين النظام ورجال الدين أن يزيل من على الطريق العثرات التي يمكن أن تقف في وجه هذا المدّ أو تنغّص عليه، فهوجم رجال الدين المنفتحون، كالدكتور محمد شحرور[5]والدكتور معشوق الخزنوي. لطالما كرّر شحرور أن “الإسلام لا يتعارض مع العلمانية، والناس بالنسبة له سواسية، يتميزون بقدر عملهم الصالح”. وحدّد بكل وضوح أن “وضع بند ‘الإسلام دين الدولة’ في أي دستور لا معنى له، بل يحمل مغالطة للتحكم برقاب الناس، وأفضل من هذا التركيز على دولة المؤسسات والقانون، بحيث يحكم فيها أمثال ميركل وترودو من خلال مؤسساتهم لا شخصهم”[6].
أما الخزنوي فكان قبيل مقتله ينادي علانية بالعلمانية التي تعني وفق كلماته “في النهاية فصل الدين عن الدولة. وهو مطلب يخدم كلا الطرفين، فابتعاد الدين عن الدولة والعمل السياسي، حماية للدين نفسه، ولمكانته وقيمه ومثله العليا”[7].
وتترافق الدعوة إلى العلمانية، في فكر الخزنوي، مع فكرة “لا إكراه في الدين،” وفكرة الأخوة الإنسانية التي يعتبرها أمرا رئيسيا. ولذلك عمل الخزنوي على “البحث عن المشترك بين الناس في مختلف اتجاهاتهم الفكرية والسياسية والاجتماعية وخاصة أبناء الوطن الواحد”[8]. ولذلك، اضطر محمد شحرور إلى الهجرة بمذهبه العقلاني إلى الخارج، بينما لقي معشوق الخزنوي حتفه تعذيبا واغتيالا في منتصف العقد الأول من هذه الألفية.
تيار “تأليه الشعب”
التيار الثالث شكّل طيفا واسعا من المثقفين السوريين الذين يؤلّهون “الشعب” ويسعون إلى استرضاء “الأغلبية”، وينادي هؤلاء بعلمانية لطيفة بلا أنياب تبقى في الإطار الفوقي للدولة دون أن تنزل إلى الناس في المجتمع.[9] هؤلاء يعتبرون أن العلمانية، لأنها تبحث في ضرورة فصل الدين عن المؤسسات واعتبار أن الأولوية للإنسان وليس للدين ومؤسساته رجاله وطوائفه، إنما تصبّ في خدمة الدكتاتور، وترحم الأغلبية (السنية بتركيبتها) من حرية التعبير.[10]
ويريد هؤلاء تخليص علمانيتهم اللطيفة من براثن العلمانيين الفجّين وجعلها مقبولة من الأغلبية، فيقولون إن العلمانية لا تتعارض مع الإسلام ويبحثون عن جذور لها في التاريخ العربي الإسلامي.
تيار “الأقلية”
كان التيار الرابع[11]على الدوام تيّار الأقلية التي كانت تطالب بدولة غير مؤدلجة، تقف على مبعدة واحدة من جميع الأديان والمعتقدات، ولا تتدخل في محتوى العقائد الدينية وليس من شأنها تنظيم الديانات، وعليها أن تُعامِل، على قدم المساواة، جميع الديانات والمذاهب الفلسفية الإنسية دون تبني أي منها أو تفضيل واحدة على أخرى. وهي لا تكفل فقط حرية المعتقد، بل وتضمن الممارسة الحرة للشعائر الدينية، وتحمي الأفراد وتضمن لهم حرية الخيار بأن يكون لهم اتجاه روحاني أو ديني أو لا يكون. وتحرص على ألا يكون بإمكان أي مجموعة أو أي طائفة أن تفرض على أي شخص هويتها الدينية أو الطائفية أو الانتماء إليها، وبشكل خاص تقسيم الأفراد بالقوة وفق الأصول العائلية لهؤلاء الأفراد.
العلمانية في ظل الثورة
مع قيام الثورة السورية، ازداد التيار الأول قوّة وسطوة، سواء أكان في مناطق المعارضة أم في مناطق سيطرة النظام، وبات ذكر مصطلح علمانية أمرا مكروها إن لم يكن محرّما، وغدت تهمة بحدّ ذاتها في بعض مناطق سيطرة الفصائل المسلحة، توازي الكفر أو الردّة. وتخلّى مثقفون سوريون علمانيون أو شبه علمانيين عن طرح أفكارهم، وذهبوا يدارون علمانيتهم بمصطلح جديد هو “المدنية“. بل انزاح بعضهم إلى لعب دور مصلحين دينيين بدل دورهم كناقدين،لهم، فطرحوا مسألة “الإصلاح الإسلامي”، راجعين بفكرهم قرنا ويزيد، وواجدين أنفسهم في أحذية محمد عبده ومحمد رشيد رضا، نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين.
انحناء النظام أمام المد الديني
ولم تكن مناطق سيطرة النظام بأحسن حالا، فالنظام الذي يباهي بعلمانيته اضطر إلى الانحناءأمام المدّ الإسلامي، ويمكننا أن نرى ذلك جيدا من خلال قانون وزارة الأوقاف السورية المثير للجدل، الذي اعتبر جمهرة من البعثيين ومؤيدي النظام أنه “يرسخ الانقسام الديني في البلاد ويجعلها وزارة تحكم قبضتها المطلقة على عدد من مفاصل الدولة الدينية وتحولها إلى وزارة لا شريك لها في اتخاذ عدد من القرارات”[12].
ولم ينحنِ النظام أمام التمدّد الإسلامي فحسب، بل قدّم تنازلات أيضا للمرجعيات الشيعية والكنائس المسيحية، ما جعل البلد الواحد، بل المدينة الواحدة عدّة بلدان وعدّة مدن. ففي دمشق مثلا يختلف نمط الحياة في القصاع وباب توما اختلافا كبيرا عن الميدان ويختلف الحيّان عن حيّ الأمين أو السيدة زينب. وكانت النتيجة تعميق الانقسام المجتمعي بين مكونات الأمة السورية.
حال العلمانية السورية اليوم
ويحقّ لنا استنتاج أن حال العلمانية في سوريا اليوم أسوأ من حالها قبل عقد من الزمان وقبل عقود كثيرة. وسوريا التي طالما عرفت، منذ انفكاكها عن الإمبراطورية العثمانية، نوعا من العلمانية الشفافة التي، وإن لم تسمّ باسمها، فإنها كانت واضحة ولينة ولم يعترض عليها معترض، تجد نفسها اليوم في حال أسوأ بكثير، فكثرة ممن يدّعون العلمانية يقفون الآن في صفّ النظام وأيّدوا فجوره ضدّ السوريين، إما خوفا من التغوّل الإسلامي الذي كانوا يرونه رأي العين في مناطق سيطرة المعارضة أو تشبثا بمواقع يسارية بائسة تقوم سياستها على المناكفة وردّ الفعل وليس المبادرة والفعل.
وبالمقابل، تخلّى الكثير من المثقفين عن علمانيتهم، بزعم أن الوقت الآن ليس للترف النظري والفلسفي، بل للتغيير على الأرض. وسنحتاج سنوات قليلة قبل أن نعود إلى طرح القضية للبحث بشكل جدي ومثمر. ومع ذلك، فإن أي طرح لمستقبل سوريا بعيداً عن العلمانية سيكون خطوة أخرى باتجاه إبعاد البلاد عن الحداثة والديمقراطية والعيش المشترك، فالعلمانية ضرورة لإنتاج الدولة الوطنية الحديثة، في مواجهة اللادولة، أو الاستبداد والعنف والطغيان، وهي أداة السوريين الأكثر أهمية في تأسيس وحدتهم القائمة على أساس التعددية والتنوع والغنى القومي والطائفي والمجتمعي.
العلمانية ليس حكم قيمة
ولنتذكر في الختام أن العلمانية ليس حكم قيمة، بل هي أسلوب في الفكر والحياة، يعتبر أن الإنسان هو جوهر القضية وليس الفكرة أو العقيدة أو الدين. وهذا وحده ما يجعل من المتّحد المجتمعي مكانا صالحا للحياة والتفاعل والإنتاج والتطور.
وقد يكون أفضل ختام قول المفكر السوري جاد الكريم الجباعي في أن العلمانية “ليست صفة خارجية نطلقها على الدولة جزافاً وننزعها عنها جزافاً، وليست حكم قيمة ذاتياً يطلقه العلمانيون على الدولة، بل هي حكم واقع يتعلق بأساس الدولة الوطنية الحديثة ومبادئها، وليست اختياراً ثقافياً أو انحيازاً أيديولوجياً، إلا على صعيد الأفراد. الدولة الوطنية إما أن تكون علمانية وإما لا تكون دولة وطنية، بل لا تكون دولة. هذا الأمر لا يتعلق بواقع الاختلاف والتنوع، على الصعيدين الديني والإثني فقط، بل يتعلق بماهية الدولة الحديثة، دولة الحق والقانون أساساً.”[13]
هوامش
[1] كالدكتور محمد سعيد رمصان البوطي وعبد الرحمن حسن حبنّكة.
[2] ، كالشيخ عبد العزيز الخطيب، وبدرجة أقل الشيخ راتب النابلسي.
[3] يمكن بخصوص الاستشهاد بالمقدّس مراجعة المناظرة الشهيرة بين الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي والدكتور طيب تيزيني. متوفرة على الرابط https://bit.ly/2Wk3VKP وفي هذه المناظرة يعتمد الشيخ البوطي على سؤال يسأله لمناظره، وسيستند إليه في جلّ طرحه. ” هل كلانا مؤمن بأن النص الذي سنتحدث عنه إنما هو حصيلة وحي تنزّل من عند الله (…) وخوطب به الإنسان؟”
[4] عبد الرحمن حسن حبنكة، هوامش على كتاب نقد الفكر الديني، منقولة عن “محمد كامل الخطيب، حرية الاعتقاد الديني، مساجلات الإيمان والإلحاد منذ عصر النهضة إلى اليوم، منشورات رابطة العقلانيين العرب، دمشق – 358
[5] يقول الدكتور محمد شحرور في مقابلة له مع مجلة الجديد (https://shahrour.org/?p=8180 ) عندما صدر كتابي الأول «الكتاب والقرآن» عام 1990، لم أكن أتوقع أن يلقى ترحيباً، وتعرّض الكتاب لهجوم شرس في حينه، لكني لم آبه له، وكان رد معظم رجال الدين هو تحريم قراءة الكتاب، وبالطبع لم ألق قبولاً لدى الإعلام العربي على عكس شيوخ الطهارة وطاردي الجن، واليوم وبعد انتشار الوسائط المتعددة أصبح من الصعب منع المعلومة من الوصول لطالبها، وما قلته في التسعينات واعتبر تجاوزاً كبيراً على «المقدسات» أصبح اليوم يتداول حتى على ألسنة من هاجموه، ورغم أن الانتشار ما زال محدوداً إلا أني أتفاءل بالمستقبل، فجيل الشباب يبحث عن أجوبة لأسئلته. واتهم شحرور بالردة (راجع http://www.ahl-alquran.com/arabic/show_news.php?main_id=6739 كما اتهم بالعلمانية (راجع أسامة شحادة https://bit.ly/31PQvay)
[6] راجع: د. محمد شحرور، هل الدولة الإسلامية هي الحل؟ متوفر على موقعه الرسمي على الرابط التالي: https://shahrour.org/?p=4013
[7] للمزيد عن فكر الشيخ الخزنوي ورؤيته للعلمانية، راج: وائل السواح، الشيخ الكردي السوري محمد معشوق الخزنوي… خرج ولم يعد، جريدة الحياة 1 حزيران/يونيو 2005، متوفر على الرابط التالي: https://bit.ly/2BLixJS
[8] راجع وثيقة كان كتبها الراحل قبل وفاته، متوفرة على الرابط التالي: http://www.asharqalarabi.org.uk/huquq/b-huquq-18.htm
[9] انظر في هذا الصدد برهان غليون، المسألة الطائفية ومسألة الأقليات، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت 2012، المقدّمة، وفيها يقول: ” المثقفين (العلمانيين) سعوا “إلى نفي التعددية المذهبية والدينية الرمزي في إطار دعوة علمانية تتجاوز السياسي لتشمل المجتمع بأكمله، وتظهر كما لو كانت عقيدة جديدة للدولة والأمة يجب أن تنحل فيها أو تذوب العقائد والمذاهب والأديان الأخرى كلها”.
[10] يقول د. برهان غليون إن العلمانية باتت إيديولوجية لـ “تبرير ضرب حرية الاعتقاد الأساسية، ووسيلة للتغطية على انعدام هذه الحرية في الواقع والممارسة”. نفس المرجع ص 30.
[11] ومنهم عزيز العظمة، جورج طرابيشي، صادق جلال العظم، وراتب شعبو.
[12] هل فُصِّلَ القانون على مقاس وزير الأوقاف؟ موقع سناك سوري الموالي للحكومة السورية، متوفّر على الرابط التالي: https://bit.ly/2PmM8RM
[13] انظر جاد الكريم جباعي، دخل سياسي إلى العلمانية أو مدخل علماني إلى السياسة، موقع الأوان، متوفر على الرابط التالي: https://bit.ly/32NgQaJ
بواسطة Hassiba Abdel Rahman | أكتوبر 22, 2019 | Roundtables, غير مصنف
*تُنشر هذه المادة ضمن ملف “آفاق العلمانية في سوريا” بالتعاون مع “حكاية ما انحكت” و”جدلية“
كثرت التساؤلات في السنوات الماضية عن مستقبل الدولة السورية، الاجتماعي والسياسي والثقافي، ولكل منهم حقله ومفاعيله ومنظوماته ومساراته. وسنخص بالنقاش موضوعا متصلا بهذه الحقول اتصالا عضويا، وهو بنية وطبيعة الدولة السورية المستقبلية: هل هي دولة علمانية؟ أم دولة دينية؟ أم ستبقى دولة هجينة؟
وللإضاءة على ذلك، لابد من عرض مكثف عن جذور العلمنة المبكرة في سوريا والمرتبطة بالمشرق العربي، وأسباب فشل تطبيقها.
أسباب فشل العلمنة في سوريا
بدأ الفكر العلماني القومي بالظهور في المشرق العربي أواسط القرن التاسع عشر (إبان الاحتلال العثماني) وترجم على الأرض بتكوين الجمعيات الفكرية والثقافية، وكان المركز الرئيسي لهذا النشاط مدينة بيروت (سوريا ولبنان كانتا موحدتين).
تأسست أول جمعية سورية لإحياء الفكر القومي العلماني (1857) الجمعية العلمية السورية، التي تأثرت بقيم وأفكار الثورة الفرنسية نتيجة الدراسة والاحتكاك والبعثات التبشيرية (إبراهيم اليازجي، محمد أرسلان، بطرس البستاني، فرنسيس المراش) وشكل هؤلاء المثقفون وسواهم، أحد أهم روافع الفكر القومي العلماني، وانضم إلى هذا التوجه (لاحقا) ضباط خدموا في الجيش التركي (وتأثروا بالثورة الفرنسية وبالفكر القومي الألماني) إثر فرض سياسة التتريك الإجبارية، ومن هؤلاء (مصطفى وصفي، وأمين الحافظ) بعد ثورة (1909) ونهوض القومية الطورانية، الأمر الذي أجج عوامل نهضة الفكر القومي وبلورته على الأرض، من خلال الانضمام إلى الثورة العربية الكبرى (1916)، ونيل دول المشرق العربي استقلالها ومن ضمنها سوريا (قلبه) عن الدولة العثمانية. لكن لم يمض عامان من الاستقلال (1918, 1920) إلا وانتدب الفرنسيون سوريا، بعد أن وجهوا لها الضربات المتتالية (ابتداء من منتصف القرن التاسع عشر)، سواء للصناعات المحلية، أو لتراكم رأس المال (أثره السلبي في نهوض طبقة برجوازية ليبرالية). لكنهم استحضروا بعض مظاهر الحداثة سياسيا (الانتخابات), إضافة إلى مناح أخرى محدودة كالطرق!
وبنفس الوقت، حافظ الفرنسيون على البنى القائمة، وتحالفوا مع القوى التقليدية التاريخية والراسخة من التجار، ورجال الدين والإقطاع الذين شكلوا السلطة المحلية للانتداب، ولم تختلف الصورة بعد الاستقلال، فهؤلاء من حكم سوريا حتى الوحدة، وعادوا بمرحلة الانفصال.
وسنفرد لكل مرحلة أسباب العجز البنيوي عن بناء دولة علمانية ديمقراطية. ولن ندخل مرحلة الانتداب ومفاعيلها من توزيع طائفي ومذهبي وجغرافي مُدَسْتر بين (1920، 1936).
فشل في إنجاز المهمات الوطنية
وسنلج إلى مرحلة الاستقلال والنخبة المسماة زورا “ليبرالية” التي تعاقبت على حكم سوريا، وفشلت في إنجاز المهام الوطنية والحداثوية، ومنها العلمنة، وذلك لأسباب تاريخية واجتماعية واقتصادية ودينية، أهمها العجز البنيوي لارتباطها العضوي بالسوق العالمية وتبعيتها له، إضافة إلى البنية التجارية الركيكة للمدن وتحالفاتها مع رجال الدين (الكثير منهم تجار وملاك أرض) والإقطاع المسيطر على الاقتصاد ككل (المديني والريفي)، ودور هذا الثلاثي المتجذر في البنية السورية الاقتصادية والسياسية لعقود طويلة.
وهذه البيئة والبنية أفرزت الصناعيين ورجال الأعمال بطبيعتهم المحافظة وعلاقاتهم، وهو التحالف الضعيف الذي تحكم بمفاصل الدولة والسلطة في سوريا (المتعددة الأديان والطوائف والمذاهب والقوميات). الدولة التي خرجت للنور مضطربة الاقتصاد والسياسة والجغرافية والحداثة، دولة متشابكة ومتناقضة ما بين مظاهر الحداثة وبنى القرون الوسطى، هذه العناصر جميعها تشابكت وتراكبت، لتصبح سببا رئيسا من بين أسباب عديدة أخرى، عرقلت تبلور طبقة أو فئة اجتماعية تتبنى عضويا مفاهيم العلمنة والحداثة والحرية والتعددية، وتحمل مشروعا حداثياً جدياً بمنطوياته المتعددة، ومنها العلمنة.
هذا العجز البنيوي لليبرالية السورية (المستولدة من رحم الإقطاع وسواه)، هو من مهد الطريق جراء فشل سياستهم الاقتصادية، لاكتساح الأرياف معالم الدولة الحديثة، الأمر الذي أدى إلى إقصاء المدينة نفسها (ولو جزئيا) عن الأفكار العلمانية وعن التيارات السياسية الديمقراطية، وإلى تهميش الأرياف الذي وجد أبناؤها في الأحزاب العلمانية ملاذا، يعدهم بالمساواة والمواطنية المتساوية، ووجدوا في الجيش ميدانا للترقي الاجتماعي، فتضافرت تلك العوامل لإيصال الجيش إلى السلطة، بالتوازي مع حرب فلسطين (وقيام إسرائيل) التي كشفت عجز النخبة الحاكمة الوطني، فأطيح بها من قبل حسني الزعيم الذي أقر دستوراً اقرب للعلمانية (لم يذكر دين الدولة أو رئيس الدولة)، والذي أُخضع للتعديل (1950) مرحلة حكم أديب الشيشكلي بعد صراع طويل حول فقرتي دين الدولة ودين رئيسها، واتفق المعنيون على كتابة الدولة مجردة، في حين تم تحديد دين الرئيس (الإسلام).
وبقيت قوانين الأحوال الشخصية خاضعة للشريعة الإسلامية، وبهذا استمرت الدولة الهجينة (حتى الآن) رغم صعود أحزاب علمانية فاعلة آنذاك، ولكن اقتصر فعلها على الحقل السياسي والحكم، وغاب عنها الفعل التنويري، لأنها أرجأت كل مشاريعها التنويرية والحداثية إلى حين وصولها إلى السلطة. ولعل أبرز تلك النخب الحزب القومي السوري، الذي ناضل لتحقيق الحداثة والعلمنة (ضرب مبكرا) والشيوعي. أما حزب البعث، فلم يكن علمانيا، لأنه مزيج من الفكر القومي ذي البعد العلماني ومرتبط بحبل سرة بالتاريخ العربي الإسلامي.
عندما حكم البعث
ولذا عندما حكم البعث سوريا (1963) بانقلاب عسكري، حاول ضرب مواقع القوى الاجتماعية والاقتصادية الرأسمالية المدينية من خلال التأميم، والإقطاع بقوانين الإصلاح الزراعي، والمتحالفين معهم من رجال الدين، وأبقى على البنى القديمة القادرة على إعادة إنتاج المفاهيم التقليدية وحواملها الاجتماعية والثقافية، وعندما سن البعث دساتيره المؤقتة (الثلاثة) لم يجرؤ على فصل الدين عن الدولة، ولم يحدث ثورة أو إصلاحاً على مستوى التشريع بما يختص بقوانين الأحوال الشخصية (الدينية) ولم يخض معركة الحداثة، والعلمنة (كما فعل بورقيبة في تونس)، وإنما دخل بصراع على السلطة والنفوذ والثروة وتجريد القوى المناوئة من مكامن قوتها، وتم ذلك على مراحل، حتى عندما حكم راديكاليو البعث (1966، 1970) اقتصرت إجراءاتهم الجذرية على التأميم والمواقف السياسية، ولم يفتحوا معركة العلمنة نتيجة ضعف قاعدتهم الاجتماعية وحوامل الحداثة والعلمنة، ولخوفهم أيضاً من القوى المناهضة وتمردها واتهامهم بالكفر. وبالتالي، حافظت “الدولة” على صيغتها الهجينة.
حافظ الأسد.. علاقة وثيقة بين الدولة وعلماء الدين
وعندما جاء حافظ أسد (ذو الخلفية الأقلوية) إلى السلطة ونتيجة حاجته لتوطيد أسس نظامه السلطوي وفي سياقٍ سياسي متغيّر، أحدث تغييرات في البيئة العلمانية المحدودة، فقام النظام بالعمل على رعاية علاقةٍوثيقةٍ بين الدولة وعلماء الدين على وجه الخصوص (دار الإفتاء والأوقاف) وعقد تحالفاً وثيقا معهما بما يمثلان (إضافة إلى الكومبرادور). وهذه الصيغة شكلت ركائز معادلة حكمه (وأبقى مسحة علمانية لاستدامة تآلفه الخاص البيئي والسياسي) ولا تزال سارية المفعول.
هذا العقد التحالفي أنتج دستور (1973) الذي أعاد صيغة دستور (1950) إثر مظاهرات في مدينة حماة، ورفض رجال الدين للنسخة التي لم تأت على ذكر دين رئيس الجمهورية، وفي هذه المرحلة ازدهر بناء الجوامع ونشط الخطاب الديني الذي تزامن وازدهر مع بناء الجوامع، وذلك لإرضاء حلفاء النظام الجدد وقاعدتهم الشعبية، وللوقوف بوجه اليسار الراديكالي الخ.
استمر العمل بجوهر دستور (1973) بما فيه دستور (2012). ولم تطرأ تعديلات حداثية فعلية تتعلق بالعلمنة وعلى وجه الخصوص شؤون الأحوال الشخصية والتشريع المرتكز على الشريعة الإسلامية.
أما في ملف الأحزاب، ومع العلم أن تحالف النظام السياسي ذا الطابع (الشكلاني) مع الأحزاب الخمسة المشكلة للجبهة الوطنية هي أحزاب علمانية ومدنية. ورغم ذلك أصدرت الحكومة السورية قانوناً ينظم عمل الأحزاب السياسية (2011)، ولم يأت القانون في مواده على ذكر “العلمانية”، وإنما أشار إلى شروط التأسيس بعدم قيام الحزب على أساس ديني أو قبلي أو مناطقي أو فئوي أو مهني، أو على أساس التمييز بسبب العرق أو الجنس أو اللون.
خطأ إطلاق صفة العلمانية على الدولة السورية
إن الوقائع سابقة الذكر، تؤكد خطأ إطلاق صفة العلمانية على الدولة السورية (المسيطر عليها من قبل الباتريمونالية، وتعني الإرثية الرأسمالية وإعادة إنتاج البنى التقليدية والغنائمية) وهذا ينطبق على توصيف المجتمع السوري أيضا ( المتعايش فطريا إلى أن يدخل الدين بالسياسة).
يضاف إلى تلك الوقائع، التذكير بأن المساجد والكنائس لا تزال كلمتها هي العليا، وقانون الأحوال الشخصية مازال ضمن إطار ومحور الشريعة الدينية، وفي المدارس لم تستطع المؤسسات التربوية إلغاء التربية الدينية، واستبدالها بمواد عن المواطنة. وأي مراقب محايد يلاحظ مؤخراَ ازدياد الجرعة الدينية في الدولة والمجتمع السوري من ازدياد معاهد تحفيظ القرآن إلى الجماعات الإسلامية مثل “القبيسيات” والجمعيات الخيرية، وتوسع ٍ في صلاحيات وزارة الأوقاف، وكأنها إعادة إنتاج وتجديد لتحالف النظام مع الأوقاف والإفتاء ولشرعيته بعد التحولات السورية الكبيرة، التي بدأت بالانتفاضة السورية كجزء من الربيع العربي (2011).
هل حجارة البركان السوري حجبت العلمنة؟
حمل الانفجار الجماهيري الكبير (2011) احتماليات مستقبلية كبيرة من مشاريع وبرامج جذرية لمسارات ديموقراطية وعلمانية (ونفث أيضا بواطنه المتخلفة). ولكن للأسف كانت قواه الفاعلة والمحركة, سياسيا وشعبيا, من الإسلام السياسي التقليدي بتلاوينه المتعددة، لأن اليسار الماركسي والقومي فقد مشروعيته ومشاريعه، والقوى الليبرالية (الحداثوية) ضعيفة، ولذا لم يُطرح أي مشروع نهضوي، واقتصر حقل الصراع على السلطة ( وأهمية صندوق الانتخاب)، ترافق ذلك مع تنظير بعض النخب العلمانية لمصطلح الدولة المدنية بدل العلمانية، كخطوة تراجعية عما طرح طوال العقود المنصرمة. وفي هذا الإطار، يأتي تخلي برهان غليون في مقابلته التلفزيونية مع المؤسسة الوطنية للإرسال (إل بي سي) عن الدولة العلمانية بما تمثل، إلى الدولة المدنية كمحصلة لاتفاقه مع الإسلاميين وغيره الكثير. وهذا التراجع هدف إلى تسويق مفهوم الدولة المدنية تمهيداً للحكم الإسلامي على النموذج التركي، وبرروا ذلك بأنه استبدال للاسم فقط، وليس المضمون.
فشل الانفجار العربي الكبير في معظم الدول (بما فيها سوريا) من تحقيق المأمول منه (ديمقراطية، حداثة، عدالة اجتماعية…) وانزلق نحو الحروب الأهلية في كل من ليبيا، اليمن، سوريا، والتي لا تزال دائرة.
حرب قادت سوريا إلى التطرف والتطيف والتقوقع، وربما التقسيم فخسر الوطن السوري (وغيره من بلدان المنطقة) فرصة تاريخية لبلورة مشروع تنويري حداثوي وديمقراطي، أو محاولة تقديم مشروع إصلاح جدي، كما حصل في القرن التاسع عشر والقرن العشرين على يد رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده وقاسم أمين وطه حسين وعلي عبد الرازق وعبد الرحمن الكواكبي وغيرهم الكثير.
والسبب (كما قلنا) يعود إلى طبيعة الفواعل السياسية والاجتماعية في الحراك وبنيتها الدينية التقليدية، فهي قوى بدون مشروع ولا برنامج، وكل ما تطمح إليه السلطة السياسية والثروة وإدخال رأس مال بنكهة إسلامية (أصحاب رؤوس الأموال من الإسلام السياسي) في تماثلية شديدة الوضوح بين أحزاب الإسلام السياسي والقوى الحاكمة المستبدة (ذات القشرة المدنية) من حيث البنية الرأسمالية، والهدف المركزي السطو على السلطة، وغياب المشروع، أضف إلى أنهما قوى غير ديمقراطية. إن طبيعة الصراعات الأخيرة قادتنا إلى تراجع جديد في مسار المشروع النهضوي. وفي هذا السياق لن ننسى دور التدخلات الخارجية ومشروعها مع الإسلام السياسي “المعتدل”، الإخوان المسلمين، وإن تراجعت عن تحالفها معهم بعد سقوطهم في مصر.
مسارات الحل السوري وأفق العلمنة
بعد سنوات من الحرب الأهلية السورية المدمرة والصراع الدامي على السلطة والثروة وسمات الصراع المذهبي متعدد الوجوه، إن لم نجرؤ (من باب توخي الدقة) على القول بأن الصراع اتخذ شكلا وبعدا مذهبيا، لم يكن الأول من نوعه، فقد سبقه الصراع المسلح بين النظام والأصولية الإسلامية (1979، 1982) وإن اكتسى قشرة تقدمي/ رجعي (ما يؤكد ما ذهبنا إليه أن النظام لم يكن يوما نظاما علمانيا) آنذاك.
وهذا الصراع المتجدد، يأتي في سياق اقتصادي واجتماعي وسياسي وثقافي، يتمظهر بالتوضع الطائفي والمذهبي نتيجة طبيعة وبنية القوى المتحاربة والمتخاصمة من حيث التركيبة الديموغرافية والمذهبية والفكرية القصووية المتقابلة. فالنظام السوري ذو الطبيعة الاستبدادية له سماته المذهبية والطائفية، ولاحقا جاءت بعض تحالفاته في المحيط الإقليمي (إيران) لتراكم رؤية وموقفا من النظام على أسس مذهبية من قبل كتل شعبية وقوى معارضة إسلامية، جاءت انتفاضة (2011) ومسارها، الذي جوبه وقطع بالعنف الوحشي الممارس من النظام، لتبلور معارضة تناقضه بالبيئة الاجتماعية وبالتوجه السياسي والتحالفات، وعناوين الصراع، قوى تعمل على القطع مع النظام والقتال ضده تحت شعار مذهبي دفع به إلى واجهة الصراع ومتاريس القتال من قبل الطرفين وعبّآ بيئيتهما، وشكّلا أدواتهما من ميلشيات عنف وعنف مضاد مع استخدام النظام لكل أدوات العنف في الدولة بحيث جر وحوّل الصراع، والذي كان يفترض أن يكون أفقيا، إلى صراع عامودي اجتماعي وسياسي، أسس لآفات تقسيمية طائفية ومذهبية مذرية، لأن طرفي الصراع بدون برنامج ولا رؤية، سواء للدولة أو للنظام، ومشروعهما السلطة، فالنظام دافع عن بقائه بكل الوسائل الدموية وغير الدموية، واستخدم ادعاءات الدفاع عن العلمانية (والأقليات) والممانعة وغيرها من الشعارات.
أما القوى المعارضة المسلحة الفاعلة على الأرض، وهي معظمها قوى إسلامية، طالبت بحقوقها (المفترضة) بحكم سوريا بما تمثل، ومن بينها الإخوان المسلمون. أما قوى المعارضة الأخرى، من يسارية وعلمانية وليبرالية، فهي الحلقة الأضعف (مفككة) وعاجزة عن الفعل.
والانتفاضة التي فتحت الباب أمام مشروع نهضوي تنويري حداثوي (كما ذكرنا سابقا) أغلقت الأبواب سريعا بالرتاجات بسبب طبيعة مواجهة النظام (استخدم كل صنوف العنف في وجه المتظاهرين) ورد الفعل من البيئة الواقع عليها العنف والقوى المشكلة والفاعلة لمواجهة هذا العسف، وتحولها السريع إلى الأسلمة، عدا عن وجود الإسلام السياسي الكامن في المجتمع السوري. هذه العوامل الداخلية، معطوفاً عليها التدخل الإقليمي الذي ضخ المال والسلاح من أجل إسقاط النظام وضرب ما يسمى الهلال الشيعي في منطقة هي قوس أزمات أصلا، فتحولت الساحة السورية إلى حرب خنادق بين طرفيين مستبدين وقصويين وقتلة، واستحضرت أشباح الماضي القاتم، وتجاهلوا عن قصد ابن رشد وابن سينا وغيرهم. وخسرت سوريا صياغة مشروع دولة وطنية ديمقراطية وعلمانية، بسبب غياب كتل شعبية لها أدواتها، تشكل حوامل هذا المشروع، واستطاعت القوى التقليدية الإسلامية السيطرة على الحراك وقيادته إلى حيث أرادت بدعم من الأطراف الإقليمية والدولية.
وبعد ثماني سنوات عجاف من أنهار الدم والتدمير والتهجير، وانهيار الحلم بالمشروع التنويري وسحقه، وتحوله إلى حلم ببقاء الدولة بحدودها الحالية وشعبها المتشظي إلى “ملل ونحل” وإنهاء الحرب بأبعادها كافة، وأهمه البعد المجتمعي والسياسي إثر بروز الهويات القاتلة (الطائفية والمذهبية) ما قبل مدينية، والذي يتطلب مصالحة وطنية مبنية على حل سياسي وتقاسم للسلطة بين النظام والمعارضة (بعد الفشل في إسقاط النظام). والسؤال الذي يطرح نفسه: أي معارضة سياسية، وهي إلى حد كبير افتراضية؟! هل هي المسلحة الفاعلة؟ وماذا سيكون دورها؟ وما هي طبيعة تحولاتها الداخلية، خصوصا والجزء الفاعل منها هو متطرف راديكالي؟ والذي يقود أيضاً إلى تساؤل عن الدور الذي ستلعبه هذه القوى (التقليدية والمتطرفة) مجتمعة في بنية وطبيعة الدولة القادمة وبنيانها، وإلى أي درجة ستخترقها؟ وعليه كيف سيعاد بناء هوية سورية وطنية؟
إنها تساؤلات جدية حول المستقبل السوري وسيرورة تطوره؟ وما هو شكل الدولة والحكم!
واستطرادا، من هي القوى التي ستحدد مستقبل سوريا الوطني؟ في واقع مدمى وممزق وممذهب، والذي يدفعنا لإعادة طرح علمانية الدولة مجددا كمفتاح لحل الأزمة السورية من أجل مجتمع موحد وسياسة معقلنة، دولة وطنية علمانية تضمن الوحدة الوطنية وتستطيع تجاوز الانقسام المجتمعي والشرخ البنيوي (بانتماءات ما قبل الدولة)، وفي الوقت نفسه تعبر عن مصلحة الدولة العليا، رغم ما يدور من التباس حول مفهوم العلمنة وارتباطه بأذهان العامة بالكفر…الخ، نتيجة الهجوم والتضليل الذي سيق ضدها طوال عقود مضت، بحيث لم يتم فهمها باعتبارها منظومة معرفية عقلية، وأحد وجوهها فصل ما هو دنيوي عن ما هو ديني.
كيف ستأتي العلمنة؟
والسؤال الذي يتلو بالضرورة هذه الرؤية: كيف ستأتي العلمنة؟ بإسقاط فوقي (وله مساوئ عديدة) أم تحتي؟ وأي كتل شعبية وطبقية ستكون رافعة للعلمنة وممثليها (سياسيا)؟ وهل ستحّمل اجتماعيا للأقليات، كحالة دفاع عن ذواتهم؟
عندئذ تعاد الكرّة ثانية حول محدودية القاعدة الاجتماعية الرافعة لها (أيا كانت) والقوى المالية والدينية والاجتماعية الكلاسيكية التي سبق وأفشلت وستفشل تطبيق العلمنة في مرحلة كانت القوى الحداثية والعلمانية في ذروة حضورها وفاعليتها ولديها مشروعية، خصوصا والمنطقة تمر بأسوأ مرحلة لا تقتصر على الإسلاموية، وإنما على التطييف والتمذهب كنتاج للحروب المدمرة التي اصطبغت بالداء المذهبي. وهذا ما يعّقد هذا الطرح ويدخله باب الأمنيات والترجي! أم علينا الانتظار إلى حين نضوج إرادة شعبية أفقية لها قواعدها الاجتماعية والسياسية؟
سورية مريضة
وسورية، في حالتها الراهنة، مريضة، وفي العناية المركزة، وتحتاج للعلاج السريع، علاج يفتح الأفق لدولة سورية سليمة البدن، بحيث لا تبقى رهينة حليّن كليهما مر، الأول: بقاء نظام استبدادي ذي قشرة علمانية، والثاني: الذهاب إلى دولة دينية متطرفة تقضي على ما تبقى من مؤسسات مدنية وهياكل دولة، خصوصا والنخب العلمانية السورية الحالية لم ولن تستطع فرض ذاتها على طاولة المفاوضات، وبالتالي على شكل وماهية الدولة السورية التي يعاد بناؤها وصياغتها، وسوف تكون محصلة موازين القوى الفاعلة في الداخل والخارج ومعظم هذه القوى، العلمنة ليست على أجندتها، وبالتالي لن يأتي الحل بدولة علمانية ديمقراطية على أسس المواطنة المتساوية، وإنما ستبقي دولة هجينة (بناء على توازن القوى) في حال جرى تقاسم في السلطة! أو يتكسر المساران (العلماني والهجين) ونذهب إلى تحاصص طائفي ومذهبي، وهو الطريق الأخطر على مستقبل سوريا، لأنه يؤسس لحروب أهلية متعاقبة. أو تخرج من بين الأنقاض نخبة جديدة تقنع السوريين بضرورة العلمنة ودولة القانون…الخ.
مهمة ممكنة وملحة
وإلى حين ذلك، لدينا مهمة ممكنة وملحة، وهي الضغط على اللجنة الدستورية (الشكلانية) المشكلة حديثا، لأجل صياغة دستور علماني ديمقراطي يحفظ حقوق المواطنين جميعا لبلد فسيفسائي الطوائف والمذاهب والقوميات والأديان وممزق. دستور قائم على مبدأ المواطنة المتساوية والتشريعات الوضعية. مع أني لست متفائلة لأن القوى الدينية ستكبح ذلك، خصوصا أن الولايات المتحدة ودولا أخرى تعمل على دستور طائفي كما في لبنان والعراق، وهذا ما اتضح من خلال تسريب أوراق نوقشت (لقاء الولايات المتحدة والأردن والسعودية ودول غريبة أخرى 2018) عدا عن طرح بعض المبعوثين الغربيين للديمقراطية التوافقية” المذهبية والطائفية ومحاولة إقناع بعض النخب السورية بهذا الطرح، فهل سيقبل الشعب السوري ونخبه بهذا الطرح؟
بواسطة Karim Abu Halawa | أكتوبر 15, 2019 | Roundtables, غير مصنف
*تُنشر هذه المادة ضمن ملف “آفاق العلمانية في سوريا” بالتعاون مع “حكاية ما انحكت” و”جدلية“
مقدمة:
ما إن استقرت العلمانية في مؤسسات ودول وممارسات حتى تحولت إلى سردية كبرى أسوة بالحداثة التي ولّدتها. ومع الوقت، وبسبب المعارك الفكرية والأيديولوجية التي خاضتها ونجمت عنها، أصبحت شبيهة بالأيديولوجيات التي وعدت البشر بالتحرر منها، إذ سرعان ما أصبحت ديناً جديداً، أي عقيدة متماسكة وصلبة ومغلقة، وبدا أن مهمة الفكر النقدي تتمثل في تفكيكها أسوة بالسرديات الكبرى القومية والأممية والدينية. فخسرت الكثير من ألقها الفكري وميلها التحرري، وغدت صنماً يضاف إلى بقية الأصنام التي حاولت تهديمها. بهذا النقد الجذري انكبت تيارات ما بعد الحداثة الفلسفية على مراجعة فكر الحداثة ومؤسساتها، ومقولاتها التأسيسية ومن ضمنها العلمانية.
أسهمت الأزمات والحروب بنتائجها وخيباتها بتعرية وفضح الخطابات الخلاصية والنصوص التي وعدت الناس بالفردوس المفقود، كما فككت الإيديولوجيات والسرديات الكبرى في نظر أصحابها وفي عيون الآخرين. إذ لم تتمكن هذه المقولات من بناء وعي أعمق بواقع المجتمعات العربية، ولم تترافق إلا بممارسات فاضحة لادّعاءات أصحابها بدلالة الفرق الكبير بين ما يقال وما يمارس، على ما تشهد به التجارب المصرية والليبية والعراقية والسورية مع التطرف والإرهاب وسواها. وتصدعت بدرجات متفاوتة اليقينيّات الكبرى القومية والدينية لتسود أشكال نكوصية وتفتيتية من الوعي الضيق، سواء أكان مذهبياً أم طائفياً أم قبائلياً أم عشائريا، وبدا أن البون شاسع بين ما نبشر به وما نمارسه[1]. وتهاوت دعاوى دولة الخلافة على أرضية ممارسات الجماعات المتطرفة والتكفيرية الأشد دموية والأكثر همجية، ولم تنفع محاولات تسويقها وتجميلها بتأكيد انتسابها إلى الخبرات الإسلامية والوعي الجمعي ذي المرتكز التراثي الإسلامي، كما تم تأويله وإعادة إنتاجه في الميديا المعاصرة.
وفدت العلمانية مع مفردات منظومة الحداثة الغربية إلى الثقافة العربية إثر الاحتكاك المباشر مع الغرب، وأثار مفكرو النهضة الأوائل معارك فكرية ذات مضامين سياسية وثقافية، إبان محاولتهم الإجابة على السؤال النهضوي الكبير، والذي مايزال معلقاً ومطروحاً: لماذا تقدم الغرب وتخلف العرب والمسلمون؟؟.
في سياقها الغربي لعبت العلمانية دوراً إيجابياً في تسهيل انتقال أوروبا من العصر الوسيط إلى العصور الحديثة، وساهمت إلى جانب العقلانية والمعرفة العلمية الوضعية الجديدة في تغيير الرؤيا القديمة إلى العالم وفي نقل السياسة من السماء إلى الأرض فأصبحت شأناً إنسانياً خالصاً. وبالتالي أسهمت في تحرير الإنسان الأوروبي بالتضافر مع الإصلاح الديني والنهضة، من سلطة اللاهوت الكنسي وسيطرته على مقدرات أوروبا المادية والروحية، هذا التحول الذي استكملته فلسفة التنوير من خلال اعتبار الإنسان الفرد وأسئلته وحريته وملكيته أساساً للفلسفة السياسية الحديثة التي قالت بدولة الحق والقانون، وبالعقد الاجتماعي مع هوبز وروسو ولوك وتوصلت إلى فكرة المواطنة كبديل للصراعات الدينية. فعد الإنسان هو المركز بوصفه مواطناً وبصرف النظر عن لونه أو دينه أو مذهبه أو معتقده السياسي، الأمر الذي تكرس في معاهدة وستفاليا وبنيت على أساسه صيغة الدولة_الأمة التي يتطابق فيها الكيان الاجتماعي للأمة مع معادلها السياسي أي الدولة. لكن هذه التطورات والثورات والانقطاعات والتراكمات استغرقت أكثر من أربعة قرون وكلفت الأوروبيين الكثير من الدماء والأكثر من الأفكار والفلسفات والتراكم المعرفي.
نستخلص مما سبق أن العلمانية ليست بالظاهرة التي يمكن لنا توصيفها في بساطة ويسر. فهي جملة من التحولات التاريخية (السياسية والاجتماعية والثقافية)؛ وهي تندرج في إطار أوسع من مجرد التضاد بين الدين والدنيا (كما هو شائع)، وتنطوي على وجوه عدة:
- وجه معرفي:يتمثل في نفي واستبعاد الأسباب الخارجة على الظواهر الطبيعية والتاريخية _أي ظواهر الميتافيزيقية_ وفي التشديد على التحول التاريخي الدائم؛
- وجه آخر مؤسّسي:يتمثل في النظر إلى المؤسسة الدينية باعتبارها مؤسسة خاصة تضم دور العبادة وأنظمتها ومستلزماتها؛
- وجه سياسي:يتمثل في عزل الدين عن السياسة (الدولة)؛ وأخيرا،
- وجه أخلاقي قيمي:يربط الأخلاق بالتاريخ والضمير[2].
ولم تعد مسألة العلمانية والدين مطروحة في الغرب إلا بما تحيل عليه في عالم السياسة، أي لم تعد مشكلة ولا حلا ولا قضية خلافية لأن الواقع تجاوزها بشكل علمي ومعاش أي بفعل الممارسة، لكن الأمر مختلف في أوضاعنا ومجتمعاتنا العربية، إذ لم نتمكن من إنجاز الحداثة في السياسة والاقتصاد والمجتمع، رغم وجود العديد من مظاهرها وبقيت أشكال التحديث قشرية وبرانية تتعايش مع بنى تقليدية موروثة فكانت أقرب إلى حداثة التخلف، ولم نتمكن من امتلاك عوامل القوة في عالم اليوم والمرتكزة على الإنسان والعلم وتطبيقاته، وارتضينا بالضعف والهامشية، بل دخلنا في صراعات تناحرية بينت فداحة الثمن الباهظ الذي ندفعه، فبتنا مع الدول الأفريقية جنوب الصحراء خارج العصر وفاقدي السيطرة على مقدراتنا ومصيرنا.
نقد الخطاب العلماني ونقائضه:
على مستوى المآلات أخفق العلمانيون العرب في تقديم رؤيا للعلمانية نابعة من ضرورة التفكر بواقع العلاقة المعقدة بين الدين والسياسة في مجتمعات مفعمة بالروحانيات والمقدس، وبالتالي بدا وكأن دفاعهم عن علمنة الحياة يصب في مواجهة الدين، رغم قولهم أن ذلك ينطبق على المجال العام ولا يمس الشأن الخاص للإنسان ومعتقداته. فكان رد الخطاب الديني على دعاة العلمانية متطرفاً إذ بدوره اتهمهم بالكفر والخروج عن الدين، بل اعتبرهم البعض وكلاء للغرب يريدون افتعال مشكلة غربية ليستوردوا لها حلاً غربياً بحسب تعبير محمد عمارة[3].
وبتفكيك هذا السجال يتضح أن الطرفين قد دخلا إلى الموضوع مدخلاً إيديولوجياً غير آبهين بالمكونات المعرفية والسياق التاريخي الذي أنتج العلمنة كسيرورة تاريخية وتراكم معرفي، بل أصبح الموقف من العلمانية موضع تهمة مسبقة وشبهة حيث نسمع في وسائل الإعلام ونقرأ عبارات مثل (علماني والعياذ بالله، العلمانيون الملحدون، وكلاء الاستعمار، المستغربون، اللادينيون…. إلخ). وهي بصرف النظر عن تحيزها أوصمتها، تدلل على موقف مسبق وأحكام صحتها قطعية وعداء إيديولوجي للعلمنة يجعل الحوار بين الطرفين مستحيلاً.
وبمقابل قول العلمانيين أن للعلمانية خاصية لا تملكها الدولة الدينية وهي قبولها للتعددية والتنوع والانفتاح، يطرح الإسلاميون المتشددون شعار “الإسلام هو الحل” بوصفه ديناً ودنيا أي عقيدة وتشريعاً، وبالتالي فنحن لسنا بحاجة إلى العلمانية ولا إلى فصل الدين عن السياسة، وذلك لعدم وجود كهنوت في الإسلام على شاكلة المسيحية من جهة، ولأن الإسلام نظام سياسي اقتصادي اجتماعي صالح لكل زمان ومكان وفق الأيديولوجيا الإخوانية من جهة أخرى!!!
ومن الواضح أن المسكوت عنه في هذا الخطاب والذي تقوله جماعات الإسلام السياسي بصراحة في سياقات أخرى، إن نظام الخلافة الإسلامي على طريقة “المودودي” وسيد قطب ومحمد مرسي وآردوغان هو البديل المطلوب. ورغم نجاحات الإسلاميين على المستوى الشعبوي والتحريضي، إلا أن تجاربهم العملية في غالبية البلدان العربية تؤكد فشل هذه التيارات في تقديم الحلول لهذه المجتمعات، مثلما تبين أن الاستبداد الديني لا يقل خطورة عن الاستبداد السياسي، بل هو أخطر لأنّ الخروج عليه أصعب نظراً لاعتقاد أصحابه أنهم يدافعون عن الحقيقة وأن تأويلهم الديني هو الوحيد الصحيح، وأن الخروج عليه خروج عن إجماع الأمة ووحدة الجماعة، مع ملاحظة أن الأمة هنا هي الأمة الإسلامية ولو رمزياً باعتبار أن الخلافة تغطي نظرياً كل العالم الإسلامي.
لا يميز الخطاب السابق بين علمانية مؤمنة وعلمانية ملحدة، ولا يلتقط الفروق بين علمانيات متطرفة كالعلمانية الفرنسية أو الأتاتوركية وأخرى معتدلة، فهي جميعها وعلى ما بينها من فروق وتمايزات مدانة وغير مرغوب بها ولا تلزم هذه البلدان.
في حين ينطوي الفهم الأعمق والأشمل للعلمانيّة على اعتبارها مجموعة من القيم العقلية تستهدف إحراز استقلال الفكر وضمان حريته حيال تحليل ونقد العقائد والإيديولوجيات (سياسية، دينية). إنها موقف لروح أمام مشكلة المعرفة؛ فكما يقول محمد أركون:
[…] بمعنى حق الإنسان في معرفة أسرار الكون والمجتمع اعتماداً على عقله وخبراته. بهذا لا تكون العلمانية موقفاً من الدين فقط […] بل من قضية المعرفة. والعلمانية الفلسفية ليست الكفر؛ إنها بحث عن المعرفة، يدخل فيه الدين أيضاً، تقول بالدين وتبحث فيه بحثاً علميّاً ولا تقصد هدمه البتة. فهدف كل موقف علمي هو فضح الثوب التنكري التمويهي الذي ارتداه الفكر الإسلامي العربي[4].
أما إذا سألت هؤلاء عن وضع المرأة المتدني مثلاً في المجتمعات العربية، أو عن الفوارق الطبقية الحادة بين الأغنياء والفقراء، وعن أسباب استمرار التخلف والأمية والفقر وعن فشل التنمية، وانسداد الأفق أمام الشباب وتحولهم إلى التطرف، أو عن عمق حالة الاغتراب الوجودي التي يعيشها الإنسان بفقده السيطرة على مصيره ومستقبله، وكيف يكون الإسلام هو الحل لهذه القضايا؟ فلن تسمع سوى إجابات شاحبة وتبريريّة تعمق المشكلات بدلاً من أن تساهم في حلها. ولا يتساءل أحد عن الفرق بين الخطابات التي تصور النظام الإسلامي على أنه منصف للمرأة ويتماشى مع طبيعتها البيولوجية ويكرمها بوصفها أمّاً وبين الوقائع والأرقام التي تفضح هذا الزيف من خلال نسب الأمية الأعلى في العالم المنتشرة بين النساء في العالم العربي فضلاً عن النظر إليها باعتبارها مخلوقاً أقل أهلية وحقوقاً، على ماتبيّن أدبيات الثقافة الذكورية والتقليدية السائدة، والأمر نفسه ينطبق على غياب نظرية إسلامية في الاقتصاد والتنمية وتفسير الفوارق الطبقية الحادة، ولعل حال المسلمين، باستثناء القلة منهم، يوضح بشكل جلي كيف ينعكس المقدس على حال المؤمنين، وهذا هو الأهم بتعبير ماكس فيير، فهم رغم كل الادعاءات والديماغوجيا في ذيل قائمة الأمم والشعوب في التقدم والتنمية وحال المرأة والبحث العلمي وسيادة القانون واستقلالية القضاء وحريات التعبير والقول والاعتقاد والعمل الإبداعي، وإن تواجدت بعض هذه المؤشرات فهي فردية ومؤقتة ولا يبنى عليها ولا تشكل ظواهر لأنها تتواجد رغماً عن، وربما بسبب بيئة غير مؤاتية ومفوّتةتاريخياً.
فتفكيك الخطاب العلماني المتشدد يصبح ضرورة وشرطاً لتفكيك النزعة والتيارات المتطرفة دينياً وايديولوجياً، لأن منطق التطرف واحد وهو الإلغاء، إلغاء الآخر المختلف والمغاير باللون والجنس واللغة والمعتقد والدين والمذهب والقبيلة والعشيرة والعائلة، وذلك من أجل فرض الواحدية والتجانس المزعوم على مجتمعات هي بتوصيفها السيسيولوجي تعددية ومتنوعة. والمشكلة برأينا ليست في التعدد والتنوع، ولا بالطبيعة الفسيفسائية للعديد من البلدان العربية مثل لبنان وسورية والعراق وبدرجة أقل مصر وتونس والسودان …إلخ. المشكلة في إدارة هذا التنوع وفي قدرة النظم السياسية على بناء مجال/فضاء عام يتسع للجميع تحت مظلة الهوية الوطنية، مع الاعتراف بوجود وتعدد القوميات والأعراق واللغات وتداخل وتفاعل الثقافات الممتدة لآلاف السنين في هذه البقعة من العالم. إذ تتحدث الدراسات الأنثروبولوجية والتاريخية على تعاقب حوالي 38 حضارة على الأرض السورية بعضها عابر وأغلبها مقيم ومستمر بشكل أو بآخر. فإدارة التنوع هي الأهم والأبقى، وعليها يصبح التمايز والتعدد نقمة ومشكلة أو يغدو نعمة وعامل قوة وتماسك، شريطة تطبيق مرجعية متفق عليها بين الجميع والاحتكام لمبادئ وأسس المواطنة بحمولتها الفكرية والسياسية الحديثة والتي تكفل المساواة الحقوقية والسياسية لكل المواطنين على مستوى الحقوق والواجبات بصرف النظر عن جنسهم أو لونهم أو دينهم أو لغتهم أو معتقدهم السياسي.
بين مفهوم العلمانية ومضامينها:
كان محمد عابد الجابري يقول: ” إذا كانت العلمانية مقولة غربية نشأت في إطار الصراع مع الكنسية، فلماذا لا نبحث عن جوهر العلمانية وهو العقلانية والديمقراطية ونأخذ به بدلاً من العلمانية التي تثير الجدل والحساسيات”[5]. وأنا أعتقد ان الجابري بهذه النباهة قد تخطى الجدل العقيم بين أعداء العلمانية ومناصريها، وسلط الضوء على لب الموضوع وهو طبيعة النظم السياسية، فإذا كانت تعددية وعقلانية فلا يهم حينئذٍ اسمها، وهذا حل واقعي إلى أن تتغير الأحوال والأفهام، أي الوقائع والوعي.
فما الذي يجمع بين هذا التصور وبين الدولة المدنية دولة الحق والقانون، دولة لكل مواطنيها على قدم المساواة؟؟.
يعترض الإسلاميون على أنظمة الحكم ذات الطابع العلماني بدعوى أنها شمولية وغير ديمقراطية ولاتقبل الاحتكام إلى صناديق الاقتراع وإرادة الناخبين، مثلما يعترض العلمانيون على الديمقراطية العددية، بمعنى أن الدين أو الطائفة أو المذهب أو العشيرة الأكثر عدداً هي التي ستتحكم في مقاليد الأمور وتضطهد الآخرين، وهذا أمر مفهوم وإن كان غير مستساغ من كثيرين، وذلك حتى يتحول مفهوم الأغلبية من ديني إلى سياسي وحزبي. على صعيد آخر لا يقدم القائلون بالدولة الدينية تفسيراً لانتشار ظواهر التطرف والعنف ولا يوضحون كيف تتحول البنى الاجتماعية التقليدية والموروثة إلى بيئات حاضنة للتشدد والغلو وصولاً للإرهاب، وبدلاً من انتقاد التحالف العضوي بين الأيديولوجيات الوهابية والإخوانية وبين المال النفطي وفضح دوره في إعادة هذه المجتمعات إلى وضعية حرب الجميع ضد الجميع، عبر زجها في حروب وصراعات غير مثمرة تاريخياً ولا ينجم عنها سوى المزيد من العنف والدمار، يكتفي أصحاب الإسلام السياسي باتهام الغرب وأعداء الإسلام بأنهم سبب ما يجري في مجتمعاتهم، ومع أن في هذه الحجج بعض الوجاهة، إلا أن إعادة هذه البلدان إلى شريعة الغاب والحالة الوحشية التي أحسن “هوبز” توصيفها عندما قال: “الإنسان ذئب أخيه الإنسان” يعادل في منطق السياسة العودة على ما قبل الدولة والمجتمع، أي إلى حالة الطبيعة والتوحش والتي جاء العقد الاجتماعي لتجاوزها بوصفها تهديداً بفناء الجنس البشري، وإن بصيغ جديدة ورموز ورايات وإمارات تمتد من باكستان وحتى المغرب وتجعل من التطرف الإسلامي العدو الأول للإسلام المعتدل والمستنير.
وعوضاً عن الانجرار وراء هذا الهذيان التبشيري الماضوي والذي لم يجلب لبلداننا سوى مزيد من الخراب والموت باسم استعادة الماضي الذهبي المتخيل، إذ تدفقت علينا وحوش التطرف والإرهاب تحت مسمى الجهاد من كل حدب وصوب، فقتلت وسبت واستباحت الأعراض والأرزاق وأحيت الرق والعبودية الجنسية لإرضاء خيالات مرضية اعتقدت أنها بجهاد النكاح سوف تصنع إماراتها الظلامية، إلى أن بدأت تتناحر فيما بينها من نفس منطق الاستبعاد والإلغاء ولا هدف لممارساتها سوى إطلاق أقصى ما في النفس البشرية من توحش وعنف ونزوع تدميري للذات والآخر. وفي صراع كهذا الجميع خاسر، ألم يقل نيتشه ” حاذر وأنت تقاتل الوحوش من أن تتحول إلى وحش مثلهم، آنذاك أنت الخاسر سواء ربحت المعركة أم خسرتها”. تحذرنا الصرخة النيتشوية من عبث ومجانية وفداحة الدخول في صراعات من هذا القبيل، وتؤشر على خطورة
أن يقوم الصراع بتحويل الجميع قتلة وضحايا إلى مجرد أدوات، ذلك لأن شرط التفوق على الخصم بشكل حقيقي هو الانحياز إلى غايات إنسانية عليا تضمن التفوق الأخلاقي لأصحاب القضايا العادلة، وتضمن عدم تحول كل أطراف الصراع إلى وحوش بشرية متناحرة تعمل ليحل الخراب، كما في كل الصراعات الداخلية والأهلية فالجميع فيها خاسر، وهذه أقل حصيلة معرفية يمكن أن نتوصل إليها بعد الأثمان الباهظة التي دفعناها والتي كادت أن تعصف بنا دولاً ومجتمعات بالمعنى الوجودي. ألم يلحظ هيغل ان بومة مينرفا وهي رمز الحكمة لا تحلّق إلا بعد أن يعم الخراب!!!. الخوف والخيبة إذاً وبعد كل هذا الخراب، من عدم سماع صوت العقل وتجاهل فرصة المعرفة الحكيمة الملازمة للكوارث والحروب.
مستقبل وآفاق العلمانية في سورية:
ليس من السهل التنبؤ بمآلات وآفاق تطور العلمانية في سورية. فتعقيدات المشهد السوري وتداخل الوطني مع الإقليمي والدولي في تشكيل ملامحه المستقبلية باتت أمراً واقعاً. مع ذلك لا نجازف كثيراً إذا قلنا إن تطور مسار العلمنة لا ينفصل عن كيفية وتوقيت انتهاء الحرب والأزمة وما يتعلق بها من قضايا تتصل بملامح العقد الاجتماعي الجديد الذي ينظم ويعيد بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويكفل وحدة وسيادة الدولة على كامل التراب السوري، فضلاً عن إعادة التماسك الاجتماعي، بعد كل ما تعرض له من تصدعات وشروخ وخسائر في الرأسمال الاجتماعي المبني على التعاون والثقة وتعميق القيم الرمزية التي تجمع السوريين على ما بينهم من تباينات واختلافات وتنوع.
وإذا كان لعملية إعادة البناء والإعمار دور حيوي في تظهير ملامح سورية المستقبل، سواء لجهة تأمين مصادر التمويل اللازمة لبناء البنى التحتية والمساكن والمنشآت الحيوية، أو لجهة حجم الاستثمارات والتمويل المخصص لهذه العملية والمرتبط بشكل التسوية السياسية التي ستنهي الحرب وتبعاتها، فإن إعادة بناء الإنسان قيمياً ومعرفياً لا تقل أهمية عن البناء المادي، بل هي التي ستقودها عبر سياسات ثقافية واجتماعية وتنموية مطالبة بتصحيح أشكال الخلل الهيكلي في الاقتصاد السوري، إن على مستوى الهوية الاقتصادية، أو على صعيد الإنتاج والتوزيع والاستهلاك والتنافسية وخلق بيئة مواتية للاستثمار …إلخ. لاتصال ذلك مباشرة بتلبية الاحتياجات الأساسية للسوريين، وتحسين سبل عيشهم، واستعادة الكثير من مواردهم التي دمرتها الحرب، ولأن الانتعاش الاقتصادي شرط لازم لاستئناف المسار التنموي وضمان حقوق المواطن في الصحة والتعليم والخدمات الأساسية والدخل والمشاركة.
وسيكون للدستور الجديد المنبثق عن الحوار الوطني الشامل بين السوريين أنفسهم، والمنظم للعلاقة بين السلطات والضامن للحقوق والحريات والمساواة بين المواطنين، ذكوراً وإناثاً، وبصرف النظر عن عرقهم أو دينهم أو لغتهم أو عقيدتهم أو انتمائهم السياسي، دور محور في تكريس قيم وثقافة المواطنة وبالتالي الاستفادة من المضامين العميقة للعلمانية كضمانة للتنوع مع احترام العقائد والأديان والخصوصيات الثقافية للسوريين تحت مظلة الهوية الوطنية الجامعة.
ولا شك بأن ملامح سورية ما بعد الحرب ستتبلور وتتضح بمقدار استجابتها دولة ومجتمعاً لجملة التحديات التي واجهتها ومستوى الاستجابة لها، وفي صلبها امتلاك رؤية مستقبلية تشكل جزءاً من استراتيجية واضحة الأهداف تندرج فيها ضمناً أسس تنظيم العلاقة بين الديني والسياسي والمجتمعي وبما يضمن عدم تحوّل هذه العلاقة إلى عامل تهديد للاستقرار والسلم الأهلي. فهل نستفيد من الفرص الملازمة للأزمات والحروب، وهل نحسن التقاط العبرة والدروس الثاوية في قلب المعاناة والأثمان الباهظة التي دفعناها؟؟.
الهوامش:
[1]للمزيد من التوسع حول الفرق بين الخطاب والممارسة، يمكن العودة إلى كتابات جاك دريدا التفكيكية، ونصوص علي حرب في مؤلفاته النقدية، وخصوصاً كتابة نقد الحقيقة، بيروت، 2015.
[2]عزيز العظمة، العلمانية من منظور مختلف، بيروت مركز دراسات الوحدة العربية، 1992، ص18.
[3]محمد عمارة، جريدة الحياة، عدد22/8/1989.
[4]محمد أركون: في حديث لمجلة الإحياء العربي، العدد 5تشرين الأول، 1979.
[5]انظر الحوار بين محمد عابد الجابري وحسن حنفي على صفحات اليوم السابع، 3نيسان/أبريل1989.