by سلوى زكزك | Mar 12, 2018 | Cost of War - EN, Reports - EN, Uncategorized
ربما هي مصادفة سعيدة بتزامن يوم المرأة العالمي مع عيد الأم في شهرٍ واحد هو شهر آذار (مارس). لكن بسبب تفاصيل الحرب اليومية يغدو معنى كلمة عيد أو يومٍ خاصٍ للنساء ترفاً ممجوجاً ومدعاةً للكوميديا السوداء، ويصير سؤال النساء عن رغباتهن أو انطباعاتهن في هاتين المناسبتين مجرّد كلامٍ فارغٍ دون أي مضمون، ،وهذراً كلامياً لا مبرر له ولا من مستعدٍ حتى لخوض غمار التفاعل معه والإجابة عن تلك الأسئلة. إن كان البعض يحيل هذين اليومين لمناسبة تذكيرية بالهموم والنواقص والانفعالات العاطفية إلا أنّ الطابع العام هو مجرد اجترار لهمومٍ تئن دونما سعي لتدبيرها واستهلاكٍ للدموع لا راد له وزهورٍ وورودٍ على الشاشة الزرقاء أو شاشة الجوال وهدايا ترهق الجيوب ولا تُفرح القلوب.
“أم نشأت” سيدة خمسينية تعيش في الحديقة. قد توحي كلمة حديقة بوجود مساحة خضراء وارفة الظلال وفيرة المياه والمقاعد، لكنها هنا مجرد أرض جرداء بلا شجر أو عشب طري، مقاعدها مجرد بقايا مفصلاتٍ معدنية مغروزة في الأرض الجرداء. سألتها عن أمنياتها فقالت: “لا أمنيات، مجرد حاجات، أن أعود لبيتي، أن أستحم بماءٍ نظيف وحمامٍ مغلقٍ، أن أنعم بملابس نظيفة ودافئة بعد الاستحمام، أن أشرب قهوتي على شرفتي الصغيرة وأن ألقي تحية الصباح على جيراني وأهل حارتي.”
كانت “أم نشأت” قد قالت لي سابقاً في أول يومِ في السنة الجديدة وفور معايدتي وأمنياتي لها بسنة أفضل: “ليش قديش اليوم بالشهر نحنا وبأي سنة ؟” قالت لي يومها: “لو كان لدي مجرد حائطٍ صغيرٍ أعلق عليه تقويماً للأيام وساعةً جداريةً لكنتُ فهمتُ عليك ورددت المعايدة بأحسن منها!”
في اللامكان الذي يصير بيتك واللازمان الذي يصير عالمك نحن لا شيء أيضاً.
***
في مراكز الإيواء والحدائق والبيوت المشتركة التي تضم عائلاتٍ عديدةٍ يتحول الجنس إلى كابوس وتصبح العلاقات الزوجية مسرحاً للانتقام. “غالية” سيدة متزوجة تزوج زوجها الشهم بامرأة ثانية، ويعيشون في أحد مراكز الإيواء. بترتيب ٍغريزيٍ وبقرارٍ تحت إلحاح الحاجة تقرر النسوة تخصيص أحد الحمامات للعلاقات الجنسية، يبدو الأمر هنا تحايلاً عبقرياً على التشرد والحرمان، لكنه يترتب على غالية أن تكون الحارس الأمين لزوجها وضرّتها أثناء ممارستهما للعلاقة الزوجية. تخيلوا غالية تقف على باب الحمام والاضطهاد العاطفي يصفعها بعدد اللحظات خاصة بعد أن تخلى زوجها عن معاشرتها لصالح الزوجة الأصغر سناً والأجمل والأحدث. وكأن الزوجتين مجرد طنجرة يُفضل استخدام الأحدث حرصاً على جودة الطعام ومنظره، تشييئٌ دونيٌ تتآمر فيه الحرب وظروفها والقوانين التمييزية وهمجيتها والعادات ووحشيتها وذلها.
***
تحاول سمر جاهدةً تأمين موافقة على وصايتها على طفلتيها لأن زوجها مفقودٌ ووالد الزوج بعيدٌ جغرافياً وأشقاء الزوج في ألمانيا. تريد سمر التصرف في بيت الزوجية وتأجيره لتأمين دخلٍ يعيلها مع ابنتيها الصغيرتين.
أمّا غادة فقد استلمت قرار زوجها بتطليقها عبر وكيلٍ قانوني هو زوج أخته، وزوج غادة في هولندا وقد تزوج بسيدة سورية من حلب تعيش هناك. يبدو قرار الزوج تطليق زوجته إيجابياً فهو يمنح غادة هنا حريتها ويفك وثاقها من ارتباط ٍعلى الورق، لكنه يُجبر غادة باعتبارها مطلّقة ترك منزل الزوجية هي وأطفالها الثلاثة ولتذهب إلى الجحيم، خاصةُ أنها لا تعمل وأهلها يعيشون في بيتٍ مستأجر يقطنه سبعة عشر شخصاً، والنفقة في أحسن الأحوال لا تتجاوز العشرة آلاف عدا عن الإجراءات المعقدة لرفع الدعوى ووجود الزوج في الخارج وغيرها من التعقيدات البيروقراطية.
***
تحولت شذا ما بين ليلة وضحاها إلى معيلةٍ لأسرتها، لوالدتها المصابة بالسكري ولأبيها الضرير ولشقيقاتها اليافعات وأبناء أختها الكبرى التي أصبحت أرملة فجأة. مقابل بنطال جينز لأختها التي لم يتبق لديها ما يستر جسدها، وافقت شذا على ممارسة الجنس مع صاحب محل بيع الألبسة الجاهزة الذي تعمل لديه. وكرّت سبحة بناطلين الجينز والبيجامات والأحذية وأسطوانة الغاز وتكاليف الدواء وأجرة البيت وملابس المدرسة والكتب والدفاتر، وهكذا تحولت شذا لإحدى ممتلكات صاحب المحل الذي خصص مكانا ضيقا في المستودع لمعاشرتها كما يشاء مقابل الإنفاق دونما حماية أو أدنى اعتراف، بل إن تسميعات الجوار من أصحاب المحال والزبائن جعلت من شذا عاهرة يحاول الجميع النيل منها بذريعة أنها رخيصة ولا مانع لديها من معاشرة أي كان مقابل منفعة مادية.
***
سميرة سيدة خمسينية سافر زوجها وولداها إلى النمسا فباتت وحيدة ومهجورة مصابة بمرض ارتفاع الضغط. تقطن سميرة في شقة في الطابق الثاني عشر من برجٍ سكني، وذات يوم اكتشفت نفاذ أدويتها بينما كانت الكهرباء مقطوعة والصيدليات في عطلتها الأسبوعية فماتت من الخوف إثر نوبة قلبية نفسية المنشأ من شدة الذعر. كان بوسعها البقاء حيةً أياماً دونما دواء خفض الضغط لكن توترها ووحدتها وغياب من يرعاها أو يتطوع لمتابعة أدويتها مرةً بالأسبوع أودوا بحياتها في لحظةٍ موجعةٍ، ولو توفر لها أي مقوّم من المتابعة أو المسؤولية أو الشراكة، لكانت قد بقيت على قيد الحياة تنتظر ورقة لم الشمل لتلتحق بعائلتها. ولابدّ من الإشارة هنا إلى أن عدة سيدات أعرفهن قد قمن بخطوةٍ غريبةٍ وحديثة العهد على المجتمع السوري، خطوةٌ صفق لها الكثيرون والكثيرات واعتبروها حلا مثالياً لتوابع وحدتهم/ن، وهي قيامهن ببيع البيوت التي يسكنونها ويملكونها ووضع قيمتها في المصرف والإقامة في أحد المآوي المأجورة التي تتبع للكنيسة مقابل الإقامة والمتابعة الصحية والتنظيف، أي عناية كاملة مع حق استقبال الضيوف وحرية الحركة خارج وداخل المأوى المذكور.
وتبدو الشكوى الأكثر إيلاماً هي حياة الأبناء، موتهم غير المعلن إلا باتصال هاتفي، تغيبهم الطويل دونما خبر أو زيارة أو معلومة، استقبالهم بكفن أو من دونه والتكتم على أمراضهم النفسية جراء الاختباء الطويل أو الشدات النفسية جراء التهديد أو الفصل من العمل أو ضياع مصادر الرزق أو تضرر أجسادهم بقذائف أو رصاص طائش لا يوجد من يردعه أو يحاسب أو يعوض عن نتائجه المرة.
***
في الحرب اسأل النساء وحدهن عنها، على وجوههن تمر شظايا الخيبات والفقد والرحيل وعلى أجسادهن تسجل علامات الانتقام والانكسارات والعقوبات والانهزامات، هن مرآة الحرب وهن خلاصة القول وبلاغة الخسارات. في قلوبهن أسئلة بلا أجوبة وانتظارٌ يطول يميت جذوة الحياة قبل ترنح أجسادهن في مهاوي الترمل والطلاق والفقدان والجوع والمذلة والتنميط والتهميش والاغتصاب والمتاجرة بعواطفهن وأمومتهن وأجسادهن وحقوقهن الأساسية. في الحرب تصبح الأعياد مجرد نهشٍ للروح وضرباتٍ صارخة للتذكير بفداحة الجروح والنواقص وبسطوة الغياب والتغييب.
للسوريات القابضات على الجمر، المنتظرات ظلال الأمل وقرارا بوقف الحرب، كنّ بخير يا غاليات. لنكون وسورية بخير.
هنا دمشق
الثامن من آذار 2018
by Louay Salman | Mar 8, 2018 | Cost of War - EN, Culture - EN, Uncategorized
همّشتْ الحرب الدائرة المثقفين السوريين وأنواع الفنون الثقافية، وحُرم الكتاب والمثقفون المقيمون في الداخل، رغم ظروف الحرب، من المشاركة في المهرجانات والمعارض والأنشطة الثقافية العربية. كانت القطيعة داخلية وخارجية، وقد أدت إلى حرمان الجمهور من الاطلاع على كافة الإصدارات الجديدة من كتب ومجلات كانت تأتي إلى العاصمة السورية بشكل دوري قبل الحرب. واليوم نجد أنفسنا أسرى العالم الإلكتروني – في الأوقات التي تأتي فيها الكهرباء – باحثين عن كتاب أو مجلة أو صحيفة لنطلع من خلالها على ما يدور من أحداث ونتاج ثقافي لم يعد يصل إلينا كمنشورات ورقية.
المقاهي تعود جزئياً
عاد لبعض المقاهي الدمشقية ألقها وتحولت إلى مواقع للتواصل الاجتماعي بعد أن هجرها الكثير من المثقفين صوب العالم الافتراضي. تجد غالبية المهتمين من روائيين وكتاب يحرصون على تواجدهم في المقاهي الشعبية للمشاركة بحوارات وندوات ارتجالية للبحث في ظاهرة أو النقاش حول إصدار جديد رغم أن أبرز ما يسيطر على الجلسات هو الوضع الأمني والتطورات السياسية، لكن أغلب المثقفين يغيبون عن فعاليات ثقافية منظمة تطلقها المؤسسات الرسمية، وهي لم تخرج عن شكل الصالونات الثقافية التي كانت منتشرة في سورية قبل عقود، لكن من دون أن يكون هناك أي اتفاق مسبق على المواضيع التي ستطرح أو تناقش أثناء هذه الجلسات الودية والتي نادرا ما تصل إلى سبعة أفراد.
إعادة تدوير
المطالعة على ضوء الشموع في ساعات الليل هي ما يميز ليالي المثقفين السوريين، كثير منهم عاد لقراءة كتب كان قد قرأها سابقاً، أو قراءة كتب مركونة في مكتبته المنزلية ولم يسمح له الوقت للاطلاع عليها في زمن الكهرباء والتواصل الاجتماعي، حتى زمن الكتابة على الورق عاد وفرض نفسه بقوة. ولم يعد البعض يرزح تحت رحمة التيار الكهربائي، المهم أن لا يتوقف عن الفعل.
هناك قسم كبير من المثقفين بدأ يرتاد مكتبات الرصيف للبحث عن كتب قديمة أو كتب ترفض المكتبات وضعها على رفوفها ليطفئ عطشه الثقافي، إعادة تدوير ثقافية لصحف ومجلات صادرة في عشرينات وثلاثينيات القرن المنصرم.
ورغم الكثير من العراقيل هناك من يصر على إنشاء حركة ثقافية ولو على الصعيد المحلي، القاص خضر الماغوط قال: “ما زلنا نتابع الحياة الثقافية والأدبية، عن طريق الندوات والمحاضرات والملتقيات الخاصة التي أحدثتها الحرب في العديد من المناطق السورية، غير خاضعين للظروف القاهرة والصعبة التي تصادفنا،” مؤكدا على “أن المقاطعة الدولية والعربية المفروضة على سورية لم تكن مقاطعة اقتصادية فقط، بل هي مقاطعة لكل نواحي الحياة بما فيها الثقافية، فلم يعد يصل من دور النشر الخارجية إلى سورية كتب، مجلات، صحف، دوريات أو حتى تبادل للوفود الثقافية بين سوريا والعالم الخارجي. تُوجه إلينا دعوات لمهرجانات الرواية والقصة من قبل المنظمين في الدول العربية، لكن السياسة تحرمنا من المشاركة ولا تمنحنا سمة دخول.”
يضيف أن المكتبات وأكشاك بيع الصحف أصبحت خاوية تماماً من كل ما هو جديد. وبالطبع افتقدنا جميعاً إلى الكثير من الصحف والمجلات التي كنا نتابعها وفقدناها فجأة، وكان من الممكن أن يحدث تصحر ثقافي بالكامل لولا وجود الكتب والجرائد والمجلات الورقية بما يعادلها من النسخ الإلكترونية عبر الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي التي أصبحت في متناول الأغلبية من المهتمين رغم بعض الصعوبات أحياناً.
هناك دوريات ليس لها مواقع على الشبكة العنكبوتية، وأخرى لا تزود مواقعها إلا بعناوين الموضوعات، إضافة إلى قلة عدد الصحف والمجلات السورية، حتى الصحف التي تصدر غاب عنها زوايا الثقافة والفكر والأدب والإبداع لسببين، أولهما أن الجريدة الرسمية تخصص أغلب صفحاتها لمواضيع تخص الحرب والصراع في المنطقة، وغابت عنها الصفحات الثقافية، إلا في ما ندر، أما الصحف والمجلات الخاصة فنجدها جنحت إلى الاهتمام بالدعاية والإعلان التجاري، أضف إلى ذلك الشللية والعلاقات الخاصة، فلا يجد الكاتب مكاناً له طالما هو بعيد عن الشلل واللوبيات الثقافية، هذا ما يحدث أيضا في الجرائد والمجلات الحكومية، التصحر موجود في العلاقات بين المثقف والصحف المحلية، أكثر مما هو ناتج عن غياب الصحف والمجلات الخارجية، لكن رغم الإمكانيات البسيطة والثقافة والوعي، استطعنا تجاوز المعوقات التي تسعى إلى توقف حياتنا الاجتماعية والفنية والثقافية وما زال هناك وسائل لاستمرار الحياة الثقافية، رغم قساوة الظروف التي خلقتها الحرب وتخلقها في كل لحظة.
الشاعرة عبير سليمان تؤكد على استمرار علاقتها مع الكتاب رغم أنها فوضوية نوعا ما: “قبل الحرب كنت أحرص على اقتناء الإصدارات الجديدة وأثابر على القراءة، أثناء الحرب أقرأ مجموعة من الكتب وبشكل عشوائي من غير أن أنتهي من قراءتها أنهيت بعضها فقط، الكتب التي أحرص على قراءتها وأنتهي منها في يوم واحد كتب الشعر ربما لأنها الأقرب وجدانيا.”
أما فيما يخص دور النشر الخارجية لم يعد يصلنا الجديد، أحيانا نستطيع الاطلاع على النسخ الإلكترونية للأصدقاء خارج سورية، أما الكتب الأخرى فنعرف عنها من خلال ما تكتب عنه الصحافة. في سورية دور النشر مستمرة وثمة أزمة إعلانية، لا أحد يلقي الضوء على الأسماء والإصدارات الجديدة، ودور وزارة الثقافة خجول بالنسبة للكتاب كما النشاطات الأدبية شبه المعدومة، ولولا التواصل الافتراضي بين الكتاب والشعراء لاعتقدنا أن أنواع الأدب أصابتها قذيفة ولفظت أنفاسها الأخيرة.
الكاتب والفنان التشكيلي أيمن الدقر قال: “لا أعتقد أن التصحر الثقافي بسبب الحرب، التصحر قائم أصلا عند معظم الناس. لا أعتقد أن هناك عائلة سورية لا تمتلك مكتبة منزلية، وهناك مكتبات تزخر بكتب مهمة وعشرات الكتب التي تحمل توقيع مؤلفها وأجزم أن أحدا منهم لم يقرأ إلا صفحة الإهداء.” لكن بشكل خاص وإن كنا نريد الحديث عن النخبة أو القارئ الحقيقي، أعتقد أن أغلب ما كان يرد من مجلات لا يستحق القراءة أما الكتب فهناك ما يستحق المطالعة والاقتناء، غير أن غالبية الدوريات التي كانت تصل ورقية كالصحف حجزت لها مكانا على صفحات الانترنت، ومن يريد فعلا أن يقرأ ويتطلع إليها يستطيع ذلك بسهولة باستثناء القليل ممن لم يتصالحوا مع التطور التكنولوجي وما يزالون يستخدمون القرطاس والقلم جازماً أن أسباب التصحر الحقيقية بدأت قبل الحرب. يسأل: “أين كتب الطفل ومجلات الأطفال واليافعين؟.” الطفل استبدل الكتاب بجهاز خليوي وألعاب إلكترونية، مع تطور عالم الميديا والقنوات الفضائية التي تعمل على خلق ثقافة جديدة أرهقت الإنسان العربي وجعلته غير قادر على تنمية ميوله الثقافية وتركته رهينة القلق والخوف من المستقبل.
من جسر فكتوريا إلى جسر جورج واشنطن
عمار شاهين صاحب بسطة لبيع الكتب، قال لنا: “بالطبع هناك مشكلة بالنسبة للإصدارات الجديدة التي لم يعد يصل أغلبها، لكن ذلك لم يؤثر بشكل كبير، هناك آلاف الكتب المهمة التي تستحق القراءة ولم تطلع عليها الأجيال الجديدة، وهي موجودة لدينا بأسعار زهيدة مقارنة بأسعار الكتب الجديدة التي تصدر وغير مهمة.” ويرى شاهين أن الكتب القديمة والمجلات مضامينها أهم بكثير مما فقدناه من الكتب والمجلات الحديثة التي لم تعد تصل أثناء الحرب، مضيفا: “هل يمكن مقارنة مجلة شعر أو الآداب بالمجلات الثقافية التي كانت تأتي من الخليج وكتب التنفيعات. كنا دائما نرفض شراءها ووضعها ضمن مجموعتنا، حتى الإصدارات القديمة من المجلات السورية – مجلة المعرفة – أهم بكثير من الأعداد الجديدة التي تصدر اليوم من المجلة ذاتها، لدينا الكثير الكثير من أمهات الكتب القيمة التي لا يمكنك أن تجدها أصلا في أشهر المكتبات السورية، لكن ما زال البعض يتعامل مع مكتبة الرصيف بتعالٍ خاصة، ولم تهتم الحكومات بمكتبات الرصيف وتمنحها أكشاكاً خاصة بها كما منحت بعض المهن اليدوية وبائعي السجائر.
عادل صاحب بسطة صغيرة في مدخل بناء يؤكد أنه كان يعيش وعائلته من مهنة بيع الكتب والمجلات، لكنه اليوم يضع كتباً قديمة ومجلات قديمة نادرا ما يجد راغبا لها. يقول: “اليوم يعرض علينا كتب ومجموعات أكثر مما يطلب منا، أكثر من شخص طلب مني أن أبيع له مجموعات أدبية، وموسوعات كان اقتناها في زمن الرخاء، اليوم رغم ارتفاع سعر الورق والتجليد الفني سعر تلك المجموعات أقل لكن لا أحد يقبل أن يقتنيها، المهتمون بالكتاب والثقافة لا يملكون المال، وأصحاب الأموال لا يعنيهم إلا المجلات الفنية وأخبار الموضة،” نعم هناك جفاف وتصحر و”تقحل” حسب تعبيره.
أبو مهيار الميداني لديه عروض للكتب المستعملة، لكن الكتب القيمة مغلفة يضعها جانبا في صناديق كرتونية، مجلات مسرحية وسينمائية تعود إلى أيام الوحدة بين سورية ومصر، مجلدات ضخمة، أعداد قديمة جدا لمجلات مصرية ولبنانية، جهة مخصصة للكتب الصادرة عن دور نشر عراقية، للوهلة الأولى تعتقد أنه مجرد بائع “كومسيون” يشتري ويبيع الكتب المستعملة، لكن ما إن تبدأ الحديث معه حتى تجده يكبر ويكبر حتى يملأ الفراغ تحت جسر فكتوريا. يكاد رأسه يوازي الجسر، تكتشف أنه ليس مجرد بائع أو مطلع يرشدك إلى الكتب المهمة، يقدم شرحا وافياً عن كل كتاب، حتى الكتب غير الموجودة لديه يقدم لمحة عن المؤلف وأهم ما صدر له بما فيها الكتب المترجمة، تكتشف لا حقا أنه خريج كلية الآداب قسم اللغة العربية. يقول: “ما تشاهده عندي مجرد جزء مما كنت أملكه من الكتب، المكتبة التي فقدتها مع منزلي وابني المخطوف في حي “عين ترما” كانت تضم خمسة عشرة ألف كتاب وكلها كتب مهمة، سأبيع ما بقي لدي من كتب وأهاجر إلى أمريكا، لدي موافقة من قبل الحرب لكن لم أسافر، اليوم لم أعد أملك إلا القليل من الكتب.
دور النشر والمكتبات
بعض الدور لا تصدر عنواناً واحداً في العام، وبعضها تعيد طباعة ما نشرته سابقاً. الدور العلمانية وبعض الدور الدينية ما زالت تحافظ على نشر كتب جديدة، الكل يحاول الحفاظ على وجوده رغم المتغيرات السياسية، وكثيرة هي العناوين التي يعاد نشرها، أو تقوم بعض الدور بطباعتها على نفقتها الخاصة إكمالا لمشروعها غير المعلن. بالمقابل هناك الكثير من دور النشر توقفت عن العمل بسبب الظروف الاقتصادية التي فرضتها الحرب، ودور عمرها بعمر الحرب لم تطبع كتابا واحدا، وأخرى قديمة تعيد طباعة عنوان واحد فقط. كلفة طباعة الكتاب الواحد اليوم توازي طباعة ستة كتب في العام الأول من الحرب وذلك بسبب غلاء الورق والأحبار والمواد التي تخضع لانخفاض سعر الليرة، وهذا برأي الكثيرين سبب إحجام البعض عن اقتناء الكتاب اليوم، والذي لا يتناسب سعره مع دخل الفرد. كما يلجأ بعض الكتاب لطباعة مؤلفه على نفقة المؤسسات الرسمية من غير أن يدفع ليرة واحدة لكنه يقع في مشكلة الحذف والرقابة التي ترفض غالبا ما لا يتوافق مع مزاج الرقيب.
العناوين الجديدة
العناوين الجديدة قليلة نسبياً في أي مكتبة مختصة. يتصدر الواجهة كتب الصراعات السياسية والحروب، وكتب تروي سيرة بعض الحكام الذين أثروا في العالم أثناء فترة حكمهم. الرواية تحتل المكتبات لكن أغلبها إصدارات قديمة ومحلية، الكتب والروايات التي تطبع في دول مجاورة لكتاب سوريين من غير الممكن أن تجدها على رفوف مكتبة بسبب غلاء ثمنها والاحتكار الذي تمارسه الدور الخارجية على المؤلف حين تكون الطباعة على كلفتها.
يرجع صاحب مكتبة نوبل المشكلة إلى غياب الكثير من العناوين الجديدة بسبب فرق الأسعار ودخل الفرد يقول: “إن دخل الفرد في الحرب لم يعد يسمح له باقتناء كتابين، جميع أنواع الكتب السورية تضاعفت أسعارها ثلاث أو أربعة أضعاف بما فيها الكتب القديمة كونه لم تعد تتكرر طباعتها، غير أننا لم نعد نستطيع تلبية رغبة القارئ بأنواع الكتب التي تصدر في دور نشر خارج سورية لعدة أسباب أولها فرق السعر وانخفاض سعر الصرف، وأجور الشحن الغالية نسبياً، الأمر الذي يضاعف سعر أي كتاب إلى عشرة أضعاف سعره في السابق، حتى أننا لم نعد قادرين على شراء عناوين جديدة لوضعها في الواجهة ولا أحد يسأل عنها، الكثير من المهتمين يسألون عن أسماء وعناوين لكنهم يحجمون عن شرائها، وللأسف لم يعد يوجد نهم للقراءة بسبب ظروف الحرب، للأسف الثقافة لم تعد أولوية عند المواطن السوري. وبعد بدء الحرب الكثير من المكتبات أغلقت أبوابها ومنها ما تحول إلى مطاعم للوجبات السريعة ولبيع إكسسوارات الهاتف الخليوي.”
لم تتوقف الجهات المعنية بالثقافة والكتاب عن العمل طيلة فترة الحرب سواء في طباعة المؤلفات السورية، أو ترجمة المؤلفات من لغات أخرى، محاولة أن يكون سعر الكتاب متماشياً مع دخل الفرد رغم الزيادة التي طرأت عليه خلال الخمس سنوات الماضية، حتى أنه بإمكان المهتم ترقب المعارض الصغيرة الدائمة والتي تقدم حسومات للقارئ تصل إلى خمسين بالمائة أحيانا، لكن أغلب الإصدارات تتعلق بالحرب وآثارها وأسبابها وتداعياتها وثقافة المقاومة، العروبة وأسئلة النهضة، الأزمة السورية وثقافة التكفير الإرهابي، الحرب القذرة …الخ. أما الكتب الثقافية فنجدها مكررة كأن تصدر المجموعة الكاملة لشاعر أو قاص، أو دراسات نقدية عن الشاعر وشعره وغالبا ما تكون بتكليف من الشاعر ذاته لبعض أصدقائه، أو تكون من أجل المال فنجدها خالية من النقد الحقيقي وتتجه نحو الإطناب والتصفيق والتأليه الأدبي، وللأسف أغلب الإصدارات الثقافية ضعيفة من حيث المضمون والكتب التي تحمل قيمة قليلة نسبيا بالنسبة لما يتم طباعته ونشره كل عام. وهو أحد أسباب عزوف ونفور الفرد عن قراءتها والاطلاع على محتوياتها.
دمرت الحرب الكتاب كما دمرت رموزاً من التراث الإنساني، وهو ليس مجرد كلام استهلاكي فهناك الكثير من الجرائم الفنية ارتكبت بحق المكتبات الخاصة، ومستودعات كثيرة للكتب خاصة وعامة لا أحد يعرف شيئاً عن مصيرها، وثمة كتب نُهبت وكتب أُحرقت وكتب كان مصيرها حاويات القمامة، مكتبات شخصية تركها أصحابها وأغلب تجار الكتب المستعملة فقدوا مستودعات مليئة بكتب قديمة، وكل هذا انعكس على الجو العام وعلى حياة الفرد والمثقف فلم تنج الثقافة هي الأخرى من اللصوص والحدث اليومي والقذائف والحرب.
by سلوى زكزك | Mar 5, 2018 | Cost of War - EN, Uncategorized
يومٌ ربيعي مشمس، عمالُ الترحيل ينقلون أكياس البحص والاسمنت من بيتٍ يُرمم في الطابق التاسع والحقيقة أنهما بيتان في الطابقين التاسع والعاشر اشتراهما شابٌ في مقتبل العمر ليحولهما إلى بيت واحد وفق نظام الدوبلكس. بحسبةٍ بسيطةٍ نعرف أنّ الثمن المدفوع لشراء المنزلين فقط تتجاوز المائة والخمسين مليون ليرة سورية!
يصيبنا الحكاك والقنوط ويغمرنا سؤال “من أين له هذا؟” وخاصةً في ظلّ هذه الحرب! فكيف إنّ تعرفنا إلى كلفة الهدم والربط والإكساء التي تجاوزت أسعار موادها العشرين ضعفاً. إنه مثال على انتهاكٍ صارخٍ لا للوضع المعيشي الصعب لعامة السوريين فحسب بل انتهاكٌ للقيم و للمنطق الأساسي للحرب القائم على التوفير والتقتير تحسباً للحظة رحيل ٍمفاجئ ٍأو خوفاً من إصابةٍ قد تلحق بالبيت جراء ظروف الحرب الدائرة.
عائلاتٌ سورية تسكن في الحدائق، تسوّر سياجها بالكرتون منعاً لوصول أيدي الزعران الذين يمدّون أصابعهم القذرة لقرص النساء والأطفال أو لسرقة ما تطوله أيديهم العابثة، وناطور الحديقة يُخفي مسكة الصنبور بين يديه ليمنع النساء والفتيات من الاستحمام، استحمامٌ يشبه لعبةً طفولية سرّها هو إغماض العينيين والدوران حول الذات والصابونة الكاوية سيئة الصنع تدور على الجسد من تحت الكنزة درئاً للعيون الكاشفة، تتوه اليدان الغضتان في الوصول إلى كافة تفاصيل الجسد المغمور بالقذارة والرطوبة والإهمال، ويتحول غسل الشعر إلى مهمة صعبة تتوقف في لحظة عدوانيةٍ عندما يقطع ناطور الحديقة المياه فيبقى الشعر غارقا بالصابون الجاف، قاسياً وباهتاً وأقرب للبياض بفعل الترسبات القلوية على شعرٍ لم يدفأ يوماً ولم يغمره ترفُ التغلغل لمشطٍ نظيفٍ ومريح.
***
براءة طفلةٍ صغيرةٍ لا يتجاوز عمرها الثلاث سنوات، يمنحها أحدهم قطعة شوكولا وفي اللحظة الفاصلة ما بين منحٍ وإمساكٍ تسقط قطعة الشوكولا على الرصيف الساخن فما كان من براءة إلا الاستلقاء ولعق الشوكولا الذائبة من على الرصيف مباشرة.
أعرف أن أسئلةً مثل “ما جدوى الحمل والولادة وجلب أطفالٍ جددٍ ينضمون للشقاء” والاسم الساخر “براءة” في زحمة الحرب هي أسئلةٌ وجودية ذات معنى لكنها بلا فائدة، فارغة مثل طبول الحرب الجاعرة.
***
أمام أحد مطاعم الشاورما ذاتِ الاسم العريق والأسعار المرتفعة جداً، يُقدم أحد الزبائن بقايا وجبتين طلبهما ولم يكملهما لقطةٍ تموءُ جائعةً. في المكان طفلان مشرّدان والجوع ينتهك أحشاءهما، يحاول أحدهما سحب الوجبة من بين مخالب القطة التي لا تبدي أية مقاومة، لكنّ الرجل الشهم الحريص على صحة القطط والحيوانات الغارق في سفالته يصرخُ بالطفل ويطردهُ ويعيد تثبيت الوجبة بين مخالب القطة في حالة عطف إنساني تنتمي لهمجية محدثي النعمة وزارعي الحقد تفاضل بين طفلين جائعين وقطة، لحظة تنمُّر همجية تماثل شتائم الرجل نفسه وهو يصرخ بعامل النظافة الذي تجرأ وأوقف عربته خلف سيارة ذاك المتوحش، سيارة دفع رباعي حديثة جداً تُوقظ سؤال “من أين لك هذا؟” فكيف الحال إذاً بسيارةٍ موديل 2017 في بلدٍ يكتوي بنار الحصار وتوقف الاستيراد اللذين طالا حتى الأدوية.
***
في حافلةٍ صغيرةٍ للنقل تجتمع نساءٌ مختلفاتٍ في تفاصيلٍ ظاهرية لا أكثر، تقول سيدةٌ لصديقتها وبصوت عالٍ: “هدول مو من عنا.” اختلافٌ في نوع المعاطف، حداثتها، اختلافٌ ما بين لونٍ ناصعٍ ولامعٍ وما بين لونٍ باهتٍ وحائلٍ للسترات، عرواتُ الأزرار متسعة تضم أزراراً مختلفة اللون والشكل. الحجابات شبه ذائبة من شدة رقتها ومنكشة الخيوط بمواجهة أزرارٍ لامعةٍ، متناسقةٍ ومشدودةٍ، بمواجهة حجاباتٍ مماثلةٍ للملابس في ألوانها، جديدة وسميكة ولامعة.
بالفعل لم يكذب إحساس تلك المرأة ولاخبرتها، فأهل الحي “الراقي” يعرفون بعضهم من وجوههم، من ملابسهم، من صدى كلماتهم ومن جوالاتهم الباذخة. النسوة “المختلفات” واللواتي تجرّأن على مشاركة الغنيات المنكِرات لقسوة الحرب وآثارها المدمرة هنّ بالفعل لسن من ذات الحي! هنّ من اللواتي يسكنّ مراكز الإيواء الثلاثة التي امتلأت بالمهجرّين قسرياً ذات ساعة رحيلٍ أو تهجيرٍ أو هربٍ، لا فرق.
ذات يوم وحين قرروا إغلاق تلك المراكز وزّع سكانها أرقام هواتفهم/نّ على كافة الركاب علّهم/نّ يحظون ببيت للآجار تتشاركه أكثر من عائلة، ولم يكن أمام البعض سوى اللجوء إلى الحدائق وعبثها وهمجيتها، أما البعض الآخرون فقد استأجروا بعيداً بيوتاً على الهيكل من دون إكساء أو نوافذ أو أبواب، والمطبخ والحمام مجرّد برميلٍ أزرقٍ بلاستيكي كبير موصول في أسفله صنبور ضخم ومتوحش.
***
نسوةٌ رباتُ أسرٍ ومعيلاتٍ يوقفن سيارة للأجرة لتقلّهن إلى بيوتهنّ مع صناديق مواد الإعانة الممنوحة لهن. يشترط السائق عليهن عبوة زيتٍ ذات الليتر من كلّ سيدةٍ لمسافةٍ لا تكلفه أكثر من خمسمائة ليرة، لكنه يسطو على رزقهن ويكسب ألفين وثمانمائة ليرة، هي أسعار عبوات الزيت حسب سعر السوق. تمتثل النسوة لابتزاز السائق ويدفعن بصمت مستكين.
في البيت يتبادلن المحتويات، أولاد فلانة لا يأكلن البرغل، وفلانة وأمها وأم زوجها مصاباتٍ بالسكري فيمنحن الأرز مقابل البرغل. تقول آية: “أحلم بأن أطلب طبخة محدّدة وأن تلبي أمي، نحن نأكل على هوى كرتونة الإعانة وعندما تنتهي موادها نقترض من بعضنا. لا جديد يؤكل. وحبة الفواكه حلم وحبة البندورة للطبخ فقط لأنها تُشترى مهترئة لأنها الأرخص والأقل سعراً.”
***
على الطريق المهندم والأنيق تتبادل سيدتان أطراف الحديث عن حميةٍ ناجعةٍ لجسدٍ رشيقٍ، وعن مدرّب الجِم (أو نادي اللياقة). يصرف شباب مقتدرون أو محدثو النعمة أموالاً طائلة على مكملاتٍ غذائية وفيتامينات تنفخ العضلات وتجعل قيمتهم أعلى في سوقٍ لا قيمة للرجال ولا للحيوات فيه، سوق الحرب .
النساء يتمشين ببيجاماتٍ رياضية باهظة الثمن وأحذيةٍ رياضية ٍمريحة، يُنشطن الأجساد الرخوة والمرفهة. على الرصيف المقابل نسوةٌ خرجنَ منذ الفجر لتعملن في منازل المتريضات اللواتي لايقبلن أي تأخير أو تجاهل لتفاصيل العمل المنزلي الذي يجب أن يكون متقناً ولامعاً/ تقول المشغّلة للشغالة: “أعطيك دم قلبي وأنت تراوغين!”
***
تعجّ مراكز التعليم المرممة بالطلاب الذين هجروا المدرسة بسبب الحرب، أو بسبب غياب الوثائق الشخصية، أو بحكم أنهم صاروا معيلين لذويهم. يتعلمون فكّ الخط ويطمحون لمجرد إغفاءة مطمئنة على مقعد دافئ.
هي المدينة تحيا على فوارق تأصلت بحكم الحرب. إن كان بوسع المتعبين وثقيلي الأحمال الحلم، فالعودة إلى بيوتهم هي الأساس وهي المشتهى والمنتهى. تحلم سيدة برعاية أصص أزهارها واحتساء فنجان قهوة بفناجينها التي أبقتها هناك على رجاء العودة سريعاً إلى شرفتها وبيتها.
ظلال الرحيل والنزوح أوضح وأعمق من مجرد ظل مرادف للحرب، هي وجه المدينة الآخر، هي تفاصيل الحرب على أجساد البشر وعقولهم، على أسمائهم وأسماء عائلاتهم والراحلين والمسافرين والمجانين منهم والعقلاء رغماً عنهم كي يلوذ بهم من يحتاجهم.
كل شيء ممتزج بنقيضه، يتنافران ويعتركان وإن بصمت، لكنه صمت الجمر الذي سيحرق الأخضر واليابس كل صباح في ليل الحرب الطويل… هنا دمشق.
by سلوى زكزك | Feb 27, 2018 | Cost of War - EN, Reports - EN, Uncategorized
دمشق، سوريا
يمكن وبكل بساطة وشفافية اعتبار مشكلة النقل والمواصلات في مدينة دمشق مشكلة عميقة تُطيح بالقوة النقدية لسكان المدينة. بات لهذه المشكلة ظل ثقيل يُقيد الحركة والتنقل بدءاً من ارتفاع تكاليفها وطول مدة الوقت المهدور بانتظار وسائل النقل إلى سوئها البالغ وتردي نوعية الخدمات التي تصل إلى شروط التنفس داخلها. إنها أزمة خانقة بكل ما في الكلمة من معنى.
أم عبدو سيدة خمسينية تسكن في منطقة الديابية، جنوب شرقي دمشق، والتي تبعد عن منطقة الست زينب حوالي سبعة كيلومترات، وتعمل كمستخدمة في ضاحية مشروع دمر. لا سرافيس (باصات صغيرة) تنقل أم عبدو من مكان سكنها بعد الساعة السادسة صباحاً لأن عدد السرافيس قليلٌ جداً والمنطقة مزدحمة بالسكان الذين لا يملكون سيارة خاصة.
تستفيق أم عبدو في الرابعة صباحاً لتفوز بسرفيس ينقلها من مكان بيتها وحتى كراجات الست زينب وبعدها تستقل سرفيساً آخر حتى جسر الرئيس، ومن هناك تستقل ُسرفيساً ثالثاً نحو مشروع دمر. الراتب الشهري الذي تتقاضاه أم عبدو يبلغ نحو سبع وعشرين ألف ليرة سورية (مايعادل ٥٧ دولاراً)، أما أيام الدوام الفعلية فهي واحدٌ وعشرون يوماً في حين تبلغ الكلفة اليومية للنقل ما بين ٥٠٠-٦٠٠ ليرة سورية يومياً. لذلك بالنسبة لحياة أي شخصٍ ذي إمكانيات مادية محدودة كأم عبدو فإنّ أي يوم غيابٍ وخاصة بإجازةٍ مرضيةٍ يعتبر بمثابة توفيٍر لمواردها الشحيحة قبل أن يكون يوم راحةٍ طبيعياً تستحقه وتحتاجه بشدة.
وتجدر الإشارة إلى أنّ بعض المناطق مثل الحسينية والديابية والغزلانية والبحدلية وغيرها، تعتمد بشكلٍ أساسي على الهوندايات كواسطة النقل الوحيدة. والهوندايات مكلفة جداً حيث يتقاضى السائقون مبلغ مائتي ليرة سورية عن الراكب الواحد عدا عن أنها مجهزة بمقاعد حديدية ضيقة ارتجلت على عجل لتعويض النقص الحاد في عدد الحافلات (السرافيس) على خطوط تللك المناطق. والمضحك المبكي أنّ أصحاب الهوندايات قد ارتجلوا أيضا أغلاقاً بلاستيكية وباباً للدخول منه درءاً للغبار والمطر والشمس. ولابدّ من ذكر أنّ الحواجز أجبرت السائقين على تركيب لِدات (نوع من الإضاءة التوفيرية) لإنارة صندوق الهونداي كي يتمكنوا من التعرف على وجوه الركاب وهوياتهم. صندوقٌ تحوّل الى حافلةٍ رغماً عنه، وبات يشبه غرفةً أو خيمةً وكأنه ينقص السوريين خيمة وشادر وغلق جديد مضاف إلى عتمة حياتهم التي لا تشبه الحياة.
جاد طالبٌ في كلية الهندسة المدنية ويسكن في ضاحية قدسيا التي نزح إليها مع أهله من مخيم اليرموك، ويضطر عند عودته إلى بيته مساءً إلى ركوب سرفيس من ساحة الأمويين وحتى جسر الرئيس لا لكسلٍ منه فالمسافة بين الساحة والجسر قريبة والمشي الطويل بات سلوكاً يومياً قسريًا وبالغ القبول، ولكنّ جاد مضطرٌ لحجز مكانٍ له في السرفيس المتجه نحو الضاحية مما يجبره على دفع أجرةٍ إضافية. وبالتالي يصبح ما يدفعه جاد يومياً في طبيعة الحال مائتي ليرة سورية، فكيف يتدبر أهله مصروف أبنائهم في ظل كل هذا السعير عدا عن أجرة البيت المرهقة وغير المنطقية أبداً!
ولابد من الإشارة هنا إلى أن غالبية السائقين يرفعون من أجور النقل وقد يضاعفونها بعد الساعة السادسة مساء. مثلاً تصبح أجرة سرافيس مساكن الحرس مائة ليرة بدلا من خمس وخمسين ليرة، وتصبح أجرة سرفيس ضاحية قدسيا مائة وخمسين ليرة بدلاً من خمسٍ وسبعين ليرة. أما سائقو سرافيس مهاجرين صناعة فيرفعون الأجرة إلى مائة ليرةٍ بدلاً من خمسين ليرة وهلمّ جراً، وطبعاً لكل سائقٍ تبريره والكلمة المتعارف عليها: “ إذا موعاجبك نزول!”
ثمة من يقول بأن نصف عدد السرافيس المرخصة قد خرج عن الخدمة بسبب بقائها في المناطق المهجورة كالريف الدمشقي والخاوية من سكانها الذين تركوها بملابسهم وحسب سيرًا على الأقدام. كما أنّ الكثير من الحافلات توقفت عن العمل بفعل الإصابة بالقذائف أو المصادرة أو بفعل غياب أو موت أصحابها. كما نشأت ظاهرة جديدة لسد الفراغ وهي ذات هدفٍ ربحيٍ وحسب، ألا هي ظاهرة التكسي-سرفيس.
غالبًا ما تكون التكسي-سرفيس عبارة عن سياراتٍ خاصةٍ لكنها مرتفعة الكلفة، فمثلاً تبلغ الأجرة من جسر الرئيس وحتى ساحة الرئيس في جرمانا خمسمائة ليرة للراكب، أما التكسي-سرفيس باتجاه الضاحية ومساكن الحرس ومهاجرين صناعة يتقاضى أجراً مقداره ثلاثمائة ليرة للراكب. رغم أنّ هذه الظاهرة قد عوّضت بعض الشيء عن النقص الحاد في المواصلات إلا أنها وسيلة نقل لا قدرة للجميع على الاعتماد عليها، فعدا عن الاختناق المروري الذي يحدث نتيجة توقف عددٍ كبيرٍ منها في أمكنة تضيق على المشاة فكيف بكل هؤلاء الراغبين بربحٍ سريعٍ على حساب جيوب السكان الغارقين في شظف العيش وقلة الخدمات؟
وإن بدا من اللافت إدراج عددٍ لابأس به من الباصات الكبيرة على خطوط النقل العام إلا أنّ عددها لا يكفي ومقاعدها قليلة العدد وحركتها بطيئة عدا عن أن نظام تشغيلها يخضع لأسلوب التعهيد بحسب النسبة، أي نسبة عدد البطاقات المباعة وليس وفق أجرٍ يومي أو شهري محدّد، الأمر الذي يحفّز السائقين على تكديس الركاب فوق بعضهم لتحقيق نسبة أعلى من المدخول العام، وغالبا ما تسمع عباراتٍ آمرة كـ “خود عليك وفوت عالصدر،” أو “ بَعِّد عن الباب،” أو “بَعِّد عن المراية،” أو “إنتو يللي بالنص فوتوا لجوا خلوا هالنسوان تطلع.” أصبحت هذه العبارات طقساً عاماً تسمعها في السرفيس وفي التكسي-سرفيس وعلى المواقف حتى داخل الهونداية حيث يُرتب السائق النساء على جهة والرجال على جهة ليتمكن من زيادة أعدادهم منعاً لاحتكاك جسدي ممنوع شرعاً ومرغوب به تجاريًا كمصدرٍ لربحٍ أكبر.
أما سيارات الأجرة أي التكسي النظامية فهي مشكلة موغلة في تعقيدها لارتفاع كلفتها وتملّصها من أي شكل من أشكال الرقابة، فرغم توقف عدّاداتها عن العمل بإرادة السائق، لا وجود لأية جهة رسمية تُسائل أو تُحاسب المخالفين. ونظرا ً لبعد المسافات وشدة الازدحام يضطر البعض كالنساءٍ والرجالٍ الوحيدين والمسنينّ وأولئك الذين يعانون من ظروفٍ صحية صعبة لاستعمال التكسي حصراً. أما عن أحوال السرافيس والباصات وحتى التكسي من الداخل فهي إهانة يومية بالغة مسكوتٌ عنها في مواجهة الأهم وهو الركوب بهدف الوصول وحسب. فمعظم المقاعد تبرز نوابضها الحديدية لتخز اللحم وتمزق الملابس، النوافذ مغلقة أو من النايلون السميك، بطارية السيارة ملاصقة للأقدام والدواليب ملاصقة لجذع الركاب، مقاعد حديدية ضيقة لمزيد من الركاب، بطانيات الإعانة الرمادية بدلاً من تنجيد المقاعد وتجديدها لدرجةٍ تشعر وكأنك في قبرٍ رمادي لا شيء يميزه سوى شعار المنظمة الدولية للهجرة، هجرة ترافقنا حتى النخاع داخل البلاد وخارجها.
غلاء أسعار المازوت وقلة الكمية الممنوحة للسائقين بالسعر النظامي، الأغاني الهابطة والشتائم، القذارة والروائح القاتلة نتيجة الازدحام وتراجع شروط النظافة الشخصية، توهان الركاب وأسئلتهم المتكررة عن وجهتهم وطلبهم للمساعدة في الهبوط والصعود، أطفال مكدّسون مع أمهم لتوفير ما يمكن من أجرة مقعدٍ بات الجلوس عليه بطراً وامتيازاً لا قدرة للبشر على ممارسته. إنها أزمة يومية خانقة حتى حدود المهانة، ولا شيء يشي بانفراجٍ نسبي يُزيح عن السكان مرارة الانتقال. معاركٌ يومية بأدوات غير عسكرية، لكنها مهينة وقاتلة.
مصدر صورة الهونداي: صفحة هوندايات ركن الدين والصالحية على الفايسوك
by Syria in a Week Editors | Feb 26, 2018 | Media Roundups - EN, Syria in a Week - EN, Uncategorized
كأن الحرب في بدايتها، الدمار والأنقاض والضحايا والمواقف المتشددة لأطراف النزاع والعجز الدولي لا ينبؤ بقرب نهاية المأساة بل باستمرارها.
هدنة للغوطة… 2401
24-25 شباط/ فبراير
رويترز، فرانس برس، لانست
وافق مجلس الأمن الدولي السبت على قرار 2401 يدعو لهدنة 30 يوماً في سوريا للسماح بدخول المساعدات والإجلاء الطبي. واستثنى القرار تنظيمي “داعش” و “القاعدة” والافراد والتنظيمات المرتبطة بهما. وهذا اول قرار دولي لهدنة في سوريا.
وأيدت روسيا القرار بعد سلسلة مفاوضات في اللحظة الأخيرة. وخلال أسبوع من التصعيد في غوطة دمشق قتل وجرح ٣٠٠٠ شخص بحسب “المرصد السوري لحقوق الانسان.” وجاء التصويت في الوقت الذي قصفت فيه طائرات حربية الغوطة الشرقية آخر جيب للمعارضة المسلحة قرب العاصمة السورية دمشق ذلك لليوم السابع. وكان من المقرر عقد جلسة مجلس الأمن الخميس إلا أنها تأجلت ليومين وسط مفاوضات ساخنة بين الجانب الروسي وبقية الأعضاء. وأفاد المركز الطبي الاميركي – السوري (سامز) أنه خلال يومي المفاوضات في نيويورك قتل ١٨٠ شخصاً بينهم ٤٢ طفلا وجرح حوالى ٥٠٠ شخص. وكان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش دعا الأربعاء إلى نهاية عاجلة ”للأعمال الحربية“ هناك. (رويترز)
وبعد إقرار القرار بقي التصعيد وسط حشود من قوات النظام لاقتحام الغوطة. وذكر “المرصد السوري لحقوق الإنسان” أن طائرات حربية تقصف الغوطة بعد تصويت مجلس الأمن وسط مخاوف من عدم الالتزام بالهدنة، وذكرت وكالة فرانس برس أن القوات النظامية بدأت بهجوم بري على الغوطة الأحد من محورين.
عليه، شدد الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والفرنسي ايمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل خلال محادثات هاتفية الأحد “على أهمية مواصلة الجهود المشتركة بهدف تطبيق كامل وفي أسرع وقت ممكن” لقرار الهدنة التي تستمر شهراً. (فرانس برس)
أدانت العديد من المنظمات الدولية والإنسانية الهجوم الذي يتعرض له المدنيين في الغوطة، وأفاد مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أنها حملة “إبادة” في الغوطة السورية. كما ذكرت منظمة يونيسف “لم يعد لدينا كلمات لوصف معاناة الأطفال في سوريا.” (رويترز)
وفي تعليق لمجلة لانست المتخصصة في الصحة العامة بتاريخ ٢٣ شباط/فبراير، ذكرت أنه “منذ الرابع من شباط/فبراير ٢٠١٨ قصفت القوات السورية بدعم روسي الغوطة الشرقية، وهي منطقة محاصرة خارج سيطرة الحكومة السورية بالقرب من دمشق.
لقد أدت هذه العملية العسكرية إلى قتل مئات المدنيين وجرح أكثر من ذلك من ١٥٥٠ منهم وذلك لغاية ٢١ شباط /فبراير ٢٠١٨. ووثقت حركة باكس، وهي حركة سلام دولية، في يوم واحد فقط، هو العشرون من شباط /فبراير ٢٠١٨ مقتل ١١٠ من المدنيين وجرح مئات آخرين في ١٣١ غارة جوية، و٤٤ برميلاً متفجراً و ٢٨ صاروخ أرض-أرض، وخمسة قنابل عنقودية، وعدداً لا يحصى من قذائف المدفعية والصواريخ الأخرى. وترى منظمة العفو الدولية هذا الهجوم كاستمرار “لجرائم الحرب على نطاق أوسع.”
وثقت الجمعية الطبية السورية – الأميركية تعرض ٢٥ مستشفاً ومركزاً صحياً للقصف وبعضهم تعرض للقصف أكثر من مرة بين ١٩-٢٣ شباط/فيراير. في الوقت ذاته ردت الجماعات المسلحة بقصف لأحياء دمشق وقتلت وأصابت عشرات المدنيين أيضاً”. (لانست، 2018)
2401 لايشمل عفرين
21-25 شباط/ فبراير
فرانس برس، رويترز
تستمر عملية “غصن الزيتون” التي تشنها القوات التركية مع فصائل مسلحة سورية معارضة وحقق تقدماً في ريف عفرين على أكثر من جبهة، وشهدت جبهة عفرين تطورات خطيرة في هذا الأسبوع حيث قام النظام السوري بإرسال قوات “شعبية” مسلحة لدعم صمود قوات حماية الشعب في مواجهة القوات التركية وفصائل المعارضة المسلحة. كما انتقل عدد من مقاتلي وحدات حماية الشعب من حلب إلى عفرين. وهددت تركيا بأن أي جهة ستقدم الدعم للقوات الكردية سيتم استهدافها من قبل القوات التركية، وأن هذه الخطوة قد تقود إلى “كارثة”. (فرانس برس)
في نفس السياق قام الجيش التركي بقصف قافلة أثناء اتجاهها إلى عفرين. وقالت أنقرة إنها تقل مقاتلين وأسلحة، لكن القوات الكردية قالت إنها كانت تنقل مدنيين قادمين ومعهم طعام وأدوية. (رويترز)
ومن ضمن تناقضات المأساة السورية رحبت الخارجية التركية في بيان، يوم الأحد، “بالقرار الذي تبناه مجلس الامن الدولي ردا على تدهور الاوضاع الانسانية في مجمل أنحاء سوريا، ولا سيما في الغوطة الشرقية.” لكن الخارجية أضافت في المقابل ان تركيا “تبقى مصممة على مكافحة المنظمات الارهابية التي تهدد وحدة الاراضي والوحدة السياسية لسوريا.” ومن دون ان يشير في شكل مباشر إلى قرار مجلس الأمن، أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بدوره أنه لن يكون هناك هدنة في العملية العسكرية التركية التي تستهدف منطقة عفرين في شمال سوريا. (فرانس برس)
وفي تطور جديد طالبت تركيا بتسلم القيادي السوري الكردي صالح مسلم الذي اعتقل في براغ بعد أن أدرجته تركيا على لوائح الإرهاب. وكانت حركة المجتمع الديموقراطي، ائتلاف أحزاب غالبيتها كردية تتولى ادارة مناطق سيطرة المقاتلين الأكراد في شمال سوريا، أعلنت في بيان نشر في بيروت توقيف مسلم ليل السبت في العاصمة التشيكية. (فرانس برس)