by Rateb Shabo | Mar 23, 2018 | Roundtables - EN, Uncategorized
هل توجد اليوم هوية اجتماعية وسياسية سورية، أو هوية وطنية سورية؟ ليس من الفراغ أن السوري، حين يبحث عن تعريف لنفسه أو عن هويته، يميل إلى التاريخ القديم. يعود إلى دمشق، المدينة المأهولة الأقدم في العالم. ينسب نفسه إلى شعوب اخترعت الأبجدية الأولى والنوتة الموسيقية الأولى، يبحث عن التميز في أقوال الآثاريين عن سورية الوطن الثاني لكل إنسان مهما كان وطنه الأم …الخ، أو على الأقل يسند السوري الحالي هويته إلى دمشق الأموية، إلى “بستان هشام” القادر على استتباع الدنيا وإلحاقها به، دون الانتباه إلى أن في كل ذلك مفارقة ومصادرة للتاريخ، لأن الأمجاد “السورية” القديمة هذه لا تخص سورية بالمعنى المعاصر.
فقد المجتمع السوري الحديث السيطرة على تاريخه الخاص سواء في إنتاج النظام السياسي الذي يمثله أو إنتاج العلم والمعرفة، أو في الإنتاج التقني، وفقد، بالتالي، قدرته على صناعة هويته الخاصة. هذا ما يبرر طرح السؤال الذي بدأنا به.
المجتمع الذي لا يختار تمثيله السياسي، كحال المجتمع السوري، سيكون شكل الحكم المفروض عليه غريباً بدرجة ما عن هويته، أو لا يعكس هويته تماماً. ولكن الحديث عن الهوية، بوصفه حديثاً شاقاً وغامضاً مهما سعى إلى الوضوح، يفرض على المرء سلسلة تساؤلات لا تنتهي مثل: أليس عجز المجتمع عن اختيار تمثيله السياسي، هو جزء من هويته؟ أو بطريقة أخرى، ألا يمكن معرفة خصائص شعب ما (ماهيته أو هويته) من خلال الحكم أو النظام السياسي المفروض على هذا الشعب، على مبدأ “كما تكونون يولى عليكم”؟ لكن لماذا نفترض أن النظام السياسي المستبد مفروضاً على الشعب؟ ألا يمكن أن يكون الشعب في غالبيته راضياً بهذا الشكل من الحكم، معتبراً أن السياسة شأن النخبة وأن دخول العامة في المجال السياسي لا يولد إلا الفوضى؟ عندها ألا يمكن أن يكون القبول بهذا الشكل من الحكم جزءاً من هوية الشعب المعني؟ أليست فكرة المستبد العادل هي الوليد الشرعي لشعوب “الاستبداد الشرقي”؟
من الناحية السياسية حين يذكر الشرق يذكر الاستبداد، وسوريا من هذا الشرق الذي يشكل الاستبداد المعلم الأهم في هويته السياسية. طوال تاريخه لم يفلح المجتمع السوري في الخروج من الاستبداد السياسي، بقي رهين هويته السياسية الاستبدادية، منتقلاً من نظام ديكتاتوري عسكري إلى آخر. والحق إن محاولات المجتمع السوري في تجديد هويته السياسية لم تكن محاولات عميقة، أقصد ذات ثقل أو عمق شعبي. المحاولة العميقة الأولى هي ثورة 2011 (يبقى لمآلات هذه الثورة ما تقوله فيما يخص هذه المحاولة). ليس مفاجئاً أن السوريين الغائبين لزمن طويل وبشكل شبه تام عن صناعة هويتهم ، تعثروا في محاولتهم العميقة هذه التي من المعقول تناول موضوع الهوية السورية على ضوئها.
لا يعيب سوريا أنها وطن رسمت حدوده “مؤامرة” ما، قليلة هي الدول التي رسمت الطبيعة حدودها. حدود البلدان مرسومة في غالبية الحالات بفعل توازن قوى، فيه من القسر الخارجي أكثر مما فيه من الإرادة الداخلية. غالبية الحدود السياسية تحمل بصمات لقوى خارجية. تبدأ المشكلة السورية من الإنكار الصارخ لهذا “العيب”، الشيء الذي جعل الوطن السوري “قطراً”، أي حالة مؤقتة، ولكنها دامت على هذا.
تخجل سوريا من تعريف نفسها كبلد ناجز مستقل ونهائي كي لا يبدو ذلك “خيانة” لانتماءاتها الأوسع، القومية أو الإسلامية، وكي لا يبدو ذلك رضوخاً لإرادة المستعمر. ربما لم يكن من السهل أن يقبل السوريون بهوية خاصة تميزهم كسوريين عن العرب، أو تميزهم كعرب سوريين عن بقية المسلمين، ولا شك إن مثل هذا الشعور كان يمكن أن يشكل دافعاً مهماً لتجاوز التقسيم المفروض، ولكن هذا لم يتحقق، وسنرى أنه حين مال السوريون إلى “سوريتهم”، في غضون ثورة 2011، وجدوها بعيدة وعسيرة كما كانت طموحاتهم العروبية والإسلامية من قبل.
الزمن وموازين القوى، قبل ثورة 2011، أديا إلى خلق بنية قطرية سورية، فيها عوامل سياسية واقتصادية، وحتى اجتماعية أو شعبية، تصد عن تجاوز القطرية أو التقسيم أكثر مما تدفع لتجاوزها. وقد أثبت الواقع ذلك مبكراً، في مجريات فشل الوحدة مع مصر 1958. رغم ذلك لم يكن متاحاً لسوريا أن تتعرف على نفسها كما هي. كانت سوريا موزعة دائماً بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، وكان دائماً ما هو كائن واقعاً مؤلماً للسوريين، ليس فقط بمعنى داخلي، أقصد سيادة الاستبداد، بل وبمعنى آخر هو العجز عن تحقيق “الأماني” القومية أو الإسلامية. بين كائن مؤلم وتطلعات بعيدة المنال لا تتحقق، عاشت سوريا قلقاً دائماً جعلها غريبة عن ذاتها، تلك الغربة التي تساهم في إعاقة إنتاج هوية مميزة.
سوريا هي “قلب العروبة النابض” لأنها لا تتطابق مع ذاتها، ولأنها مستعدة لأن ترمي نفسها في حضن مصر الناصرية، وجاهزة لأن تدفع “خرجيات” تلامذتها الصغار لدعم حرب تحرير الجزائر، ولأن تكون فلسطينية إلى جانب الفلسطينيين. هي قلب العروبة النابض لأن قلبها لم يكن سورياً بل عربياً، أو لأنها عربية أكثر مما هي سورية، لأنها ترى هويتها في أفق عربي مأمول، ترى هويتها خارجها.
لكن هذا القلب القومي النابض، هو في الوقت نفسه جزء من انتماء آخر غير قومي ولا يعترف بالقومية، جزء من انتماء إسلامي حرصت كل دساتير الدولة السورية، بما في ذلك أكثرها ديمقراطية كدستور العام 1950، على تأكيده وإعلائه فوق كل انتماء آخر.
إذا كان يمكن اعتبار النزوع والتطلع جزءاً من الهوية فلا شك أن النزوع القومي يشكل أحد مكونات الهوية السورية، المفارقة هنا هي أن يكون الميل إلى تجاوز الذات جزءاً من هوية الذات، على هذا يبدو كأن هذه الهوية السورية هي في الواقع هوية مضادة. الشيء نفسه ينطبق على التطلع الإسلامي الذي لم يتمكن من الاندماج في الوطنية السورية، ويبقى طاقة تحطيم كامنة لكل الأطر الوطنية.
نزوع التجاوز المخفق دائماً، عدم الركون إلى ما هو كائن والبقاء على قلق، المؤقتية الدائمة، التطلع إلى هوية متجاوزة للذات، البحث عن هوية خارج الذات، تلك هي ملامح من الهوية السورية قبل ثورة 2011.ولكن ينبغي أن نضيف هنا أن هذه الهوية تنتمي إلى مجال الوعي السوري العام الذي كانت أنظمة الحكم الاستبدادية المتلاحقة تأخذه في الحسبان وتستثمر فيه لا لكي تسعى لتحقيق أمانيه بل لكي تعزز هويتها الاستبدادية التي وصلت مع نظام الأسد إلى حدود الأبدية. في هذا تعزيز للتباين بين الوعي السوري العام والواقع السوري، وفيه لهذا إعاقة لنشوء هوية وطنية محددة.
هل كان يمكن لثورة 2011 أن تشكل بداية هندسة هوية سورية خاصة؟
شاع في سوريا، في سنوات ما قبل “الثورة المغدورة”، تعبير سياسي لمّاح يقول: إن المجتمع السوري ليس متماسكاً بل ممسوكاً، أي إن عدم تفجر المجتمع السوري يعود إلى الاستبداد، إلى وجود قوة قاهرة تفرض على المجتمع الانصياع لسلطة مركزية تستمد شرعيتها من قوتها وليس من آلية محددة تنتج الشرعية السياسية في المجتمع السوري، ذلك أن مثل هذه الآلية لا وجود لها في سوريا.
إذا صح هذا القول، وهو برأينا صحيح إلى درجة لا بأس بها، فإنه يعطي الأساس لاستنتاجين ثقيلين على النفس: الأول هو أن شرط إنتاج الهوية، أقصد قدراً من التماسك المجتمعي، غير متوفر في المجتمع السوري الذي كان يضمحل حضوره تحت ثقل السلطة السياسية الكتيمة، ولا يظهر إلا على مقاسها. والثاني هو أن تحرير المجتمع السوري من الاستبداد (إسقاط النظام) ينطوي على المغامرة بتفكك هذا المجتمع الذي عبر عن ضعف تماسكه أكثر فأكثر مع استمرار الصراع، أو يمكن القول إن أحد أهم أسباب استمرار الصراع على هذا النحو المأساوي هو عدم تماسك المجتمع السوري.
ألا يبدو أن ميل السوريين إلى الابتعاد عن “سوريتهم” يعادل أو يفوق ميلهم للحفاظ عليها؟ بكلام آخر، هل يتفوق التعريف السوري الوطني على التعريف القومي الكردي أو العربي أو على التعريف الديني الإسلامي أو حتى على التعريفات الطائفية؟ هذه البيئة الاجتماعية السياسية التي تنطوي على نزوع مستمر للتجاوز أو للنكوص هي بيئة غير منتجة لهوية محددة لها مقدار من التبلور.
كان من نتائج تحطم ثورة 2011 أن حرر هويات عديدة من سوريا أكثر مما أعلى من شأن الهوية الوطنية السورية. لم تشكل الوطنية السورية انتماء جامعاً قادراً على الصمود في وجه الانتماءات الهوياتية الأخرى. برزت الهوية القومية الكوردية وكان ثقلها الأكبر باتجاه غير متضافر، ومتعارض في أحيان كثيرة، مع قوة الثورة “الوطنية السورية” ضد الاستبداد. المطلب القومي الكوردي تغلب على المطلب الوطني السوري في قلب الثورة. كما برزت الهوية الإسلامية السنية العالمية التي تقاتل ضد نظام مستبد محدد ولا تقاتل ضد الاستبداد لأنه جزء أصيل من منظومتها السياسية، فضلاً عن أنها لا تعترف بالوطن السوري أصلاً. وبرزت الهويات الطائفية والمذهبية الأخرى التي وجدت في النظام السوري قوة حماية في وجه انزياح جهادي سني، الأمر الذي جعلها تغمض العين عن وحشية هذا النظام ضد أبناء “الوطن” الواحد، وعن استبداده ضدها بالذات.
الذي حدث هو أن الدفاع الوحشي لنظام الأسد عن وجوده عرّض تماسك المجتمع السوري، الضعيف أصلاً، لقوى شد عنيفة أدت إلى تفككه، فكان أن انبثقت هويات مختلفة ومتعارضة بين بعضها البعض، ما أدى إلى تراجع الوطنية السورية في المحصلة وليس العكس، ذلك أن تلك الهويات تفيض أو تقل عن سورية المعروفة. الوطنية السورية التي حاولت الثورة، في بدايتها، أن تُعليها، تضعضعت في غضون صراع الهويات الأخرى. التنوع السوري الذي يمكن أن يشكل جانباً من الهوية السورية، يشكل اليوم أحد مصادر استمرار المأساة السورية. تسييس التنوع السوري القومي والمذهبي تسبب في ضعف التماسك الوطني، ثم شكل تالياً محطات استقبال “متنوعة” لقوى وتأثيرات خارجية ثانياً.
كان بروز الهويات المختلفة (قومية ودينية ومذهبية) في سوريا مع تحطم ثورة 2011، على حساب خفوت هويتين اثنتين فيها هما الهوية القومية العربية، والهوية الوطنية السورية التي كان يمكن تعزيزها بفعل الثورة، الشيء الذي لم يحدث، والتي هي المظلة الوحيدة التي يمكن التعويل عليها في استيعاب الهويات الأخرى حين تكف هذه عن السعي إلى كسر محيطها الوطني.
by Amarji | Mar 23, 2018 | Culture - EN, Roundtables - EN, Uncategorized
من نصٍّ طويلٍ بعنوان (فيلُولوجيا الأزهار)
لماذا لا نؤقِّتُ أعمالَنا على السَّاعةِ البسيطةِ في زهرةِ السَّاعة؟
ماذا تتعبَّدُ في اللَّيلِ زهرةُ عبَّاد الشَّمس؟
ألَمْ يَفِضْ حليبُ المجرَّةِ مِن زهرةِ أفيون؟
لأجلِ أيِّ قدَّاسٍ مسائيٍّ ترنُّ زنابق الوادي؟
أليست النَّيلوفراتُ هي المآوي البيضاء التي تهبطُ فيها جفونُ اللَّيل؟
هل قشَّرَ أحدٌ السَّماءَ والقشرُ المنفوضُ على الأرض هو أزهارُ الونكة؟
أليست أزهارُ البنفسج وثائق شعريَّة؟
أثمَّة في الأرض موقدٌ أبسطُ من زهرةِ خشخاش؟
كم غسقاً حُوصِرَ في زهرةِ زعفران؟
أليست في آنٍ واحدٍ قنديلاً ودَلْواً زهرةُ التَّوليب؟
هل انتبهَ أحدٌ إلى الزَّورقِ في كلمةِ خُزامى؟
كيف لا نرى أنَّ هناك وحدةً بين تثاؤب طفلٍ وتَفَتُّحِ زُهيرة آستر؟
من أين تفقسُ النُّجومُ إن لم يكن من زهرة فاوانية مُنتفخة؟
كم ضعفاً تُكبِّرُ أزهارُ الختميَّةِ الصَّيفَ؟
كيف تحوَّلَتْ أزهارُ البهشيَّةِ من حبَّاتِ زَبَدٍ إلى قطراتِ دم؟
أتريدُ أن تغترفَ من الأبديَّةِ، زهرةُ القبَّار، بكلِّ هذه الأذرع الممدودة؟
أرأيتُم كيف يعانقُ الجرحُ أجنحتَه في زهرةِ بخور مريم؟
إذا أمسكتُ أقحوانةً بيضاءَ بيميني وأقحوانةً صفراء بشِمالي، هل سأدورُ كَكَوكب؟
أيتهادى العاشقان في أزهار الدَّهليَّةِ نجومَ الشَّيطان؟
أيُّ مفاتيحَ أفضَلُ لأقفالِ الشِّتاء من أزهارِ السُّورنجان؟
ماذا تريدُ أن تمحوَ أزهارُ الصَّاصَلِ البيضاءُ في حديقةِ المقبرةِ المظلمة؟
أهناك حقَّاً وحدةُ دمٍ بين القرنفل الأحمر وشِفاه العاشقين؟
كيف استطاعت الوستارية هكذا، أن تصنعَ مِن نفسِها كاتدرائيَّةَ نفسِها؟
أيُّ نهارٍ في خاصرةٍ في قبَّةٍ في سحابةٍ محضونٌ بلا حدٍّ في الأرطاسيا؟
* * *
إلى أطفالِ سوريا
ثمَّةَ، بينما تموتون، طائرُ حُمَيراء
يضعُ مُنتشياً، في جوفِ حورةٍ سوداء،
بيضتَه الزَّرقاء الأولى.
بينما تموتون، يَدخلُ قلبي معكم
في الغيمةِ الأخيرةِ لِعالَمٍ بدأ مُنتهياً،- أدخلُ معكم
في الخشخاشِ الأبيضِ، في البحر المتباطئ.
بينما تموتون، الله والقاتلُ،
على شرفةٍ واحدةٍ، يشربان النِّسكافيه ويضحكان.
فقط؛ يشربان النِّسكافيه ويضحكان.
* * *
في هذه البلاد
في هذه البلاد، اللَّيلُ
لا يهبطُ على نهارٍ،
النَّهارُ لا يطلعُ مِن ليلٍ،
اللَّيلُ لا يُولَجُ في النَّهارِ،
النَّهارُ لا يُولَجُ في اللَّيلِ،
في هذه البلاد، اللَّيلُ
يهبطُ على ليلٍ آخر،
اللَّيلُ الآخرُ يطلعُ مِن ليلٍ قبلَه،
اللَّيلُ يُولَجُ في ليلٍ
داخلَ ليلٍ
داخلَ ليلٍ
داخلَ ليل.
* * *
نصوصٌ متفرِّقة
ما اسمُ اليَنبوعِ
قبلَ أن يُباشِرَ انبجاسَه؟
طائرُ الصُّفَيرِ الذَّهبيِّ، ما اسمُهُ
وهو بَعْدُ فرخٌ أخضر؟
ماذا كان يُسَمَّى اللونُ البنفسجيُّ
قبلَ أوَّلِ زهرةِ بنفسَج؟
ومِن دون الخريفِ ما اسمُها
شجرةُ القيقبِ الأحمر؟
*
هل الزَّنابقُ السَّوداءُ في الشَّمس
دُفعاتٌ صغيرةٌ من الليل؟
وهل أزهارُ الجِربارةِ الصَّفراءُ في الليل
لمساتٌ مُخَفَّفَةٌ من الشَّمس؟
*
مَن يئنُّ في الوادي؟
شجرةُ الحورِ التي تنهشُها الرِّياح
أمِ الرِّياحُ التي عَلِقَتْ
شجرةُ حَورٍ بأسنانها البيضاء؟
*
لا أعلمُ أبندقيَّتان أم كستنائيَّتان
عيناكِ: أعلمُ
أنَّ قلبي أمامَهما يقفزُ كَسِنجاب.
*
تتدحرجُ مع الليلِ وتعذِّبُني
فكرةُ الضَّوءِ
في المصابيحِ المُطْفَأة.
*
هل تنظرُ السَّماءُ في الليل
إلى بآبئ عيونِ القِطَط
كما ننظرُ نحنُ إلى النُّجوم؟
*
لا أتخلَّصُ أبداً
مِن حُزنِ بكرةِ التَّحبير المعطَّلة
في آلةٍ كاتبةٍ قديمةٍ ومُهمَلَة.
*
لكي أصنعَ ليلي
أرمي قلبي كلَّ غروبٍ في الزَّبَدِ الأحمر
وأنتظرُ فَحْمَتَهُ
أنْ تأتي إليَّ
بالغابةِ الخرِبَةِ المدلهمَّة.
*
لا أفعلُ في الرَّبيع
سوى أنَّني أَخرُجُ
لأساعدَ الاحتقانَ الورديَّ
في كلِّ الأكمامِ الزَّهريَّةِ
على التَّشقُّق.
*
اللَّيلُ كاتدرائيَّتي الكبيرة
حيثُ كلُّ الآلهةِ
تدخلُ بِظِلالٍ مُرتعشةٍ لِتَعبُدَني
وأنا البسيطُ
أتثاءبُ مُشيحاً بوجهي عنها
نحوَ نجمةٍ مُحتارةٍ
بين ثوبٍ بنفسجيٍّ وآخرَ أحمر.
*
لماذا أيَّتُها اللغةُ
كلُّ بابٍ أحرِّرُكِ منهُ
تحبِسينني خلفَه؟
by Fawwaz Haddad | Mar 22, 2018 | Roundtables - EN, Uncategorized
أُتيح للنظام العسكري الدكتاتوري نحو نصف قرن ليحقق وعوده وطموحاته، حصل خلالها على فرصته كاملة لقيادة البلد نحو الحرية والاشتراكية والوحدة، ولقد فشل. النجاح الذي أحرزه، كان في تحويل سورية إلى بلد مدمر، وزراعة الموت، فلا بقعة تخلو من المقابر. هذا حال سورية التي جلا عنها الفرنسيون في عام ١٩٤٦، ترضخ اليوم في عام ٢٠١٨ تحت عدة احتلالات: إيرانية، روسية، أمريكية، تركية، وأذنابهم، إضافة إلى المليشيات المذهبية والفصائل الإسلامية المعتدلة والمتطرفة.
أما الشعب، فملجوم عن الفعل، وعن التفكير بالمصير، مجرد البقاء على قيد الحياة، بعد سبع سنوات من الجحيم، لا يريد سوى الخلاص من الحرب، منهكاً يعاني من القتل والنهب والقصف والغلاء واللصوص والمحتالين… وإذا كان لهذا الشعب بلوغ أقصى أحلامه، فالعيش بكرامة، وليس تحت ظل الأجهزة الأمنية، والشبيحة النتاج الفريد الحامل لملامح النظام الأكثر ابتذالاً.
سواء اتفقنا أو لم نتفق، يقاتل النظام من أجل بقائه، وفي حال انتصاره، سوف يفرض هوية سورية، تتلخص بكلمة واحدة “منحبك” وسوف يقود الرجل المحبوب السوريين إلى حرب أخرى، إن لم تستمر الحرب الحالية إلى ما لانهاية، ما دام لديه عشاق أوفياء وعميان توافقوا على نهب البلد والتعيش على مآسيها.
هذه المقدمة لا بد منها. فالخلاف الجوهري ليس على الهوية، وإنما هي ذرائع وحجج ومزاعم الأطراف المتقاتلة للاستيلاء على السلطة، وبناء سلطات موازية على مناطق متفرقة من الأرض السورية. إذا أردنا تعيين من نحن، فلن نعود الى ما قبل الصفر لنبحث عن هوية. فإذا لم نكن عرباً، فماذا نكون؟ ولماذا عليَّ أن أعيد النظر بعروبتي؟
فإذا كنت أتكلم اللغة العربية، والتاريخ والماضي، وتراثي ورموزي ومشاعري مشتبكة بالعروبة، هذا عدا العادات الاجتماعية وما تعنيه بالنسبة إلينا المساجد والكنائس والشعائر المقدسة وغير المقدسة، إضافة الى المطبخ والطبيخ… كلها تدور في نطاق دمشقيتي السورية المنتمية إلى فلك العروبة، فلماذا أبحث عن هوية أخرى؟ ولماذا أختلق ما يربطني مع شعبي، مادامت هذه العناصر تجمعني معه؟
العروبة، لا تجعلني أتنازل عن ديني، ولا تضطر غيري إلى التنازل عن أديانهم ولا مذاهبهم، ولا تلزم الكردي بالتنازل عن قوميته ولا حقوقه. جميع هذه الانتماءات سواء كانت شخصية أو غير شخصية بالوسع الاعتقاد بها وممارستها. المطلوب ديمقراطية تحفظ حقوق الجميع كاملة، وعلمانية تحمي هذه الانتماءات تحت السماء السورية. هل نبتدع فيدراليات وإمارات ومحميات ومناطق آمنة وغير آمنة وسورية مفيدة وغير مفيدة لكي نخوض في خلافات لا أول لها ولا آخر، مشكلتنا هي النظام الذي استعبد الشعب وأهانه تحت شعارات جائرة، كرسها لاستباحة حياة الناس وحرياتها.
إذا أردنا البدء مما قبل الصفر، فلنتخيل بلداناً أخرى وهويات ثانوية وفرعية تطمس هوية لم تتمزق إلا بسبب صراعات لا تتعلق بالهوية بقدر ما تتعلق بالسلطة والانحيازات الطائفية ضيقة الأفق
التأسيس على الهويات الفرعية أو القبول بها خطأ قاتل، إنها فرعية ويستحسن إبقاؤها فرعية، إنها تخصني كما تخص أفرادا وجماعات، لا تجمع بقدر ما تشرذم. إن العروبة الجامع الأكبر للشعب السوري لا يمكن إنكار الصلة القوية لكل قومية في سورية بالعروبة، ألم تشارك القومية الكردية في صناعة التاريخ السوري والعربي؟ لا معنى لافتعال عداوة مع الأكراد، إن كانت حقوقهم محفوظة بالكامل ضمن سورية عربية. وإذا كان لديهم أحقاد مشروعة فضد الأنظمة. وإذا كان لكل جماعة الحق بالاستقلال عن سورية الوطن الأم، فإرضاء الأكراد، يشجع على مطالبة العلويين بدولة، والدروز بدولة، وعلى هذا المنوال تتقاسم سورية؛ كانتونات للكاثوليك والأرثوذكس والسريان والتركمان والشركس، وإمارات إسلامية بالعشرات.
لسنا على خلاف جوهري، إنما هو التطرف العربي والكردي والعلوي والدرزي والسني، إذا كانت هناك إرادة للعيش المشترك، فالعائق الآن هذا النظام المسلط فوق رؤوسنا، بوجوده، لا هوية ولا حرية ولا سلام ولا أمن.
by Salon Syria Team | Mar 21, 2018 | Reports - EN, Roundtables - EN, Uncategorized
طاولة مستديرة أعدتها هيئة التحرير في صالون سوريا
يكتسب موضوع الهوية أهمية كبيرة في هذه المرحلة الخطيرة من تاريخ سوريا الحديث، والتي تتسم بصراع تقسيمي، وبتدخل من أطراف دولية وإقليمية تعبث بالمصير السوري. وفيما يتحدث كثيرون عن فيدرالية، أو تقسيم، أو مناطق نفوذ، أو محميات، أو مناطق آمنة، يبدو المجتمع السوري أكثر تفككاً من قبل، وتبدو القوى السياسية سواء في المعارضة أو السلطة عاجزة عن بلورة خطاب توحيدي، أو مشروع يوضح إلى أين تتجه الأحداث في سوريا، وما الذي يعنيه أن تكون مواطناً سورياً في إطار وجود قانوني. بالتالي يصبح من الملح طرح موضوع الهوية السورية، وخاصة بعد تفكك الهوية القومية المفروضة على مكونات المجتمع وبزوغ هويات مناطقية ونعرات طائفية ومكبوتات قومية تاريخية لجمتها الإيديولوجيا القومية عبر ارتباطها بالسلطة. وبرزت إلى السطح هويات تكتسب بحكم الولادة أو بالانتماء إلى خلفية معنية، أو بالقالب الطائفي الذي يُرمى على الآخر بسبب استغلال الانقسامات الاجتماعية في الصراع.
يدعو “صالون سوريا” الكتاب إلى معالجة الموضوعات التالية:
برأيك كيف يقارب السوريون هويتهم وكيف يريدونها أن تكون بالمعنى السياسي، ضمن إطار مشروع مستقبلي لبناء الدولة؟ كيف يعرّفون أنفسهم على المستوى السياسي والاجتماعي؟ هل تمثلهم الأطراف المتصارعة؟ هل هناك شيء يمكن أن يجمع عليه السوريون؟ إلى ماذا يطمح السوريون وماذا يريدون أن يحققوا على هذا المستوى؟ما طبيعة الصراع الدائر، دوافعه الإيديولوجية والدينية والسياسية وتأثيره في موضوع الهوية؟ بأي اسم يخاض الصراع القائم في سوريا؟ هل يعكس إجماعاً على هوية، أم يتسم بهويات تقسيمية؟ وما هو شكل الهوية السياسية القادمة في سوريا في ظل استمرار الأوضاع الحالية؟ هل تقاتل الفصائل المعارضة والأصولية من أجل فرض هوية إسلامية على سوريا؟ من أجل ماذا يقاتل النظام وما هو تصوره المستقبلي لمفهوم الدولة، إذا كان لديه تصور؟ وما هو التصور الثقافي لمفهوم الهوية في سياق الصراع؟ وهل هناك شيء يجمع عليه السوريون يتخطى الصراعات القائمة؟
سينشر صالون سوريا الإسهامات التي ترده تباعاً ويفعل روابطها.
–الجامعة السورية
يوسف سلامة
–دمشقيتي السورية المنتمية إلى فلك العروبة
فواز حداد
–الهوية السورية هوية مضادة
راتب شعبو
–الهوية السورية المقتولة
علياء أحمد
–هوية و هويات
جمال سعيد
–هويتنا القاتلة
لبنى أبو خير
–الخوف من الثورة بوصفها فضيحة للهوية المشوهة!
عمر الشيخ
-البعث والهوية السورية
رانيـــــــــــــــا مصـــــطفى
–أنا سوري! آه يا ويحَ قلبي
أروى غسان
–البدل ليس ضائعاً…الهوية السورية في استراحة مقاتل
ملك بيطار
–السوريون وصراع الهوية والانتماء
عامر فياض
–بيان من أجل الهوية السورية!
معتز نادر
–الهوية السورية وأسئلة الحرب المفتوحة
معاذ اللحام
–حول الهويات في سوريا
مصطفى تاج الدين الموسى
–الهوية السورية على المحك
زينة محمود
–قومية زائدة… هوية ناقصة!
إلياس بيطار
–سجالات الهوية الوطنية وغياب دور الدولة
أنور بدر
–الهوية السوريّة الضائعة
فريد حسن ياغي
–الهويَّة السُّوريَّة من التَّفخيخ حتَّى الانفجار
عامر العبود
–هوية بلا دين ولا طائفة ولا قومية
غيداء العودات
–هويّة شوّهتها العقائد والمصالح
عادل نديم أحمد
by Lina Atfeh | Mar 21, 2018 | Culture - EN, Roundtables - EN, Uncategorized
لم تتغيّرِ الحروب
الخوفُ رتّبَ حضورَه
والحضارةُ أعادتْ صياغة المشاهد
الجوعُ قتلٌ لا يلطّخُ الأيدي
القصائدُ كما هي ذاهلةٌ لكنّها ليست بمستوى أبطالها
البلادُ نعاسٌ
وفي غرفةِ الإعدامِ في سجنِ المزّة
كان يلتمعُ على الجدار بيت قطريّ بن الفجاءة:
روحي شَعاعاً تطير،
لا مشاهدَ تأخذني
لا ممرّاتٍ يعبرها الحزن
الخيامُ تخطُّ مشاهدَ العراء
والرمالُ تقهقه تحت الطرائد
موتُنا حياةٌ غيرُ مُنجزةٍ
وحياتُنا أقلُّ من ماءٍ وأكثرُ من زبد
لا مشاهدَ تأخذني لا ممرّاتٍ يعبرها الحزن
لا أفقاً يرفعُ القصائد خياماً على رملِ اللّغة
الموتُ فقط
الموتُ يمتحنُ الحقيقة
ويمتحنُ النصّ
يثبت أنه عصيٌّ على التصديق
لا يمكن أنْ تستبطن الموت
ولا يمكن أن تقول أنْ ثمّةَ حياةٌ بعده
إلّا إذا كان الموتُ خاتماً لحديد الحرب،
لم تتغيَّر الحروب
رتّبوا الجثث بملامحها المطموسة
صوتُ الرّياح يشبه الملامح الضّائعة
صوتُ طقطقة حوافرِ الخيلِ على الإسفلت يشبه وحشتي،
لم تتغيّر الحروب
لم يتغيّر الشّهود ولا الضحايا
ثمّة أبطالٌ مفضّلون جدُدٌ يُضفون على المعارك جوّاً من المرح
وثمّة أبطالٌ قدامى يستحضرهم القتل
أتابع المشهد من بعيد
أتابع المشهد وأعلم أنّ القتل اكتمالٌ مسبقٌ لما سنكون عليه
لا تكتملُ البلادُ إلّا بمشهدٍ دمويّ يعلّقهُ التّاريخ في مطبخه،
لا يحزنني الموت
تحزنني الطّرُق المفضيةُ إليه
الإيمان لا يرمّم حزني
أنا المؤمنة كمَثَل إيمان أجدادي القرامطة
الخناجرُ مغروزةٌ في وسائدِ أعدائنا النائمين
لأنّنا أندادٌ وأكثر
ولأنّنا نمنحُ الأعداءَ فرصةً ليصافحونا في الهُدَنِ والمصالح،
لا يحزنني الموتُ
أنا التي لم أحملْ معي كتاباً ولا سيفاً
ولم أسرجْ حصاناً ولا نملةً
ما حاجتي إلى كلّ ذلك؟!
وأنا التي قرأتُ حزن البلاد من الدمّ إلى الدّم
وحاربتُ بأصابعي وأسناني اللبنيّة
وأسرجتُ قدَمَيّ بالحفاء ومشيت.
* * *
by Mohammad Sha'baan | Mar 21, 2018 | Culture - EN, Roundtables - EN, Uncategorized
ينبوع
خُطواتكِ وردٌ يَهيمُ في أروقةِ الليل
بالأمس حَمَلتُ القناديلَ لها
لأضيءَ لِعِطْرِكِ الطَّريق إلى داخلي.
كاللؤلؤِ كنت جاريةً
في نَسْغِ غدي
حين رأيتك في حلمي نبعاً
بسطت لأرتوي
كفَّ يدي .
( ولم يعودوا)
انكفأت راياتي
في انهيار ألوانها
وجفت دمائي حول مسلاتهم
ولم يعودوا ..
بحثتُ عنهم
في بقايا الضوء
في الزوايا الاكثر فقراً للهواء
في الدروب الضريرة المعتمة
في الجبال وفي الندوب
في شراييني
في ذرات الملح العالقة
بين خيوط وجهاتي وأيامي
في كواكب الصمت الأحد عشر
في الأشلاء الطافية في نهر الأيام
في الغابات التي لبستها
وفي وهج الندى ..
في مغيبهم
تمتد الطحالب الداكنة
على رواق الصمت
ويغدو الفجر خيطاً نحيلاً
كأنه النسيان …
(قطارات)
قطارات ..قطارات ..
قطارات لا حصر لها،
على امتداد الشرايين
فوق خطوط السكك
المتجهة صوب الحدود،
كانت البلاد الحائرة المائجة
تضخُّ دمها المُتسربل في معاطف رمادية ..
قطارات تجرف الأشواق
تتسربل بجسد من الغيم الغامض
ويلفها لهاث المسافات،
موحشة تنحدر عبر الأنهار القديمة
وفي طوفانها ترخي ضوضاء الهدير على الجبال الخائفة ..
إنها جسور مسرعة يتراكض إليها الشجر على صفحة الماء
هناك عند الأفق تتعرى الأبراج المتعالية ممّن بناها
وتنحني في جهة رمادية.
(أبجدية )
مَأهُولةٌ رُوحي بِكَائِنَاتٍ أَبْجَدِيَّةٍ
وَعَلّمَتْنِي غَيْمَةٌ اسْمُهَا أُوْغَارِيت
أَنَّ المَنفى جَرِيْرَةُ الأسْئِلة
وَهَذِه إِشَارَتِي وُجُوْهٌ كَثِيْرَةٌ
لا تُفْضِي مَلامِحُهَا إِلى أَثَر
وَمِنْذُ انْحَدَرت الظِبَاءُ مِنْ المَرَايا إلى الليّلِ
بِتُّ لا أُصَدِّقُ القِطَارَات ..
أَلوذُ بِالمَعْنَى حينَ أَتَكَبَّدُ لِقَاءَ العَابِرينَ
وَأَتْرُكُ وَصِيّتي للنَبِيذ:
لا أَسْمَاءَ للغُرَبَاء
سَتَبْرأُ بُوْصِلتِي مِنْ إِدْمَانِ المَعَاجِمِ
حِيْنَ أَفْرَغُ مِنْ هَاجِسِ الجِهَاتِ .
(أصوات )
في فتنةِ الأناجيل
يُوقظني طَيفهم من الكنائس
فأترك الريح للأجراس
وأغسل وجهي بالبحيرة
أصواتهم تأتي من الغابات
ومن الأكاليل الضئيلة
وتسمع واضحةً في أقاصي الظلام
كأن نبرها مَحمولٌ على الجبال
والقصب الكفيف
تتوكأ على الصمت
هشة مُضرجة بالأعالي
محفوفة بالبنفسج والسراب
ترحل من حوافِّ الضوء
وتنضو في رائحة التراب …
( القطار )
القطار عبر تسع مدن وثلاثين بلدة
اجتاز المحطة ولم يأت بها،
العتمة التي تركها وراءه
غطت السياج الحجري
تسلقت الأغصان الفضولية للشرفة
مرت من الواجهة البلورية
وغيبت ساعة الجدار.
لم يعد مرجحا
رؤية معطفها على المشجب
أو شالها المبلل قرب الموقد
لم يعد مرجحاً أن نعثر ثانية على كنوزها الخاصة أو مراياها المضيئة.
الغبار انتشر على النضدد
وكسا مقاعد الضيوف زحف إلى الرفوف الخشبية ولامس الأكواب
ثم وصل إلى مسارب الماء في جوف المغسلة
الفراغ القاسي المحسوس بعد عبور الأبواب التي تفضي إلى الحجرات
القضبان الدفينة التي تلمح من الطلاء
وتلك الزاوية ضاقت وبدت موحشة خلف تمثال الرخام.
وحدها الأصوات الخفيفة الحية الآتية من اللوحة تقاوم الصمت
هناك حيث عمد الرسام كائناته المتوارية
وترك العشب ينمو على مهله.
(الصدى)
الأعشاب التي تزج برائحة مقترنة
ومحروسة بذكريات منسية
هاهي الآن تواصل زحفها على الممرات والطرق
وعلى العجلات الدؤوبة للوقت
كائنات الحديقة المتوارية في نومها رمادية وذاوية
والضوء الذي تسلل من الغيم
جعل الممر يبدو بعيداً جداً،
السياج المحكم كالوهم
والجبل أيضا بدا قابلا للعطب وأكثر فقراً.
كل شيء تغير في الخارج
ساكنو الليل وموقدوا النار لم يظهروا
لعلهم اقتفوا أثر الطيور واختفوا ..
وجهك تسلل بعد نومنا القصير
من النوافذ إلى أحلامنا
وترك أثره على المكان
العتمة المرهفة
الحواف الهشة غير المرئية لقطع الأثاث
التجاعيد الجديدة على الفاكهة،
البيانو المغلق كنعش
والكرسي الوحيد .
ليلك بات بعيدا الآن
لكن الصدى العميق للسوبرانو
الذي تركته حنجرتك
بقي يرن بوهن ويجرح فراغ المكان .
(الهدوء)
هاهو الهدوء قد رأب صدوع المكان
ردم الحفر وهدم الأوكار التي تركها الضجيج،
حط الرحال هنا كاملا وحيا
وصل محمولا على عجلات الوقت
من تلك الأمكنة هناك حيث ينأى المشاة
من الجبهات البعيدة ومن المتاريس الرثة والسواتر المدعمة
هناك حيث لجم هدير العتاد
وأوقف أنين العربات و دوي المدافع المرتدة ..
الهدوء تناهى هنا إلى الرابية عند أطراف البيوت
تخطى الأسيجة والجنائن وصل سليما ومعافى
واستراح على المصاطب والمقاعد تحت عناقيد الدالية
التي بدت ملامحها صافية ورقيقة الآن
همس برفق في بهو الممر فامتثلت له مقابض الأبواب
تلمس الأثلام العميقة التي تركها الخوف وراء الجدران
احتضن الزوايا التي نهشها الذعر
نزع الريبة والهواجس من الحجرات
خلص الستائر من الأضواء الهائجة
و أزال الأصداء الميتة من فراغ الممرات.
الهدوء طاف النواحي وأوقف تردي الهواء
محى ندوبا كثيرة سببتها الأصوات العمياء
أتى بالكثير من أمتعة العزلة وحقائب الصمت
أعاد الطيور إلى أرصفة الحور
أصلح بلطف أثواب النباتات الصغيرة
وشفى العشب المريض
في زيارته إلى الساقية
عانقته الجداجد مجدت صمته وهيأت حناجرها
و جوقة الليل وبزات الكرنفال .
(جميعهم)
جميعهم ذهبوا في التجليات المسكونة بالانتظار
وواظبوا على كسر الهواء ثم سكنوا في أعماق الشظايا
جميعهم أحرقوا البخور أو رفعوا كتباً سماوية
ثم تركوا قلوبهم لباعة متجولين
جميعهم أوقظوني من حلمي وحملوا الكلمات إلي
ولطالما أفقت ولم أجدهم
جميعهم اقتنعوا بالصمت و توحدوا ليبايعوا الظنون
كانوا مدججين بالعزلة يخفون ندوبهم
رأيتهم يحصون السنين ولا يلتفتون …
(الممحاة)
ووددتُ لو تركت بقيتي للريح ..
أتوضأ بأشلاء الجهات العميقة
وأنضوي في طيات الضوء
رذاذا داكن اللون، غيماً،
أو ملحاً لايرادفه الطحين …
قطعتني القطارات وأرخت هديرها
على هشاشة الثلج في ضباب هويتي،
عائداً من شمال الخريف
أخفي الصمت بثرثرة عابرة ،
اعتنقت رداتي لأكمل صلواتي
تتسع الأرض في شمسها وتضيق ممحاتي .
(مقهى)
لِوَجْهِكِ نَشْوَةُ أَوْلِّ الصَّحْوِ فِي صَبَاحِ بعيد
الزَنْبَقُ المُكْتَنِزُ فِي ثَنَايَاهُ
يَهِبُ لِكُلِّ زَاوِيَةٍ فِي سَرِيْرِكِ ذَاكِرة
لِيَدِيْكِ الصَّغِيْرَتِيْنِ مَقَامُ الرَّصْدِ
وَالأَنَامِلُ سَنَابِلُ تَسْتَكْتِبُ الأُرْجُوَان
وَحْدَهُ الشِّعْرُ يَقْرَأُ أَسْرَارَ لِيْلهُمَا
عِنْدَ أَوّل الفَجْرِ
يَصْعَدُ البُنُّ مِنْ خُطُوْطِ يَدِيْكِ
وَ يَمْنَحُ مَقْهَى لِرُوَّادِ هَذَا الحُلم .