ازدادت صلاحيات وزارة الأوقاف التي تمثل السلطة السورية الدينية الرسمية منذ السبعينات، حين اتجه النظام نحو ضبط الحريات الدينية، وجنت الوزارة ثمار وقوفها مع النظام ضد تيار الإخوان المسلمين، بنيلها سلطات واسعة خاصةً بعد أزمة الثمانينات، واستدعى إخلاص وزارة الأوقاف للنظام ووقوفها معه طيلة ثمان سنوات من الحرب السورية، بل ومشاركتها إياه في إجراء المصالحات مع مناطق عديدة خارجة عن سيطرته، كل هذا استدعى تعزيز صلاحياتها بشكل كبير، لتحتل دوراً ضابطاً لكل “الحريات” الدينية الإسلامية، وكافة الحريات.
ويكمّل القانون ٣١ الجديد دور النظام في تعزيز سلطاته على بقية مناحي الحياة، ولا سيما على المناطق الواقعة تحت سيطرته، بما يتضمنه من تهديد لمبادئ الحريات الدينية وغير الدينية. فهو يهدف لتنظيم شؤون وزارة الأوقاف السورية، وتحديد صلاحياتها، بما يتوافق مع أوضاع السلطة السورية المتغيرة منذ ٢٠١١، وقد أثار هذا القانون وقبله المرسوم ١٦ نقاشاً سوريّاً حاداً شمل كافة قطاعات المجتمع السوري، من الموالاة والمعارضة.
الصحفي والنائب في مجلس الشعب السوري نبيل صالح(1) حاول إثارة الرأي العام ضد المرسوم، لأنه “يهدد علمانية الدولة السورية” بحسب قوله، إلا أن صالح صمت عندما تَحوّل إلى قانون.
فيما نشرت جريدة جيرون مقالاً بعنوان الوباء “العلماني” و”الغباء” الأقلوي (3)، اعتبرت فيه أن كل من يرى في المرسوم حدثاً يُؤسس لدولة إسلامية من “أفغنة، وسعودة” هو مصاب بالفوبيا الإسلامية، وأقلوي. ويشير مصطفى الولي إلى ما يسميه “القطبة المخفية”، وهي بحسب وصفه أن المرسوم “يفتح المجال لرجال المذهب الشيعي ليصبح الاجتياح الإيراني المنهجي متكاملاً الأرض والمجتمع والجيش، ثم المرجعية الدينية.”
من جهته كتب حسام جزماتي مقالاً بعنوان “وزارة الأوقاف بين المرسوم الأمني والطائفية” (4) في تلفزيون سوريا، يستنتج فيه أن “بين الرقابة الرسمية الصارمة وبين الخطاب الهائج (لسرايا الدفاع) المنبعثة على فيسبوك، لن يستطيع جماعة (اعتزال الفتنة) من المشايخ التقليديين في مناطق سيطرة النظام أن ينجوا من آثارها.”
أما إياد الجعفري فكتب في موقع المدن مقالاً بعنوان “المرسوم الذي لا قيمة له”(5) ويسأل فيه “ما الذي أخافكم من المرسوم؟” حيث يرى أن “مرسوم الأوقاف الجديد تعبير عن ثقة النظام في النخبة الدينية المتحالفة معه”، أي أن النظام يكافئ الوزير والمشايخ والقبيسيات، والفريق الشبابي المرتبط به، لدورهم في الصراع منذ ٢٠١١، وهذا التفسير الأقرب للموضوعية.
ويشرح تحليل نشره موقع جسور للدراسات (6) أن القانون ٣١ يُكرس مضمون القانون ٤٩ الصادر عام ١٩٨٠، أي ضد “الإخوان والوهابية، فالقائمين على السلطة الدينية الرسمية – وزارة الأوقاف والمفتي- كانوا يمارسون مهاماً في الدولة والمجتمع، ويملكون امتيازات أمنية واسعة دون محاسبة.” ويشير التحليل إلى أن إحداث “المجلس العلمي الفقهي” هو “بمثابة إعلان عن وجود سلطة دينية رسمية موازية لبقية السلطات العسكرية والسياسية والاقتصادية، وتمتلك هذه السلطة استقلالية مالية.”
يقرأ منذر خدام بدوره المرسوم في نصه المرسوم (8) من ناحية الصلاحيات الواسعة التي خص فيها وزير الأوقاف والتي لم تمنح لأي وزير آخر. ويقول فيه إن هذه الصلاحيات ” تجاوزت حدود المجال الديني إلى المجالات الأخرى السياسية والاقتصادية والثقافية.” ويرفض خدام اتهامات “الأفغنة” للمرسوم، وكذلك يرفض الرأي المعارض القائل بالتستر العلماني الذي يخفي طائفية المرسوم.
عن المرسوم أيضاً كتب بكر صدقي مقالاً في جريدة القدس بعنوان “عن المرسوم ١٦ ومعارضة النظام من يمينه” (7)، ويرى صدقي أن “الاعتراضات الصاخبة من مواقع تدعي (العلمانية)، في حين أنها كانت في حقيقتها طائفية مناهضة للدين الرسمي (الإسلام السني) لا لدولة دينية” مضيفاً “في حين لا يستطيع النظام تجاوز بنية التركيبة السكانية، أي يشكل السنة أغلبية ثابتة، فإن المعترضين يحلمون بإفراغ سورية من أكثريتها المذهبية.” وهنا يكرر الكاتب تحليلاً لطالما قالت به المعارضة، وهو يتطلب تدقيقاً يخص الفئات الطائفية والعلمانية، وكيف وجدت هذه الفئات، وكيف تطورت، ودور النظام والمعارضة والخارج في كل ذلك.
حزب التنمية المرخص عام ٢٠١٢ والذي يعمل “تحت سقف الوطن” داخل سوريا أعلن في بيان نشره (9) “لا نرى موجباً للتحامل على المرسوم والتشكيك بمقاصده وأهدافه من جهة، كما لم نلمس أنّه يعطي لوزارة الأوقاف سطوة أو تدخلاً في عمل غيرها من الوزارات.” وهنا تبرز عقلية سياسية تخشى عواقب نقد أية سياسات للنظام؛ فهو حزب يَزن سياساته بمقياس البقاء والاستمرارية.
في موقع “عربي”2” كتب محمد خير موسى “قراءة متأنية في الدلالات والمخاطر” (10)، بين فيها أن “المرسوم ينتقل إلى مرحلة جديدة تعلن بكل وضوح لا لبس فيه أنه لا فصل للدين عن الدولة بعد الآن، بل سيكون الدين من اللحظة بكل تفاصيله، خاضعاً خضوعاً مطلقاً للدولة.” وهذا المرسوم “محاولة إضافية لسلب أعز ما يملكه شعب ووطن: الهوية والحضارة.” وبهذا يقصد الكاتب أن المرسوم سيقمع حريات الطائفة السنية فيما لا تفرض أية شروط على التشيّع الإيراني في سورية.
أما الدكتور محمد حبش فيؤكد في حوار مع جريدة عنب بلدي نشر تحت عنوان “قانون الأوقاف الجديد.. سمٌّ في عسل “الديمقراطية” (11) أن خطر القانون يكمن “بوقف الإبداع والتنوير لأن الوزارة ستحتكر الخطاب، وهو خطاب سلفي، فحتى المفكر العلماني الذي يريد أن يكتب بشأن ديني يمكن أن يتعرض لسؤال من الأوقاف، الأوقاف الآن موجودة في مراقبة الكتب، لكن ستتوسع صلاحيتها بما يشمل كل ما ينشر ويطبع.” وفيما يتعلق بقضية أملاك وزارة الأوقاف يقول حبش “البنود المتعلقة باستثمار الوقف التاريخي، والواردة في المادة /٥٤/، لم تتغير، وكان منتظرًا منه استثمار الوقف التاريخي الهائل الذي كان يزيد على نصف مساحة دمشق.”
وبهذا يثير حبش قضية الأملاك الكبيرة وكيفية استفادة الدولة منها، وقضية الحرية الملغاة في التفكير السلفي، وخطورة هذه العقلية التي تتحكم بوزير الأوقاف على قرارات الوزارة وكل علاقة بينها وبين بقية الوزارات، والتي تدعم البنية الاجتماعية المحافظة للمجتمع السوري.
وتتجاوز هذه الأجواء أسباب الخلافات الفكرية والسياسية، لتصل إلى تأجيج خطاب الكراهية المتبادل بين المعارضين والمؤيدين، ولأتفه الأسباب تُجيش قضية حساسة -كمسألة الدين وحرياته والعلاقة بين الأديان والمذاهب والطوائف- الجمهور السوري وتساهم بازدياد الشرخ القائم في المجتمع؛ ومن هنا تأتي خطورة هذا القانون.
علماً أن هذا القانون وكل ما أصدره النظام من مراسيم وقوانين، طيلة السنوات الثمانية، سيكون عرضة للشطب مع أية تسوية سياسية تتوصل إليها روسيا وأمريكا؛ وبالتالي القانون ورغم توضيحنا لأسباب صدوره، فقد يكون عرضة للإلغاء مستقبلاً.
Although I have visited Japan many times and written about the Japanese miracle in technology, order, and work, today I write in about a whole different area: the message of social peace carried by Japan as a country, people, and government through the launch of its initiative for dialogue between Syrians and the people of Hiroshima, enabling them to study the experience of war and peace in Japan.
As I traveled to Hiroshima with the Syrian opposition and government team, invited by the Japanese Ministry of Foreign Affairs, it never occurred to me that I would receive here the deepest lesson of peace, in the city which is globally linked to the most hideous crime in the history of mankind and has been turned into a symbol for war, death, misery, and atrocities.
Junko is a wonderful eighty-year-old Japanese lady from Hiroshima who survived the bombing of the city seventy-three years ago which claimed the lives of some of her family members.
Around fifty men and women, living martyrs who survived the massacre, volunteer daily to meet the people visiting the Museum of Hiroshima to talk about this hideous tragedy, astonishing the visitors with their smiles and joy. They narrate their sorrowful stories while still integrating lessons of hope, glad tidings, resurrection, and hope after despair.
Throughout the day, in which we were accompanied by the Japanese lady, she never uttered a cross word about the enemies, the global conspiracy, or the criminal attack on Japan. All she talked about was the absurd game of war the Japanese played before the disaster, in which the Japanese leadership was involved for sixty years before the war, militarizing the Japanese people and turning them into monsters feared by all of their neighbors.
The Japanese lady’s words were not just a personal opinion, or the result of the Buddhist religious practice of forgiveness and tolerance. The most astonishing thing is that the language at the official level, and in academia, focuses on raising a nation that only knows the word war in history books, and has a life filled with peace and safety.
In the Museum of Hiroshima, which documents the disaster’s in great detail, the Japanese do not say that they were harvesting their fields when the United States decided to try its nuclear weapon, and Japan’s enemies decided, in a global conspiracy held in Potsdam, to destroy and invade Japan. Neither do they say that the leaders of that time (Churchill, Truman, and Stalin) suddenly decided to destroy Japan if it did not surrender unconditionally, when the United States took the initiative and dropped the bombs.
The Japanese have reached reconciliation. The Museum of Hiroshima states clearly that what happened was the result of the adventure of war. They do not deny it. They say: we (the Japanese) were playing this absurd game; our army was occupying China, Manchuria, and Korea. We used to subject Korean captives to slavery and humiliation. The details were horrifying and hideous. The museum also points out the horrible suicidal practices of the Kamikaze that set the pillars for a suicidal attack culture in the rest of the world. They say we allied with Hitler despite the monstrous acts of the Nazis; we were accomplices in the making of this bloody end.
One cannot underestimate the hugeness of this nuclear crime plotted at the highest levels, yet, the Japanese surprisingly do not adopt this biased vision. They never talk about a conspiracy to destroy their country. In Hiroshima, they built a park and made a monument in the form of a traditional Japanese house, on which they wrote: “The Tragedy Should not be Repeated.”
In order to prevent the tragedy from being repeated, the Japanese removed the word enemy from their culture; they reconciled with the whole world. America itself, which destroyed Hiroshima and Nagasaki and occupied Japan directly for six years, became their closest ally. They managed to play technology and safety in a very unique way. Those meeting in Potsdam (the British, the Russians, and the Americans) became their biggest commercial partners.
The Japanese museum neither includes slogans such as “never accept humiliation” or “revenge for Japan” nor photos of angry mobs tearing apart the British, American, and Russian flags calling for vengeance and chanting: March on.. The blood of martyrs is asking for revenge… Engage into the shower of bullets and take your share of death… It is either a life worth living or a grave better than your dark house.
The Japanese leadership chose the language of reconciliation and forgiveness. It is certain that there was anger during the crisis. It is a natural reaction from the people who witnessed the tragedy. People, after all, are not Gandhi or Jesus. It is certain that there have been voices calling for the Kamikaze to return and to hit deep in the United States, London, and Moscow, and all their allies. The Kamikaze is the oldest school of suicide in modern history. It is famous for its twenty-three pilots chosen by Kamai Asaiki (sic.) to perform suicidal attacks against the American fleet. Their leader Yukio Seki, who used to send them on missions, flew the twenty-fourth plane. Their sacrifice created a wave of eagerness in the hearts of Japanese to fight the Allies. The Americans say that Japan had sent 2400 Kamikaze to attack Pearl Harbor and other American facilities. The Japanese army was living the glory of the Kamikaze, linking it religiously and theologically to the sacred fire which burnt the army of Kublai, son of Genghis Khan, in 1821 and prevented them from occupying Japan.
The calls to revive the Kamikaze were strong in response to the crimes of the Allies, and there were even calls for defiance if the war lasted for a thousand years. However, it was Japan’s good luck that those calling for the return of the Kamikaze did not represent the government or its stance. Had those impulsive choices prevailed, the Japanese would have been living in defiance and war until now.
The Japanese listened to the voice of reason, rejected war, and chose peace. They put an end to the past, reconciled with their present time, and worked for their future. Had they listened to our advice from the miserable Middle East, that they are living under the woes of imperialism and invisible colonization, they would have turned into another North Korea, producing nuclear, Hydrogen, and germ bombs and failing to produce a loaf of bread.
Is Japan a super planet or it is us, the captives of a narrow and suffocating sphere, seeing the perfect as exceptional and the whole as a giant!
The paradox emerged from the comparison between us following a quick visit to Hiroshima to familiarize us with the afflicted city’s resilience and reconstruction.
The city was, literally, leveled to the ground. The bodies of 140 000 people carbonized in a second. Those at distance had a more terrible death, seeing their own blood fall from their bodies from scorching heat. The other victims were counted in the hundreds of thousands, generation after generation, because of the black rain which infused poison into the land and air.
The city rose from under the debris, but most importantly, its people were liberated from malignity and were preoccupied with building their own future.
I met with survivors who rose above their pains despite the fact that they survived the disaster to lose everything (their homes, families, food, money, and health). To be honest, I was not only surprised, but I can almost say that I denounced how an eyewitness can close his eyes to a crime that has terrified humanity.
The answer was that those people’s resilience was not achieved with the press of a button, but the current of tolerance was stronger and people were faced with two options: either swim with this current or be pulled down to the very bottom and drowned.
The current started to flow in the schools, publications, and media. The government had a clear goal and studied plan that reaped fruit after two generations, turning those who called for revenge or the old samurai into a rejected minority that was sometimes even condemned.
Let us look towards our future two generations from now. What are we planting…What are we going to reap?
Supposedly, the Syrian curricula avoid dictation and adopt interactivity, introducing the students to creative and free speech—an approach killed in the crib by conservative teaching staff. For instance, a teacher imposes a single answer to two contradicting questions, about what they have to do when happy or angry. Should they perform ablution and lay out their prayer mat to thank God or to ask for his revenge?
An example we can rely on to predict our future two decades from now.
Japan is not a distant planet, but we continue to reinvent the wheel.
تتميز الفعاليات الثقافية في المناطق الواقعة تحت سيطرة الأكراد في شمال وشرق سورية بالعديد من المهرجانات الفنية والمسرحية والأدبية وعلى مدار العام، والتي أنعشت ثقافة المنطقة التي أقصيت بصورة شبه كاملة قبل أزمة البلاد.
مهرجان الكتاب ضم سبعة عشر ألف عنوان في حقول “الفكر والأدب والفلسفة، والتاريخ، والسياسة، والترجمة”، إضافة إلى كتب الأطفال، وبمشاركة مختلف مناطق الشمال السوري، واستضاف نتاجات كتاب من “إقليم كردستان العراق، وشنكال، وتركيا، ولبنان، ومصر.”
البلدان والشعوب تحتاج إلى خبز ومسرح، لتنهض وتلحق بركب الحضارة، فكان للمسرح حصة الأسد من تلك المهرجانات.
باللغات الكردية والعربية والسريانية، ألقت المهرجانات بظلالها على القصة، والشعر، والموسيقا، والفلكلور؛ فتلك المهرجانات ليست حدثاً عابراً، بل شاهداً على سلك المسار الصحيح في نهضة المنطقة، وبناء العقول عبر اهتمامها بالثقافة.
لم تؤثر الحرب المستمرة في سوريا على استمرارية التعليم في مناطق سيطرة النظام، إلا أن العملية التعليمية شهدت تدهوراً كبيراً في جميع مراحلها، سواء من ناحية المناهج، وتوفير متطلباتها، أو استمرار الأساليب التقليدية في التعليم، إضافة لارتفاع معدلات التسرب من المدارس، بسبب انعدام الأمن والنزوح واللجوء والفقر، عدا عن انتشار الفوضى في المدارس والجامعات. وضمن أجواء الحرب والعقوبات الثقافية والاقتصادية والدبلوماسية، وجد حليفا النظام السوري -إيران وروسيا- الفرصة سانحة لنشر لغتيهما وثقافتهما في مناطق نفوذهم في سورية.
عن الأساليب التقليدية في التعليم والتي لم تتغير، يقول أحد الموجهين التربويين، الذي فضل عدم الإفصاح عن اسمه لـ”صالون سوريا”: “منذ سيطرة حزب البعث على سوريا، يخصص جزء كبير من العملية التعليمية لتكريس أفكاره، عبر أكثر من مقرر منها القومية والتاريخ في مرحلة التعليم الثانوي، وفي دروس القراءة والتعبير بالنسبة لمرحلتي التعليم الأساسي الأولى والثانية”، ويلفت إلى أن ما ساعد على ذلك هو أن الغالبية العظمى من الكادر التدريسي هم من أعضاء الحزب، عدا عن “اجبار الطلاب على الانتساب للحزب في السنة الأولى من مرحلة التعليم الثانوي” بحسب قوله.
ويوضح الموجه، أن الجزء البسيط من العملية التعليمية في مرحلتي التعليم الأساسي والثانوي يخصص لما تبقى من العملية التعليمية، ويعتمد الكادر التدريسي فيه على الأسلوب النظري وليس العملي “أي التلقين من قبل المدرس والحفظ البصم من قبل الطلاب، الأمر الذي حول الطلاب إلى ببغائات تحفظ ما يقوله المدرس ومن ثم تردده”، لدرجة أن الكثير من المدرسين “تعاقب الطلاب الذين يشذون عن هذه القاعدة، كأن يلجأ الطالب إلى تحليل المعلومات والاستنتاج.”
وتم استغلال إلزامية ومجانية التعليم بعد سيطرة حزب البعث على السلطة في سوريا -عام ١٩٦٣ ووصول الرئيس الراحل حافظ الأسد إلى سدة الحكم عام -١٩٧١ لتكريس السيطرة الإيديولوجية على مؤسسات الدولة ومنها التعليمية، حيث تم العمل على تأطير العملية التربوية ضمن منظمة طلائع البعث، واتحاد شبيبة الثورة، والاتحاد الوطني لطلبة سوريا، وحصر جوهرها في غرس أفكار البعث في عقول الطلاب، وتمجيد الحاكم.
تغيير اعتباطي للمناهج
مع الانتفاضة السورية عام ٢٠١١، ازدادت نمطية وجمود العملية التعليمية في سورية، في كثير من جوانبها وأساليبها (المناهج، الكوادر، أساليب التعليم، طرائق التدريس)، لتزيد الفجوة بينها وبين دول العالم المتقدم التي تعيش ثورة في نظم المعارف والمعلومات وفي أساليب التربية والتعليم، ومناهج البحث العلمي.
وأعلنت الحكومة السورية أنها بصدد إجراء عملية مراجعة وتقييم شاملةللعملية التعليمية، وبدأت العام الماضي بإحداث تغيير في مناهج مرحلتي التعليم الأساسي بشقيها الأولى والثانية ومرحلة التعليم الثانوني، وشملت ٥٢ كتابا. وأحدثت التعديلات الجديدة جدلاً واسعاً برز في وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات التلفزيونية المحلية، بسبب ما تضمنته المناهج الجديدة من أخطاء واشكاليات والطريقة والزمن القياسي الذي جرى خلاله إعدادها.
ومن الإشكاليات الناتجة عن التعديلات مثلاً، اعتراض مؤيدي النظام على نشر قصيدة للشاعر ياسر الأطرش في كتاب القراءة للصف الأول، لا بسبب مضمون القصيدة، وانما لأن الشاعر محسوب على المعارضة، فتمّ إلغاء القصيدة بقرار وزاريٍ واستبدالها بأخرى. اعتراضات أخرى طالت عدم تضمين خريطة سوريا لمنطقتي هضبة الجولان ولواء إسكندرون في رسم توضيحي بكتاب مادة “علم الأحياء والبيئة” للصف الأول الثانوي، الأمر الذي دفع وزارة التربية إلى إصدار قرار قضى بإعادة المنطقتين إلى الخريطة السورية (جدل التعليم في زمن الحرب السورية).
لاقت أيضاً قصائد تضمنتها كتب القراءة في مرحلة التعليمي الأساسي اعتراضات وسخرية من قبل الأهالي والمدرسين بسبب كتابتها باللغة العامية، حتى أن الانتقادات طالت تصاميم أغلفة الكتب كصورة نشرت على غلاف كتاب التاريخ لتمثال، فسّره علمانيون بأنه مفزع وذو مضامين دينية واضحة من ذقنٍ طويلة وشاربين حليقين، في حين فسرّه إسلاميون متشددون بأنه استعادة للوثنية، ليتضح بعدها بأنّ التمثال لحاكم مملكة ماري إيكو شاماغان (2453 قبل الميلاد). (جدل التعليم في زمن الحرب السورية).
ويرى موجهون تربويون تحدثوا لـ”صالون سوريا”، أن مسألة وضع مناهج جديدة في أي دولة ليس بالأمر السهل، فهي تحتاج إلى اخصائيين ودراسات كثيرة ومعمقة تمتد لزمن طويل، بحيث يتم تحديد الأهداف، والأخذ بعين الاعتبار القيم الاجتماعية والأخلاقية والإنسانية، ووضع خطط زمنية متسلسة لعملية الانتقال من المناهج القديمة إلى الجديدة.
إلا أن ما حصل بسوريا برأيهم هو “أن عملية التغيير حصلت في وقت حساس للغاية وهو حالة الحرب، وبزمن قياسي، ناهيك عن أن من قام بالعملية أغلبهم لا يتمتع بالكفاءة المطلوبة، فمقياس اختيارهم هو الولاء المطلق للنظام، وبالتالي الأمر تم بشكل اعتباطي، وكانت النتيجة الجدل الكبير الذي حدث ووصله إلى حد – وإن بصورة شكلية- استجواب الوزير تحت قبة مجلس الشعب.”
هذا وعممت الحكومة المناهج الدراسية الجديدة على المراحل الدراسية دون أن تقيم أية دورات تدريبية للكوادر التدريسية عليها، مما وضع هذا الكادر بوضع حرج أمام الطلاب -خصوصا في مرحلة التعليم الثانوي- الذين يطرحون الكثير من الاستفسارات بالنسبة للمواد العلمية.
غياب للمستلزمات
لا يمكن للعملية التعليمية أن تسير دون تأمين مستلزماتها الأساسية، من مدارس تحتوي على بنى تحتية كاملة من أبواب ونوافذ ومقاعد ووسائل تدفئة في فصل الشتاء وغيرها، إضافة إلى توفير الكادر التدريسي والإداري الكافي، ونسخ الكتب، ومناهج صحيحة.
إلا أن قوات النظام وحلفائه تسببوا بخروج آلاف المدارس عن الخدمة إثر قصفها، وأعلن وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو أن نحو ٤ آلاف مدرسة في سوريا تحتاج إلى إعادة إعمار بعد تدميرها، وأشار إلى أن الدراسة بدأت في حوالي ١٤ ألف مدرسة، وذلك مع بدء العام الدراسي الجديد في ١ أيلول الماضي، وتوجه نحو اربعة ملايين طالب وطالبة الى المدارس، بحسب ما اعلنت وكالة “سانا” الرسمية.
ويؤكد كثير من المدرسين لـ”صالون سوريا” غياب الكثير من مستلزمات العملية التعليمية في مدارس النظام، خصوصا تلك الواقعة في المناطق التي سيطر عليها حديثا مثل غوطة دمشق الشرقية، ويقول أحد المدرسين: “يطلبون من المدرسين التعليم في الغوطة، ووسائل النقل للذهاب إليها غير متوفرة، يفتتحون مدرسة وأبسط المستلزمات مثل المقاعد غير متوفرة، أين يجلس الطلاب؟ قاعات بلا أبواب ولا نوافذ والضجة تعم الممرات، كيف يفهم الطلاب؟”
بدورها قالت مدرسة في إحدى مدارس ريف دمشق الشمالي وهي من أبناء المنطقة، “أغلب الأحيان عند غياب أحد المدرسين أو المدرسات وبسبب عدم وجود مدرسين احتياط يجري دمج طلاب شعبتين في شعبة واحدة، ليصبح عدد التلاميذ ما بين ٧٠ إلى ٨٠ طالبا، وفي هذه الحالة المدرس لا يتمكن من اعطاء الدروس وإذا اعطاها، فإن الطلاب لا يستوعبون بسبب الاكتظاظ الكبير والفوضى التي تنتج عنه”، مشيرة إلى أنه في هذه الحالة أغلب المدرسين “لا يعطون دروس ويقضي الطلاب فترة الدوام باللعب واللهو والعراك على حين تتحول غرفة المدرسين إلى أشبه بمقهى لتناول المشروبات والأطعمة.”
ويعزى السبب الرئيسي لنقص الكوادر التدريسية لحالة النزوح واللجوء الكبيرة التي شهدتها سوريا خلال الحرب، إذ تشير المفوضية السامية للامم المتحدة لشؤون اللاجئين في موقعها الرسمي إلى أن أكثر من ٥.٦ ملايين شخص اضطروا للفرار من سوريا منذ عام ٢٠١١ بحثاً عن الأمان في لبنان والأردن والعراق، وبلدان أخرى، فيما نزح ملايين الأشخاص الآخرين داخل سوريا.
معاون وزير التربية سعيد خرساني قال في تصريح نقلته وكالة “سانا” الرسمية في أيلول/سبتمبر: “إن العدد الكلي للمعلمين والاداريين في وزارة التربية يبلغ حاليا ٣٠٠ ألف معلم ومعلمة وتم تعيين ٣٠ ألف معلم ومعلمة خلال العام ٢٠١٨.”
وذكرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” في تقرير أصدرته في نيسان الماضي أن تحديات أخرى تواجه التعليم في سوريا تكمن في تسرب ٢.٨مليون طفل سوري من التعليم في البلاد وبلدان اللجوء، وبحسب المنظمة فإن بعض هؤلاء الأطفال لم يذهبوا إلى المدرسة مطلقًا، بينما فات بعضهم الآخر ما يصل إلى سبع سنوات من التعليم ما صعب عليهم اللحاق بالركب.
أداة فرزٍ طبقي
رغم أن الهدف من اللباس المدرسي الموحد في مدارس النظام كان إلغاء الفوارق بين الطلاب، إلا أنه بات حاليا “أداة فرزٍ وتمايزٍ طبقي” تستهدف أبناء الفقراء، الذين باتوا يشكلون السواد الأعظم في البلاد، وذلك بعد توجيه للمدارس في بداية العام الدراسي الجديد بـ”التقيد” بهذا اللباس.
حيث دفع تراجع الوضع المعيشي للسوريين، المسؤولين في المدارس لغض النظر عن الزي الذي يرتديه الطلاب، وبات الطلاب يذهبون إلى المدرسة بأي لباس يتوفر لديهم، إلا أن النظام، وبعد سيطرته على مزيد من الأراضي خلال العام الجاري، أصدر قراراً توجيهياً للمدارس للتقيد باللباس المدرسي الموحد.
وقال معاون وزير التربية في الحكومة السورية عبد الحكيم حماد “إن الوزارة سوف تراعي إذا ما كان هناك حالات استثنائية لطلاب لم يتمكنوا من التقيد باللباس المدرسي، لكن هذا ليس عذراً لأولياء الأمور بعدم تأمين الأزياء المدرسية لأبنائهم، والتي لا يتجاوز ثمنها فاتورة الهاتف المحمول لأحد الوالدين.”
ومنذ بدء الحرب في البلاد، تضاعفت أسعار الملابس والمواد الغذائية ومختلف الحاجات المنزلية ارتفاعاً تدريجيا، بسبب تراجع مستوى سعر صرف الليرة السورية أمام العملات الأجنبية، وانعكس ذلك سلباً على الحالة المعيشية للمواطنين، مع بقاء سقف المعاشات الشهرية للموظفين على ما هو عليه، فالموظف الذي كان مرتبه ٤٠ ألف ليرة قبل الحرب، أي ما يعادل نحو ٨٠٠ دولار أمريكي، أصبح مرتبه اليوم يساوي أقل من ١٠٠ دولاراً، في حين يقدر اقتصاديون تحدثوا لـ”صالون سوريا“ أنّ حاجة الأسرة المؤلفة من خمسة أفراد تصل إلى ٨٠٠ دولار شهريا ً حتى تتمكن مواصلة حياتها بشكل وسطي، بينما تصل تكلفة لباس ومستلزمات الطالب إلى نحو ١٠٠ دولار بحسب الاسعار المعلنة للملابس والمستلزمات المدرسية في الاسواق.
ويرجع العديد من الباحثين الاجتماعيين، ارتفاع اعداد الأطفال المتسربين من المدارس إلى حالة الفقر الشديد الذي تعاني منه الأسر، حيث باتت تدفع بأطفالها إلى العمل لتأمين رغيف الخبز.
ونشرت صحيفة “قاسيون”، التي يصدرها حزب “الإرادة الشعبية” في سوريا، مقالاً اعتبرت فيه أن اللباس الموحد في المدارس ينحو ليصبح دليلاً فاقعاً على التباين والتمايز الطبقي، فسعره لم يعد يتوافق مع إمكانات الفقراء لتأمينه.
وتقول الصحيفة في المقال: “نظرة واحدة على طابور إحدى المدارس، أو خلال ساعات الدخول والانصراف منها، تكفي لمشاهدة التمايز الطبقي بين الطلاب من خلال لباسهم وحقائبهم وأحذيتهم، ما يعني: أن الغاية المتوخاة منه شكلاً لم تعد متوفرة كما لم تلغ عوامل التباهي بين الطلاب، مع ما تتركه من أثر معنوي في نفوس فقراء الحال من هؤلاء، وهم الغالبية.”
“منصات تشبيح”
بعد انتشار ظاهرة تشكيل المليشيات المسلحة الموالية للنظام، وصلت العسكرة والقمع لداخل المدارس، فلم يعد مستغرباً مشاهدة مدرس يرتدي الزي العسكري أثناء دوامه في المدرسة، وممارسة “التشبيح” بحق الطلاب وزملائه المدرسين أيضا.
كما انسحبت ظاهرة “التشبيح” على الأطفال أنفسهم، بحيث يقوم طالب بتقليد والده بعملية “التشبيح”، وتهديد الطلاب، ويصل الأمر في بعض الأحيان إلى تهديد مدرسة أو مدرس الصف إذا لم يتم تنفيذ ما يرغب به من قبيل إجلاسه في المقعد الأول.
كما يقوم البعض بتوجيه كلمات فاحشة لزملائه وسلبهم ما بحوزتهم من “خرجية” أو مأكولات ومستلزمات دراسية، كما يحدث مع الطالب أحمد الذي تتحدث والدته لـ”صالون سوريا” عن أنها لم تعد تعطيه الخرجية قبل ذاهبه الى المدرسة وإنما بعد عودته لحمايتها من السرقة من قبل زملائه، وتقول “وجدت حلاً للخرجية لكني عاجزة عن حل مسألة سلبه الأقلام وعلب التلوين والأدوات الهندسية.”
كما يقوم “الشبيحة” من الأهالي بزيارات للمدارس للإطلاع على أوضاع أبنائهم، والطلب علنا من المدرسين أن يتم تصنيف أبنائهم من المتفوقين رغم أنهم لا يستحقون ذلك، وتقول إحدى المدرسات لـ “صالون سوريا”: “لا مجال للرفض، فقد يتم الإنتقام منا.”
وأسوأ عمليات “التشبيح” في المدارس، تمارس خلال فترة تقديم الطلاب لامتحانات شهادتي التعليم الأساسي والثانوية العامة، حيث شهد “صالون سوريا” عدة مرات خلال فترة الامتحانات تجمع العديد من “الشبيحة” أمام المراكز الامتحانية، بينما يتحدث طلاب لـ”صالون سوريا”: ان هؤلاء يقومون “بإدخال حلول الأسئلة إلى طلاب معينين إلى قاعات الامتحان، دون أن يجروء رؤوساء المراكز أو المراقبين على التكلم ولو بكلمة واحدة، قد تكلف المراقب حياته” على حد قول أحد المراقبين.
ومع استفحال حالة الفلتان الأخلاقي وتراجع العملية التعليمية في مدارس النظام، يلجأ ميسور الحال الى تسجيل أبنائهم في المدارس الخاصة، لكن هؤلاء باتوا قلة قليلة، ويقول رب أسرة لــ”صالون سوريا”: “الوضع في مدارس الحكومة يرثى له، نخسر مال أفضل من أن نخسر أبنائنا.”
جامعات بلا تصنيف
وانسحبت حالة التدهور الذي تعاني منه العملية التعليمية في مرحلتي التعليم الأساسي ومرحلة التعليم الثانوي على التعليم الجامعي، واختفت الجامعات السورية من معظم التصنيفات الأكاديمية العالمية.
فمع اندلاع الحراك السلمي، كرس النظام جهده لتجنيد طلاب الجامعات الموالين له بهدف كبح هذا الحراك على حساب دراستهم، كما أوكل إليهم بمهمة الخروج بمسيرات موالية له.
وبلغ عدد الجامعات الحكومية ٨ جامعات في العام الدراسي ٢٠١٤-٢٠١٥، وعدد كلياتها ١٥٠ كلية والمعاهد العليا ٣ والمتوسطة التابعة لوزارة التعليم العالي ٥٨ معهداً، بينما تم إحداث العشرات من المعاهد التي تتبع الوزارات الأخرى، ووصل عدد طلاب الجامعات الحكومية لنحو (٤٦٢.٣٩٣) طالباً وطالبة عام ٢٠١٥، وذلك بحسب دراسة للباحث مدين علي نشرها “مركز دمشق للأبحاث والدراسات – مداد،” ومقره في دمشق.
أما الجامعات الخاصة المرخص لها والتي تزاول عملها حتى نهاية عام ٢٠١٧ فبلغ عددها وفق الدراسة لـ ٢٢ جامعة، وعدد طلابها نحو ٣٥٠٠٠ طالب وطالبة، بينما بلغ نصيب التعليم الموازي في الجامعات الحكومية (٣٥%) من إجمالي المقاعد الجامعية. وتشير البيانات إلى أن عدد برامج التعليم المفتوح الذي أحدثته وزارة التعليم العالي وصل في نهاية العام الدراسي ٢٠١٥ إلى (١٩) برنامجاً.
وبحسب دراسة نشرها المركز ذاته للباحث خليل عجمي بعنوان “تصنيف الجامعات السورية: الفجوة بين الحل الإسعافي والتغيير الاستراتيجي“، فإنّ الجامعات السوريّة الخاصة والعامة كمؤسسات “تفتقد لأي وجود حقيقي على الساحة الدولية، في حين أنَّ خريجيها ينتشرون في الكثير من الجامعات الغربية والشرقية، ويحققون إنجازات فردية مميزة عندما يخرجون منها إلى مؤسسات أكاديمية خارجية، وهو ما يؤكد أن المشكلة الحقيقية تكمن في الواقع الإداريّ والأكاديميّ لجامعاتنا.”
وبحسب عجمي فإن التصنيفات المعتمدة في العالم للجامعات هي “شنغهاي والتايمز وكيو-إس، ويبوميتريكس”، والتصنيف الأخير هو الوحيد الذي تظهر به الجامعات السورية في مراتب تتراوح بين ٥٠٠٠ إلى ١٢٠٠٠. وأعربت الدراسة عن الأسف لأن الجامعات السوريّة حالياً “لا تمتلك أي قدرة على المنافسة في التصنيفات الأكثر أهميّة في العالم، بسبب ضعف الانفتاح على العالم الخارجيّ، وتراجع الظهور على شبكة الإنترنت، وضعف البحث العلمي فيها، وندرة تعاونها مع الجامعات الكبرى، وانحسار عملية النشر باللغة الإنكليزية خاصةً، وعدم وجود باحثين أصحاب جوائز عالمية مرموقة، ناهيك عن ارتفاع أعداد طلاب الجامعات السورية، تحديداً في مدّة الحرب، مقابل انخفاض عدد الأساتذة بسبب النزيف المستمر في كوادر هذه الجامعات على نحو يمنع الحصول على أي نسبة أستاذ/طالب مقبولة.”
ويضيف عجمي أنّ “وجود كليات هندسية بأعداد طلاب تتجاوز ٦٠٠٠ طالب وبكادر تدريسي لا يتجاوز ٢٠ عضو هيئة تعليمية، أو وجود أكثر من ٥٠ ألف طالب في كلية واحدة ضمن جامعة هو أمر يتجاوز كل معايير الاعتمادية المقبولة.”
وعمدت بعض الجامعات الخاصة إلى مضاعفة أقساطها السنوية ما بين ٥-٦ أضعاف عما كانت عليه في بداية افتتاحها، فبعد أن كان قسط السنة الدراسة للكليات الطبية يتراوح ما بين ٥٠٠ – ٨٠٠ ألف ليرة سورية، يصل حاليا ما بين مليونين ونصف وثلاثة ملايين ونصف ليرة، بحسب مصادر طلابية واعضاء هيئة تدريسية تحدثوا لـ”صالون سوريا”.
وأحدثت مشكلة نقص الكادر التدريسي الأكاديمي حرباً باردة بين الجامعات الحكومية والخاصة، حيث منعت الحكومية كادرها من التدريس في الثانية خلال أيام الدوام الرسمية، وسمحت لهم بالتدريس في تلك الجامعات خلال أيام العطل الرسمية فقط، فيما عمدت الخاصة إلى اغرائهم براتب ضخمة تقدر بثلاث إلى أربع أضعاف ما يتقاضونه في الحكومة.
تغلغل للفارسية والروسية
بدأت المراكز الثقافية الإيرانية بالانتشار في سوريا منذ عام ٢٠٠٦ بهدف الترويج للغة والثقافة الفارسية، وأنشأت مدارس ثانوية شرعية انتشرت في قرى الساحل منذ عام ٢٠٠٨ وريفي إدلب وحلب. وبحسب تقرير نشرته صحيفة الشرق الأوسط شهدت المدارس الإيرانية إقبالاً متزايدًا في القرى الفقيرة كون تلك المدارس تمنح رواتب شهرية للطلاب، كما تقدم لهم كافة التسهيلات لمتابعة الدراسة بإيران وإيجاد فرص عمل، في مساعٍ لمدّ نفوذها من خلال تشييد مؤسسات مثل “مجمع الرسول الأعظم” الذي افتتح في اللاذقية عام ٢٠١٤ والذي تولى مهمة الترويج والدعاية للثقافة الفارسية كما أشرف على المدارس والمعاهد الخاصة لتعليم اللغة وأقسام اللغة الفارسية في الجامعات الحكومية دمشق وحلب وتشرين في اللاذقية والبعث في حمص.
وكانت الحكومة السورية قد أمرت بإغلاق المدارس الشرعية الإيرانية في قرى الساحل مع بداية العام الدراسي الماضي، كمدرسة عين شقاق، ومدرسة رأس العين، ومدرسة القرداحة، ومدرسة كرسانا، ومدرسة سطامو، والثانوية المركزية ومدرسة البهلولية وغيرها، بزعم أنها لا تلتزم بتدريس المناهج المعتمدة من وزارتي الأوقاف والتربية.
أما الجانب الإيراني فاتجه نحو زيادة نشاطه في دعم تعليم اللغة في الملحقية الثقافية التابعة للسفارة الإيرانية بدورات على أربع مراحل و٨ مستويات، في مراكز تعليم الفارسية في اللاذقية، ومركز تعليم اللغات الأجنبية التابع لجامعة دمشق، ومركز جامعة المصطفى لتعليم اللغة الفارسية، وحوزة الإمام الخميني والمدرسة المحسنية في دمشق، وحسينية الإمام المهدي في منطقة زين العابدين في دمشق، والكلية العسكرية السورية، وجامعة السيدة رقية ومركز الحجة في محافظة طرطوس والعديد من المراكز الأخرى.
كما تم توقيع اتفاقيات تتضمن منحاً دراسية متبادلة للمراحل الجامعية، والدراسات العليا، وكذلك مراحل الدكتوراه والماجستير بين الحكومتين، حيث تقدم إيران ٢٠٠ منحة دراسية سنوياً للطلاب السوريين، مقابل ٦٠ منحة يقدمها الجانب السوري للطلاب الإيرانيين، بحسب صحيفة الشرق الأوسط.
وذكرت الصحيفة ان “هيئة إعادة الإعمار الإيرانية” نشطت في حلب بإعادة تأهيل نحو خمسين مدرسة، منها ٣٥ مدرسة في ريف حلب، وأعيد تشغيل عشرين مدرسة ويجري العمل على المدارس الثلاثين الباقية.
ووجدت إيران نفسها في تنافس محموم مع روسيا التي تمكنت فور دخولها سوريا من فرض تعليم لغتها بالمناهج الدراسية لمراحل التعليم الأساسي إلى جانب اللغتين الإنكليزية والفرنسية، حيث تتولى وزارة الدفاع الروسية مهمة الإشراف على تدريس اللغة الروسية عبر كادر روسي خاص بوزارة التربية التابعة لحكومة النظام.
وأعلنت وزارة التعليم العالي التابعة للنظام العام الماضي عن ١٨ بعثة علمية في روسيا للحصول على درجة الإجازة في اللغة الروسية وآدابها لصالح وزارة التربية.
كما تعمل على تقديم منح لدراسة الأدب الروسي في موسكو ضمن خطط تأهيل كوادر سورية لتدريسه، إلا أن أربع سنوات من إدخال اللغة الروسية على المناهج السورية، لم تحل مشكلة بعد مشكلة نقص الكوادر التدريسية، فهي ماتزال العقبة الأهم في وجه نجاح هذه التجربة، إذ يتم الاعتماد على نساء روسيات متزوجات من سوريين.
“مدينة اللصوص الصغار، الذين يقبض عليهم اللصوص الكبار ويتم ذبحهم في طقوس احتفالية تضج بتصفيقنا ونحن نبكي ونقذف بدموعنا إلى الداخل”، بهذه الكلمات وصفت الكاتبة غادة السمان حال بيروت إبان الحرب الأهلية.
تصلح كلمات الأديبة السورية لوصف حال دمشق اليوم، بعد تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي لفيديو يظهر فيه وزير الداخلية محمد الشعار، وهو يقوم بجولة مفاجئة في إحدى الدوائر الحكومية، آمراً بإحالة موظف إلى القضاء المختص بعد اكتشاف أنه يرتشي بمبلغ ٥٠ ل.س، أي ما يعادل ١٠ سنتات أمريكية.
يسأل الوزير إحدى المراجعات عن المبلغ الذي تقاضاه الموظف، فتجيبه الفتاة أنه طلب ٦٠٠ ل.س بدلاً من الـ ٥٥٠ ليرة المقررة للتقرير الطبي، لكنها تسامحه بهذه الـ٥٠ الزائدة، إلا أن الوزير يرد قائلا: “إذا أنت سامحتيه فنحن لن نسامحه.”
وأطلق الرئيس السوري بشار الأسد في شهر حزيران – يونيو ٢٠١٧ المشروع الوطني للإصلاح الإداري خلال ترؤسه لإحدى جلسات مجلس الوزراء بمقر الحكومة في دمشق، لكن هل كان يُقصد بهذا المشروع “أصحاب الخمسين ليرة؟”
لا تعتقد الخبيرة الاقتصادية د. نسرين زريق بذلك، وتقول إن “الأحكام والمعايير القانونية وُضعت لضبط الحيتان الكبيرة من الفاسدين، لا لتجريم من يأخذ خمسين أو مئة ليرة”، مؤكدة أن كلامها ليس دفاعا عن المرتشين “فلا شيء يبرر السرقة أو الرشوة لكن إذا أردنا تطبيق القانون، فحبذا لو يطبق على الجميع لنخرج بمظهر الشخص العادل لا المستقوي على الفقير.”
وتعليقاً على التعاطف الكبير الذي ناله الموظف من قبل الجمهور السوري، قال المحامي كمال سليمان إن “تعاطي السوريين مع موضوع الفساد والعلاقة بين الفاعل والضحية يذكرني بمتلازمة ستوكهولم، وهي ظاهرة نفسية تصيب الفرد عندما يتعاطف أو يتعاون مع عدوه أو من أساء إليه، و يظهر بعض علامات الولاء له” مشيرا إلى أن “إحدى الفرضيات التي تفسر هذا السلوك، هو أن هذا الارتباط بمثابة استجابة الفرد للصدمة وتحوله لضحية.”
وعن تفسير التعاطف الجماهيري مع الموظف، اعتبر الصحفي طارق ميري أن “الجمهور السوري لم يتمكن من المشاركة في مسرحية بطلها مسؤول كبير، والشخص السيء فيها مواطن يشبههم، لذلك امتلأ الفيسبوك بعبارات التضامن مع الموظف المسكين حتى لو كان مرتشيا فهو ضحية للحرب والفقر، وهو أيضا بحاجة إلى دفع أقساط وفواتير وخبز ودواء لعائلته.”
بدوره كتب الصحفي صدام حسين في صفحته على فيسبوك أن على المسؤولين القيام بواجباتهم قبل يحاسبوا الناس، موضحا أن “راتب الموظف بأحسن الأحوال يصل إلى ٤٠ ألف ل.س، وفي حال كان لديه ثلاثة أولاد وبيته بالأجار سيحتاج إلى ٣٠٠ ألف ليرة شهريا ليعيش كإنسان طبيعي، وإذا أخد رشوة ٥٠ ليرة من كل مراجع سيحتاج إلى إنجاز ٥٠٠٠ معاملة بالشهر ليعوّض النقص في راتبه وهذا من حقه.”
المثال الذي طرحه حسين يكاد ينطبق على الموظف الذي ظهر في فيديو “الخمسين ليرة” حيث كشف موقع “هاشتاغ سورية” أن الشخص الذي أمر وزير الداخلية بتحرير ضبط بحقه هو “محمد رياض بطل” – ٥٩ عاما – مندوب نقابة الأطباء في فرع مرور حلب، وهو يتقاضى راتباً شهرياً قدره ٣٨ ألف ل.س، ولديه أربعة أولاد، ويقطن مع عائلته في منزل بالأجار.
ولم يتوقف الحظ السيء لوزير الداخلية عند التعاطف الكبير الذي تلقاه الموظف من قبل السوريين، إذ تبين لاحقاً وجود قانون يسمح لمندوبي النقابة بتقاضي نسبة لا تزيد عن ١٥% أي ٦٣٢ ل.س من التسعيرة الرسمية، وبالتالي فإن ما تقاضاه معتمد النقابة هو ضمن الحد المسموح به من قبل نقابة الأطباء المركزية، فالسؤال هنا هل يعتذر الوزير الشعار من المواطن الـ “بطل” أمام الكاميرات أيضا كما أهانه أمامها سابقا؟
والجولات التفقدية للمسؤولين عادة قديمة، فثاني الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب كان يخرج إلى شعبه ليرى كيف يعيش، لكن دون حاشية حيث كان يتجول بينهم “متخفيا”، وفي عام الرمادة “المجاعة” جمّد الفاروق عقوبة قطع يد السارق من مبدأ “إذا جاءني سارق قطعت يده، وإن جاءني جائع قطعت يد ولي الأمر أو رفعت الحد عنه لتغير الظرف.”
وحال السوريين اليوم ليس بأفضل من حال المسلمين عام “المجاعة”، حيث كشف تقرير أعدته كل من اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا التابعة للأمم المتحدة (الأسكوا) وجامعة سانت أندروز عام ٢٠١٦ إلى أن نحو ٨٣،٤ بالمئة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر مقارنة بـ ٢٨ بالمئة عام ٢٠١٠.
في النهاية نُذكّر بالقصة الشعبية التي تقول: “عندما تبدأ زوجة الناطور بتنظيف المبنى من الطابق الأرضي صعودا نحو الأعلى كانت توصف بالمجنونة لأن الأصح أن تبدأ عملها من الطابق الأخير نزولا”، فهل الحكومة السورية مجنونة؟