تدريباتنا

من يملك الفضاء العام؟ الثقافة السورية في زمن الخوارزميات

by | Aug 10, 2026

جلست في مقرّ شبكة (مدنيّة- MADANIY) في بيت فارحي، الكائن في حي الأمين الدمشقي، أتأمل الشعار اللفظي (السلوجان) الذي تبنته: «مدنيّة في سوريا… نستعيد بلدنا، فضاءاتنا، وأحقيتنا السّياسية»، وعلى الفور رحت أفكر، بعد أن أصبح الكلام ممكناً: من يصل صوته إلى المجال العام؟ ومن يمتلك القدرة على تمثيل المجتمع ورواية قصته؟ وهل استعدنا فضاءاتنا كلّها حقاً؟ وهل يواجه السوريون اليوم تحدي حماية «فضاءاتهم المُستعادة»؟

عادةً، يُنظر إلى استعادة حرية التعبير في الفضاء العام بوصفها الخطوة الأولى نحو استعادة الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية… في المجتمعات التي تخرج من حقبة طويلة من الاستبداد، كما هو الحال في سوريا. وينطلق مفهوم الفضاء العام عند يورغن هابرماس (1929- 2026) من كونه فضاءً يسمح للمواطنين بتداول الأفكار بحرية بعيداً عن هيمنة السلطة، إلا أن هذا التصور يواجه اليوم تحدياً جديداً؛ إذ تتزامن مرحلة إعادة بناء المجال العام مع ثورة رقمية أعادت تشكيل طرائق إنتاج المعرفة وتداولها. فلم تعد الثقافة تُصنع داخل المؤسسات التقليدية وحدها، ولم تعد الدولة الفاعل الأكثر قدرة على ضبط المجال العام، حيث برزت المنصات الرقمية بوصفها فضاءات جديدة لإنتاج الخطاب الثقافي، وأخذت الخوارزميات تؤدي دوراً خفياً كشريك في تشكيل هذا الخطاب، وإعادة ترتيب أولوياته، وتحديد مساحة انتشاره، ومنح بعض الأصوات حضوراً أوسع من غيرها.

وتكمن المفارقة الأبرز في أن الخوارزمية لا تكتب قصيدة، ولا تنجز دراسة فكرية، لكنها تشارك، بطريقة غير مباشرة، في تحديد ما يقرأه الناس، وما يناقشونه، وما يترسخ في ذاكرتهم بوصفه صورةً عن المجتمع وثقافته.

وبهذا يتغيّر حضور السلطة الثقافية من الرقابة والمنع كما في السابق، لتمارس جزءاً من تأثيرها عبر الانتقاء، وإدارة الانتباه، وإعادة توزيع فرص الظهور، وهو ما أشار إليه ميشيل فوكو (1926- 1984) عندما وصف السلطة بأنها شبكة تنتج المعرفة وتحدد شروط ظهورها أكثر من كونها جهازاً للقمع المباشر. وإن كانت مرحلة إعادة بناء المجال العام في سوريا تقتضي إعادة النظر في المؤسسات والقوانين وأشكال المشاركة، فإنها تستوجب أيضاً إعادة التفكير في الجهة التي تمتلك القدرة على تعريف الثقافة السورية، وتمثيلها، ونشرها، وتقديمها إلى السوريين وإلى العالم.

إعادة بناء المجال العام… وإعادة توزيع السلطة الثقافية

تشكّل الواقع الثقافي طويلاً في سوريا، في عهد الاستبداد، داخل فضاءات تضبطها الدولة ومؤسساتها، سواء عبر التعليم أم الإعلام أم من خلال الإشراف المباشر على المؤسسات الثقافية الرسمية وغير الرسمية، وعبر الحدود التي كانت ترسمها الرقابة لما يمكن قوله أو نشره أو حتى تداوله. وعلى الرغم من أن هذه البنية لم تنجح يوماً في احتكار الثقافة بالكامل، فإنها أسهمت في رسم ملامح المجال العام، وحددت، إلى حد بعيد، من يتحدث باسم الثقافة، ومن يمتلك شرعية تمثيل الشأن الثقافي السوري.

أما اليوم فيبدو الحال مختلفاً؛ إذ لا يوجد احتكار لجهة واحدة، لكننا أمام تقاسم لسلطة التمثيل بين الدولة والمنصات والخوارزميات والمؤثرين والمانحين والجمهور نفسه. وهنا يتجلى أمران يستحقان المناقشة: الأول يتعلق بإعادة بناء المجال العام الذي لم تعد السلطة متمركزة فيه في مؤسسة واحدة، ولم تعد المعركة تدور فيه حول حق الكلام فقط؛ إذ أتاحت البيئة الرقمية مجالاً غير مألوف سابقاً لتعدد الأصوات، وأصبح كل فرد قادراً على أن يكتب ويحلل، وينتج المعرفة، ويشارك في تشكيل الصورة التي يقدّمها المجتمع عن نفسه. وهذا التحول لا يعني اختفاء السلطة، بل يعني انتقالها إلى نمط أكثر تعقيداً يتعلق بحق الوصول، والتمثيل، وحق تشكيل الصورة التي ستبقى عالقة في الذاكرة الجمعية.

والثاني هو ظهور منظومة رقمية أخذت تحدد أي الأصوات أصبح أكثر تأثيراً، وأيها سيبقى مهمشاً. وهذه النقلة الرقمية ليست نقلة تقنية فقط بقدر ما هي ثقافية؛ تمس جوهر العلاقة بين المعرفة والمجتمع، وبين المنتج الثقافي وجمهوره، وتنقل شرعية الحضور الثقافي من المؤسسات الثقافية إلى المنصات الرقمية، بحيث يصبح الوصول إلى الجمهور خاضعاً، لا للمعايير الثقافية بقدر ما يخضع لمنطق التفاعل واقتصاد الانتباه.

وقد تنبهت السلطة الجديدة، التي تولت دفة الحكم بعد سقوط النظام، إلى هذا التحول مبكراً؛ فسارعت، منذ عامها الأول، إلى محاكاة آليات السيطرة الحديثة عبر استقطاب المؤثرين وصنّاع المحتوى (البلوغرز). ولم يقف الأمر عند كسب الولاء الافتراضي؛ إذ أتبعت ذلك بسلسلة من إجراءات المأسسة، فشرّعت مدونة سلوك تضبط العمل الصحفي والإعلامي، وفعّلت أنظمة مكافحة الجريمة الإلكترونية لترسيم حدود الفضاء الرقمي الجديد.

وبذلك، لم يعد رأس المال الثقافي وحده كافياً لاكتساب الشرعية في سوريا اليوم، بل بات رأس المال الرقمي، وأعداد المتابعين، ومعدلات التفاعل عناصر حاسمة تدخل في صياغة المكانة الثقافية للأفكار والأفراد على حد سواء، وبالتالي للدولة، وهو ما يتوافق مع أطروحة بيير بورديو (1930- 2002) حول أشكال رأس المال المتشابكة.

الخوارزمية وسلطة تمثيل المشهد الثقافي

يصف مانويل كاستليس (1942) المجتمع الرقمي بأنه مجتمع شبكات تنتقل فيه السلطة عبر تدفقات المعلومات أكثر مما تنتقل عبر المؤسسات، وهو ما يبدو جلياً في الحالة السورية اليوم؛ فلا تشارك الخوارزمية في تشكيل المشهد الثقافي في المجال الرقمي فحسب، بل تحدد أيضاً أي الموضوعات ستبقى في واجهة النقاش العام، مما يفرض إعادة التفكير في مفهوم التأثير الثقافي. فالمقال الرصين، أو الدراسة الأكاديمية، أو العمل الأدبي أو الفني لم يعد ينافس أعمالاً من النوع ذاته فقط، بل أصبح ينافس أيضاً سيلاً متواصلاً من الصور والمقاطع القصيرة (الريلز) والمحتوى السريع الذي صُمم ليحظى بأكبر قدر من التفاعل في أقل وقت ممكن. وبهذا غدا إنتاج المعرفة مرتبطاً ببيئة لا تكافئ دائماً العمق أو القيمة بقدر ما تكافئ ما يجذب الانتباه.

وهنا نحن في مواجهة سلطة غير مرئية تمنح، وبصورة غير مباشرة، شرعية التمثيل؛ فكلما تكرر ظهور خطاب معين، أو صورة بعينها، أو سردية محددة، ازدادت قابليتها لأن تُستقبل بوصفها التعبير الأكثر حضوراً عن المجتمع، وإن كانت لا تمثل حقيقة واقعه. ولعلّ مظاهر الأسلمة التي تُصدّر اليوم بوصفها صورةً لمجتمع سوري من لون واحد، «أكثرية» تتماهى فيها المكونات الأخرى وتضمحل بوصفها «أقلية»، واحدة من أبرز الأمثلة على ذلك.

من يمثّل الثقافة السورية في الفضاء الرقمي؟

إن كانت الثقافة هي الطريقة التي يروي بها المجتمع ذاته، فالسؤال المهم الذي يفرض نفسه في الحالة السورية هو: من يمثّل هذه الثقافة في الفضاء الرقمي؟ ويكتسب هذا السؤال أهمية مضاعفة نابعة من واقع مجتمع يسعى إلى إعادة بناء فضائه العام، ويحتاج إلى فسحة تتجاور فيها السرديات المختلفة، وتتعايش فيها التجارب المتنوعة، لا إلى فضاء يعيد اختزال هذا التنوع في روايات أكثر قابلية للانتشار، أو مقاطع (ريلز) ساخرة من مشاهد قتل، أو مؤثرين أصبحوا مراجع في النقاش السياسي، أو سيل من التفاعلات بـ«أضحكني» تجاه قضايا كبرى بهدف تسخيفها أو تهميشها.

إن التحدي الذي تواجهه سوريا اليوم هو بناء بيئة رقمية تضمن عدالة الظهور وعدالة التمثيل، لا استعادة حرية التعبير فقط. فالديمقراطية الثقافية لا تتحقق بمجرد تعدد الأصوات، وإنما عندما تمتلك هذه الأصوات فرصاً متكافئة للوصول إلى المجال العام والتأثير فيه. وفي هذا السياق يبرز السؤال الحقيقي: من يقرر أي ثقافة يراها السوريون أولاً؟ وما الدور المأمول اليوم من مؤسسات الدولة الجديدة في تفعيل دورها الثقافي والوطني في مواجهة هيمنة الخوارزميات؟ وكيف يمكن لهذه المؤسسات الناشئة أن تستعيد دورها حاضناً للمشهد الثقافي السوري بتعدديته وزخمه، بدلاً من الانزلاق نحو أدوات الرقابة والضبط الرقمي الناعم؟

مواضيع ذات صلة

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات...

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

مواضيع أخرى

انتهت الحرب بسوريا لكنّ غودو لم يعد بعدْ

انتهت الحرب بسوريا لكنّ غودو لم يعد بعدْ

في مسرحية "في انتظار غودو"، لا يقع الحدث الذي ينتظره الجميع. يمضي النهار، وتتكرر الحوارات، ويغادر الأمل ثم يعود، لكنّ غودو لا يأتي. لم يكتب "صمويل بيكيت" مسرحيته عن الحرب، بل عن الانتظار؛ عن تلكَ اللحظة التي يتحول فيها انتظارُ الغد من حالة مؤقتة إلى أسلوب حياة....

الثقافة السورية بين الانقسام والإقصاء: تقويض المشترك الوطني

الثقافة السورية بين الانقسام والإقصاء: تقويض المشترك الوطني

يُقال إن رئيس اتحاد الكتّاب العرب الأسبق، الدكتور حسين جمعة، لم يكن يعترف بقصيدة النثر ولا يعدّها شعراً؛ فالشعر عنده كان ما نُظم على بحور الخليل فقط. كان ذلك مجرد رأي، ورغم أنه كان يترأس مؤسسة ثقافية، فإنه لم يعمل على إقصاء من يكتبون قصيدة النثر، ولم يحارب هذا الجنس...

الخارجية السورية في طرابلس الشام

الخارجية السورية في طرابلس الشام

في لحظةٍ وثّقت عجز الزعامات الطرابلسية عن إدارة واقع مدينتها وتمثيل وجعها، دخل موكب وزير الخارجية السوري في الحكومة الانتقالية، أسعد الشيباني، أو (أبو عائشة) كما ناداه بعض الطرابلسيين، فبدا حضوره كضوءٍ كاشفٍ سلّط على تلك الزعامات ما حاولت طويلًا إخفاءه. وكانت زيارة...

تدريباتنا