تدريباتنا

نساء السويداء يخرجن عن المألوف: مقهى نسائي وجمعيات لدعم المرأة

by | Jul 4, 2019

لم يكن وضع المرأة في مدينة السويداء التي تتميز بتنوع ديني، يشكل فيه الموحدون الدروز غالبية السكان، اسثناءً عما هو عليه حال المرأة السورية عموماً. وما يقال عن أنها تحظى بجرعة زائدة من التحرر والخروج عن النمطية المجتمعية المُقيّدة بالعادات والتقاليد، التي وضعت المرأة ضمن قالب تغلب عليه السطوة الذكورية في الميادين السياسية والاجتماعية، قد لا يكون أمراً بالغ الدقة. فعدم التزام المرأة في السويداء بلباسٍ دينيٍ يغطي أجزاء جسدها كاملة لا يمكن اعتباره إلا مؤشراً ظاهرياً لهذا التحرر، ذلك أن القوانين والقيود السائدة هي ذاتها من ناحية جرائم الشرف والطلاق والإرث وحضانة الأولاد. ويمكن القول إنه في كثير من الأحيان ترضخ نساء الجبل لقوانين غير منصوصة، أشد وطأة من قوانين الأحوال الشخصية. فمن العادات الاجتماعية لدى أهل السويداء ألا تورث الأنثى، ويوصى لها في حال كانت عزباء أو مطلقة أن تمضي حياتها فيما يُعرف بغرفة “المقاطيع.” لكن يمكن للمرأة كما يقول الباحث التاريخي فندي أبو الخير “أن تقيم دعوى، لتحصل على نصيبها من الميراث، كما هو منصوص عليه في الشريعة الإسلامية”. فضلاً عن أن العديد من النساء بتن يطالبن بحقوقهن ويرفضن التقاليد السائدة التي ترفض زواج المرأة من خارج الطائفة لأن الفتاة كما تقول غزل البالغة عشرين عاماً: “بحاجة للميراث أكثر من الشاب، كما أنه لا يحق لأحد أن يحرمها مما هو حق لها ولا يمكن للحب أو قرار الزواج أن يحده دين أو طائفة معينة”.
لا تقتصر حالة “التمرد” (كما يُطلق عليها بين نساء السويداء اللواتي خرجن عن المألوف بأفكارهن ونمط حياتهن المختلف) على الآراء النظرية، بل ظهرت العديد من المشاريع التي باتت ترسم ملامح أكثر إيجابية عن كيفية تفعيل دور المرأة في المجتمع السوري وزيادة الوعي بحقوقها، وعدم الرضوخ للفكر التقليدي الذي لا يؤمن بمبدأ المساواة بين الرجل والمرأة.

كافيه “إيف” النسائي
في مدينة كالسويداء التي تُعرف بالاختلاط بين الرجل والمرأة في جميع المناسبات قد يستهجن البعض فكرة أن يكون للمرأة كافيه خاص يعزلها عن الرجل في وقتٍ تعلو فيه صيحات عدم الفصل بين الجنسين. وقد يظن البعض الآخر المُتأثر بالصور النمطية عن النساء أنّ “إيف” تُشرف عليه وترتاده نساءٌ لهنّ موقفٌ معادٍ للرجل ويعانين من عقدٍ نفسيةٍ. لكن الكافيه الذي ابتكرت فكرته هبة حاتم (خريجة كلية العلوم الطبيعية والتي حظيت بدعم مادي ومعنوي من زوجها المخرج المسرحي) يتميز بطابعه غير النمطي بدءاً من الديكور الخشبي غير المتكلف الذي يشبه إلى حد كبير أثاث المنزل البسيط، بعيداً عن اللون الزهري النمطي المخصص للفتيات.
تقول هالة ذات السبعة عشر عاماً، والمواظبة على ارتياد “إيف”: “إنّ العديد من فتيات السويداء كنّ ينتظرن أن تتحقق فكرة الكافيه النسائي، أسوةً بالمقاهي المخصصة للرجال، فضلاً عن أنه يحقق لنا شعوراً بالارتياح والحميمية، فهو يتيح لنا أن نتصرف على سجيتنا، دون أي اعتبار للأنماط الاجتماعية، التي تفرض قيوداً على طريقة جلوسنا وأحاديثنا وحتى على ضحكاتنا.”
تُشَبّه هبة حاتم كافيه “إيف” بـ”بيت الصديقات” كونه يقع عند دوار الزنبقة في وسط السويداء، ويجمع بين الفتيات اللواتي تُفرّقهن بعد المسافات بين منطقة وأخرى. وتصرّ هبة على أن تترافق النشاطات التي تقام بين الحين والآخر بأهداف أخرى غير الترفيه وتمضية الوقت. ففي تشرين الأول “أكتوبر” الماضي، عُرضت في الكافيه بالتزامن مع حملة الكشف المبكر عن “سرطان الثدي” العديد من الأفلام التوعوية بأخطار السرطان، وضرورة الاستجابة للحملة لتفادي عواقب المراحل المتقدمة من هذا المرض.
ليس “إيف” مجرّد مكانٍ تتشارك فيه النساء همومهن، ويتبادلن المساعدة لإيجاد حلول لمشكلاتهن وحسب، بل إنه يشكل دعماً لهنّ في العديد من المجالات العملية. فقد عملت حاتم على أن يكون المقهى مقراً لعرض ما تنتجه الفتيات المهتمات بالأعمال اليدوية وصنع الإكسسوارات، ورسم اللوحات الفنية، مما يمكنهنّ من الترويج لأعمالهن وتحقيق ربحٍ ماديٍ معقولٍ في ظل الصعوبات التي تعانيها الفتاة السورية للحصول على عمل مناسب. كما أن تشجيعها للأعمال النسائية، لا يقتصر على الترويج لها داخل الكافيه، بل حرصت على أن تشكل صلة وصل مع النساء اللواتي آثرن الخروج من عباءة المجتمع وتحقيق بصمة مميزة من حيث الاستقلالية والخروج عن النمطية.
من بين هذه المشاريع، كان لمطبخ “أماني” الكائن عند دوار كناكر نصيبٌ من هذا الدعم. ففي التجمعات النسائية الكبيرة في “إيف”، يكون لأطباق “أماني” من الكبة والمنسف والتبولة الحضور الأكبر. فبعد خمس سنوات من العمل المضني الذي بدأ بفكرة صغيرة نبعت من حب أماني وبراعتها في الطبخ، ولم تكن تملك حينها سوى جرة غاز واحدة، توسع المشروع ليضم أربع فتياتٍ وشاب. استطاعت أماني بإصرارها على جودة المأكولات أن تضاهي الكثير من المطاعم، التي استغنت عن خدمة طهاتها، وتعاقدت مع مطبخها لتلبية طلبات الزبائن.
ليس مطبخ “أماني” وحده من يحظى بدعم وإعجاب “إيف”، بل أم ويليام المرأة الخمسينية، التي تجاوزت بما تقوم به من أعمال (كانت ومازالت حكراً على الرجال) كل المقاييس والقيود النمطية. فهي تجيد منذ سنوات طويلة ما يُعرف بـ”تحبير الغاز”، وهو تعبئة الغاز من الجرات الكبيرة إلى موقد “السفير”، وبيع الأسطوانات الغازية وتوصيلها بنفسها إلى الزبون. وقد شهدت حاتم براعة أم ويليام في توصيل جرات الغاز، في إحدى المرات التي استعانت بها لهذا الأمر، ما أثار دهشتها همة هذه المرأة وإصرارها على العمل لكي تعيل ابنها وابنتها، بعد وفاة زوجها منذ سنوات بعيدة، فتقرر أن تكرمها مع بعض النساء المؤثرات في السويداء، ضمن خطة النشاطات المقررة للعام 2019.

توليب لدعم المرأة
تأسس فريق توليب في حي القنوات في مدينة السويداء في أيلول “سبتمبر” من عام 2015 وجاءت تسميته كما يقول شادي صعب المنسق العام إلى جانب زوجته المرشدة الاجتماعية هبة شيا “من وردة توليب المعروفة التي تنمو في بيئةٍ ثلجيةٍ متحدية الظروف الطبيعية القاسية.” وكان الهدف منه زيادة توعية النساء بحقوقهن، وتعزيز مشاركتهن في الحياة المدنية والسياسية. كما أن الفريق المتطوع لا يقتصر على النساء فقط بل يضم أيضاً الرجال المؤمنين بحقوق المرأة ومناهضة العنف ضدها.
لعب “توليب” دوراً هاماً في التقريب بين نساء المجتمع المدني و”الضيفات” (كما يصر أهل السويداء على تسمية النساء النازحات من مناطق أخرى). ووفقاً لربا زينيه مسؤولة التنظيم والمتطوعين في توليب، فقد وقعت في السنوات الماضية “بعض حالات النبذ والرفض ’للنساء الضيفات‘، من الأوساط المجتمعية في السويداء، فما كان من ’توليب ‘ إلا أن خرج بفكرة طاولات الحوار بين الضيفات ونساء المجتمع المدني، لكسر حالة النفور بينهن، وعقد حلقات تعريفية عن الثقافات والبيئات المختلفة التي تتيمز بها المناطق السورية.”
لا يستهدف “توليب” فئات معينة من النساء المهمشات والمعنفات وغير المتعلمات فقط، ولا تقتصر حملاته على الندوات التوعوية بخطورة جرائم الشرف وأهمية تطبيق القانون 548 الذي ينص على ضرورة أن ينال المغتصب عقوبة بالسجن تصل لسبع سنوات، بل تعدت حملاته ذلك لتطال النساء اللواتي يشغلن مراكز متقدمة في المجتمع. ففي الرابع والعشرين من تشرين الأول “أكتوبر” الفائت، أطلق فريق توليب حملة “نص بالنص”، التي تندرج تحت عنوان التثقيف السياسي للمرأة، موجهة لـ16 محامية من مدينة السويداء، لرفع الوعي بأهمية مشاركة النساء في الشأن العام وخاصة المحاميات من خلال دعم ترشيحهن لانتخابات مجلس فرع النقابة في السويداء. فالانضمام إلى مجلس النقابة، كما تقول زينيه “يتطلب شرطي العمر والكفاءة، وإن كثيراً من المحاميات يحققن هذين الشرطين، لكنهن لا يدركن أهمية ترشحهن للنقابة.”
يهدف توليب من التوجه إلى النساء القياديات في المجتمع إلى زيادة وعيهن بالكثير من القوانين التي قد يجهلنها كقرار مجلس الأمن 1325، الذي ينص على أن المرأة عنصر فاعل في الأمن والسلام. ويأمل توليب أن تؤثر النساء القياديات على زيادة وعي المجتمع المحيط بهن لتحقيق مساواة عادلة بين الجنسين.

* يعاد نشر هذا المقال في صالون سوريا ضمن تعاون مع شبكة الصحفيات السوريات

مواضيع ذات صلة

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات...

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

مواضيع أخرى

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

ربما كانت سوريا، عبر تاريخها، من أكثر بلدان العالم "اكتظاظاً" بالأحزاب والسياسيين والزعماء و"القادة الملهمين"، حتى يُنقل قول معروف على نطاق واسع عن الرئيس شكري القوتلي عندما سلَّم سوريا الديمقراطية الصاعدة لجمال عبد الناصر مرغماً تحت ضغط الضباط البعثيين والقوميين...

حين يصبح الجسد وطناً: شعر وداد نبي بين المنفى والذاكرة

حين يصبح الجسد وطناً: شعر وداد نبي بين المنفى والذاكرة

قارة اسمها الجسد عنوان المجموعة الشعرية الصادرة باللغة الإيطالية للشاعرة السورية وداد نبي، والتي فازت بجائزة كامايوري الدولية للشعر 2025 في إيطاليا. صدر الكتاب عن دار دي فيليتشه، وقام بترجمة المجموعة الناقد سيموني سيبيليو. تحوي المجموعة قصائد منتقاة من...

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

يمثل قطاع الكهرباء في سوريا عصب الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وهو اليوم أمام مفترق طرق مصيري، إذ يقف بين إرث من الإهمال المتراكم والدمار الذي طال البنية التحتية لعقود، وبين فرص تاريخية لإعادة البناء تتقاطع فيها قرارات محلية مصيرية مع تحالفات إقليمية معقدة وصفقات غاز...

تدريباتنا