تدريباتنا

معاناة مضاعفة: ما بين قانون سيزر وأثرياء الحرب

by | Jun 18, 2020

في الحادي والعشرين من كانون الأول (ديسمبر) عام 2019، وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على قانون سيزر – قيصر، الذي بدأ تطبيقه اعتباراً من يوم أمس في السابع عشر من حزيران) يونيو)، القانون يحمل اسماً يُنسب لشخص ما يزال مجهول الهوية، يُقال إنه خرج من سوريا، ولاحقاً، سرب آلاف الصور التي قيل عنها إنها صور لــ “ضحايا تعذيب” في سوريا.

بنود القانون تخبر عن قسوتها، وعن إجراءات ضمن حزمة عقوبات أشد من كل سابقاتها، فهذه المرة يعتبر القانون أن مصرف سوريا المركزي هو مؤسسة مالية رسمية هدفها غسل الأموال، وكذلك فإن هذه العقوبات ستطال كل دولة أو شخص يقدم أي من أنواع الدعم المالي أو التقني أو اللوجستي أو سواهم، للحكومة السورية، أو أي شخصية سياسية سورية. وتتضمن هذه العقوبات توفير القروض الخارجية وخطوط ائتمان التصدير، ما يجعل من سورية في عزلة من الناحية النظرية، إذا ما وجدت، كما وجدت خلال كل أعوام الحرب طرقاً عدة للالتفاف على العقوبات المقررة. ولكن يبدو أن العقوبات هذه المرة ستحاصر الحكومة أكثر من أي مرة سابقة؛ وسيحاصر القانون المدنيين أيضاً، فهو يمنع أي أحد من توفير السلع أو الخدمات أو التكنولوجيا للسوريين، ومعه منع تقديم أي دعم يهدف لتوسيع الإنتاج المحلي سواء في الغاز الطبيعي أو النفط وسواهما.

لا شك، إذن، أن حزمة العقوبات هذه ستحاصر البلد، أكثر مما هي محاصرة، ولكن هذه المرة لن تكون على الحكومة لاعتبارات سياسية فقط، إنما ستحقق تجويعاً إضافياً لسوريي الداخل، على ما يقوله خبراء اقتصاديون ومطلعون على بنود الملف وتأثيراته، فهذه المرة ستطال العقوبات كامل الاقتصاد السوري المنهك أساساً، والذي بات، حتى، قبل تطبيق هذا القانون، غير قادر على تلبية احتياجات السوق المحلية.. أما سياسياً فيبدو الأمر أنه تعزيز لمحاصرة الموقف الحكومي السوري، الذي حاولت روسيا دعمه في الأسابيع الماضية، عبر تفعيل البروتوكول رقم /1/ الذي يتيح لها توسيع استثماراتها في سورية.

قيصر دخل حيز التنفيذ

في لقاء مع وزيرة الاقتصاد والتجارة السابقة في الحكومة السورية، “لمياء عاصي” أكدت أن هدف الولايات المتحدة من إصدار قانون قيصر، هو تشديد الضغط على سورية في محاولة لتغيير موقفها وتحالفاتها: “العقوبات الأمريكية على سورية  ليست جديدة بل تعود لعام  1979، وبعد 2011 شددت واشنطن عقوباتها واستهدفت مؤسسات عامة وخاصة وشخصيات من المسؤولين في الدولة ورجال الأعمال بتهمة أنهم يقومون بمساعدة الحكومة السورية من خلال أعمالهم”. وتضيف: “قانون سيزر يحتوي على بند جديد وهو استهداف الأشخاص والشركات الأجنبية ممن يساعدون سورية سواء في تأمين احتياجاتها التقنية في مجالات النفط والغاز والطاقة أو الشركات التي تبرم عقود لإنجاز أي مشروع متعلق  بإعادة الإعمار”.

عاصي تعتقد أن الالتفاف على العقوبات ما زال ممكنا ومتاحاً، وذلك عبر الاعتماد على الحلقات الوسيطة في ملفي الاستيراد والتصدير، مشيرةً أن الكلفة ستكون عالية على الشعب السوري أولاً.

ورغم أن القانون رافقه ما رافقه من تهويل إعلامي، ولكن الأمر قد يكون بمثابة فرصة ذهبية لسورية في إطار العودة إلى الاعتماد على الذات، سيما في مجال المنتجات الزراعية والصناعية. وتشير “عاصي” هنا إلي ضرورة التركيز على نقطتين أساسيتين: تتعلق النقطة الأولى  باعتماد السياسات “الحمائية”، كبديل عن الانفتاح التجاري، مقابل الحرب والعداء الذي تفرضه أطراف دولية على سورية، مضيفة: “لا يمكن إكمال مشروع الإصلاح الاقتصادي وما سمي بــ “اقتصاد السوق الاجتماعي”، وبالتالي فإن الاعتماد الأساسي سيكون على الإنتاج المحلي في الزراعة والصناعة، وهذان القطاعان يمثلان (الاقتصاد الحقيقي)، وهذا ما سيرفع الناتج الإجمالي المحلي ويحسن دخل الفرد”. أما النقطة الثانية بحسب عاصي، فهي تتطلب الانضمام إلى اتفاقيات تبادل تجاري مع دول حليفة للموقف الرسمي السوري، وتشير إلى أن: “كثيراً من الدول بدأت بالخروج من سيطرة الدولار كعملة للتجارة الدولية مثل الصين التي أنشأت صندوقاً للتبادل التجاري بالعملات المحلية مع دول آسيا”، وتردف عاصي أن كثيراً من الدول مثل كوبا وغيرها تمكنت من التعامل مع العقوبات لتقليل آثارها.

انهيار العملة ما قبل قانون قيصر بأسابيع

قبل تنفيذ قانون سيزر انهارت الليرة السورية بنسبة ٢٠٠% منذ بداية ٢٠٢٠، قبل أن تعود للتحسن مؤخراً. وبما أنها ليست المرة الأولى التي تعاقب سوريا، ، توضح الوزيرة السابقة “لمياء عاصي” الأسباب العديدة التي تجعل تطبيق سيزر مختلفاً، أهمها التهويل الذي صاحب القانون، وكذلك الأزمة المالية/المصرفية في لبنان، ويضاف لذلك المضاربة من قبل عدد غير قليل من التجار، الذين راحوا باتجاه تحويل أموالهم إلى دولار، وتقول عاصي: “بالطبع هذه الرغبة، مصدرها الخوف من القانون، وبناء عليه تم طرح كميات كبيرة من العملة السورية مما أدى إلى هبوط قيمتها بشكل كبير، وتفاقم الأثر السلبي والنفسي لتدني سعر الصرف بدخول مضاربين في محافظة إدلب والشمال السوري (قسد) وغيرها، وبالتالي فإن انخفاض قيمة الليرة السورية مقابل العملات الأجنبية كان له انعكاس سلبي قوي على أسعار كل السلع  ولاسيما الغذائية والأساسية والدوائية  للمواطنين وأدى إلى ارتفاعها بشكل منفلت إلى حد كبير”.

حلم إعادة الإعمار بعد قيصر

لا شك أن التحديات التي تواجه السوريين اليوم غير قليلة، وربما أهمها ما يتعلق بالحياة المعيشية، المتأرجحة بين الأسعار من جهة، وتدني الدخل من جهة ثانية، وما يلحقهما من فوارق جوهرية تتعلق برؤية كل منهم للمستقبل ومعه (إن أمكن) الاتفاق على أجندة موحدة لأولوياتهم، وتالياً البحث في كيفية إدارة مواردهم المحلية بكفاءة عالية، على الأقل، لتناسب الضغوط التي تواجههم، وتقول عاصي في الإطار: “هذا يتطلب منهم محاربة الكثير من الظواهر المستشرية في المجتمع، مثل التهريب والاحتكار والفساد وغيرها، تلك القضايا تعيث خراباً بالاقتصاد السوري أكثر من العقوبات أيا كان شكلها”، وتكمل: “إن الهدف الأساسي من قانون قيصر وقبله العقوبات الأمريكية والأوروبية هو تكبيل إرادة الشعب السوري وبالطبع هذه العقوبات سيكون لها تأثير على مشاريع ومرحلة إعادة الإعمار، ولكن الشعب السوري الذي عانى كثيراً من العقوبات الغربية لا يمنعه قانون قيصر وغيره من الاستمرار في عملية إعادة إعمار بلده”.

أثرياء الحرب والتفاوت الطبقي

أفرزت ظروف الاقتصاد والعمل غير الشرعية في الحرب، طبقة من أثرياء الحرب الجدد، هؤلاء الذين اكتنزوا ثروات طائلة، ولا شك أنهم – قانونياً- متورطون بالكسب غير المشروع، وذلك كله في ظل غياب فعلي للمحاسبة، وفي أفضل الأحوال محاسبة صورية، أو دفعهم لمد السوق بمبالغ مالية، عسى أن تفعل شيئاً في دعم الاقتصاد، خارج مكتسبات اشتعال الحرب وسيطرة الفساد.

وفي العودة إلى بداية الملف، تحديداً قبل 14 عاماً، توضح عاصي: “بدأت الفجوة بين الأكثر غنى والأقل دخلاً  تزداد بشكل كبير وملحوظ بعد البدء بتطبيق ما سمي باقتصاد السوق الاجتماعي عام 2006 مع بداية الخطة الخمسية العاشرة التي احتوت على الكثير من الأمور الاقتصادية التي تهدف إلى رفع كفاءة  الاقتصاد الوطني”، وتكمل: “ولكن ما طبق من برنامج التحول كان الجزء المتعلق بالتحرير التجاري، وكان في مصلحة التجار والمستوردين المتنفذين بينما شرائح واسعة من صغار المنتجين وأصحاب الورش الصغيرة أغلقوا ورشاتهم وتحولوا إلى مستوردين بينما العمال تحولوا إلى متعطلين عن العمل، كما عانى الفلاحون وقاطنو الأرياف بشكل عام من قلة الفرص التنموية وبؤس الحياة المعيشية”.

تالياً، ساهمت الحرب بتكديس الثروات في أيدي فئة معينة سواء من الأثرياء التقليديين أو الجدد، ليزداد عمق الهوة بين قلة غنية وغالبية فقيرة ازدادت بؤساً بعد سنوات، “حيث أدت العمليات العسكرية والإرهابية والتخريبية إلى تدمير البنى التحتية والأحياء السكنية والتجارية في كثير من المناطق والى استنزاف الموارد  وشحها، إضافة إلى نهب الثروات الباطنية (النفط) الذي مارسته الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا واستهداف المحاصيل الأساسية مثل القمح الذي يتم إحراقه للسنة الثانية”، بحسب عاصي.

إذن، فإن كل ما سبق أدى إلى ارتفاع معدل الفقر والبؤس بين السوريين، ثم جاءت العقوبات ومنها سيزر لتزيد الطين بلة وتجعل حياة الناس أكثر صعوبة وبؤساً سواء بزيادة تكلفة المواد التي يستهلكونها أو بفقدان الكثير منها من أسواقهم في ظل دخولهم الثابتة التي باتت لا تلبي معظم احتياجاتهم الضرورية لبقائهم على قيد الحياة.

وتختصر جملة “البقاء على قيد الحياة” سقف حلم السوريين الذي تجاوزوا بنسبة 83% تحت خط الفقر، بحسب احصائيات دولية، هؤلاء الناس تعبوا، وملوا، وما عادوا يريدون تحليلات اقتصادية، واجتهادات سياسية، جل ما يريدون، حياةٌ كريمة، أكبر أحلامها، ألا يناموا فيها جائعين.

مواضيع ذات صلة

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات...

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

مواضيع أخرى

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

ربما كانت سوريا، عبر تاريخها، من أكثر بلدان العالم "اكتظاظاً" بالأحزاب والسياسيين والزعماء و"القادة الملهمين"، حتى يُنقل قول معروف على نطاق واسع عن الرئيس شكري القوتلي عندما سلَّم سوريا الديمقراطية الصاعدة لجمال عبد الناصر مرغماً تحت ضغط الضباط البعثيين والقوميين...

حين يصبح الجسد وطناً: شعر وداد نبي بين المنفى والذاكرة

حين يصبح الجسد وطناً: شعر وداد نبي بين المنفى والذاكرة

قارة اسمها الجسد عنوان المجموعة الشعرية الصادرة باللغة الإيطالية للشاعرة السورية وداد نبي، والتي فازت بجائزة كامايوري الدولية للشعر 2025 في إيطاليا. صدر الكتاب عن دار دي فيليتشه، وقام بترجمة المجموعة الناقد سيموني سيبيليو. تحوي المجموعة قصائد منتقاة من...

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

يمثل قطاع الكهرباء في سوريا عصب الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وهو اليوم أمام مفترق طرق مصيري، إذ يقف بين إرث من الإهمال المتراكم والدمار الذي طال البنية التحتية لعقود، وبين فرص تاريخية لإعادة البناء تتقاطع فيها قرارات محلية مصيرية مع تحالفات إقليمية معقدة وصفقات غاز...

تدريباتنا