تدريباتنا

حجر الرحى.. تراث يعود إلى ريف إدلب

by | Apr 16, 2019

بعد سنوات من إهمالها، تمسح أم فارس الخمسينية الغبار عن رحاها لتستأنف العمل عليها مجدداً لطحن الحبوب، والاستفادة منها في ظل شبه توقف للمطاحن الحديثة عن العمل بعد انقطاع التيار الكهربائي ومادة الديزل، حيث تقول “حمداً لله أنني لا زلت أحتفظ بالرحى ، ها قد عدنا إليها من جديد في ظل الحرب التي تعيشها البلاد”.

عادت الكثير من المظاهر التراثية ومنها الرحى أو ما يسمى بالـ” الرحية” إلى قرى ريف إدلب من جديد، فمضي ثمان سنوات من الصراع السوري وما رافقها من قصف ونزوح وفقر وقلة موارد كانت مدة كفيلة بعودة الحياة البدائية إلى معظم المناطق السورية.

تحدثنا أم فارس عن ماهية الرحى وفوائدها قائلة بأن الرحى تعتبر من الأدوات التي تستعملها المرأة الريفية منذ الصباح الباكر لبطئ عملها الذي يستمر ساعات طويلة، وحتى يتسنى لها الإسراع في تحضير وجبة الغداء لعائلتها، وهي آلة بدائية مصنوعة من الحجر الخشن الثقيل، عبارة عن حجرين مستديرين علوي وسفلي ويكون السفلي منها ثابتاً بينما يتحرك الحجر العلوي حول محور خشبي أو معدني تكون قاعدته مثبتة في أسفل الحجر السفلي، وعندما تدور حجر الرحى فإنها تمر فوق حبات القمح أو الشعير التي توضع في فتحة دائرية صغيرة وسط الحجر العلوي، فتكسر تلك الحبات شيئاً فشيئاً كلما دار عليها حجر الرحى حتى تصبح دقيقاً ناعماً، وتوضح أم فارس أن استعمال الرحى لا يقتصر على صنع الدقيق وحسب، وإنما يمكن أن يجرش عليها القمح والعدس البلدي والفريكة والبرغل والحمص والفول وكافة أنواع الحبوب.

أم فارس تجلس لساعات طويلة مع هذه الأداة ما أدى لتوطيد علاقة قوية بينها وبين الرحى، تشكو لها ما بها من هموم وضغوط الحياة حيث تقول “أشعر أن الرحى يمكنها الإصغاء لهمومي أكثر من الآخرين ويتجلى ذلك في صوتها الحزين الصادر عن دورانها وكأن لسان حالها يقول بأن الحياة مثلي تدور فتطحن كل شيء في طريقها”.

ليست كل عائلة ريفية لديها رحى، ذلك أنها لم تعد متواجدة إلا بأعداد قليلة بعد ظهور المطاحن الحديثة، ففي القرية التي يتراوح عدد سكانها ٢٠ألف نسمة مثلا يتراوح عدد حجر الرحى فيها ال٤٥ رحية، ولذلك فإن نساء القرية ممن لا يمتلكن حجر الرحى يترددن لمنزل من تملكها بغية استعمالها والطحن عليها وبشكل مجاني، وفي اجتماع الجارات حول حجر الرحى تكون مناسبة لتبادل الأحاديث والمعاناة وتطورات الأوضاع والمآسي الانسانية التي تعيشها المنطقة.

أم وسام (40عاماً) تقصد منزل جارتها كل حين لتطحن بعض الحبوب على رحاها، وتقول واصفة المشهد “نجتمع حول الرحى، فنقضي وقتاً مسلياً ونتعاون على طحن المؤونة، وأحياناً نغني بعض الأغاني الشعبية التي تنسينا همومنا وآلامنا”، ومن تلك الأغاني “عالهوارة الهوارة دبرها وماالها دبارة، الناس بتمشي لقدام ونحنا منرجع لورا” تقول أم وسام مبتسمة في إشارة لعودتهم لوسائل الأجداد في الطحن،  وتبين بأن سبب طحنها على الرحى هو أنه نادراً ما تعمل المطاحن الحديثة في ظل الأوضاع الراهنة، بينما تحتاج سيدة المنزل إلى طحن بعض الحبوب بين الحين والآخر.

تلجأ بعض ميسورات الحال ممن لا يرغبن باستعمال الرحى لصعوبة الطحن عليها كونها تحتاج لوقت وجهد كبيرين، إلى بعض المدن للطحن على المطاحن الحديثة التي لا تزال تعمل ولكن بأجور مرتفعة .

تفاصيل أكثر عن حجر الرحى يزودنا بها المهندس ساهر الحسن ( 35 عاماً) حيث يقول “الرحى عبارة عن قطعتين من الحجر البازلتي لا يتعدى قطر كل منها 50 سم، توضعان فوق بعضهما البعض، وتمتاز القطعة العلوية بوجود مقبض خشبي موضوع ضمن فتحة على طرف الحجر تدار به عند عملية الطحن مع وجود فتحة صغيرة في منتصف الحجر بقطر 10 سم يتم خلالها وضع المادة المراد طحنها، ويوجد ضمنها قطعة خشبية بـ ارتفاع بسيط تكون موجودة بالقطعة السفلية وهي تشكل محور الحركة وتمنع الحجر العلوي من الخروج والسقوط أثناء عملية الطحن، يرى الحسن بأن الرحى تشكل مطحنة مصغرة تستطيع إنتاج ماتصنعه المطاحن الحديثة والكبيرة، غير أنها ليست بذات السهولة، فهي ثقيلة ومتعبة بالنسبة للسيدات اللواتي يطحن عليها، ولولا الحرب التي عطلت عمل المطاحن ماكانت لتحتمل عناء العمل بها أي إمرأة، وعن تاريخ ظهور الرحى يقول الحسن “يرتبط تاريخ الرحى بتاريخ صناعة الخبز، فالقمح والشعير والذرة وغيرها من الحبوب كان لا بد من طحنها لصناعة الخبز، لذا عرف الإنسان الطحن منذ فجر التاريخ، فبدأ في دقه بمدقات حجرية تضرب بقوة في تجويف يسمى الجرن، ثم تطورت هذه العملية فاستخدمت الرحى التي لا تزال موجودة حتى الآن بصورها البدائية في القرى هنا وهناك بمختلف البلدان العربية والاسلامية جنباً إلى جنب مع المطاحن الكبرى في المدن التي تصنع وتدار بأحدث التقنيات التكنولوجية الحديثة”، ويضيف الحسن أن عودة الرحى إلى ريف إدلب رغم مشقة العمل عليها فمن شأنها توفير عائد اقتصادي توفيري بالنسبة لهؤلاء الأسر الفقيرة، وخاصة وأن المطاحن الحديثة تتقاضى أجراً كبيراً مقابل طحن الحبوب كونها تعمل على مادة الديزل الغالي الثمن، تزامناً مع ضعف الأوضاع المادية لأهالي القرى.

من جهتها لا تزال الستينية أم محمد تتذكر وبكثير من الحنين أيام استعمال الرحى منذ عقود خلت، حين كانت الحياة الريفية “ببساطتها المعتادة، وتجمعات النسوة على الطحن ،وصنع مختلف المأكولات الشعبية، إذ تتميز طعم  الحبوب المطحونة بواسطة الرحى بذكاء طعمها ولذتها لأنها تبقى طازجة إثر طبخها بعد الطحن مباشرة، أما اليوم فغالبية النساء يشترون الحبوب المطحونة والجاهزة والتي فقدت لذتها بطول مدة تخزينها”، حتى المطاحن الحديثة لا يمكن الثقة بها حسب أم محمد لأنها تكون متسخة وممتلئة بالحصى التي تلتصق بالحبوب المراد طحنها ما يؤدي لصعوبة تنقيتها مما يلتصق بها فيما بعد، أما الرحى فتكون نظيفة ويخرج منها الطحين النظيف والمميز، وتشير ام محمد لأن استخدام الرحى بدأ بالتراجع منذ تسعينيات القرن الماضي، لتعود مؤخرا مع تعدد أسباب عودتها ومن تلك الأسباب الفقر وانقطاع التيار الكهربائي الذي أثر على آليات الإنتاج المحلية.

في الوقت الذي يعيش فيه العالم عصره التكنولوجي وتطوره الصناعي، تبقى حجر الرحى تدور بين أيادي أولئك النساء الريفيات حاملة صورة من معاناة الشعب السوري مع رحى الحرب الطاحنة التي عطلت كل وسائل عيشه، غير أنه أبى إلا الاستمرار ورغم كل الظروف.

مواضيع ذات صلة

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات...

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

مواضيع أخرى

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

ربما كانت سوريا، عبر تاريخها، من أكثر بلدان العالم "اكتظاظاً" بالأحزاب والسياسيين والزعماء و"القادة الملهمين"، حتى يُنقل قول معروف على نطاق واسع عن الرئيس شكري القوتلي عندما سلَّم سوريا الديمقراطية الصاعدة لجمال عبد الناصر مرغماً تحت ضغط الضباط البعثيين والقوميين...

حين يصبح الجسد وطناً: شعر وداد نبي بين المنفى والذاكرة

حين يصبح الجسد وطناً: شعر وداد نبي بين المنفى والذاكرة

قارة اسمها الجسد عنوان المجموعة الشعرية الصادرة باللغة الإيطالية للشاعرة السورية وداد نبي، والتي فازت بجائزة كامايوري الدولية للشعر 2025 في إيطاليا. صدر الكتاب عن دار دي فيليتشه، وقام بترجمة المجموعة الناقد سيموني سيبيليو. تحوي المجموعة قصائد منتقاة من...

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

يمثل قطاع الكهرباء في سوريا عصب الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وهو اليوم أمام مفترق طرق مصيري، إذ يقف بين إرث من الإهمال المتراكم والدمار الذي طال البنية التحتية لعقود، وبين فرص تاريخية لإعادة البناء تتقاطع فيها قرارات محلية مصيرية مع تحالفات إقليمية معقدة وصفقات غاز...

تدريباتنا