تدريباتنا

تأثير الحرب على التعليم الحكومي

by | Dec 10, 2018

حرمت الحرب نحو ثلاثة ملايين طفل سوري من التعليم، من بينهم ٨٠٠ ألف لاجئ في دول الجوار، وفقاً لليونسيف، فيما قُدرت أضرار قطاع التربية بأكثر من ٢٥٠ مليار ليرة سورية، من ضمنها ٧٤٠٠ مدرسة دُمرت أو خرجت عن الخدمة، وخلال سنوات الحرب استخدمت نحو ١٩٠٠ مدرسة كمراكز لإيواء الأسر النازحة، فيما تحول بعضها إلى مقرات عسكرية للاستخدامات الحربية.

وأدى نزوح مئات الآلاف من الطلاب إلى بعض المحافظات لتحميل مدارسها أعداداً تفوق طاقتها الاستيعابية، فباتت بعض الصفوف المجهزة لاستيعاب ٢٥ طالباً تستقبل نحو أربعين أو خمسين.

كما أجبرت ظروف النزوح وتدهور الوضع الاقتصادي، آلاف الطلاب على العمل والتسول خلال مراحل الدراسة، ليتمكنوا من متابعة تعليمهم وإعالة عوائلهم المعدمة، مما أدى إلى تراجع مستواهم العلمي والمعرفي، ليصبحوا عرضة للرسوب المتكرر.

معاناة أخرى طالت أطفال المناطق التي سيطرت عليها بعض الفصائل المسلحة المتشددة، حيث تلقوا في مدارسها مناهج تعليمية غير رسمية، ذات صبغة دينية في الغالب، مما جعلهم يخسرون عدة سنوات دراسية عندما عادوا إلى المدارس الحكومية، فالأخيرة لم تعترف بالتعليم الذي تلقوه خارجها، وأعادت أغلبهم إلى صفوف سابقة وأحياناً إلى الصف الأول.

وعن طريقة التعامل مع الطلاب المنقطعين عن المناهج الحكومية يقول موجه تربوي من مدرسة ابتدائية في ريف دمشق، فضل عدم ذكر اسمه، “أُخضع الطلاب النازحين من المناطق الساخنة إلى امتحان تحديد المستوى، عبر سبر معلوماتهم، ووضعوا على إثره في الصفوف المناسبة، وينطبق الأمر على طلاب المناطق التي عاد إليها التعليم الحكومي بعد رحيله عنها لسنوات، كالغوطة الشرقية وجنوب دمشق”. ويضيف الموجه التربوي “في مدرستنا أكثر من خمسين طالباً نازحاً في عمر الدراسة الإعدادية، يجلسون في مقاعد الصف الخامس والسادس، بينما اكتظت شعب الصف الأول خلال السنوات السابقة بالمئات ممن تراوحت أعمارهم بين الثامنة والعاشرة وأكبر من ذلك، وقد تأخر دخول بعضهم إلى المدرسة نتيجة ضياع وتلف أوراقهم الثبوتية جراء ظروف الحرب”.

خسائر في الكوادر التعليمية

خسر قطاع التعليم الحكومي خلال السنوات الماضية عشرات آلاف المعلمين، وأقرت نقابة المعلمين باستقالة نحو سبعين ألف معلم نتيجة ظروف الحرب المختلفة، فيما سافر الآلاف بطرقٍ غير نظامية تجنباً للموت والملاحقة الأمنية أو بحثاً عن مستقبلٍ أفضل. وبدأت الحكومة مع نهاية العام ٢٠١١ مسلسل فَصل المعلمين من وظائفهم لأسباب سياسية أو لرفضهم الالتحاق بالخدمة الاحتياطية، وقد امتنع أغلب المطلوبين للخدمة عن الذهاب لمدارسهم خوفاً من الإيقاع بهم.

وحتى اليوم تتوالى قرارت الفصل بحقهم، و آخرها صدر في آب/أغسطس ٢٠١٨، وقد شمل الفصل أكثر من مئتي معلم ومعلمة، منهم ٧١ من محافظة السويداء. وكانت السويداء خسرت سابقاً نحو١٥٠ معلماً نتيجة قرارت مماثلة، وفق تقديرات مدرس اللغة العربية حسام الذي كان واحداً منهم.

يقول حسام عن تلك القرارات: “استبدل الكادر التدريسي القديم الذي يمتاز بخبراتٍ مشهود بها و بقدرات علمية وتعليمية بارزة، ليعيَّن بدلاً عنهم مدرسون هواة يفتقرون إلى أدنى الخبرات ويعاني معظمهم من صعوبة فهم المناهج الجديدة، فبعضهم لم يتلق تعليماً عالياَ أو لايزال طالباً جامعياً، دفع هذا بعض الطلاب إلى اللحاق بمدرسيهم المفصولين إلى بيوتهم لتلقي دروس خاصة، كحال طلابي”.

يُذكر أن طلاباً من مدارس السويداء نفذوا اعتصاماً أمام مديرية التربية، قبل نحو عامين، احتجاجاً على قرارات الفصل، حاملين لافتات تطالب بحقهم في التعليم وبإعادة المدرسين المفصولين إلى عملهم.

الواقع الاقتصادي للمعلمين يضّر بطلابهم

يضطر العديد من المدرسين العاملين في المدارس الحكومية لإيجاد عمل ثان ليؤمنوا فيه تكاليف الحياة الباهظة، فدخلهم لا يتجاوز الأربعين ألف ليرة سورية لا يكاد يكفي لدفع إيجاد منزل أو مصروف عائلة صغيرة.

مدرس الرياضيات سعيد، اضطر لفتح دكانٍ صغير ليعينه على تأمين لقمة العيش، يقول سعيد “نسيت أنني معلم، فأنا أمكث في دكاني، وسط الحسابات ودفاتر الديون ومجادلة الزبائن، أكثر مما أمكث في المدرسة أو حتى في البيت. كان راتبي كمدرس قبل الحرب ١٣  ألفا (٢٥٠ دولاراً)، بينما أتقاضى اليوم أقل من ٨٠ دولاراً”. وعن تأثير عمله كسمان على عمله كمدرس يضيف سعيد “بالتأكيد أثَّر على عملي كمدرس، وألحق ضرراً بالطلاب، فخلال تقديمي للدروس تطل صور الخضار والمعلبات والأسعار إلى ذهني، فتشوِّش على المعلومات التي أقدمها وأشعر بأن طاقتي معدمة وتفكيري وتركيزي مشتتان”.

وحال سعيد أفضل من زميله رأفت، مدرس علم الأحياء، الذي يعمل سائقاً لسيارة أجرة في دمشق طيلة فترة المساء، وعن ذلك يقول “دخلي كمعلم لا يكفيني لدفع إيجار منزلي، وبالمقابل تقدم لي التاكسي أكثر من ضعفي ذلك الدخل، فالتعليم بات أسوء مهنة يمكن مزاولتها”. ويضيف رأفت “طوال الحصص الدراسية أشعر بالنعاس والتعب، أعترف بأنني لا أنصف طلابي، ولكن كيف أنصفهم ولا أحد ينصفني؟ كيف لسائقٍ يعاني طوال النهار من التلوث السمعي والبصري والنفسي أن يكون مربياً للأجيال؟ هل أحضِّر دروسي وأنا أقود السيارة وأجادل الركاب على تعرفة النقل؟”

مناهج تقليدية وطرق تدريس عقيمة

استمر التعليم الحكومي على نهجه التقليدي من حيث المعلومات وطريقة نقلها للطالب بالرغم من التحديثات التي دخلت مناهجه في السنوات الأخيرة، ، كما لم يخضع كثير من المعلمين إلى أية دورات تأهيلية لتطوير أدواتهم ومهاراتهم التعليمية.

عن تلك المناهج تتحدث السيدة روعة، نائبة مدير مدرسة في دمشق: “تغير الشكل الخارجي للمناهج وطريقة إخراجها، لكن محتوى معظمها لم يأت بجديدٍ يواكب العصر الحديث بعلومه وثقافاته المتطورة، فهي تكتظ بمعلوماتٍ كثيفةٍ وجافة لا تفيد ولا تغني، تعتمد على الكم لا النوع، لتجعل الطالب يعيش حالة تناقضٍ وفصام، فهل يعقل في عصرنا هذا أن يدرس مادة التربية الوطنية القومية، والتربية الإسلامية ومواد أخرى مشابهة؟”

وعن الطرائق التدريسية المتبعة تضيف روعة “حتى اليوم تعتمد بمعظمها على الحفظ والتلقين، فلكي ينجح الطالب في الامتحان على دماغه أن يكون آلة تسجيل ليس إلا، يخزّن فيه جميع المعلومات الواردة في منهاجه الدراسي، بغض النظر عن فهمها واستيعابها، وبمجرد خروجه من الامتحان سينساها على الفور، فهو ضحية المنظومة التعليمية التي تخرج منها معلمه”. وترى روعة أن هذه الطرق “لا تحفز عقل الطالب ولا تطور قدراته العلمية والفكرية والإبداعية، كونها لا تطبق الأساليب التفاعلية التي تنمي مهاراته، وتشركه في المناقشة والتحليل واكتشاف المعلومة أو البحث عنها “.  

و نتيجة لواقع العملية التعليمية نجد اليوم طلاباً تجاوزوا المرحلة الابتدائية لا يجيدون القراءة أو الكتابة بشكل جيد، ويعجزون عن حل مسائل حسابية بسيطة، فيما نجد تدنياً كبيراً في مستوى اللغات الأجنبية عند أغلبهم، ما يضطرهم فيما بعد لتعلمها من جديد عبر المعاهد الخاصة.

بالنظر إلى الظروف السابقة بات من الصعب على معظم الطلاب النجاح دون الاستعانة بالمدرسين الخصوصيين أو بالمدارس والمعاهد الخاصة، التي انتشرت بكثرة في السنوات الماضية، خاصة المعاهد التي تقدم دورات متابعة وتقوية لجميع المواد، وهو واقع جعل معايير النجاح والتفوق حكراً على الأثرياء فقط.

مواضيع ذات صلة

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات...

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

مواضيع أخرى

باحثة أمريكية: “أدب السجون السوري” امتدادٌ لكتابة المنفى

باحثة أمريكية: “أدب السجون السوري” امتدادٌ لكتابة المنفى

في كتابها “قراءات في أدب السجون السوري: شاعرية حقوق الإنسان” (Readings in Syrian Prison Literature: The Poetics of Human Rights)، والذي رأى مترجمه الكاتب والمترجم السوري حازم نهار أن يعنونه بـ “أدب السجون السوري: بويطيقا حقوق الإنسان”، تعتمد الباحثة...

هل سيتغير الوجه المدني لسوريا؟ 

هل سيتغير الوجه المدني لسوريا؟ 

بعد مرور أكثر من عامٍ  على تولي الحكومة الجديدة شؤون الدولة، شهدت البلاد مجموعة من القرارات والممارسات والسلوكيات، التي بدأت تُثير قلق ومخاوف كثير من السوريين، الذين رأوا أنها تحاول تكريس سياسة اللون الواحد، وتسعى لتقييد الحريات المدنية العامة والخاصة، هذا عدا...

نساء سوريا بين الخطف والإنكار: وجه آخر للانهيار الاجتماعي

نساء سوريا بين الخطف والإنكار: وجه آخر للانهيار الاجتماعي

يعود الخطف مرة أخرى إلى واجهة الأحداث السورية، لكنه في الحقيقة لم يتوقف أبداً؛ إنما هناك فترات من التباعد بين الحالات، ويرافق ذلك تغيّر في الأسلوب والإعلان. يواجه السوريون اليوم ظاهرة جديدة، وهي استخدام الفتيات لنشر الفكر الدعوي من قبل جهات تعمل في السر، ليصبحن...

تدريباتنا