تدريباتنا

اليسار السوري.. التباس الهوية والخطاب

by | Feb 8, 2019

*ينشر هذا المقال ضمن الطاولة المستديرة ما الذي تبقى من اليسار السوري؟

يلتبس تعريف اليسار في سورية، فمن النادر أن نجد حزباً يسارياً راديكالياً أو واضح الهوية والتوجه، إذ إن أحزاب اليسار بمعظمها باتت هجينة ورمادية، تفتقر إلى ماهية واضحة، حتى أنها تتماهى مع اليمين أحياناً.

يُجمع العديد من السوريين على أن أفكار اليسار خلال العقود الماضية كانت أقرب إلى “الطوباوية والوردية الحالمة”، وقد عجزت تلك الأفكار التي وعدت الناس بمجتمع مثالي عادل، عن تطبيق أيديولوجياتها وتصوراتها.

الموظف المتقاعد والشيوعي السابق خالد عماد يرى أن “جميع أيديولوجيات اليسار قد فشلت، رغم أنها بنيت على أفكار نبيلة وعادلة، وذلك لأن الممارسة لم ترتق إلى مستوى التنظير والشعارات، والتصورات جاءت من رؤيا جاهزة ومعلّبة لم تستقرئ طبيعة وظروف المجتمع السوري، ما جعلها عاجزة عن إحداث التغيير المنشود”. ويصف خالد التجربة الشيوعية السورية بأنها كانت “أشبه بعملية استيراد للشيوعية السوفيتية والعالمية، دون محاولة تكييفها وتطويعها لتتلاءم مع الواقع السوري”.

فيما تعزو خريجة علم الاجتماع عبير أبو محسن فشل أحزاب اليسار إلى “هيمنة النزعة الفردية والشللية داخل الحزب نفسه”، وتستقي رأيها هذا من تجاربها الشخصية: “معظم أعضاء الأحزاب اليسارية الذين التقيتهم كانوا يكيلون الاتهامات لبعضهم البعض ويشوّهون سمعة من يخالفهم الرأي من زملائهم، كوصفه بالعمالة للمخابرات”. وتشبّه عبير بعض الأحزاب اليسارية بـ “الطوائف الدينية”، كونها “تبني قوتها وقواعدها عبر انتقادها ونسفها للأحزاب النظيرة، وتحاكي قياداتها أدوار رجالات الدين بتكريم المقربين منها وتخوين من يشذَّ عن القاعدة أو ينتقد سلوكياتها وممارستها، كما تحتكر القيادة وتتناقلها بالوراثة، لتحاكي بذلك سياسة السلطة” بحسب أبو محسن.

 وبالمقابل يرى سامر عواد، الموظف في شركة قطاع خاص، جانباً مضيئاً للتجربة الشيوعية “فهي ساهمت، رغم شللها وعجزها سياسياً، في نشر حالة من الثقافة وعادات القراءة بين الناس، وزرعت بعض الوعي والأفكار الثورية في أذهان الكثيرين، كالوقوف في وجه الظلم والسعي نحو فكرة العدالة “. ويضيف عواد “التجربة أنصفت الكثير من النساء وحررتهن من قيود الدين والمجتمع، حيث خلقت حالة مدنية في بعض المجتمعات المصغَّرة وجابهت العادات والتقاليد فيها، كما حررت بعض العقول الرجعية من التخلف، فمن نشأ في بيتٍ شيوعي كان أكثر تنوراً وثقافةً وانفتاحاً من غيره”.

أما الماركسي معتز عيسى، الذي يعمل في ورشة صناعية، فيرى أن حزب العمل هو التجربة الفدائية الوحيدة التي “اتخذت نهجاً راديكالياً مقاوماً يُذكِّر بأدبيات اليسار، في وقت نهجت فيه معظم أحزاب اليسار نهج السلطة، بل وجلست في حضنها”. مشيراً إلى أنه “كان يمكن للتجربة أن تحدث تغييراً سياسياً حقيقياً لو تمكنت من تأسيس أرضية صلبة ومتينة لها، لكن اعتقال معظم كوادر الحزب ساهم في التسريع في موت التجربة”.

 اليسار بين السُبات والشلل

تم تقزيم وتقييد معظم أحزاب اليسار مع بدايات السبعينيات بضمِّها إلى “الجبهة الوطنية التقدمية” التي يقودها حزب البعث الحاكم، ويحتل أكثر من نصف مقاعد قيادتها، وهو أمرٌ “قصم ظهر اليسار وأصابه بالشلل والمرض” وفقاً لرأي المحامي ياسر (اسم مستعار) الذي يسخر من الأمر متسائلاً ” كيف ليسارٍ يدّعي مناصرة الفقراء والمظلومين والنضال ضد الاستبداد أن يكون تحت جناح حزب سلطوي؟ وكيف لقياداته أن ترضخ تحت وصاية من اشتراها بإشراكها نظرياً في بعض المناصب الهامشية والشكلية، بطريقة تضمن عجزها عن رفع صوتها السياسي أو التدخل في صنع أي قرار؟”.

ويصف المحامي ياسر انضمام الحزب الشيوعي إلى الجبهة بـ “التنازل المذل”، مشيراً إلى أنه “فتح باب الانشقاقات داخل الحزب وأسهم في انحسار نفوذه وخسارته للكثير من جماهيره التي فقدت الثقة به، فقلّ بذلك عدد المنتسبين إليه وفشل باستقطاب منتسبين جدد، باستثناء من ورث الانتماء الحزبي عن عائلته”.

ونتيجة شلل الدور السياسي للأحزاب اليسارية خلال نهايات القرن الماضي وبدايات القرن الحالي، توجه معظمها نحو النشاط المدني والأهلي، كعقد عدّة اجتماعات شكلية، وتقديم الندوات والمحاضرات الثقافية، وإقامة الرحلات والحفلات الفنية، بالإضافة للاحتفال ببعض المناسبات والأعياد الوطنية.

يقول الكاتب اليساري أحمد -الذي فضل عدم ذكر اسمه الكامل- في وصف تلك المرحلة: “ابتعدت خطابات اليسار عن معترك السياسة ووجع الشعب المقموع، لتتبنى قضايا خارج الساحة السورية، كالقضية الفلسطينية ومناهضة الرأسمالية والإمبريالية العالميتين وانتقاد النفوذ الأمريكي المهيمن عالمياً”. مضيفاً” اكتفى بعض اليساريين بتشكيل تيارات سياسية ذات توجه عالمي كـ (تيار مناهضة العولمة) بالإضافة لتأسيس منتديات وتجمعات مصغرة ذات صبغة ثقافية مدنية، لا تتبنى أي خطاب سياسي”. وعن تجربة إعلام الأحزاب الشيوعية يقول الكاتب أحمد “باستثناء تجربة المناشير والجرائد السرية، كـ(الراية الحمراء ونداء الشعب(، لم يقدم الإعلام الرسمي لليسار أي خطاب سياسي فاعل أو مؤثر”. ويعطي أحمد مثالاً عن هذا  جريدتي “قاسيون” و”النور”، فخطاب الأولى اقتصر برأيه على “بعض الانتقادات الخجولة، كالحديث عن الواقع المعاشي والاقتصادي وغلاء الأسعار والبطالة، فيما أفردت معظم صفحاتها للحديث عن اليسار العالمي والمشاريع الإمبريالية وغيرها”. أما جريدة “النور” فهي”تشبه الصحف الحكومية كالثورة والبعث، مع فارق أنها تتطرق إلى بعض مشاكل المجتمع والخدمات بشكل سطحي، وتتناول بعض المواضيع الثقافية وقضايا المرأة” بحسب أحمد.

اليسار بعد عام 2011

مع انطلاق الحراك الشعبي في سوريا، تلقى اليسار بمعظم أحزابه وتياراته انتقاداتٍ واسعة من قبل من توقعوا منه أن يكون في طليعة المنخرطين بالحراك أو الداعمين له على الأقل، إلا أن اليسار خذل من آمن به أو وثق بأفكاره وعجز مرة أخرى عن لعب دور فاعل، باستثناء بعض أفراده، الذين انضموا للحراك انطلاقاً من مواقف شخصية خارجة عن رؤية وتوجه أحزابهم.

يقول المهندس مازن عروة عن حال اليسار خلال هذه المرحلة “اقتصر خطاب قسم كبير منه على انتقاد تجمعات المتظاهرين الخارجة من دور العبادة، إذ رأى فيها تهديدًا للعلمانية التي يزعم أنه يتبناها، دون أن يقدم خطاباً ثورياً مدنياً بديلاً يوافق تصوراته وأفكاره التي نظَّر لها طويلاً”، ويضيف مازن ذو النشأة الشيوعية” قسم آخر غلبته النزعة البراغماتية، فركض خلف مصالحه لينال قسمته من أرض الواقع على ما في ذلك من تنازلاتٍ أيديولوجيةٍ وأخلاقية، فيما ترك بعض اليساريين، رغم نزعتهم الثورية، الساحة لقوى الأمر الواقع  ليكتفوا بالتنظير والتحليل وكتابة مؤلّفاتهم”.

وبرأي الفنانة التشكيلية سلوى، التي فضلت عدم ذكر كنيتها، منحت هذه المرحلة الأحزاب الشيوعية التقليدية “فرصة ذهبية”، كان يمكن أن تعيدها إلى صفوف اليسار الحقيقي، لتسترجع احترام من فقد الثقة بها “لكنها فضلت الاستبداد المألوف على التغيير المجهول” بحسب تعبيرها.

 وتنتقد سلوى، ذات التوجه اليساري، “حزب الإرادة الشعبية”، قائلةً “رغم تنظيره عن معاناة الشعب المضطهد، وقف الحزب موقف المتفرج على ما يجري في البلاد، وبدا وكأنه يعيش حالة فصام، فهو يريد أن يكون في السلطة وفي ذات الوقت يسارياً ومعارضاً لها، إذ كيف لأمينه العام أن يصبح وزيراً في الحكومة التي لطالما انتقد سياساتها سابقاً؟”.

من جهته ينتقد المدرس وليم حسون تحالفات بعض أحزاب اليسار، كتحالفها مع الأخوان المسلمين ضمن “المجلس الوطني السوري”، واصفاً تلك الأحزاب بـ”الخائنة لتاريخها النضالي”. كونها “تجاهلت فكرها وشعاراتها ومبادئها لتلتقي مع قوى يمينية ورجعية -كانت تناضل ضدها في مراحل سابقة- تحت حجة “ضرورات المرحلة” و”الغاية تبرر الوسيلة”، ويقول حسون “خضعت بعض تيارات اليسار لتبعية الغرب وسياساته وتلقت دعماً خارجياً، ما جعلها تقع في فخ الأجندات السياسية التي أوجدها المال السياسي، وبذلك حادت عن مسارها اليساري متخذةً مساراً ليبرالياً لطالما حاربته في خطاباتها السابقة”.

مواضيع ذات صلة

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات...

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

مواضيع أخرى

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

ربما كانت سوريا، عبر تاريخها، من أكثر بلدان العالم "اكتظاظاً" بالأحزاب والسياسيين والزعماء و"القادة الملهمين"، حتى يُنقل قول معروف على نطاق واسع عن الرئيس شكري القوتلي عندما سلَّم سوريا الديمقراطية الصاعدة لجمال عبد الناصر مرغماً تحت ضغط الضباط البعثيين والقوميين...

حين يصبح الجسد وطناً: شعر وداد نبي بين المنفى والذاكرة

حين يصبح الجسد وطناً: شعر وداد نبي بين المنفى والذاكرة

قارة اسمها الجسد عنوان المجموعة الشعرية الصادرة باللغة الإيطالية للشاعرة السورية وداد نبي، والتي فازت بجائزة كامايوري الدولية للشعر 2025 في إيطاليا. صدر الكتاب عن دار دي فيليتشه، وقام بترجمة المجموعة الناقد سيموني سيبيليو. تحوي المجموعة قصائد منتقاة من...

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

يمثل قطاع الكهرباء في سوريا عصب الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وهو اليوم أمام مفترق طرق مصيري، إذ يقف بين إرث من الإهمال المتراكم والدمار الذي طال البنية التحتية لعقود، وبين فرص تاريخية لإعادة البناء تتقاطع فيها قرارات محلية مصيرية مع تحالفات إقليمية معقدة وصفقات غاز...

تدريباتنا