تدريباتنا

الهدية

by | Sep 27, 2018

لم تتزوج أسماء كما أنها لم تُعشق، ورغم جمال وجنتيها وعذوبة نظراتها ورموشها الطويلة لم يستطع أحد أن يلحظ وردة النار في داخلها تلك الوردة الخفية التي  ما إن يراها أحدهم حتى يقع في غرامك.

يعبر الشبان من أمام البيت و تثقل خطواتهم وهم  ينظرون نحوها بشفقة وفضول. في كل مساء كانت تقف إلى النافذة، تراقب الفتيات الشرهات للحياة وهن عائدات من مواعيدهن السريّة ويحملن بين أيديهن علب الهدايا المغلفة بورق السوليفان البراق تزينه نجوم ذهبية تلمع تحت ضوء المصابيح الخافتة، لم تكن تستطيع سماع ثرثرتهن لكن الشفاه الملونة والباسمة كانت تفوح بالفرح وكان باستطاعتها أن تشم رائحة الفرح عن بعد….

في الليل وحين تتمدد في فراشها تقضي الوقت وهي تحاول أن تخمن ما يوجد بداخل العلب، وبين حين وآخر تحدث لها رؤيا، وهي أن هديتها تأخرت لكنها ستأتي ذات يوم. كان ذلك قبل أن تغلق والدتها النافذة بمسامير ضخمة وقبل أن يثقب رصاص الحرب جدران البيت وقلوب أخوتها الثلاثة….

لكن الحرب لم تستطع برغم شراستها أن تنسيها حلمها، ولم يكن العالم كله  ليروي هذه الرغبة السريّة في داخلها بأن تمتد يد محبة، يد قوية حنونة ودافئة إليها ذات يوم بهدية صغيرة، أي هدية.

في طفولتها المبكرة كانت تجلس في أحضان جدتها أمام مسكبة الورد، وتستمع لحكاياتها. الجدة المولعة بفلسفة كل شيء من الألوان حتى براز القطط قالت لها: إذا أهداك الرجل عطراً يعني ذلك أنه سيفارقك، العطر اعتذار يا صغيرتي وعندما يهديك الرجل عطراً فهذا يعني أنه يستعد لمفارقتك.

تتنهد ثم يهيم نظرها في الفراغ: جدك قبل أن يهرب مع تلك الساقطة اشترى لي عطراً. فسكبته في قن الدجاج. كانت الدجاجات نائمات بعدها تركهن الديك وركض نحو دجاجات الجيران فالرجال تجذبهم رائحة العفونة….

والدي أهدى أمي قطعة ذهب هل يعني ذلك أنه سيذهب؟ تسأل أسماء

آآآآه الذهب تأخذ العجوز نفساً وترميه بحسرة وتتابع، الذهب يقول: أنت جوهرتي الثمينة.

تبحث الصغيرة بعينيها في المكان، فترى قطة رمادية تخمش بمخالبها جذع شجرة الجوز.

وإذا أهداني قطة؟

ترمقها الجدة بعينيها اللتين تبرزان كخرزتين غرستا في صحن عجين، فتضحك وتسأل: والوشاح؟

آه الوشاح بحد ذاته حكاية يا أسماء، تقول الجدة المولعة بالألعاب اللغوية  مستعيرة جملة من نشيد الإنشاد: الوشاح يعني اعقدني على نبضك، والثمني بشفتيك وامسح دموعك بي.

بعد عدة أسابيع ماتت الجدة، لم تحتمل الصغيرة أول فراق، بكت كثيراً ثم أصيبت بالحمىّ، ونامت لأيام طويلة وظن الجميع أنها ميتة، وحين استيقظت أخبرت أمها -التي كانت تنتحب بجانبها وتهزها مثل دمية – بأنها رأت في حلمها الكثير من الهدايا وأن ملكاً وسيماً أهداها قرطين، لكنهما كانا ثقيلين فتمزقت أذناها وسقطتا.

كانت تمضي الليالي الباردة وهي تفكر في أنواع الهدايا  تقف قبالة نافذتها وتراقب العابرين بوجوههم الهلعة… يلوح لها البعض طالبين منها أن تدخل رأسها فلا تفعل، تجرها أمها وتغلق الباب، وهي تلعن حظها بعد ذلك أحضرت مطرقة واقفلت النافذة بالمسامير.

في الساعات القليلة التي ترى فيها البلدة الكهرباء يتسمر الناس إلى قنوات تحكي عنهم وعن موتاهم، يبكون سلامهم الماضي، ويتحسرون على شهدائهم. يمتلؤون بغيظ لا يعرفون أين يرمونه. في وجوه الزوجات؟ أم على وجوه من بقي حياً من أبنائهم؟

تقلب أسماء في القنوات، لا تعنيها قصص الموت. جربته مرة وكفى، جربته بقوة ولم تستيقظ من وجعه بعد. لا تعنيها صور الدبابات ولا القنابل فهي غارقة في عالم لا تعكره حروب ولا إطلاق رصاص… تقلب في المحطات ولا تتوقف إلا إذا لمحت هدية أو شاباً وسيماً. فوجه شاب جميل يعني وعد بقصة حب.

حين أطبق الحصار على البلدة، نفذت المؤن ولم تعد ترى في أيدي الفتيات أي هدايا فقط مناديل ملونة يربطنها على أيديهن وهي تذكرهن بحبيب بعيد أو ناكث للعهد فالذي يموت أو يقع أسيراً، هو ناكث لعهده في عرفهن مثله مثل الذي يتخذ حبيبة أخرى. وبينما يفكر الناس في الخبز وفي الطعام، كانت تفكر بهدية.

ذات مساء سمعت طرقات على الباب، حاولت النهوض وسبقتها والدتها، أطلت الأم برأسها ونادت باسمها مرتين وهي تبتسم. منذ زمن لم تسمع اسمها دافئاً في فم والدتها. منذ زمن لم تر ابتسامتها…

تبعت والدتها التي نظرت نحوها بلطف، كانت نظرات أمها أقل شراسة مما هي عليه وأكثر دفئاً، تركت الباب موارباً وغمزت بعينها واختفت، من خلف الباب حياها صوت ذكوري قوي: مرحباً يا أسماء.

أطلت برأسها من الباب الموارب وحدقت في وجهه… لم يستطع الغروب أن يخفي جمال العينين العشبيتين والابتسامة المشرقة، أثارت رؤياه دموعها لكنها حبستها، ودون ان تفتح شفتيها سألته: تعرف اسمي؟ منذ زمن بعيد.

مد يده إلى صندوق ضخم، وأخرج منه علبة ملفوفة بورق أحمر برّاق وقال لها: هذه من الملك.

– من الملك؟

– نعم وأنا حارسه الشخصي.

تناولت الهدية وفي هذه اللحظة عانقته وأخذت تنتحب، أبعد يديها برفق، قبل جبينها ومضى، أغلقت الباب وقرفصت، نزعت الشريط اللامع عندها تبخر كل شيء… كانت أمها تهزها بعنف.  

جلست وحدقت حولها، بين يديها ثم نظرت أرضاً فلم تجد أي شيء.  شعرت أنها ضحية خدعة كبيرة فالحلم والرائحة كل ذلك كان حقيقياً،  وهذه الأصوات والجوع وأمها الهزيلة مجرد حلم… لم تستطع نسيان ذراعي الشاب ولا رائحة صدره الذي يفوح منه أريج خشب الصنوبر.

سالت دموعها المالحة فوق وجنتيها ومرت فوق شفتيها وتابعت حتى ذقنها ورقبتها … كانت الدموع كل ما تبقى من الحلم .

شعرت بعداوة لأمها وظلت ليومين متتاليين تحاول تخمين نوع الهدية.

لو كانت تركتها  نائمة ريثما تفتحها.

هل هي علبة عطر؟ أم وشاح؟

ربما ياقوت أو حجر تزين به عنقها؟ ربما حذاء! أو… ورود هذا مستبعد لسببين: الورود لا توضع في علب مغلقة. والثاني أن الملوك لا يهدون وروداً للرعية….

اشتد الحصار ونفذت مؤن الناس، واشتدت أصوات المعارك الدائرة، على أطراف البلدة لكنها كانت في عالم آخر، كانت تأوي للنوم مبكرة علهّا تلتقيه مرة أخرى، أو على الأقل تتابع فتح الهدية، حتى تعرف ماهي. كانت تتمنى أن يكتمل الحلم من حيث توقف، لكن ذلك لم يحدث.

ذات مساء كانت فوق سطح البيت، حين رأت سيارة صغيرة تقف أمام البيت، ويترجل منها الشاب ذاته، عرفته من قميصه الأبيض، نزلت الدرجات مسرعة ووجيب قلبها يصل أذنيها، ثم فتحت الباب .

كان هو بعينيه العشبيتين، وذراعيه اللتين لوحتهما الشمس، ورائحة خشب الصنوبر حدق  فيها بغرابة توازي الغرابة التي رمقته بها وقال: كيف حالك يا أسماء؟

-إنك تعرف اسمي.

– منذ زمن.

قالت في سرها: هذه أول مرة أسمع بها اسمي منذ سنوات.

-أرسل لك الملك هدية، قال الشاب

– من الملك؟ انفلتت الكلمات بدهشة وفرح.

أتت والدتها راكضة  نحو الباب وهي تنظر لوجه الشاب الممتعض.

قالت معتذرة: إنها صمّاء.

-أحاول سؤالها عن عددكم في البيت لكنها تقول كلاماً غريباً.

– أصابتها حمى في العاشرة، ثم فقدت سمعها لكنها ليست بلهاء. نحن ثلاثة قالت الأم محتسبة القط الهزيل روكي الذي يتمدد فوق السطح بتعب.

حدق الشاب ذو العينين العشبيتين في وجهها، وبانت عليه علامات الأسف.

مضى إلى السيارة ثم عاد وأحضر علبة كبيرة، رماها على الباب مثل جثة وغادر تبسمت الأم وحملت العلبة بفرح، أحضرت سكيناً وفتحتها وكادت تزغرد وهي تنثر محتوياتها. فوق أرضية الغرفة ثم أخذت تحصي علب المرتديلا والمعكرونة والرز الرديء بصوت عال.

أسماء تابعت التحديق في الكرتونة الكبيرة المرمية ، كانت هناك ورقة زرقاء كبيرة كتب فوقها بخط بارز: مخصص للاجئين السوريين.

مواضيع ذات صلة

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات...

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

مواضيع أخرى

باحثة أمريكية: “أدب السجون السوري” امتدادٌ لكتابة المنفى

باحثة أمريكية: “أدب السجون السوري” امتدادٌ لكتابة المنفى

في كتابها “قراءات في أدب السجون السوري: شاعرية حقوق الإنسان” (Readings in Syrian Prison Literature: The Poetics of Human Rights)، والذي رأى مترجمه الكاتب والمترجم السوري حازم نهار أن يعنونه بـ “أدب السجون السوري: بويطيقا حقوق الإنسان”، تعتمد الباحثة...

هل سيتغير الوجه المدني لسوريا؟ 

هل سيتغير الوجه المدني لسوريا؟ 

بعد مرور أكثر من عامٍ  على تولي الحكومة الجديدة شؤون الدولة، شهدت البلاد مجموعة من القرارات والممارسات والسلوكيات، التي بدأت تُثير قلق ومخاوف كثير من السوريين، الذين رأوا أنها تحاول تكريس سياسة اللون الواحد، وتسعى لتقييد الحريات المدنية العامة والخاصة، هذا عدا...

نساء سوريا بين الخطف والإنكار: وجه آخر للانهيار الاجتماعي

نساء سوريا بين الخطف والإنكار: وجه آخر للانهيار الاجتماعي

يعود الخطف مرة أخرى إلى واجهة الأحداث السورية، لكنه في الحقيقة لم يتوقف أبداً؛ إنما هناك فترات من التباعد بين الحالات، ويرافق ذلك تغيّر في الأسلوب والإعلان. يواجه السوريون اليوم ظاهرة جديدة، وهي استخدام الفتيات لنشر الفكر الدعوي من قبل جهات تعمل في السر، ليصبحن...

تدريباتنا