تدريباتنا

الحرب السورية تُفاقم “تلطيش” النساء…ومعاناتهن

by | Mar 10, 2022

تداول ناشطون على صفحاتهم “الزرقاء” عبارات و”تلطيشات” تطلقها نساء سوريات تعكس الحالة التي بتن عليها بسبب ظروف الحرب، والضائقة الاقتصادية والخدمة العسكرية الطويلة الخاصة بالشباب، وعدم قدرة الجميع على تأمين متطلبات الحياة الأساسية، فكيف بالشباب المقبلين على الزواج، رغم قلة أعدادهم، بسبب الحرب والهجرة.
قد تكون “مؤسسة الزواج” الأكثر تضرراً من الحرب، وتأثرها بها هو الأكثر وضوحاً وقابلية للقياس> كتب كثيراً عن موضوع الحرب، وتداعياتها وضحاياها، لكن ثمة ضحايا، أو “مشوهي حرب” ليس بالمعنى الدقيق للكلمة، بل شرائح واسعة من الشباب، دخلت الخدمة العسكرية بعمر 20 عاماً وخرج المحظوظ منها في عمر 30 عاما، وهو خالي الوفاض، يريد السفر أو الهرب خارج الحدود خشية “طلب الاحتياط” مجدداً للجيش. ليس هذا فحسب، فإن بقي، فهو بالكاد يستطيع أن يتدبر أمور حياته، لذلك لا يقوى على مجرد التفكير بالزواج، هذا الأمر أوجد شرائح واسعة من الإناث العوانس وأطلق المجال لـ”تطليشات” من وحي هذا الواقع الصعب.

في كل جملة من “التلطيشات” أو التلميحات ثمة محاكاة لواقع صعب بلسان النساء السوريات، ومعظمها يدور حول الخدمة العسكرية:
• “تقبر قلبي ع الحكيات شو ظراف، عم تخدم إلزامي ولا احتفاظ”.
• “تقدملي وبعملك عرض خاص، بيت وسيارة ولعيونك مشط رصاص”.
• “ماشي ومعو تأجيلو. لك دخيلو ودخيل عشرة من جيلو”.
• “ريتو ما يبلى دفتر التجنيد، طمني تأجيلك دراسي ولا وحيد؟”
الأوضاع الاقتصادية والسياسية التي تمر بها سوريا بسبب الحرب ساهمت في ارتفاع نسب الإناث، فأعداد الشباب قليلة مقارنة بالإناث وفي هذا المجال تقول “التلطيشات”:
• “لك تقدملي ودق هالباب، ما كان بدي لطشك، بس ولله ماضل شباب”.
• “إن شاء الله يؤبرني المأجل والمعفى والوحيد، في مجال تجي عند الوالد وتحط الخاتم بهالأيد”؟.
وتقول إيمان (36 عاماً)، وهي من سكان ضواحي دمشق: “توفي خطيبي في معارك ريف دمشق، بقيت وحيدة، وأنا بسن لا يحتمل مزيداً من الانتظار، كان الأمر في غاية الصعوبة”. تتابع: “لذلك قرّرت الزواج من ابن عمي وأسكن مع زوجته وأطفاله في المنزل ذاته، وفي هذا السياق نجد “تلطيشة” تحاكي هذا الواقع.. “دخيل الخمسيني يلي عامل غرّة.. في مجال تنزّلني على ضرّة”؟
ولـ”التفييش” من الخدمة -وهو مصطلح متداول في سوريا، ويعني أن يقوم العسكري بدفع مبلغ من المال لأحدهم، لقاء البقاء في منزله أو عمله- حصة من التعليقات “تقبر عضامي مريش، بخدمتك ولا مفيش”.
وأيضاً لموضوع الاستبعاد من الدعم الحكومي نصيب من التعليقات المزعجة: “يسلملي المهضوم مستبعد ولا مدعوم”.

قد يبتسم أحدنا للوهلة الأولى إذا ما سمع واحدة من هذه العبارات، لكن هذه الابتسامة سرعان ما تختفي ليظهر محلها وجوم، من هول صدمة هذه العبارات وما تخفيه من وجع نساء يصفن حظهن بالعاثر.
يقول “س. م” وهو أحد الشبان الذين بلغوا سن الزواج ولم يتزوج: “لا أفكر حالياً بالزواج، لأن الأمر لا يقف عند حدّ المال فحسب، فأنا عسكري ولا أعرف متى أتسرح من الجيش، وقد أموت غداً فأترك خلفي عائلة مشردة، فأنا في غنى عن هذا الموضوع في الوقت الراهن”.
من جهتها، تقول الاختصاصية بعلم النفس الاجتماعي “سميرة.ن”: “لقد باتت المرأة اليوم تقبل بأي زوج يكفيها مالياً ويشعرها بالحماية، في السابق كانت لا تقبل به”. وتضيف: “هذا يعبر على خلل اجتماعي يحيط بالسوريين، ومعظم حالات الزواج جاءت وليدة للأزمة”، مشيرة إلى أن الأحداث الدامية “فتحت الأبواب أمام زواج القُصّر، إضافة إلى حالات الزواج بزوجة ثانية، ناهيك عن زواج المصلحة الذي لاقى رواجاً خلال الأحداث الأخيرة وكان هدفه السفر إلى إحدى الدول الأوروبية”.

باختصار إن كل ما قيل عن هذا الوجع قد يبدو صغيراً، أو لا يوصِّف الحالة على حقيقتها. فالكثير من الغصة والألم لما تحمله هذه المفردات من مآس وأحزان باتت هي المسيطر على المشهد العام السوري. وبين الألم والحسرة، يبقى السؤال الأهم: هل من مخرج لهذا الوضع الذي طال واستطال؟ مها ابنة الثلاثين ربيعاً تختصر الحكاية السورية بقولها: “أتطلع إلى حياة بسيطة مستقرة مثل سائر البشر في هذه المعمورة، وهو أمر حرمنا منه منذ عام 2011. وتعبر مها عن ذلك بالقول: “أتمنى أن أعيش بسلام واستقرار”. وتضيف: “الظروف السيئة والخوف أصبحت تسطير على كل تفصيلات حياتنا، الأمر الذي يمنعني أولاً من متابعة دراستي بشكل سليم أو حتى التخطيط للأيام القادمة”. وتتساءل بسخرية: “هل أضمن حياتي ليوم غد في هذا الوضع حتى أخطط وأحلم بالزواج؟”.
أمام كل هذا فليس من المستغرب أن نسمع عن حالات انتحار لفتيات لم يبلغن عقدهنَّ الثاني، أو نسمع عن رمي أطفال بعمر أيام في الحاويات أو أمام البيوت أو الجوامع، وهي حالات مستهجنة ولم تكن لتحصل في سوريا قبل الحرب، لكن الأوضاع المأساوية التي باتت عليها غالبية الأسر أكثر من 95 تحت خط الفقر وهي نسبة متفائلة، فالواقع أقسى وأشد مضاضة، والمرأة تدفع الثمن غالياً وخاصة حين تقع بين فكي الفقر، والحاجة إلى زوج.

ملاحظة: الصور للشرح، ولاعلاقة لها بالنص ابدا. مجرد، صورة مرئية، لاتمس شخصيات الموجودين.

مواضيع ذات صلة

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات...

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

مواضيع أخرى

باحثة أمريكية: “أدب السجون السوري” امتدادٌ لكتابة المنفى

باحثة أمريكية: “أدب السجون السوري” امتدادٌ لكتابة المنفى

في كتابها “قراءات في أدب السجون السوري: شاعرية حقوق الإنسان” (Readings in Syrian Prison Literature: The Poetics of Human Rights)، والذي رأى مترجمه الكاتب والمترجم السوري حازم نهار أن يعنونه بـ “أدب السجون السوري: بويطيقا حقوق الإنسان”، تعتمد الباحثة...

هل سيتغير الوجه المدني لسوريا؟ 

هل سيتغير الوجه المدني لسوريا؟ 

بعد مرور أكثر من عامٍ  على تولي الحكومة الجديدة شؤون الدولة، شهدت البلاد مجموعة من القرارات والممارسات والسلوكيات، التي بدأت تُثير قلق ومخاوف كثير من السوريين، الذين رأوا أنها تحاول تكريس سياسة اللون الواحد، وتسعى لتقييد الحريات المدنية العامة والخاصة، هذا عدا...

نساء سوريا بين الخطف والإنكار: وجه آخر للانهيار الاجتماعي

نساء سوريا بين الخطف والإنكار: وجه آخر للانهيار الاجتماعي

يعود الخطف مرة أخرى إلى واجهة الأحداث السورية، لكنه في الحقيقة لم يتوقف أبداً؛ إنما هناك فترات من التباعد بين الحالات، ويرافق ذلك تغيّر في الأسلوب والإعلان. يواجه السوريون اليوم ظاهرة جديدة، وهي استخدام الفتيات لنشر الفكر الدعوي من قبل جهات تعمل في السر، ليصبحن...

تدريباتنا