تدريباتنا

الحراك المدني في السويداء والخيار العسكري!

by | May 22, 2024

جملةٌ من الأحداث التي قامت بها سلطات النظام السوريّ بخصوص السويداء، مؤخراً، تثير أسئلة وتقود إلى تحليلات عن الرسائل المتضمّنة لتلك السلوكيات عسكريّاً وأمنيّاً.

وفي التفاصيل، حرّكت قوات النظام السوريّ تعزيزات عسكرية نحو محافظة السويداء، جنوب العاصمة دمشق، وكان أكبرها يوم الأحد 28 نيسان / أبريل 2024، حيث وصلت إلى مطار “خلخلة” العسكريّ في ريف السويداء الشماليّ.

ويرى مراقبون أنّ هذه الخطوة؛ تمثل موقفاً سياسياً سيحمل تغييرات ميدانية متتالية في المنطقة، وقد جاءت بعد استمراريّة الحراك المدنيّ في السويداء، والذي سوف يتوّج عامه الأوّل من المظاهرات يوم 17 آب / أغسطس المقبل.

وكأنّ تلك التحركات العسكريّة كانت بمثابة جسّ نبض الشارع، وليأتي فيما بعد؛ سلوك بات مكشوفاً لدخول المناطق المعارضة في سورية، كما رأينا طيلة السنوات العشر الماضية، ألا وهو التلويح بوجود خلايا نائمة من “تنظيم الدولة الإسلاميّة داعش” في السويداء، فجأة تظهر بلا مقدمات، وذلك بحسب ما نشرت وكالة الأنباء السوريّة، سانا التابعة للنظام، حيث زعمت الوكالة أن “خلية من تنظيم (داعش) حاولت تنفيذ عملية إرهابية ضد المدنيين في مدينة السويداء، وأن الجهات المختصة قد قتلت إرهابياً حاول تفجير نفسه بحزام ناسف، وألقت القبض على إرهابي آخر بحوزته حزام ناسف آخر”. وبما أن الإعلام رسميّ هنا، فاحتمالية المصداقية مشكوك فيها نظراً للسيناريوهات المشابهة في معظم المناطق التي شهدت احتجاجات مدنية، دون وجود أيّة وسيلة إعلاميّة أخرى مستقلة تنقل تلك المزاعم من وجهة نظر محايدة.

توجهنا لسؤال بعض الناشطين والناشطات على الأرض في السويداء، وأجمع معظمهم على أن تلك الخطوات التي ينتهجها النظام، لا قيمة لها إذا استمرت سلمية الحراك الشعبيّ، ومن بين هؤلاء الدكتور جمال الشوفي، وهو كاتب وباحث، حيث قال لموقع صالون سوريا: “إنّ هناك عدة مؤشرات حول إرسال التعزيزات العسكريّة في هذه الفترة؛ أوّلها محاولة ترهيب الشارع الشعبيّ في السويداء وخاصة حراكه السلميّ. ما يُعزّز ذلك، هو تناول العديد من الصفحات على الإنترنت، منها تنسب لجهات وشخصيات رسمية، توجيه تهديدات مباشرة للحراك بذاته، ونشر قوائم تصفيات وغيرها. فيما المؤشر الثاني متعلق بالتطورات في الوضع الإقليميّ واحتمال تمدّد العمليات العسكريّة للمنطقة الجنوبيّة، لتخفيف الضغط عن حزب الله في جنوب لبنان. أضف لذلك ملء فراغ محتمل لانسحاب روسيّ من الجنوب السوريّ، وهذا يعزز فكرة مواجهات عسكرية محتملة في المنطقة. كما توجد مؤشرات تأتي من الانتشار شرقاً باتجاه حدود البادية مع الحدود الأردنيّة بما يتعلق بتهريب المخدرات، وهذا لا يمكن البتّ في وضعه، تبعاً لنوع القوات المنتشرة هناك”.

ويضيف د.الشوفي: “يمكن لهذه الاحتمالات؛ سواء بالاغتيالات الفردية أو نشوب معارك جزئية، أن تؤثر على الحراك السلميّ من خلال انجرار الفصائل المحلية له، وانتشار الخوف العام، خاصة إذا تمت هذه التحركات على أيدي العصابات المحلية. هنا من المهم جداً الحذر في التعامل مع هذه السيناريوهات، وإن كان لابد من مجابهة من نوع ما، أن تكون مستقلة عن الحراك السلمي الذي يجب أن يبقى مستمراً ما يتطلب تنظيمه وحمايته. نحن بحاجة لحراك مجتمعي يعمل على تعزيز فكرة الأمان والسلم المجتمعيّ ومنع الاصطدام المحلي وتطويقه إن حصل”.

ويختم د.الشوفي كلامه: “يجب على الحراك أن يُمتّن رصيده وحاضنته المحلية والاجتماعية، وأن يبتعد عن استفزازها في الوقت الحالي، والاستمرار بإصراره على السلميّة والتغيير السياسيّ الوطنيّ والابتعاد عن الدخول في تشابك وتعارض الأجندات السياسية المحلية والإقليميّة والثبات على مطالب مُوَحَّدة وطنياً” بحسب قوله.

فيما ترى المحامية نيرفانا نصر، أن إرسال تلك التعزيزات العسكريّة “ربما يفتح الباب للاستفزاز والمواجهة”. وتؤكد في حديثها لـ”موقع صالون سوريا”: “سينتج عن ذلك مواجهة من نوع ما، وذلك سوف يؤثر على سلميّة الحراك الذي يؤكد على ضرورة التغيير السياسيّ دون عنف، ويعبّر عن مطالبه بشكل راقٍ بعيداً عن الفوضى. ولهذا يحاول الجميع الابتعاد عن العسكرة. ونشهد دوراً كبيراً للمجتمع المدنيّ والنقابات الحرّة كـ”تجمع المحامين الأحرار” وغيرهم في التعبير القانونيّ والحق بالتظاهر. أعتقد أنّ السلطة تحاول تخويف الأهالي بالحشود العسكريّة وإعادة تجارب سابقة كما فعلت ببقية المدن السورية من رمي براميل وتدمير وتهجير” على حد تعبيرها.

من جهة أخرى يؤكد الصحفي مرهف الشاعر أنّ تلك التحركات تحمل نيّات مبطنة تجاه الحراك السلميّ بالدرجة الأولى، والمستمر بشكل يوميّ منذ قرابة التسعة أشهر، خاصة وأن هناك بعض المجموعات المرتبطة أمنيّا أصدرت بياناً أعلنت فيه عزمها “ضبط الوضع الأمنيّ في السويداء من خطف وسلب، وهي ذات المجموعة المُتهمة بأدلة صريحة على ممارسات خطف سابقة ودعمها لمجموعة راجي فلحوط، والذي انتفضت السويداء عليه قبل عامين” بحسب تأكيده.

ويعتقد مرهف أن المشهد حالياً “ضبابيٌّ”، ويجب “الحذر من تكرار التجارب ذات الطابع الدمويّ بحق المدينة لإخماد صوت الانتفاضة، وتلك التجارب قد تقوم بها السلطة بشكل مباشر أو من خلال فتنة داخلية ما، وهو الشغل الشاغل لها على الدوام في السويداء، حيث شهدت المدينة لقاءً لأغلب قياداتها ووجهائها بغض النظر عن اصطفافهم السياسيّ فقد أكّدوا على ضرورة وحدة الصفّ والوقوف في وجه أيّة محاولة للتصعيد أو الضغط العسكريّ”.

ومن وجهة نظر تحليلية على المستوى الإقليمي، يقول مرهف الشاعر لـ “موقع صالون سوريا”: “يبدو أن هذه المؤشرات والحشود رسالة من السلطة بتخليها عن الحليف الإيرانيّ في الجنوب السوريّ بعد الضربات المتكررة التي تلقتها في مواقع عسكريّة من قبل الإسرائيليين، وقد تكون هذه المناورة لإعادة تموضع بحجة حماية الحدود، وأيضاً تكرار سيناريو (داعش) المصطنع في المدينة فيما حذر البعض أن هناك تنازلات من السلطة لصالح إسرائيل والتي لم تصرّح بأيّة مناصرة لـحماس وغزة حفاظاً على الكرسي في دمشق، ما يفتح الاحتمالات على صفقة إقليمية ومساومة قد تكون سُلطة النظام الشريك والمسؤول الأول فيها في منطقة الجنوب السوريّ بدعم وتوجيه روسيّ” بحسب رأيه.

لقد شكّل حراك مدينة السويداء، انتعاشاً سياسياً وتعبيراً واضحاً عن السلمية والرغبة بالتغيير السياسيّ في البلاد، غير أن أساليب العسكرتارية التي تتبعها سلطات النظام في دمشق، أبعد ما تكون عن السلمية، وقد أصبح واضحاً أن ملعبها هو السلاح وابتكار فبركات “الخلايا النائمة” لتبرير سحق المدن التي يحدث فيها أي حراك مدنيّ.

مواضيع ذات صلة

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات...

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

مواضيع أخرى

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

ربما كانت سوريا، عبر تاريخها، من أكثر بلدان العالم "اكتظاظاً" بالأحزاب والسياسيين والزعماء و"القادة الملهمين"، حتى يُنقل قول معروف على نطاق واسع عن الرئيس شكري القوتلي عندما سلَّم سوريا الديمقراطية الصاعدة لجمال عبد الناصر مرغماً تحت ضغط الضباط البعثيين والقوميين...

حين يصبح الجسد وطناً: شعر وداد نبي بين المنفى والذاكرة

حين يصبح الجسد وطناً: شعر وداد نبي بين المنفى والذاكرة

قارة اسمها الجسد عنوان المجموعة الشعرية الصادرة باللغة الإيطالية للشاعرة السورية وداد نبي، والتي فازت بجائزة كامايوري الدولية للشعر 2025 في إيطاليا. صدر الكتاب عن دار دي فيليتشه، وقام بترجمة المجموعة الناقد سيموني سيبيليو. تحوي المجموعة قصائد منتقاة من...

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

يمثل قطاع الكهرباء في سوريا عصب الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وهو اليوم أمام مفترق طرق مصيري، إذ يقف بين إرث من الإهمال المتراكم والدمار الذي طال البنية التحتية لعقود، وبين فرص تاريخية لإعادة البناء تتقاطع فيها قرارات محلية مصيرية مع تحالفات إقليمية معقدة وصفقات غاز...

تدريباتنا