تدريباتنا

الباب تنفض الغبار بعد طرد «داعش»… وتتعافى من جراح الحرب

by | Jul 24, 2017

الباب (ريف حلب): محمد الخطيب

 

عادت الحياة لتنبض من جديد في مدينة الباب، شمال شرقي حلب بعد أشهر من القصف والمعارك بين «الجيش السوري الحر» وتنظيم داعش. إذ يجتمع عشرات في طوابير أمام محلات بيع المعجنات وبائعي التمر الهندي في شهر رمضان المبارك، بعدما عادت المحلات لتفتح أبوابها وتنفض الغبار عنها.

في أطراف الباب، يعمل محمد الشيخ (30 سنة) على ترميم منزله. وقال: «لم نتلقَ أي مساعدات، أو دعم، لترميم منازلنا، وكل تكاليف الإصلاح أو إعادة الإعمار تقع على عاتق الأهالي».

وخلال ثلاثة أشهر من المعارك تعرضت الباب لقصف جوي عنيف، ألحق في المدينة دماراً هائلاً، إلى أن انسحب «داعش» من المدينة في 23 من فبراير (شباط) الماضي. وقال الشيخ إن «كثيراً من الأهالي لا تتوفر لديهم الأموال الكافية، لإعادة الإعمار. رغم أن منزلي لم يتعرض لقصف مباشر، فإني أنفقت حتى الآن نحو 3 آلاف دولار أميركي ولم أنتهِ من إصلاح الأضرار بعد».

وتعكس حركة إعادة الإعمار وعودة التجار والصناعيين لمزاولة عملهم من جديد شعوراً لدى الأهالي بنوع من الأمان، ذلك رغم أن المدينة تشكل خط تماس مع قوات النظام السوري، التي تتمركز في بلدة تادف المجاورة. وغالبا ما تعكر ألغام وضعها «داعش» هدوء المدينة.

ولا يتوقع أحمد عثمان، وهو صاحب محل تجاري أن تكون لقوات النظام مطامع في الهجوم على مدينة الباب. وقال: «إن التفاهمات (الروسية – التركية) حول المنطقة، تجعل مدينة الباب ومنطقة درع الفرات (اسم العملية التي شنتها المعارضة بدعم الجيش التركي) عموماً من حصة قوات المعارضة».

ودفع عثمان ما يقارب 12 ألف دولار لإعادة ترميم متجره، وملئه بمختلف أصناف البضائع. وهو يشعر بنوع من الأمان، بما يشجعه لينفق على متجره بسخاء من دون خوف من الخسارة، أو أن يضطر لإخلاء متجره لاحقاً بسبب تردي الأوضاع الأمنية.

لكن في مقابل ذلك، فإن أصحاب المشاريع الضخمة لم يعودوا بعد إلى مدينة الباب لأن غالبيتهم شقوا حياتهم في تركيا، خلال سنوات سيطرة التنظيم على مدينة الباب، وربما لا يشعر هؤلاء بأمان كافٍ، يحمسهم لإعادة فتح مشاريعهم الضخمة. وليس ببعيد عن متجر عثمان، تعمل ورشات تابعة للمجلس المحلي التابعة للمعارضة، على ترحيل أنقاض المباني المدمرة. وانتهت هذه الورشات من ترحيل النسبة الأكبر من الأنقاض في المدينة.

ويتولى المجلس المحلي لمدينة الباب، الإشراف على المرافق الخدمية في المدينة وتقديم الخدمات للسكان، بالتعاون مع الحكومة التركية وبعض المنظمات الدولية.

وتنتشر بشكل ملحوظ دوريات تابعة لجهاز الأمن العام والشرطة الوطنية في شوارع ومداخل مدينة الباب. ويبدي الأهالي ارتياحاً من وجود الشرطة، التي باشرت مهامها خلال الأسابيع الماضية، فهم يرون فيها أملاً بإنهاء فوضى السلاح، وضبط الأمن في المدينة. وتدعم الحكومة التركية جهاز الشرطة، وهي تشرف على تدريبه في معسكرات تقام على الأراضي التركية. كما تدعم الكثير من المشاريع في مدينة الباب، فهي قد قامت بتأهيل غالبية المدارس وإصلاحها، وكما تعمل على إنشاء مشفى بالقرب من المدينة.

لكن سكان الباب يعانون من مشكلة عدم توفر المياه، ذلك أن سيطرة قوات النظام على محطة الخفسة في ريف حلب الشرقي، حرمت المدينة من المياه، التي يجري استجرارها عبر القنوات من نهر الفرات.

لذلك تنشط حركة صهاريج المياه، التي تنقل المياه من الآبار المنتشرة في المدينة وأطرافها إلى السكان، غير أن الطلب الشديد عليها، وارتفاع درجات الحرارة، رفع سعر الصهريج إلى ثلاثة آلاف ليرة سورية. (الدولار يساوي 500 ليرة).

وتضاف هذه المصاريف التي تحتاجها العائلة المتوسطة كل أسبوع تقريباً، إلى اشتراك يدفعه الأهالي لأصحاب المولدات الكهربائية، حيث تدفع كل عائلة أسبوعياً نحو أربعة آلاف ليرة سورية، للحصول على خط كهرباء يعمل نحو 8 ساعات يومياً.

واللافت أن الباب يسكنها آلاف من مهجري مدينة حمص الذين قدموا من حي الوعر، بعد تهجيرهم، ويقدر عدد سكان مدينة الباب حالياً بنحو 100 ألف شخص.

ولم يعد من السهل العثور على منزل فارغ للإيجار في المدينة حيث يتراوح الإيجار الشهري بين 50 إلى 75 دولارا في حين أن الكلفة في مدينتي أعزاز وجرابلس تصل إلى 300 دولار. وتنافس الباب لأن تكون المركز البشري والعاصمة الاقتصادية لمنطقة «درع الفرات» بسبب موقعها المتوسط في المنطقة والامتداد العمراني الواسع لها، ووقوعها على الطريق بين معبر الراعي على الحدود مع تركيا، والذي من المنتظر فتحه للحركة التجارية.

نشر هذا المقال في الشرق الاوسط  

[This article was originally published on Aawsat.]

مواضيع ذات صلة

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات...

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

مواضيع أخرى

الخارجية السورية في طرابلس الشام

الخارجية السورية في طرابلس الشام

في لحظةٍ وثّقت عجز الزعامات الطرابلسية عن إدارة واقع مدينتها وتمثيل وجعها، دخل موكب وزير الخارجية السوري في الحكومة الانتقالية، أسعد الشيباني، أو (أبو عائشة) كما ناداه بعض الطرابلسيين، فبدا حضوره كضوءٍ كاشفٍ سلّط على تلك الزعامات ما حاولت طويلًا إخفاءه. وكانت زيارة...

من ضيق العيش إلى مطلب العدالة: احتجاجات سوريا واختبار العقد الاجتماعي الجديد

من ضيق العيش إلى مطلب العدالة: احتجاجات سوريا واختبار العقد الاجتماعي الجديد

في القامشلي، لم تُثنِ الأزمة القلبية المفاجئة رجلاً عن معاودة الاحتجاج؛ فبعد ساعات من نقله إلى المستشفى إثر وعكة داهمته وهو يتحدث عن ضيق العيش، عاد في اليوم التالي ليتابع الوقفة من مقعد سيارته. يختصر هذا المشهد مزاجاً سورياً جديداً في عام 2026: شعبٌ أنهكه الفقر، ويرفض...

سوريا ولبنان: عقدة الأخ الأكبر

سوريا ولبنان: عقدة الأخ الأكبر

لا يمكن فهم واقع العلاقات السورية–اللبنانية، ولا ما راكمته من توتر وهيمنة وعداء متبادل، بالانطلاق من دخول قوات نظام الأسد إلى لبنان وحده. فهذا الدخول، على خطورته وما رتّبه من انتهاكات للسيادة اللبنانية، لم يكن بداية الإشكالية بقدر ما كان إحدى نتائجها الأكثر عنفًا....

تدريباتنا