تدريباتنا

من أجل ماذا خرج الشعب السوري؟

بواسطة | أكتوبر 7, 2017

“بابتسامة الواثق من كلامه 100%، المعارض التاريخي، عضو المجلس، نائب رئيس، الناطق باسم، في مقابلة تلفزيونية مع  إحدى محدثات نعمة المعارضة، الهاويات، عضوة منصة، الغرّة، يرد بصيغة السؤال، غير أنه، وهذا ما تقوله لنا ابتسامته، لم يكن يبغي جواباً بل تسديد ضربة قاضية تنهي المباراة: “وهل تظنين يا سيدتي، أن الشعب السوري قد خرج من أجل دولة علمانية؟” وبالفعل، حارت عارضة آخر صيحات أزياء المعارضة، جواباً، فترددت، وتلعثمت، وتأتأت.. بينما أعلن المعارض العتيق انتصاره الساحق، على المعارضة العلمانية، وعلى جميع المعارضات الطفيلية، وعلى النظام السوري، وعلى العالم، بتحويل ابتسامته المائلة إلى ابتسامة العريضة غطّت القسم الأعظم من الشاشة.

لم يخطر على بال المعارضة الاستعراضية، لم تسعفها تجربتها الغضة في الظهور الإعلامي، أن ترد وتقول: “ولكن بالتأكيد لم يخرج الشعب السوري من أجل دولة دينية!”

فإن كان طرح السؤال: “من أجل ماذا خرج الشعب السوري؟”، من حق الجميع، فأنا، أحسب أحد السوريين، الذين يرون أن من حقهم تقديم إجابة، ولو بسيطة عليه. ليس لأني منذ سنة 2000، وبعد توقيعي على بيان 99 مثقفاً سورياً، تركت أفضل ما أستطيع فعله، الشعر الذي كنت أردد أنني لم أخلق إلاّ لأكون شاعراً. وانقلبت للكتابة المباشرة عما كنت أقف على حدوده، حريصاً على عدم تخطيه، في شعري ورسمي، نصوص من الصعب تصنيفها، تحت السياسة وفوق سياسية عن الشأن السوري العام، في العديد من الصحف والمواقع العربية، وذلك دون نجاح لافت، لدرجة أن أحد رؤساء التحرير، قال لي إنه عندما يحاول قراءتها، توجعه مصارينه. بل أيضاً، لأنني شهدت بهاتين العينين الفانيتين، المئات والألوف من أبناء مدينتي يمضون في الشوارع وهم يعلنون مطالبهم، بالصيحات والصرخات، أو باللافتات الصغيرة والكبيرة. شاهدتهم عن قرب حتى إنني كنت أرى الضوء الذي كان يشع من عيونهم، شاهدتهم وضرب كتفي بأكتافهم مراراً، وسمعت، كما سمع الجميع، ورأيت، كما رأى الجميع، ماذا كانت مطاليبهم، ومن أجل ماذا خرجوا من بيوتهم، ونزلوا إلى الشوارع، واحتلوا الساحات، مخاطرين بأمانهم وحياتهم. حتى إني التقطت صوراً يستطيع الناظر إليها أن يرى ماذا كانت هذه المطالب، التي أجزم، أنه لليوم لم تستطع المعارضات، بكل تشكيلاتها، وبكل مفوهيها، الذين أشبعونا تصاريح وبيانات خلال كل هذه السنين السبع، لا تحديدها بشكل أمثل ولا تجاوزها بشكل أفضل. والصورة المرفقة، تعطينا فكرة واضحة كفاية، عما أحاول تبيانه. وهكذا، بدءاً من يمين القارئ:

1- (لا للتدخل الخارجي) وكأنه كان واضحاً لهم أنه لن يتدخل أحد سوى من أجل مصالحه الخاصة.

2- (نعم لحرية الرأي والتعبير)

3- اللافتة الأعلى: (الإفراج الفوري عن جميع المعتقلين….)

4- (لا لتسلط أجهزة الأمن) وكأنهم يعترفون بضرورة تلك الأجهزة واحتجاجهم ينصبّ على تسلطها.

5- (لا خوف بعد اليوم). لطالما اعتبرت هذا أسّ الزلزال السوري.

6- (We want Freedom) وكأنهم يظنون أنفسهم، يتظاهرون في شوارع سان فرانسيسكو!؟.

7- (لا لتسليح الشبيحة) ما أعتبره رفضاً لكل تسليح، فلا يرفض تسليح سواه إلاّ الأعزل والمسالم.

8- (المساواة في فرص التوظيف) وبذلك يبينون أنه لم يكن هدافهم تخريب مؤسسات الدولة.

10- (قانون الطوارئ وقانون الإرهاب، وجهان لعملة واحدة) نعم هناك بين هؤلاء الشباب من يتابع ويفكر.

11- (كل ما نحتاجه يا سيادة الرئيس..الحرية. الأمور كلها تحل بالحرية)

9- (لا للطائفية..نعم للحرية). أرجأت هذه اللافتة للختام، لأنها تظهر الرفض الصريح للطائفية، الناتج، عن معرفة واعية أو غير واعية، بأنها أكبر عائق في نجاح الحراك وتحقيق أهدافه، وذلك في تحطيمها للجامع الوطني الذي يحتاجه وينشده، وبهذا أرى أن الشبهة الطائفية التي رغب البعض بإلصاقها بالسوريين، وخاصة في مراحل الحراك الباكرة؛ أتت تحديداً من رفضه لها.

وهكذا لا يوجد، ولا يمكن تصور وجود، في الحيز المكاني-الزماني (اللاذقية- 28 آذار 2011) الذي التقطت فيه هذه الصورة، أيّ شعار أو رمز أو لافتة دينية من أي نوع. فما بالك براية سوداء خُطّ عليها (لا اله إلا الله محمد رسول الله). وإن نظرت ملياً إلى وجوه وثياب هؤلاء الناس، فلن تجد أي أثر لتعصب مذهبي أو حتى لتدين ظاهر، فكيف، يا سيدي المعارض، تراهم يطالبون بدولة وهابية أو إخوانية أو داعشية.

السوريون، يا سيدي المعارض، أناس خرجوا مطالبين بحياة أفضل للجميع، ووطن أفضل للجميع. وللأسف، الكثيرون منّا نسوا هذا، أو..تناسوه.”

 تم نشر هذا المقال في «هنا صوتك»

مواضيع ذات صلة

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات...

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

مواضيع أخرى

“مذكرات” لقمان ديركي: سيرة جيل على حافة المنفى

“مذكرات” لقمان ديركي: سيرة جيل على حافة المنفى

ينتمي لقمان ديركي إلى جيلٍ سوريّ تشكّلت ملامحه الإبداعية في ثمانينيات القرن الماضي، حيث برز كصوت شِعري ذي نبرة خاصة تمزج بين الحميمي واليومي، وبين التأمل الحادّ والالتقاط السريع للمفارقات. وُلد في مدينة الدرباسية شمال شرقي سوريا عام 1966، وحمل منذ بداياته حساسية...

خالد خليفة واللاذقية: رواية أخيرة ومدينة لا تنسى

خالد خليفة واللاذقية: رواية أخيرة ومدينة لا تنسى

في الثلاثين من شهر أيلول/سبتمبر أقيمت احتفالية جائزة (خالد خلد خليفة للرواية) في دورتها الثانية في كنيسة اللاتين في مدينة اللاذقية  هذا اليوم الذي يصادف الذكرى الثالثة لرحيل  الروائي والسينارست السوري خالد خليفة الذي توفي عام ٢٠٢٣ حيث ذهبت الجائزة...

نحن أم محمد حبش من يدخل قفص الاتهام أولاً؟

نحن أم محمد حبش من يدخل قفص الاتهام أولاً؟

مازالت القصة القديمة ذاتها، قادرة اليوم على إحداث الضجيج نفسه. الفضائح الجنسية السلاح الذي لا تبطل موضته ولا يخف أثره. رؤساء، وزراء، نواب، كتاب، ومثقفون، وشعراء، ورجال دين، من كل أنحاء الأرض، تُسرب أو تفبرك لهم فضيحة جنسية ليصيروا مباشرة في قفص...

تدريباتنا