أجرى فريق #صالون_سوريا، دورة تدريبية عن الانواع الاعلامية والصحافة الحساسة...
تدريباتنا
ورشة تدريب صالون سوريا
يعلن فريق #صالون_سوريا، التحضير لدورة تدريبية عن الانواع الاعلامية والصحافة...
يسعى الكاتب السوري علي نضال تفاحة إلى إعادة صياغة العلاقة بين الأدب والواقع عبر أدوات فنية تتجاوز النماذج الكلاسيكية، مستنداً إلى تفكيك البنى السردية الجاهزة والانفتاح على أشكال كتابية تمزج التأمل الفلسفي بالتجريب اللغوي، في سياق تفاعلٍ واعٍ مع التحولات العميقة التي شهدتها المنطقة العربية.
تعكس نصوصه حساسية عالية تجاه الأسئلة الوجودية والتغيّرات الاجتماعية والتوترات الثقافية، إضافةً إلى مساءلة المسكوت عنه والاقتراب من مناطق شائكة في التجربة الإنسانية، عبر لغة مكثفة تعمل على الصورة، بما يمنح كتابته طابعاً خاصاً في المشهد الروائي المعاصر.
يتحوّل السرد في روايته “هلوسات شرق أوسطية”، الصادرة عن دار مرفأ في بيروت (2025)، إلى أداة كشف داخلي تتجاوز حدود الحكاية التقليدية، إذ تقوم الرواية على بنية مركبة تتداخل فيها مستويات الزمن وتتجاور فيها الذوات الساردة، ما يخلق فضاءً نصياً كثيفاً يتطلب قراءة متأنية لتتبّع تحولات المعنى ضمن هذا النسيج المتوتر.
تتحرّك أحداث الرواية ضمن سياق شرق أوسطي مأزوم، حيث تتقاطع التحولات السياسية مع التجارب الفردية، ويتحوّل الواقع إلى سلسلة من الانكسارات المتلاحقة. تبرز في هذا الإطار، شخصية “جود المنتظر” بوصفها محوراً أساسياً، تبدأ تجربته داخل السجن حيث يبطؤ الزمن وينكفئ الوعي على الذات، ثم ينتقل إلى فضاء آخر بعد الإفراج عنه، فيجد نفسه، أمام مشهد سياسي متحوّل يفتح احتمالات جديدة.
تتقاطع مسارات شخصيات أخرى مثل “جمان المصلوب” و”لمياء البتول”، فتتوزع الحكاية بين هذه الأصوات، ما يشكل صورة متعددة الأبعاد. تمثل جمان خطاباً عاطفياً مكثفاً قائم على التماهي والتخييل، بينما تقدم لمياء مساراً مختلفاً يرتكز على التجربة الجسدية والتحولات النفسية الناتجة عنها، ما يمنح الرواية طابعاً فسيفسائياً، حيث تتكامل الحكايات في تشكيل المعنى العام.
جماليات السرد وتعدد الأصوات
تعتمد الرواية تقنية تعدد الأصوات، إذ تتناوب الشخصيات على سرد تجاربها، ما يخلق تنوعاً في زوايا الرؤية، ويرتبط هذا التعدد ببنية نصية قائمة على التشظي، ضمن شبكة من الأصوات المتجاورة والمتداخلة. حيثُ يتم الانتقال بين هذه الأصوات بانسيابية، مع احتفاظ كل صوت بخصوصيته اللغوية والنفسية؛ يميل جود إلى لغة تأملية تتداخل فيها المرجعيات الدينية مع التجربة الشخصية، بينما تتسم لغة جمان بكثافة عاطفية تميل إلى التكرار والتوكيد، وتأتي لغة لمياء محمّلة بالتفاصيل الحسية مع حضور واضح للبعد الجسدي.
يعزز هذا التنوع اللغوي ثراء النص ويمنحه قدرة على تمثيل مستويات متعددة من التجربة الإنسانية. يكتفي السرد هنا بتشكيل الأحداث عبر إعادة ترتيبها داخل بنية لغوية متوترة.
يحتل المكان موقعاً مركزياً في الرواية، إذ يتوزع بين فضاءات متعددة لكل منها دلالته الخاصة؛ يمثل السجن نقطة البداية حيث الانغلاق والعزلة والتكرار الزمني، مؤثراً في الشخصية وطريقة إدراكها لما يأتي بعده.
بعد الخروج، تتسع الجغرافيا لتشمل المدينة التي تظهر بمظهر مزدوج، يجمع بين الحيوية الظاهرية والتوتر الداخلي؛ الشوارع والمؤسسات والبيوت.. جميعها تشكّل خلفية تتحرك ضمنها الشخصيات، مع احتفاظ كل فضاء بخصوصيته.
يحمل البيت، خاصة في تجربة لمياء، دلالة مرتبطة بالذاكرة، حيث تتداخل فيه لحظات الحميمية مع الإحساس بالفقد، مانحاً المكان بعداً نفسياً ويجعله جزءاً من البنية الداخلية للشخصية. بهذا، يصبح المكان عنصراً دلالياً يشارك في بناء المعنى عبر علاقته بالشخصيات والأحداث.
الشخصيات وخصوصيتها
تُبنى الشخصيات في الرواية وفق منطق داخلي دقيق، حيث تحمل كل شخصية مجموعة تناقضات تشكّل هويتها. يظهر جود كشخصية مركبة تجمع بين البعد الديني والتجربة السياسية والوعي النقدي. فيما تقدم جمان نموذجاً مختلفاً، حيث يرتكز بناؤها على البعد العاطفي، مع حضور قوي للتخييل، يتجاوز خطابها الواقعي، ويتجه نحو تشكيل صورة مثالية، تقوم على التماهي مع موضوع الحب. بينما تتركز تجربة لمياء حول البعد الجسدي والتحولات التي تطرأ عليها. مقدّمة قراءة مختلفة للعلاقات الإنسانية وتأثير البعد الحسي في تشكيل القرارات.
يظهر الجسد في الرواية بوصفه عنصراً أساسياً في تشكيل التجربة؛ في مسار لمياء، يتخذ الجسد موقعاً مركزياً، حيث يتحول إلى محور لفهم الذات، وإعادة ترتيب الأولويات.
يرتبط حضور الجسد بالسياق والتحولات التي تمر بها الشخصية، إذ يتحول إلى وسيلة للتعامل مع الفقد وغياب الاستقرار، ما يطرح أسئلة عن العلاقة بين الجسد والهوية، وبين الرغبة والقرار.
تقول لمياء في أحد المقاطع: “أنا لمياء صاحبة الستة والعشرين ربيعًا، والتي كان جسدها قبل ذلك مجرد قوام جميل المظهر، وعلاقتها به سطحية جداً. عشتُ فيه، ومعه، ولم أعرفه جيداً. والآن أندم على تلك اللحظات، وأفرح أنني اكتشفته قبل أن أخسره”.
يفتح الاعتراف في المقطع السابق أفقاً واسعاً لقراءة الجسد بوصفه معرفة مؤجّلة، وتجربة تكتمل عبر الفقد، حيث يتحول الجسد إلى وسيلة لفهم الذات ومعبر لإدراك هشاشة العلاقات الإنسانية.
تمضي الرواية في تفكيك الخطاب الأخلاقي، واضعة القارئ أمام أسئلة حادة تتصل بالرغبة والوفاء والخيانة والاحتياج، عبر لغة صريحة متوترة تنطوي على قدر عالٍ من الجرأة.
اللغة وتوتر التعبير
تتميز لغة الرواية بكثافة واسعة، حيث تتداخل المستويات التعبيرية ويكتسب السردية بعداً تصويرياً، مع ميل إلى التكثيف واستخدام التكرار لتعزيز الإيقاع. يعكس هذا التوتر طبيعة الموضوع ويتيح التعبير عن واقع متشظٍّ بلغة قادرة على احتواء هذا التشظي.
تتحرك الرواية بين الواقع والتخييل، إذ تتداخل الأحداث الواقعية مع عناصر أقرب إلى الهذيان، ما يقدم رؤية مختلفة للواقع تقوم على إعادة تشكيله من داخل الوعي.
تتحول الهلوسة إلى أداة سردية تمنح النص بعداً تأويلياً متعدد المستويات، فيما تلعب الذاكرة دوراً مركزياً في إعادة تشكيل الحاضر وفهم الذات، محدثة حركة زمنية غير خطية تتجاور فيها الأزمنة داخل النص.
تعتمد “هلوسات شرق أوسطية” على تفكيك البنية التقليدية واستبدالها ببنية مفتوحة تقوم على التعدد، مانحة نص غنى دلالياً وقدرة على تمثيل واقع شرق أوسطي معقد، مع إنتاج المعنى من داخل حالة الاضطراب المستمرة.
مواضيع ذات صلة
مواضيع أخرى
تدريباتنا
ورشة تدريب صالون سوريا
أجرى فريق #صالون_سوريا، دورة تدريبية عن الانواع الاعلامية والصحافة الحساسة...
ورشة تدريب صالون سوريا
يعلن فريق #صالون_سوريا، التحضير لدورة تدريبية عن الانواع الاعلامية والصحافة...






