by عامر فياض | Jul 17, 2018 | Cost of War - EN, Uncategorized
لمونديال كأس العالم ذاكرة خصبة عند أغلب الشعوب، تكتظ بذكريات أحداثٍ فريدةٍ وحكاياتٍ شاسعةٍ وتفاصيل قصصٍ ملوَّنة ومفرحة واكبت مشاهدة تلك الشعوب للمونديالات التي عايشتها. قد تتشابه ذاكرة السوريين مع سواها ولكنها تختلف بعض الشيء، فكثيرٌ ما تقتحمها ذكريات أخرى تعيدهم إلى وقائع وأحداث مؤلمة ومريرة عاشوها في مراحل مختلفة من حياتهم، إذ قلما تخلو ذكريات مونديالٍ من استحضار بعض المنغصات والمصاعب والمتاعب التي واكبت أحداث الاحتفال به.
2002 مونديال الفقر والتسكع
كنا طلبة جامعيين، وكمعظم الشباب في سورية يحاصرنا شبح البطالة وانعدام فرص العمل، نحصل على قوت يومنا بشق الأنفس وبالكاد نتدبر أجور المواصلات، أن تملك عملاً في ذلك الوقت هو أمرٌ نادرٌ يجعلك من المحظوظين. كنت حينها أسكن غرفةً متواضعةً تحولت إلى فندقٍ للأصدقاء الغارقين في مستنقع العوز والحاجة، الضياع والخوف من الغد المجهول، في رحلة بحثهم عن فرَجٍ ومأوىً ما.
أطلَّ مونديال كأس العالم في ظروفٍ ماديةٍ ومعنويةٍ يرثى لها، طالت جميع الأصدقاء، إنه العرس العالمي الذي نعشقه وننتظره، ولكن كيف سنشارك فيه، أينَ سنحضره وكيف؟ لم تعد حقوق البث آنذاك متاحة للجميع كحال ما سبق مونديال 2002، فقد احتكرتها المحطات الرياضية المأجورة، ما الحل إذاً؟ إما أن نرتاد المقاهي التي اشترت خدمة قناة الجزيرة الرياضية أو أن نشترك بخدمة تلك القناة وهما خياران بعيدا المنال، يحتاج كلٌّ منهما إلى مبالغ كبيرة لا يمكننا جمعها مهما تعاونّا.
تنبعث أصوات المباريات من المقاهي والمنتزهات والشوارع، تستنفر آذاننا، تمتلئ أعيننا بالشغف لرؤية شاشات العرض، تتقافز أرواحنا نحو الأصوات، ولكن فقر الحال كان يلجم رغباتنا، فأمثالنا يحتاجون معجزةً ماليةً للاحتفال برياضةٍ عُرفت تاريخياً بأنها “رياضة الفقراء”، إذ أن حضور مباراةٍ في أرخصِ مقهى يكلِّف آنذاك ما بين مائة وخمسين ومئتين ليرة( ٣ أو ٤ دولارات) وهو مبلغ كان يؤمن لنا طعام يومين أو ثلاثة. احتال بعض الأصدقاء على الأمر وعملوا كندلاءَ وعمال مطبخٍ في بعض المقاهي لتتسنى لهم فرصة متابعة المونديال.
أسمينا ذلك المونديال “مونديال التسكع”، قاومنا الواقع وتحدينا الفقر والظروف القاهرة لنقتنص أي فرصةٍ لمتابعة أحداث المباريات، فنجحنا في مشاهدة معظمها وقوفاً على الأقدام، بالنّظر خلسةً من الشوارع الى شاشات المقاهي، أو باستراق النظر من بعيدٍ إلى شاشات العرض الكبيرة في بعض المنتزهات.
لقد كان مونديالاً درامياً مؤثراً مع مشاهد تجمهُر مئات الفقراء خلف أسوار المقاهي والمنتزهات ليحظوا بشيءٍ من المتعة الممزوجة بطعم الألم. إنه شعبٌ يستحق الحياة لكنه لا يعيشها إلا بدفع أثمانٍ باهظة وبتقديم تضحياتٍ كبيرة. أذكر أن بعض الأصدقاء تابعوا معظم المباريات من خلف سور حديقة معرض دمشق الدولي القديم، وكان لي نصيبٌ من تلك المشاهدات التي ستحفر في الذاكرة مع رائحة التبغ الرخيص وطعم الشاي البارد.
ولعل النور الحقيقي الوحيد في ذلك المونديال قد انبلج في مباريات الدوري النهائي، بعد أن تمكنتُ وصديقي من استدانة بعض نقودٍ أدخلتنا إلى المقهى كفاتحين مختالين بالانتصار. كان عرساً حقيقياً، أن تحتفل بعد تعبٍ ومشقة، وأنت مسترخٍ على كرسيك، تشرب قهوتك بنشوة، وتسترق لحظات من فرحٍ عالمي، في بلادٍ الفرح فيها مدفوع الثمن والثمن في الغالب معدوم.
2010 مونديال الاحتفال الأخير
لم يتغير وضعنا الاقتصادي كثيراً عن السنوات الماضية، وظروف العمل والسكن والاستقرار على حالها. لكن القدر ابتسم لنا في ذلك المونديال، نعم، إنها نعمة الأصدقاء، زاد حياتنا وبلسم جراحنا. وهبتنا السماء هديةً ثمينة، فصديقنا الذي استثمر مقهىً، بعد جمع المال من أقاربه وأخوته المغتربين، قدم لنا دعوةً مفتوحةً وشبه مجانية لمتابعة المونديال، فبرأيه الرّبح هو لمّة الأصدقاء على الفرح والمودة، وهكذا جعل من مقهاه بيتاً حميمياً دافئاً وحضناً للمحبة وملتقى للتواصل والبهجة.
كنا ثلّةً من عشرين شخصاً، نرتاد المكان بشكلٍ شبه يومي، وسط أجواء من الألفة والمرح والفكاهة وبعض المناكفات. تتوزع الأعلام على الطاولات، تتزيَّن الوجوه بالرسوم، تلتف الرؤوس والمعاصم بأعلام الفرق المفضلة، تعلو الهتافات والضحكات الرنانة، وتدور الرهانات على الفرق التي ستفوز، هكذا تُعاش أجواء المونديال حقاً وهكذا يكون تفاعل الجمهور. إنه عرسٌ للفرح والجمال في مكانٍ يُشعرك بالاطمئنان والدفء، ويذكرك بالوجه الجميل لدمشق الحنونة العطوفة ويكشف الضوء الناصع للسوريين الذين يتقنون الحياة ويخلقون لها كرنفالات ساحرة.
لم تكن أحداث المونديال هي مصدر فرحنا الوحيد، الفرح الحقيقي كان يأتي من روح المكان العابق بالحياة ومن نبض الأصدقاء ومهرجان الحب الذي نصنعه معاً. لقد كنا عائلة واحدة، نتقاسم ما نملك من نقود وسجائر، نتنقل بين طاولاتنا ليتواصل الكل مع الكل. أطباق طعام شهية، حضرت من المنازل إلى المقهى ليتناولها الجميع، زجاجات خمرٍ فاخرة، كانت مخبئة لمناسباتٍ خاصةٍ، فحضرت إلى طاولاتنا لنشرب نخب تناغمنا الفريد.
تفاصيلٌ وذكرياتٌ لا يمكن حصرها من مونديالٍ بقي حتى اليوم المونديال الأجمل في حياتي، وربما كانت الحياة كريمة معنا في ذلك الحين، بل يبدو أنها أهدتنا حصصنا من الفرح سلفاً، لأنها كانت تعلم أن مونديال 2010 سيكون الأخير لنا معاً، لذا كان كرمها ذاك ومحبتها تلك نوعاً من الشفقة، إذ ستبخل علينا فيما بعد بكل شيء وستعاقبنا في قادم الأيام فتفرق شملنا وتلقي بكل منا إلى مصيرٍ تراجيدي مؤلمٍ، بين معتقل ومفقود، مهاجر ولاجئ، نازح ومحاصر. فقد أصبحت البلاد ملعباً تخاض فيه مباريات كثيرة في مونديالٍ سياسيٍ دموي، ويتحول الجمهور إلى كراتٍ تتقاذفها الأقدام المتصارعة كلٌ حسب مرمى مصالحه.
2014 مونديال الكهرباء
أصوات الحرب تدوي وخارطة المعارك تتسع لتلتهم مساحاتٍ جديدة من حياتنا، معظم أصدقاء المونديال السابق تفرقوا في أصقاع الأرض هرباً من الرعب والموت، أملأ فراغ غيابهم بحضور قِلّةٍ من الأصدقاء الجدد، نقاوم معاً قبح الحرب وسطوتها. حسناً، سأتابع هذا المونديال بصحبة ثلاثة منهم، جمعنا عشق الكرة وحب الحياة.
قبل أيامٍ من انطلاقة المونديال، بدأ الشغف والحماس يدخلان قلوبَنا لينسيانا مرارة الواقع وجحيم الحرب والقذائف. قرّرنا أن ندير ظهورنا للقذائف ونحتفل بالحدث الرياضي العالمي رغم أنف الموت. وكأنَّ قانون الجذب الذي يتحدّثون عنه في علوم الطّاقة أضحى حقيقة، فها هو القدر يقدّم لنا مفاجأةً مدهشة (قناة”هوا” الأرضية التي تنقل المونديال مجاناً)، بإمكاننا الآن متابعته باسترخاءٍ في بيوتنا ضمن أجوائنا الاحتفالية، ولا حاجة لارتياد المقاهي وتحمل أعباء تكاليفها التي تضاعفت عن السنوات الماضية.
خرجنا من نفق الحرب قليلاً وحلَّقنا مع أفراح شعوب العالم لنتذكر أننا بشر على قيد الحياة، دخلنا أجواء المونديال بكل ما أوتينا من لهفةٍ وإشراق، ولكن مزاج الحرب المتقلب أزعجه ذلك، فما إن بدأت أحداث المباريات الأولى حتى قتل أفراحنا وأجهض حماسنا، وهذه المرة عبر سلاح الكهرباء، التي عادت إلى الانقطاع شبه المستمر بحجة التقنين، لتحضر ساعتين وتغيب أربعاً.
ولأن سقف أحلامنا منخفضٌ جداً، واسينا أنفسنا بأننا محظوظون لأن خطة التقنين تختلف من حيٍ لآخر؛ فبدأنا نتتبَّع ساعتي حضور الكهرباء من مكان إلى آخر، لنحضر الشوط الأول في حيٍ والشوط الثاني في حيٍ آخر، وأحياناً نضطر إلى نقل التلفاز معنا إلى بعض البيوت. لكن سياسة التقنين صارت تتغير على نحوٍ مفاجئٍ لتعرقل خطتنا وتُضيِّع وجهتنا، فنركض كالعدائين لنبدل أماكننا لاهثين خلف الفرح المسروق. وفي حالاتٍ كثيرة كنا لا نوفق في متابعة مبارياتٍ كاملة حين لا يلتقي موعد نقلها مع موعد الكهرباء فنتمكن من حضور شوطٍ واحدٍ، وأحياناً يخذلنا مزاج الكهرباء في الربع الأخير من المباراة فنهرع الى أقرب مقهى أو نتطفل على الشاشات التي يمكن استراق النظر اليها من الشارع لمتابعة اللحظات الأخيرة من مباراةٍ حاسمة.
لقد خضنا مباراة طويلة وشاقة مع الكهرباء التي أتقنت فن المراوغة وتعمدت قهرنا واستفزازنا واللعب بأعصابنا، فحتى خلال ساعتي حضورها، كانت غالباً وبشكلٍ متكرر تنقطع لدقائق ثم تعود، لتضيع علينا مشاهدة هجمةٍ كرويةٍ حاسمة أو هدفٍ جميل، فتعلو صيحات الشتائم والتذمر بدل صيحات الفرح والتفاعل، ليبقى السؤال المؤلم والمعذِّب يلح كل يوم، لماذا لم يرتب موعد الكهرباء مع موعد المباريات؟
ربما لفتح الباب أمام تجار الحرب الذين وجدوا خلال المونديال سوقاً مربحة لتسويق مولدات الكهرباء، التي كان شراؤها حكراً على الأثرياء وميسوري الحال، بينما وقف الفقراء خارج المعادلة، إذ لا يحق لهم أن يفرحوا ويحتفلوا، وربما نسي بعضهم المونديال أصلاً بعد أن غرقوا في زحمة حياتهم اليومية المضنية، فلا وقت لديهم لتشغيل التلفازات التي توقفت عن العمل في تلك المرحلة لأن ساعات الكهرباء الشحيحة لا يمكن إضاعتها في أمورٍ صارت من الترف والكماليات، ثمة أمور كهربائية أساسية أهم وألح من تشغيل التلفاز، كتشغيل الغسالة والمكنسة والمكواة والفرن وغيرهم. كما أن بعض أرباب الأسر قد نسوا شكل التلفاز وهم يركضون خلف تأمين لقمة العيش، وخاصة أصحاب الحرف والمهن التي تحتاج إلى وجود الكهرباء، إذ باتوا يرتبون أعمالهم وفقاً لأهوائها التي تتحكم في مواعيد نومهم وزياراتهم وأفراحهم.
لقد خاض السوريون في ذلك العام مونديالاً خاصاً كان خصمهم فيه هو الحرب وأبناؤها: الموت والخوف، الكهرباء ومأساة الواقع اليومي وما شابه. ولو أن العالم كان عادلاً وإنسانياً لمنحهم لقب الفوز على الواقع وقدم لهم كأس الحياة.
2018 مونديال الفقد والوحدة
الكهرباء متوفرة إلى حدٍ ما والمونديال منقول على بعض القنوات الأرضية. لكن بريقه قد خفت في عيون الكثيرين، الحماس بردَ والفرح تعب في قلوب أغلب متابعيه، لقد أرهقتنا سنوات الحرب، وقتلت أشياء جميلة في أرواحنا، فلا يكاد بيت في سورية يخلو من جرح أوغصة أو مأساة. تابع معظم السوريين المونديال في بيوتهم، شلَّت الحرب والظروف الاقتصادية المتردية شغفهم ورغبتهم بالتنزه والاحتفال وانطفأ وهج الاحتفال الكروي في المقاهي والمنتزهات التي كانت فيما مضى وجها للتفاعل ومهرجاناً للفرح.
بالنّسبة للشباب المدمنين على متابعة الفعاليات الكروية في المقاهي، فقد انكفأ معظمهم عن إدمانهم هذا وصاروا يرونه بعين الخوف والريبة، فالمقاهي المكتظة، عادةً، بالشبان، تحوّلت في المرحلة الأخيرة إلى مصيدةٍ للإيقاع بالمطلوبين للخدمة العسكرية الإلزامية والاحتياطية، وتسليمهم كصيدٍ سهلٍ للدوريات الأمنية ليتم سحبهم الى المعارك من أماكن جلوسهم أو أثناء خروجهم من الأبواب. فضّل أغلب أولئك الشّباب ملازمةَ بيوتهم مرغمين ليشاهدوا المباريات دون شغفٍ أو حماس.
تابعتُ أغلب مباريات هذا المونديال وحيداً في منزلي. لم أزر أي مقهى، فجميع المقاهي ستغدو كئيبة وموحشة بدون أصدقاء المونديالات السابقة الذين لم يبق أحد منهم في دمشق. ومن تبقى من أصدقاء في الداخل يجمعني بهم عشق الكرة كانوا مبعثرين في البلاد، سجناء مدنهم وقراهم أو حتى حاراتهم وبيوتهم، تقطعت سبل اللقاء بيننا لأسبابٍ شتى من بينها الانشغال في هموم الحياة اليومية والخوف من القادم وصعوبة التنقل بسبب رهاب عبور الحواجز وأيضاً بسبب انعدام آفاق الفرح وتعطل طاقات الحياة.
لقد كانت متعة مشاهدة هذا المونديال منقوصة بل ومؤلمة، تكشف حجم الفراغ الذي خلَّفه الأصدقاء. كل مشاهدة تفتح لي جرحاً وتستنهض ذكرى أصدقاء غائبين. أصوات المعلقين، أداء اللاعبين، كل تفصيل يُذكرني بهم، وبطقوسٍ ومواقف كانت تجمعنا في سابق الأيام. فِرَقٌ تذكرني بمن غادروا البلاد مرغمين وبآخرين مفقودين أو معتقلين منذ سنوات، مبارياتٌ تذكرني بأصدقاء اقتيدوا من الحواجز إلى الخدمة العسكرية ليخوضوا مونديال المعارك على الجبهات وبآخرين ماتوا جراء القذائف وبطش الحرب. أسمع أصواتهم بقربي وهتافاتهم وضحكاتهم. أشاهد التلفاز وأتصفح الفيسبوك في ذات الوقت لأتمكن من التفاعل مع الأحياء منهم، اللعنة على القدر والمسافة، لقد أصبح التفاعل الكترونياً والفرح مصطنعاً ومعلَّباً، وتحولت مهرجاناتنا واحتفالاتنا الواقعية النابضة بالروح والحياة إلى مجرد كلماتٍ وتعابير متكلفة ومقتضبة، ننثرها عبر منصات التواصل الاجتماعي، تحمل عبارات الشوق والتمني وأدعية اللقاء والابتهال لمونديال 2022 علّه يكون مونديال اللقاء والاحتفال بالفرج.
by Samer Ismail | Jul 16, 2018 | Cost of War - EN, Uncategorized
لقطة عامة على مقاهي دمشق، تخبرنا ماذا فعلت الحرب بأبرز مظاهر الحياة الاجتماعية والثقافية في العاصمة السورية، فما إن انقضت السنة السابعة من الحرب؛ حتى تدفقت أموال أمرائها لتمارس سياسة القضم والهضم لقطاعات واسعة من مرافق المدينة، والتي يبدو أنها ذاهبة في تغييرات أساسية على طابعها العمراني العام.
ليست المقاهي هي المظهر الوحيد في قياس نبض المدينة التي تصعد اليوم الدرجة الثامنة من سلّم الحرب، بل هي المرافق العامة التي تنقرض شيئاً فشيئاً لتتحول بين ليلةٍ وضحاها إلى مطاعم يرتادها أثرياء الحرب وصبيتها. جولة قصيرة بين الأحياء الرئيسية لدمشق، سوف تُظهر حجم السطو على أرصفة بكاملها لحساب مطاعم الخمس نجوم التي باتت تعبيراً عن تبييض الأموال وهدرها على ملذات أبناء وبنات النفوذ وسواهم ممن موّلتهم الحرب بنفسها، معممةً ثقافة المطعم، ثقافة الآكل والمأكول كصياغة مباشرة لشكل الحياة العامة.
شيئاً فشيئاً تكتظ طاولات وكراسي وسيارات فارهة إلى جانبها على أرصفة حي (أبي رمانة) و(أتوستراد المزة) و(المالكي) حيث تنتشر هنا أكثر مقاهي ومطاعم لا نحتاج القول إلى أنها حكر على أصحاب الثروات الذين تصل فاتورة أقل حساب فيها إلى ما يقارب (50 ألف ليرة سورية- ما يعادل 100 دولار أمريكي).
لقد كشرت الحرب عن مطاعمها ومقاهيها مبدلةً من شكل المقهى القديم، ومطعم العائلة المنحدرة من الطبقة الوسطى، لتمسي هذه الأماكن ذات الواجهات البلورية الفاخرة عنواناً لفروق طبقية حادة داخل المجتمع السوري الذي يتراوح متوسط دخل الفرد فيه بين (70 إلى 85 دولاراً أمريكياً) راتب موظف من الفئة الأولى والذي لا يكفي لتناول وجبة غذاء لمرة واحدة في مقاهي ومطاعم الحرب.
معادلة زادت الأغنياء غنى والفقراء فقراً، ليتم نفي العديد من أصحاب الدخل المحدود إلى مقاهي ومطاعم الفقراء التي ما يزال البعض منها يقاوم للبقاء على خارطة الخدمات التي يقدمها لزواره، فمن مقهى الروضة في شارع العابد نحو مقهى الكمال الصيفي والهافانا، وصولاً إلى مقهى الحجاز في شارع النصر، يجلس ما تبقى من جمهور المثقفين الذين بالكاد يدفعون ثمن فنجان قهوة وعبوة ماء صغيرة لقاء ارتيادهم لهذه الأماكن التي على الأقل ما زال بعضها يحتفظ بشكل المقهى القديم، بعيداً عن شاشات البلازما الضخمة المنصوبة في جهات المقهى الأربع، إما لنقل مباريات الدوري الأوروبي أو كأس العالم، أو لمشاهدة مسلسلات البيئة الشامية ذات الطرح الرجعي والمتخلف، حيث تعلو أصوات سحب الخناجر هنا أو يرتفع صوت المعلق الرياضي التونسي عصام الشوالي هناك، ليعلن هزيمة الأرجنتين والبرازيل واللطم على حظوظ الفرق العربية في كأس العالم بروسيا 2018.
لا رأفة بزوار المقهى الذين وجدوا أنفسهم خارج أجواء المقهى الجديد، والذي طرد من جنته جميع من لا ينتمون إلى التشكيلة الكروية الجديدة، فالمقهى في دمشق لم يعد مكاناً للقاء أو تبادل الأحاديث، أو لعب الشطرنج، بل تحول إلى حلبة جديدة من حلبات التصفيق والزعيق الممزوج بأغانٍ هابطة مفتوحة شاشاتها المنصوبة في كل الأرجاء على قنوات الفيديو كليب العربي، ومسلسلات الهيبة والخيانة الزوجية.
في هذا الجحيم المطبق يبدو من الصعب العثور على مكان محايد، وبعيد عن لوثة الكرة ونجوم المسلسلات وراقصات الفيديو كليب، بعيد عن فسحة لفنجان قهوة هادئ وحديث نميمة بين أصدقاء الكتب والثقافة والمسرح، خلا عن وجود مساحات لا بأس بها في هذه المقاهي لعرض القنوات الدينية الراديكالية، أو بث نشرات الأخبار الدموية على مدار الساعة، لتصبح الموسيقى –إن وجدت- نوعاً من الضجيج العام، ولتصبح كراسي المقهى منصات للتعذيب وتصديع الرؤوس بكل ما هو سطحي وتافه ومبتذل.
الشكل المعمم اليوم للمقهى الحداثي هو وجود ( Wi- Fi) أو (WIRELESS) خدمة الشبكة التي يطلبها (الزبون) ما إن يدخل المقهى كي يشبك مع شبكة الإنترنت، وهكذا يقضى الأمر، وما عليكَ سوى الدخول إلى أي مقهى من هذا النوع في دمشق، وهي النوعية الطاغية في المدينة، حتى تتأكد من أن الجميع رؤوسهم منحنية فوق هواتفهم النقالة، ينشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، دون حتى أن ينظروا ولو لمرة بمن يقابلونه على طاولة المقهى التي يجلسون إليها.
النرجيلة والهواتف المحمولة قطعتها (كلمة المرور)- (PASSWORD) لتحيل زوار هذه المقاهي إلى ما يشبه تماثيل صامتة لا تتكلم مع بعضها البعض إلا شذراً. نوعية جديدة من مرتادي المقاهي حيث (التواصل الاجتماعي) هنا هو اللا تواصل، فلا أحاديث يمكن إثارتها ولا نقاشات ثقافية أو اجتماعية أو سواها.
الجميع هنا مشغول بقطاف شجر (اللايكات) و(الكومنتات)- الإعجابات والتعليقات في سديم الموقع الأزرق- (فايس بوك) ليتحول المقهى إلى مجرد نقطة لقاء عابرة بين أشخاص بالكاد ينظرون إلى وجوه بعضهم البعض. وحتى ولو نظروا فهم منومون مغناطيسياً تحت سطوة هواتفهم التي أحالتهم وفق الدراسات الجديدة في عالم الميديا إلى (قبيلة منحنيي الرؤوس) أكبر قبيلة في العالم اليوم تنحني رؤوسها على شاشات هواتفها المحمولة.
مفارقات بالجملة يمكن رصدها اليوم في مقاهي ومطاعم دمشق التي أمست المكان الأكثر تميزاً لالتقاط الصور، كي يقوم أصحابها بنشرها مباشرةً على الفيس بوك، حيث يستغرق وقت التقاط الصور ونشرها على موقع (زكربرغ) ثلاثة أرباع الوقت في مقهى من مقاهي حي (المالكي) المنتشرة بكثرة بالقرب من حديقة الجاحظ، أو ما يصطلح عليه بــ (دوار المطاعم). هكذا يمكن النظر إلى فريقين من مرتادي المطاعم والمقاهي في عاصمة البلاد: الفريق الأول ما يزال يعتصم بأماكن نادرة من طقوس التواصل الاجتماعي، وهم يتوزعون عادةً على مقاهي من مثل:(البرازيل)- تحول ثلثا المقهى إلى بنك بيمو السعودي الفرنسي- و(الروضة) و(الكمال) و(الهافانا) و(قهوة مزبوطة) و(الشرق الأوسط) و (قهوة المتحف الوطني) و(العجمي) بينما يتوزع الفريق الثاني على مقاهي (آب تاون) و(الجميني) و(الكوخ) و(البوليفار) إضافةً لمقاهي ومطاعم (أتوستراد المزة) على سبيل المثال لا الحصر.
انقراض القراءة
طبعاً لا نستطيع القول أن مقاهي الفريق الأول صافية من لوثة التصفح الإلكتروني لمواقع التواصل الاجتماعي، فهذه المقاهي أيضاً حاولت الجمع بين ميزات المقهى القديم بطاولات النرد وخلوات بعض المثقفين والفنانين، فيما اختفت الجرائد الورقية من أيدي زوار الفريقين، إلا ما ندر. يقول فاضل الكواكبي الناقد السينمائي معلقاً على ذلك: ” يكاد الناس يستغربون مظهري الخارجي وأنا أتأبط جرائد (تشرين) و(الثورة) و(الأيام) و(البناء) و(البعث) أو مجلات (الحياة السينمائية) و(الموسيقية) و(المسرحية)، مصطحباً إياها معي إلى طاولات المقاهي التي أرتادها، فلقد آثرتُ أن أبقى على عاداتي القديمة في قراءة الجريدة وقهوتي السادة على طاولة المقهى، عادات ورثتها عن مقاهي حلب الرائعة، والتي اليوم لا أجدها عند مرتادي المقاهي بدمشق، إلا ما ندر.”
كلام (الكواكبي) يحيل إلى انقراض عادات القراءة التقليدية، كما يشير إلى قطيعة شبه كاملة مع أشكال التلقي القديمة. ظاهرة عززها منع الحكومة السورية لدخول جرائد (السفير) -قبل أن تحتجب- و(الأخبار) و(الحياة) إلى البلاد. المنع الذي ترك الجرائد الرسمية الملاذ الأخير لقراء الصحافة الورقية؛ ساهم هو الآخر في عزوف العديد من هذا الجمهور عن اقتناء الجريدة، ليذكرنا ذلك بما كتبه يوماً المفكر السوري الراحل (بوعلي ياسين-1942- 2000) في كتابه (شمسات شباطية) عندما قال: “أجمل شيء في الجرائد السورية أن قراءتها لا تستغرق أكثر من خمس دقائق!”
عبارة صاحب (عين الزهور- سيرة ضاحكة) تكشف بعضاً من التغييرات الدراماتيكية على شكل المقهى في دمشق، والذي على بؤسه الحالي، وتغير زواره، إلا أنه يشي بالكثير من العلامات التي تجدر قراءتها وفق الواقع المتفاقم في طرد الزوار القدماء، أو القلة القليلة منهم الذين آثروا البقاء داخل البلاد، متمسكين بآخر كراسي الخيزران وطاولات الرخام في مقاهيهم المعتادة، فعلى مدى سنوات طويلة تمكن تجار حي الصالحية من إقفال العديد من حانات ومطاعم المثقفين والفنانين التي تحولت في معظمها إلى مستودعات أحذية ومطاعم شاورما وبنوك.
هكذا على التوالي اختفى مطعم (الريس) واختفت معه طاولة برهان بخاري كنديم مزمن على طاولات عامرة في حانات (فريدي) و (القنديل) و( العمال) عامرةً بأغنيات ومواويل كل من ناظم الغزالي وإياس خضر وحسين نعمة ورياض أحمد.
يسرد الشاعر خليل درويش قصته مع رفاق العمر في مقاهي وحانات دمشق التي اختفت اليوم: “هناك عند ساحة المحافظة وعلى طاولة في مطعم (الريس) كنا نجتمع طوال عشرين عاماً، أنا وبرهان بخاري، ولؤي عيادة، وطارق حريب، ومحمد جومر، وأبو عدنان داغستاني، ومحمد بخاري الموريتاني وعاشق الشام الأول، و طبعاً حبيب قلبي الراحل عادل حديدي. ظرفاء كانت لا تستوي الجلسة بدونهم. هؤلاء اللماحون أنقياء القلوب، ماتوا جميعهم مكتئبين أو حزانى من حربٍ منعتهم من مغادرة منازلهم نحو طاولاتهم في حانات باب توما و(بارات) باب شرقي.”
كنا قد أرسينا تقليداً لتلك الطاولة- يوضح: ” كان كلما مات واحدٌ من ركاب قارب الأحزان هذا، نأتي في اليوم التالي لنشعل شمعةً ونصبُّ كأساً له قبالة كرسيه الفارغ، ثم نشرب بصحته حتى الصباح! اليوم لم يتبقَ سواي على متن مركب الأحزان هذا.”
حيّ الكفار
إقصاء المثقفين والفنانين والظرفاء عن وسط العاصمة ليس أمراً طارئاً على الحياة الاجتماعية في دمشق، فالحكاية تأخذ مديات واسعة من التهميش القسري، وتحت ضغط من بعض الغلاة الذين يعتبرون (شرب الكحول حرام في الشرع) مما أدى إلى نزوح العديد منهم إلى أماكن مهجورة وفرتها الحرب مرةً، وطاردتهم فيها مرات.
على الأقل هذا ما دفع العديد من هؤلاء للجوء إلى بارات باب شرقي وباب توما، ساخرين من هذه الطائفية في تحديد مواقع سهراتهم: “ثمة من يريد أن يقول لنا إذا أردتم أن تشربوا وتسكروا عليكم بالذهاب إلى (حي الكفار)”- يقول فنان تشكيلي رفض ذكر اسمه ويضيف: “المدينة لا يمكن أن تكون مقتصرة فقط على أسياخ الشاورما ومرقة الفول، لا يمكن أن تعيش بلا مكتبات وحانات ومسارح وصالات سينما، لا أراها اليوم إلا تذبل وتضمحل تحت وقع ما تريده وزارة الأوقاف ودار الإفتاء، ليتدخل أحد ويوقف هذا الخواء المرعب.”
آخر حكواتي في دمشق
الكرسي العالي الذي يتوسط مقهى النوفرة الدمشقي بات شاغراً اليوم بعد موت (أبو شادي) آخر حكواتي في دمشق؛ فمنذ رحيله قبل أربع سنوات، أصبح أعرق مقاهي العاصمة السورية يستقبل زواره دون سماعهم سيَر عنترة وعبلة وأبي زيد الهلالي، إلا أن ذلك لم يمنع المخرج المسرحي سامر عمران في عرضه (نبوءة) من اختيار (مقهى الشام القديمة) المواجه مباشرةً لمقهى (النوفرة) ليكون مكاناً بديلاً لعرضه المسرحي، في تحدٍ فني لافت لرجال احتكروا مهمة السرد لقرون طويلة؛ متناولاً سنوات الحرب في بلاده عبر توريةٍ ذكية، كان أسند فيها (عمران) دور الحكواتي الغائب للممثلة ربا الحلبي؛ لتسرد الفنانة الشابة هذه المرة حكاية من نوعٍ آخر؛ مبتعدةً عن قرقرة ماء النراجيل، وجمر أدخنتها، وصيحات أنصار الزير ودياب الغانم. الحكواتية الشابة تلت نبوءاتها المتعددة دامجةً بين التمثيل والترتيل والغناء، مفتتحةً بمقطعٍ مؤثر من نص (ملحمة السراب) لسعد الله ونوس، ليكون هذا العرض بمثابة تغيير لوظائف وطبيعة المقهى الشعبي، ومحاولة لخلق فضاء ثقافي منه، كما حدث عام 2008 مع فعالية (مقهى الذاكرة) الذي أطلقته احتفالية دمشق عاصمة للثقافة العربية عام 2008.
كان ذلك قبل اندلاع الأحداث الدامية في سورية، حيث استضاف هذا النادي في (مقهى الروضة) العديد من الشخصيات والرواة الشعبيين، في تواصل اجتماعي دأب إلى تغيير شكل المقهى القديم، من مجرد ملتقى يومي لتزجية الوقت، إلى ما يشبه منتدى ثقافي وسياسي.
ظاهرة لم تستمر طويلاً، فما لبثت أن اختفت مع انقضاء عام الاحتفالية، ليعود المكان إلى صيحات شلل (الشدّة) وتطاير أوراق اللعب، لاسيما من شريحة ممثلي التلفزيون الذين ما يزال من بقي منهم يحافظ على بطولات (التريكس) و(الطرنيب) و(الشتائم) قريباً من سجادات الصلاة المفروشة بين طاولات المقهى الذي يجاور مبنى البرلمان السوري!
by الحسناء عدرا | Jun 29, 2018 | Cost of War - EN, Uncategorized
لكل منا حصته من إرث الحرب، أو بالأحرى فواتير باهظة دفعها ومايزال يدفعها السوريون نقداً على موائد الحرب الطاحنة، فأضحت حياتهم ترزح تحت هدير طاحونتها التي لا ينقطع دورانها.
شبان في ريعان العمر دفعوا حياتهم كفاتورة فورية لاتقبل التسديد على دفعات. وهناك من أودع أكثر من سبع سنوات من عمره كسلفة في خزينتها منتظراً حدوث أعجوبة؛ في حين يسدد الأطفال القسط الأكبر من هذه الفاتورة لاسيما أولئك الذين يعيشون على هامش شوارع الحياة.
أطفال تصادف تسجيلهم في دفتر نفوس بلادهم وقد فتكت بهم أنياب الحرب والقوانين المهملة، فتجار الحرب من جهة وأقصى أنواع الاستغلال الإنساني والاجتماعي من جهة ثانية. ولا يمكن أن ننسى تقصير الجهات المعنية، فيما تقف لوحدها المبادرات الفردية ذات الإمكانيات المادية واللوجستية المتواضعة في وجه هذه الظاهرة السلبية التي كرستها سنوات الحرب، كمشروع “سيار” الذي شق طريقه عام 2014 عبر فرق جوالة متطوعة تجول شوارع دمشق وبعض المحافظات السورية بحثاّ عن الأطفال المتسولين مستهدفاً أماكن تواجدهم في حدائق السبكي والمدفع في الشعلان وأخرى في المزة لإيوائهم لمدة ساعتين فقط أسبوعياً في أحد المراكز الثقافية.
الحرب كرست ظاهرة تسول الأطفال في المدن الأكثر أمناً
يتلقى مشروع “سيار” التبرعات العينية عبر نشر إعلانات على صفحته الفيسبوك عما يحتاجه الأطفال من قرطاسية وألوان وورق مقوى ولوازم أخرى. وتقول لمى النحاس إحدى مؤسسي المشروع : “يستهدف سيار ظاهرة تسول الأطفال بشقيه التقليدي والمقنّع إذ يركز على هذه الفئة المنبوذة والمعرضة للانتهاك الجسدي والتعنيف النفسي محاولاً لفت الأنظار إلى حقوقهم واحتياجاتهم المهدورة، خاصة أن أعدادهم تفاقمت خلال سنوات الحرب السورية إثر نزوح وتهجير مئات العائلات من دير الزور وحمص وحلب والسويداء ودرعا وإدلب وريف دمشق وتوجههم إلى المدن الأكثر أمناً نسبياً كمدينة دمشق أو الساحل السوري كاللاذقية وطرطوس، كما أن أعدادهم مرشحة للارتفاع.”
وتشير النحاس إلى أن محو الأمية يشكل الحصة الأكبر من المشروع، فيما يوزع الوقت المتبقي على الأنشطة الفنية وحلقات توعية حول ضرورة تقدير وحماية أجسادهم وصونها من أي انتهاك جسدي ونفسي والعمل على إعادة تشكيل نظرتهم حيال أجسادهم واحترامها على نحو إيجابي وذلك عبر الحكواتي والقصاص واستخدام دمى العرائس.
لا يقتصر تسول الأطفال فقط على بسط أيديهم واستجداء المال والتماس كرم المارة بل يتنكر على هيئة بائع ورود وعلكة ومسح السيارات الذي يندرج تحت التسول المقنع وفقاً للنحاس التي تضيف: “كثيراً ما يستتر خلف هذه الظاهرة التي تكرست خلال الحرب مخاوف وأخطار تعرض هؤلاء المتشردين إلى الخطف والإتجار بهم وبيع أعضائهم واستدراجهم إلى أفخاخ الإدمان والاستغلال الجنسي مقابل حفنة من النقود.”
الأطفال المتسولون ماكينة بشرية تضخ الأموال لذويهم
الأمية هي القاسم المشترك لهؤلاء الأطفال فالكثير منهم لم يرتد المدارس أبداً وتترواح أعمارهم بين سنة وثمانية أعوام أي أنهم من عمر الحرب السورية.
أما البعض الآخر فهم أكبر سناً ( 10ـ 12) عاماً لكنهم توقفوا عن الالتحاق بالمدرسة منذ اندلاع الحرب نتيجة ظروف التهجير والنزوح حيناً، أو لأن أهاليهم وجدوا في أطفالهم ماكينة بشرية تدر عليهم الأموال حسب النحاس التي تتابع قائلة: “تصل غلة الطفلة/الطفل الواحد إلى سبعة آلاف ليرة سورية يومياً كمعدل وسطي أي (٢١٠،٠٠٠) شهريا، أما إذا حالفه الحظ ونال كرم المارة فتصل إلى تسعة آلاف ليرة في اليوم الواحد أي مايعادل (٢٧٠،٠٠٠) في الشهر الواحد هذا إذا كان طفل واحد فقط من العائلة نفسها يعمل في التسول فكلما ازداد عدد الأخوة في العمل التسولي ارتفع دخل عائلته التي تدفعه وتجبره على العمل وتحصيل الأموال لتسديد أجار الفندق الشعبي في البحصة لذلك لا يمكن أن توقف العائلة مصدر رزقها خاصة في ظل انتشار البطالة وصعوبة إيجاد عمل.”
“التسول” مهنة عن أبٍ وجد كالقرباط والنَوَرْ
تلفت النحاس إلى نوع قديم العهد من التسول الذي يورث عن الأجداد والآباء ليتحول إلى كار وأولئك الفئة يطلق عليهم “القرباط” أو مايعرف بـ “النور” بينما يطلق عليهم “الغجر” كتسمية عالمية وأكثر ما يميزهم أنهم ورثوا التسول عن آبائهم وأجدادهم إثر ترحالهم الدائم فيمتهنون التسول كأي عمل آخر يدر عليهم بالأموال ولا ينظرون إليه على أنه تسول وشحذ للعواطف والأموال.
وتعزي النحاس سبب توريث الأطفال “كار” التسول من هذه الفئة العرقية (القرباط) القادمين من ريف حماه وحلب وريف دمشق كونهم غير مسجلين (كعادتهم في ذلك) في السجلات الرسمية للحكومة السورية فهم مكتومو القيد وكثيرٌ منهم يتخذ من هذه النقطة ذريعة لتعدد الزيجات والطلاقات الكثيرة خاصة وأنهم يتزوجون في عمر مبكر دون السن القانوني للزواج وبذلك يتجنبون المساءلة القانونية كونهم بالأساس غير موجودين أصلا في السجلات الحكومية.
وتلفت النحاس النظر إلى وجود حالات زواج وطلاق عديدة في أعمار مبكرة جداً لطفل (١٤ عاماً) تزوج للمرة الثانية بعد أن طلق الأولى، وحالة أخرى لفتاة (١٥ عاماً) مع رضيعتها.
استغلال جنسي
للطفل المتسول خصوصية تتطلب معاملة خاصة لاستيعابه وآلية للوصول إليه لمنحه الثقة ليتمكن من البوح والتعبير عن ذاته وما يتعرض له من إساءة سواء من الشارع أو المنزل.
تقول المشرفة على العلاج النفسي عبر الفن سامية النحاس أنها تمكنت عبر تحليل رسوم إحدى الطفلات المتسولات (٩ أعوام) من معرفة أنها تعرضت للتحرش الجنسي من قبل امرأة وذلك لتهيئتها نفسياً لاحقاً لتقبل سلوكيات مشابهة في حال طلب منها خدمة جنسية مقابل المال، مضيفة “طفلة أخرى (١٠ أعوام) يعاشرها والدها جنسياً بعد حفلة سكر فيما والدتها لا تحرك ساكناً.”
عرض أجسادهم الغضة على المارة مقابل المال أمرٌ شائع بين الأطفال المتسولين خاصة الفتيات، تعقب النحاس بقولها “أحد الشبان المتطوعين في سيار أخبرنا أن طفلة ذات تسع سنوات عرضت عليه خدماتها الجنسية المحدودة بعد أن كشفت عن صدرها أمامه مقابل ٢٠٠ ليرة سورية، كما أنها عرضت عليه شقيقتها الكبرى إن لم تنل إعجابه.
وتؤكد النحاس أن هؤلاء الأطفال تفتح لهم أبواب الدعارة بسهولة إن لم يتم إيواؤهم في مراكز إعادة تأهيل تقوم على رعايتهم الجسدية والنفسية.
طالبت النحاس وزارة الشؤون الاجتماعية والجهات المعنية بتوفير مراكز إعادة تأهيل للأطفال المشردين بنظام مدرسة داخلية يتلقون فيها الخدمات التعليمية والصحية والمهارات اليدوية ليوظفونها في المستقبل كحرفة تساعدهم في تأمين رزقهم بدل التسول.
وقالت إن “الخيمة التي تقدمها المراكز الثقافية لمدة ساعتين أسبوعياً لا تكفي أبدا لانتشالهم من دائرة التسول والخوف من الوقوع في أفخاخ الدعارة وأن يكونوا نهباً لتجار الأعضاء البشرية.” معربةً عن أملها بإحداث مراكز لإعادة تأهيلهم بدل أن يساقوا إلى الإحداثية حيث ينخرطون هناك مع المجرمين.
غياب التمويل والمقر حجرتا عثرة أمام “سيار”
تشير النحاس إلى أن عوائق العمل أمام “سيار” تتمثل بـ “عدم امتلاك مقر ثابت وكيان مستقل وهذا حجرة العثرة الأساسية في طريقنا، فيما نعمل حالياً للحصول على رخصة وتحويلنا إلى مؤسسة ذات شكل قانوني الأمر الذي يمكننا من استقطاب تبرعات مالية وعينية من جمعيات ومنظمات دولية خاصة أن الأخيرة تنسق فقط مع وزارة الشؤون الاجتماعية.”
وتضيف أن “سيار” يطمح لتأسيس مقر إيواء أساسي مجهز بكافة الخدمات التعليمية والصحية والنفسية واللوجستية للأطفال المتسولين وضمان عدم خروجهم إلى الشارع والتسول من جديد وصولاً إلى تأمين مشروع صغير لهم يكسبون لقمة عيشتهم بالتنسيق مع جمعيات ممولة لمشاريعهم.
يعد التمويل العائق الثاني أمام “سيار” فوفقاً للنحاس “جميع المتطوعين يعملون بدون أجر ولغاية اللحظة لم نتلق أي تمويل من أي جهة، لاسيما أن أغلب الأطفال يعانون من أمراض جلدية وعينية وتسوس في الأسنان تتطلب أجوراً للأطباء إلا إذا تطوعوا بالعمل.”
وأضافت أن وزارة الشؤون الاجتماعية تكتفي حالياً فقط بالدعم المعنوي وتقديم التسهيلات لإقامة الفعاليات والاحتفاليات الاجتماعية، أما فيما يتعلق بالملابس فتتم عبر الأفراد وتسليمها للأطفال مباشرة أو عبر الجمعيات الأهلية بالتعاون مع وزارة الشؤون الاجتماعية.
تؤكد المتطوعة رنا غزالة أن جلسات التوعية التي قام بها “سيار” تركت آثارها على الأطفال، إذ ترك عدد منهم التسول واستبدلوه بأعمال بسيطة كصبي أركيلة أو توصيل، قائلة “أنه بالرغم أن هذا الأمر يندرج تحت عمالة الأطفال لكن يبقى أفضل حالاً من التسول شرط أن لا يشكل عملهم خطراً على صحتهم.”
غالبا ما ينتحل أطفال الشوارع أسماء حركية حتى يخفون معلوماتهم الشخصية خوفاً من الوقوع في قبضة الشرطة وفق تأكيدات غزالة.
وتشير المتطوعة الشابة إلى نوعين من الأطفال اللذان يتصدران المشهد التسولي منهم من ورثوا هذه المهنة وموجودون قبل اندلاع الحرب السورية، ومنهم من ظهر خلال الحرب واضطرتهم ظروفهم للنزوح إلى مناطق أكثر أمناً حيث اضطهدوا وأرغموا على التسول من قبل ذويهم أو أقربائهم كالعم والخال في حال غياب الوالدين، بالإضافة إلى أطفال خطفوا في المناطق الساخنة بعد أن فقدوا ذويهم في الحرب سواء بالموت أو الاختفاء وأجبروا على العمل في شبكة تسول يرأسها مُشغل يوفر لهم السكن والطعام والشراب مقابل المال.
تضيف المتطوعة رنا غزالة أن العديد من هؤلاء الأطفال يتعرضون للإغراءات المادية مقابل تقديم خدماتهم الجنسية وكثيرا ما يتم استدراجهم إلى دائرة إدمان المخدرات لضمان خضوعهم للمُشغل وبقائهم تحت سيطرته والاستمرار في استغلالهم ماديا عبر التسول. وتشير إلى أن بعض المشغلين يتمتعون بنفوذ واسع يمكنهم الخروج من السجن بكفالة مالية كـ (فهد) الرجل السبعيني الذي ألقي القبض عليه على خلفية خطفه أطفال في درعا وإحضارهم إلى دمشق لإجبار قسم منهم على التسول ولبيع القسم الثاني لكن أفرج عنه لاحقاً لعدم توفر الدلائل الكافية لإدانته وفقاً لغزالة.
أطفال في مهب الحرب
تخرج بديعة حصيان (١٠ أعوام) إلى العمل منذ الصباح الباكر لمسح السيارات في منطقة الشعلان وسط دمشق لتعود مساء إلى منزلها في مساكن برزة، الخوف هو ما منع الطفلة من الإقرار أن والدها هو صاحب البناية، مدعية أنه يعمل في سوق الهال مقابل راتب ٦٠ ألف ليرة سورية شهرياً، وأنها تعمل بملء إرادتها دون أية ضغوط من والدها وتحتفظ بالنقود التي تجمعها يومياً في حصالة لديها من أجل شراء الملابس والألعاب.
الأمر الذي نفته تماما غزالة مؤكدة أن والدة الطفلة أقرت سابقا أن التسول مهنتها ومهنة أطفالها وأن أجار البناية التي يملكها زوجها لا يغطي مصروف العائلة الكبيرة ولا يسد الأفواه المفتوحة، وأن “المردود المالي وراء الشحاذة كبير جداً فكيف لنا أن نهجره” حسب قول الوالدة نقلا عن غزالة.
بديعة التي تعتلي جبهتها ندبة إثر ضرب والدها المبرح لها أنكرت ذلك بشدة، معزية السبب إلى سقوطها من على الأرجوحة عندما كانت تلعب مع إحدى شقيقتها في حمص. أما (هلا) شقيقة بديعة التي كانت تتردد إلى “سيار” بين الحين والآخر هربت من والدها واحتمت بسقف جامع “بدر” في الروضة خوفاً من بطشه وجوره غير أنه طاردها وتمكن من العثور عليها وإعادتها إلى التسول.
لا تفكر بديعة بالالتحاق بالمدرسة التي لم ترتدها مطلقاً فبرأيها أن المدرسة مكان لتعلم السباب والشتائم، فيما تكتفي حاليا بالمجيء إلى “سيار” مرة أسبوعياً للرسم والتلوين وصنع بعض الأشغال اليدوية البسيطة.
يقول مصطفى علام (١٤ عاماً): “تركت المدرسة منذ الصف السادس عقب وفاة والدي لأسباب طبيعية في دير الزور منذ ستة سنوات.”
يقضي الطفل حوالي ١٢ ساعة يومياً في مسح السيارات وأحيانا ببيع الورود والعلكة وقد عمل سابقاً في غسل أدراج الأبنية مقابل أجر مادي ليعيل أخوته ووالدته التي تعمل في الخياطة بين الفينة والأخرى.
يظهر مصطفى (الطفل الذي يتردد إلى “سيار”) رغبته في إكمال تعليمه وعودته إلى مقاعد الدراسة حيث يقول “بهالأيام مابتفيد إلا المدرسة.” منذ شهرين وبالرغم من وصوله إلى الصف السادس ما يزال ضعيفاً بالقراءة والكتابة، الأمر الذي يحاول تجاوزه من خلال الساعات القليلة التي يقضيها هنا.
كل ما يجمعه الطفل من مسح السيارات يودعه عند والدته التي تدفعه أجار المنزل القابع في الدويلعة والذي يبلغ ٣٥ ألفاً شهرياً مع أخذ القليل منه لتسديد ثمن الدخان وسندويشة فلافل أو بطاطا يتناولها خلال يوم عمل شاق، كما تساعد المعونات المقدمة من الهلال الأحمر والمنظمات الدولية في سد جوع أخوته.
أحياناً يفر مصطفى هارباً من الحملات التي تشنها دوريات الشرطة لكن غالباً ما ينتهي الأمر بتركهم وشأنهم شريطة عدم إزعاج المارة، قائلاً “وفي بعض الأحيان يمنعوننا من العمل وذلك حسب مزاج الشرطي ومرونته.”
عقوبة التسول في القانون السوري
عرف القانون السوري المتسول في مادته ٥٩٦ من قانون العقوبات السوري الصادر بالمرسوم التشريعي رقم ١٤٨ لعام ١٩٤٩ بأنه من كانت له موارد رزق أو كان يستطيع الحصول على موارد بالعمل واستجدى لمنفعته الخاصة الإحسان العام في أي مكان كان إما صراحة أو تحت ستار أعمال تجارية ويعاقب بالسجن مع التشغيل لمدة شهر على الأقل وستة أشهر على الأكثر ويمكن فضلاً عن ذلك أن يوضع في دار للتشغيل في حال تكرار فعل التسول.
يوضح المحامي (ق ـ ش) أن جرم التسول يشكل جنحة بالنسبة لمرتكبيه من البالغين، فيما يكون بمثابة مخالفة بالنسبة للأطفال دون سن العشرة أعوام إذ يتم تسليمه إلى وليه وذلك بقرار من المحكمة، فقد نص قانون الأحداث الجانحين رقم ١٨ لعام ١٩٧٤في المادة الثانية المعدلة بالمرسوم التشريعي رقم ٥٢ لعام ٢٠٠٣ بأنه لا يلاحق جزائياً الحدث الذي لم يتم العاشرة من عمره حين ارتكاب الفعل فتكون العبرة هنا هي تاريخ ارتكاب الفعل وليس المثول أمام القضاء، بينما يودع من بلغ العاشرة من العمر ولم يتم الثامنة عشر في مراكز توقيف ومعاهد إصلاحية خاصة بهم لمدة لا تتعدى الشهر، مؤكداً على ضرورة فرزهم في أجنحة خاصة بجرم التسول وفصلهم عن الأرذال والمتهمين بالسرقة والنشل.
ثمة حالة تراخي وتسيب أشار إليها المحامي فيما يتعلق بعقاب والد الطفل لإهمال رعاية طفله وإجباره على التسول وتسربه من المدرسة الأمر الذي يتعارض كلياً مع حقوق حماية الطفل الذي يكفل حقه بالتعليم والعيش الكريم والسلامة النفسية والبدنية، مشيراً إلى وجود حالات خارجة عن القانون كقيام بعض مشغلي شبكات التسول بدفع رشاوي لإخلاء سبيلهم دون الخوض بالمزيد من التفاصيل.
وفي حال لم يكن بين ذوي الحدث من هو أهل لتربيته أمكن وضعه لدى مؤسسة أو طرف صالح لتربية الحدث وعلى مراقب السلوك أن يراقب تربية الحدث وأن يقدم للقائمين على تربيته الإرشادات اللازمة، فيما يحكم بوضع الحدث في معهد إصلاح الأحداث لمدة لا تقل عن ستة أشهر إذا تبين للمحكمة إن حالة الحدث تستدعي ذلك.
by Syria in a Week Editors | May 29, 2018 | Media Roundups - EN, Syria in a Week - EN
The following is a selection by our editors of significant weekly developments in Syria. Depending on events, each issue will include anywhere from four to eight briefs. This series is produced in both Arabic and English in partnership between Salon Syria and Jadaliyya. Suggestions and blurbs may be sent to info@salonsyria.com.
Damascus is Getting Its Suburbs Back
After battles with ISIS that started back in April, the Syrian army has regained control of al-Hajar al-Aswad and Yarmouk Camp neighborhoods, declaring its control of Damascus and surrounding areas for the first time since the onset of the conflict in Syria.
The Syrian Observatory for Human Rights (SOHR) said on Sunday that a surrender agreement was reached by which ISIS fighters were transported to eastern Syria. However, official media denied such reports. It should be mentioned that the first quarter of this year witnessed fierce battles in eastern Ghouta that left thousands of civilians dead and led to the Syrian army taking full control of eastern Ghouta.
The regime’s geographical control has increased dramatically, whereas areas controlled by the opposition shrank to two wide areas in the countryside of Aleppo and Idlib in the northwest and Daraa and Qunaitera in the southwest. The Syrian Democratic Forces, backed by US and French forces, control the northeastern part of Syria. (Reuters)
The South … The New Front
24 May 2018
The Syrian army may head toward the north or south of the country after defeating armed groups around Damascus said the Syrian Deputy Foreign Minister Faisal Miqdad to the Lebanese television channel al-Mayadeen on Wednesday. Syrian army units advanced toward Daraa in the south, while Syrian jetfighters dropped leaflets calling for armed factions to settle their situations or surrender. On Friday, the United States threatened to take firm actions against any abuses by government forces in the de-escalation zone in the south as it is one of the guarantors along with Russia and Jordan.
The southern front has always been tied to Israel’s role in the conflict and its repeated attacks on military positions belonging to the Syrian army or its allies, especially Iran and Hezbollah. The most recent attack came on Thursday and targeted the Dhaba’a airport near al-Qsair in Homs. The Syrian news agency said that anti-aircraft systems responded to the attack, however, the SOHR confirmed the presence of injuries. Israel boasted that it was the first to use the F-35 US jetfighters in combat missions, with one of these missions being shown off in the sky over Beirut.
The southern area of Syria entered into a tug-of-war over the Iranian presence, especially after the US Secretary of State’s statement that Iran had to withdraw its forces from Syria and stop supporting Hezbollah in order to enter negotiations for a new nuclear deal following the US withdrawal from the deal.
Golan Heights in the Forefront
24 May 2018
Reuters
Israeli pressure on President Trump’s administration emerged last week to recognize its sovereignty on the occupied Golan Heights. The pressure came in a statement by the Israeli Intelligence Minister Israel Katz. This recognition is tied to the US recognition of Jerusalem as the capital of Israel and the transfer of the US embassy to it, and has sparked waves of diplomatic and popular anger in many countries around the world. The day the embassy was transferred witnessed the death of tens of Palestinians protesters and the injury of thousands of others by Israeli occupation bullets during protests against this US measure. (Reuters)
Although Trump’s recognition of Israel’s sovereignty over the Golan Heights does not carry any legal merit on the international level, it escalates the tensions in the area and raises the potential of a wider conflict in the region.
Israel occupied the Golan Heights in the 1967 war and declared its annexation in 1981 and moved Israeli settlers into it. Syria attempted to take back the occupied Golan in the 1973 war but the offensive was foiled. The two sides signed a truce in 1974 and the border has been relatively calm ever since. The Golan is considered a strategic area as it overlooks northern Palestine and Damascus, in addition to the fertility of its soil and abundance of water resources.
Russian-French Coordination
24 May 2018
French President Emmanuel Macron said on Thursday that his country and Russia want to establish a coordination mechanism between world powers to reach a political solution in Syria. He added that the idea was to coordinate efforts carried out by the Astana process that comprises Russia, Turkey, and Iran and the “small group”, which was initiated by France, and comprises Britain, Germany, Jordan, the United States, and Saudi Arabia.
Macron said that he and Putin agreed that focus should be on a new constitution and setting up inclusive elections that would include all Syrians, including refugees.
Clashes in the East
27 May 2018
The SOHR said that ISIS attacked a military base near Palmyra city in the Syrian desert, leaving twenty-six dead from the Syrian army and factions backed by Iran. ISIS used suicide bombers and armored vehicles in the attack.
The attack came one day after government forces expelled ISIS fighters from al-Hajar al-Aswad and Yarmouk Camp near Damascus. ISIS currently controls two besieged desert areas east of Syria. ISIS fighters were expelled from most areas in the Euphrates valley last year. (Reuters)
In Deir Azzour, Interfax news agency reported on Sunday that the Russian Defense Ministry said that four Russian officers were killed in a battle in Deir Azzour east of Syria. The ministry said that fighting broke out after several groups, made up of opposition fighters, attacked an artillery unit that belonged to the Syrian Army. Two military councilors operating the unit were killed instantly, while five soldiers were injured and transferred to a Russian military hospital. Two of them died because of their injuries. The news agency also quoted the ministry as saying that forty-three militants died in that battle. (Reuters)
Syrian official media said that the US-led coalition targeted army bases in Boukamal and Hmaimieh in the early hours of Thursday morning without leaving any human casualties. The US army denied knowledge of such an attack.
In this context, the SOHR said that ISIS fighters were fighting forces loyal to the Syrian government west of the Euphrates river on Thursday, and fighting Syrian Democratic forces on the eastern bank of the river on Wednesday evening. The SOHR added that the coalition strikes that took place on Thursday led to the death of a number of non-Syrian militants loyal to the Syrian government.
A Russian Insult Embarrasses Damascus
27 May 2018
Loyalists to Damascus accused Moscow of “manufacturing terrorism” in Syria and “insulting the Syrian military uniform” after the central channel of the Russian military base in Hmeimim said that Russian military policy deployed south of Damascus arrested members of Syrian government forces after they committed violation in their areas of deployment around Damascus.
The Russian Hmeimim base said on its Facebook page that Russian police deployed south of Damascus arrested a number of government forces members after they attempted to loot and steal civilian properties. It went on to say in response to questions from loyalists to Damascus that force will be used against any mutiny by individuals involved in law violation or those who support them within areas liberated through the participation of Russian forces.
This came in a response by the channel to an inquiry by a member of the government forces that showed a picture of Russian police arresting members of government forces, which was widely circulated in social media. The inquiry was to confirm if the news and pictures were authentic and whether their arrest was a coincidence or based on orders from higher tiers.
On the other hand, a military source from the Syrian government said that those who appeared in the pictures are not soldiers in the military institution and they do not belong to it whatsoever, adding that they are wanted by security forces.
by Mohammad Darius | May 28, 2018 | Cost of War - EN, Uncategorized
الخفّة
ليس للخفّة مذهب في التعبير الصريح إلا للدلالة على ما لا وزن له إلا قليلا، أي أنها تلتزم منطوق الجسم المادي لتعبر عما لا جسم مادي له أو يكاد، وإذ يرميها النحويون باتجاه النافل واللاقيمة له فإنها تصبح عند شعراء التيه العربي صفة للجسم إذا عشق وهام فخفّ من مُلزمات الحياة =الدنيوية وطار في النسائم، فيقولون : يا خفّة الألم الصغيرة وخفيفة النظرات تُشعل راحتي، وأحيانا يذهبون في هذا مذهب التقليل من الشأن فيقولون: خفيف العقل أي قليله إذا استبدّ الرجل برأيه وطاوع فيه زوجته أو مستشاريه أو ابن صديقه ويقولون: خفّة الروح، كناية عن وجود لا وجود له ولا كثافة في الجسيمات، بل إحساس فاض فطاف.
فكيف إذن نلوي عنق المفردة ونسترشد بها في منطوق الأزمة: الأطراف المتحاربة لا ترى شريكا ذا ثقل وأمانة لتجلس معه على طاولة المباحثات وتقتسم معه قديد التراب وطبيخ الهواء، بل أنهم لا يرون وزنا للجغرافيا بتمامها، بالتلال والأنهار والمحاصيل الباكية، حتى احتاجت هذه الجغرافيا أن تتقسم على الورثة التاريخيين ليعرف المتحاربون أن التراب ينسلّ أيضا من بين الأصابع، فالأدوات خفيفة.
والحلفاء (حلفاء الطرفين) لا يعترفون بالمنزلق الذي انحدرت إليه الصيغة السورية للموت أو على الأقل لا يعترفون به علنا، بل يدعون إلى مزيد من الصمود ومزيد من الدم ما يقود إلى مزيد من القتل ومزيد من الفوات،في أغنية شيطانية لا تنتهي تراتيبها، فالحلفاء خفيفون.
الخفّة في كل ما جرى ويجري، خفّة تشي بانعدام المسؤولية عامة تجاه الدم والدمار، الخفة هي السمة الغالبة لخطابي المهاجمين والمدافعين، بين داخل وخارج ، بين يميني ويساري، بين خفيف وآخر أكثر خفة، خفة في تحليل المآل الذي انطبقت عليه ثورة حتى أصبحت حربا أهلية، وخفة في الدفع المؤجل، ذلك أن هناك كمبيالات آجلة الدفع سندفعها جميعا في قادم الأيام، منتصرين أو مهزومين، للعمامة الفارسية أو للبرنيطة الغربية أو للقلبق الروسي.
وفي هذا تخف الحياة حتى تتلاشى، تحت قذيفة فارغة.
اختلال الصفة
في كلام العرب المقسّم أضرابا أربعة في اسم ومصدر وظرف وصفة، تتخفى الصفة بشرط تحققها، كما يتخفى المطر في جيب السحابة، فلا يقال عن جندي أنه صنديد إذا كان هاربا من معركة تحرير بلاده من غزاته و لا يقال عن صياد أنه خبير إن كان يعود مساء إلى حجر زوجته بسلة سمك مشتراة من سوق المعلّب.
والخلاف ينشأ من إمكانية التحقق من الصفات المطلقة على غارب حروفها في صحافة وتلفاز، فمعارضة وطنية وحكم وطني ونظام جمهوري وأحزاب إسلامية وصولا إلى أمم متحدة وحقوق إنسانية، فالحزب النازي المرفوع على أعمدة الدمار الجغرافي كان ديمقراطيا ومسيحيا أيضا، وحزب البعث كان يلصق شعارا في داخل أمعاء كل مناصر، وحدة وحرية واشتراكية، فأثمرت وحدته حروبا شقيقة وقضت حريته ضربا في المعتقلات المعتمة ونامت اشتراكيته على أحلام الشركاء الحرابيق، وحدها التنظيمات الإسلامية لم تدّع أنها قادمة لنصرة الإنسان أو الجغرافيا، جاءت من الجحيم وترغب بإعادة الجميع إليه، من جاهلية ضيقة وإليها تعود، لكنها أيضا تعيد الحق مصحوبا ببركات مشايخها العظام إلى نصرة للدين وإقامة للعدل وهي من هذا تنصر الكفر وتقيم الظلم في غير مكان.
يقودون اللغة من عنقها إلى حيث تجلد بالأحزمة والسياط وما من سلطة ليعاد التعريف إلى بطن صاحبه أو لاستقدام شرط وجند لغويين يمنعون إطلاق صفة الهبوب على نفخة لا تكاد تزيح ريشة عن كرسي، انظر كيف يستخدم “محلل” سياسي له في أوليات التحليل بضعة أيام قضاها في معتقل ما، انظر كيف يرمي الصفات على عواهن التطييف والتخوين، انظره كيف يقسم الخريطة العسكرية إلى طيبين فينعيهم وسيئين فيقصفهم وهو من كل هذا أمّي حتى في الوطنية وملفاتها.
إنها الصفات المختلة.
الصفيق
جاء في مخطوط معارج الهواء لأبي روز الطواحيني : أتى رجل إلى قاض وشكا أخاً له لا يعطيه نصيبه في إرث ٍ تقادم، فقال له: شاركه فإن فيها بركة، قال: شاركته في قطيع فالإناث له والذكور لي، وفي زرع فالمثمر له والعقيم لي، وفي رطب فالصالح له واليابس لي، قال: شاركه في الصلاة فالنار له والجنة لك.
وفي هذا المثال ما يرمي مثالا عن نوازع السلطة في الحكم، فلا هي تعطي وزنا للشريك / الشعب في السيادة ولا هي تسمح له بالفرار في أرض الله الواسعة، ومن سخرية المنطوق أن في لفظ الشراكة كلمة شرك الذي هو ثقب في الأرض يزرع رماحا وسهاما حادة تنغرز في لحم السائر خلي القلب، الشراكة عند الحاكم الشرقي تعني أن تتحمل وزر الموت بصمت، أن تحمل بندقية لترتكب جريمة في حق أخ آخر لك، الشراكة في استيلاد الدم لا في استنبات القمح، في اختراع العداوات على جناح الطائفة أو الولاء لا على تجارة الحمضيات، شراكة أصحاب المزارع الطازجة التي ترانا أجراء غافلين يحق لها مصادرتنا إذا ارتأت والتضحية بنا على مذبح التخمير الطائفي .
والأسى يتعاظم حين تبحث في شريكك عن مآل العقد الموقع آنفا ، عن الشروط الجزائية وبنود الحق فلا ترى إلا نصالا حامية تجرد حياتك من حياتها، كأننا رهائن لا أكثر وربما أقل، رهائن يهدد بقتلنا في مجالس الأمم، إذا نقص كراء مزارعه أو تهدد محصوله النبيل، رهائن أسمائنا ورهائن طوائفنا ورهائن جغرافيا لا نستطيع منها فكاكا.
شراكة ضيزى وقسمة دم.
المنتهى
سيكونون في الغد القريب جالسين لتقاسم الدم السوري، بعدما استتبت قسمة الجغرافيا على مجلى الأطماع الإقليمية والدولية، سيجلس الجميع مع الجميع حين تقترب الحفلة من نهايتها ليوزعوا المهام النهائية: من سيأخذ بقايا الكعكة السورية، من سينظف صحون العشاء، من سيلملم الفوضى المتروكة تحت الكراسي والسجاجيد الثمينة، وحده السوري الجائع والنازح والمهجّر واللاجئ والقتيل، السورية المطعونة والمهجورة والمبتلية بفقد الزوج والابن، وحده من دفع الثمن السابق وسيدفع لاحقا ارتهانا واحتلالا، من سيجلس آخر النهار على مائدة الذلّ ليلوك طبخة بحص لا طعم لها برائحة حرية كانت لفترة ما قريبة قرب الهواء الجاف الذي نتنفسه الآن.