سوريا : معجم عنف الدولة

سوريا : معجم عنف الدولة

تنويه إلى أي قارئ قد تغويه التمارين اللغوية الهذيانية التي نقوم بها فيحسبها تحليلاً وتفكيكاً وفلسفة وسياسية؛ ضميرنا الحيّ يحتم علينا أن نقول لك إن اللغة تغوي بسهولتها كالماء، والحذر واجبٌ من الغرق أو التلذذ المتكرر بلا طائل. ليس الحال أن الإمساك بالكلمات وتعدادها وتصنيفها هو فكر، ولكنّنا نعتقد أن الإمساك بالكلمات التي تُؤذي ضرورةٌ أولية للتفكير بالعنف، ومن بين أنواعه العنف السياسي. ولغتنا الجميلة، ذات المعجم العملاق والخلّاق، تضم كل ما يمكنه جرحنا بعمق كذلك.

«نهيب» كلمةٌ مخيفة، يتلوها شخصٌ مخيفٌ على مواطنين خائفين، تدعوهم للشعور بالخوف من أمرٍ مخيف، قد يؤدي إلى عواقب مخيفة تتجاوز الجرعة اليومية الدائمة من الخوف: «الداخلية تُهيب بالمواطنين إلى ضرورة التعاون مع الأجهزة الأمنية في كل ما يحافظ على أمنهم وسلامتهم»، مصدر عسكري مسؤول: «نهيب بالإخوة المواطنين ألا يصغوا إلى الشائعات التي تروجها تلك التنظيمات الإرهابية»، «وزارة الداخلية تهيب بالأخوة المواطنين التقيد بالأنظمة والقوانين، وعدم اللجوء إلى استخدام مكبرات الصوت وبثّ الأغاني وإطلاق بعض الشعارات والموسيقا الصاخبة التي تؤدي إلى إقلاق راحة المواطنين».

يثير الدهشة مدى التصاق بعض كلمات اللغة العربية وجملها مثل هذه الـ«نُهيب» بنظام الأسد، تلازم بياناته الرسمية التي يضفي بها حضوره الثقيل على السوريين، وتخرج بشكل يومي من أفواه مسؤوليه؛ في تصريحاتهم الصحفية أو لقاءاتهم المباشرة. وكأن هناك قاموس للمعاني يوزعه النظام على مسؤوليه، يضم لغة النظام وكيفية استخدامها، وما يجب ولا يجب استخدامه من المصطلحات، كي لا يبقى أيّ مجال للإبداع والابتكار في التصريحات. وما يثير الدهشة أكثر هو سماع هذه الكلمات تصدر عن جهةٍ غير نظام الأسد، وكأن قائلها ارتكب خطأً لغوياً ما اقتضى تصحيحه، أو ربما هناك علاقة بينه وبين هذا النظام بطريقة أو بأخرى، فهذه المهارات اللغوية لا تأتي من فراغ، بل هي بحاجة إلى إعداد نضالي طويل.

الخطر المحدق

لدى سماع هذه الكلمة يتبادر إلى الذهن شخصٌ متجهمٌ يرتدي حلّة رسمية، يخاطبنا مؤنباً ومنبهاً وواعظاَ. صوته مرتفع، تتوالى كلماته بفصاحة وسرعة ثابته، وتظهر جلياً بينها الفواصل والنقاط وباقي علامات الترقيم. الإخوة المواطنون هم على الدوام «المُهيّب بهم»، عليهم «التهيّب» قدر الإمكان، وإن لم يستطيعوا فعليهم التظاهر بذلك، كي لا يصيب «هيبة» الدولة مكروهٌ ما، فنقع بما لا تحمد عقباه. الإخوة المواطنون عليهم الشعور دائما بأنهم فعلوا أمراً خاطئاً، أو ارتكبوا ذنباً، ولا داعي حتى أن يعرفوا ما هو. «المُهيّب بهم» عليهم الاقتناع بالعيش في عالمٍ دونيٍّ خارج أسوار الدولة، التي يُعدّ مجرد الاقتراب منها تعديّاً على «هيبتها»، وكلما زادت هذه الـ«نهيب» وتطورت طريقة تقديمها، كلما ازداد ابتعاد وخوف «المهيب بهم» من انتهاك هذه الأسوار.

«نهيب» من الفعل «هاب»، أي خاف وخشي. ورغم أنها أفعال داخلية تعبر عن مشاعر لا إرادية، لكن لا شيء لا إرادياً لدى نظام الأسد؛ حتى الحب والكره والخوف. فدعوات النظام المتواترة «للتهيّب» خلقت مع الزمن منعكساً شرطياً يُلزم «المهيب بهم» بالإحساس بخطرٍ ما محدقٍ، فلطالما كان لهذه الـ«نهيب» نتائجاً وخيمةً على عدد محدود أو كبير من الأفراد. هذا أبداً لم يكن صدفة، بل هي الوظيفة الحقيقية لهذه الكلمات؛ فلا يجب أن يُترك المجال «للمهيب بهم» كي «يهابوا» أو «لا يهابوا» كما يشاؤون، فكما أن على السوري أن يقرر أنه «يهاب»، عليه أيضاً أن يقرر بأنه «لا يهاب» خصوم النظام، الأمر الذي يتناسب عكساً مع «هيبته». وعليه أن يقرر أنه يحب ويكره على هوى الدولة، كما فعل وينستون في آخر صفحات رواية 1984؛ عندما اقتنع بأنه يحب الأخ الكبير، واستغرب المشاعر التي كان يُكنّها له في كل مراحل الرواية.

هي دعوة للناس «لتهاب» شيئاً ما «مهيب»، وهي أيضاً رتبةٌ ورثها صدام حسين من أسلافه، ذلك بعد أن تكرست «مهابته» في قلوب العراقيين، بخلاف حافظ الأسد الذي كان مُهيباً يحمل، دون غيره في سوريا، رتبة «فريق». أما المشهد «المَهيب»، فهو الذي نراه عندما يقتضي الأمر بعض الخشوع، أو ربما الحزن والحداد، تماماً كما كان «مهيباً» يوم موت حافظ الأسد ومن قبله ابنه باسل، ومشاهد التنافس في البكاء واللطم عليهما.

لدينا كذلك «المهيوب» قصي؛ مساعد رئيس الاستخبارات الجوية، وأحد ثلاثة عشر مسؤولاً في نظام الأسد موضوعون على قائمة العار الأميركية، و«المهيوب» علي؛ العميد والناطق باسم جيش النظام، والذي اعتدنا عليه وهو «يُهيب» بالإخوة المواطنين، كإحدى أبرز هواياته. كذلك هناك أسمر يا شب «المهيوب»؛ الذي غنت له سميرة توفيق. ولا يرد اسمه هنا لمجرد تشابهٍ في الأسماء، فهذا الوصف شرطٌ لازمٌ لكمال شخصية الرجل الشرقي الذي تتغنى به توفيق؛ الرجل نفسه الذي بنى هذا النظام على شاكلته؛ عنيف وغاضب وعاطفي ومعتدّ برأيه، و«مهيوب» بطبيعة الحال.

الكارثة المنتظرة

«نهيب، هيبة، يهاب، مهيوب…» مفردات تعبر عن عقلية تراتبية عميقة يستبطنها السوريون قديماً، قبل نظام الأسد، الذي بدوره كرسها منذ سيطرته على الحكم لتكون أحد ركائز سلطته. تقتضي هذه الحالة أن «يهاب» الجميعُ الجميع. على المواطنين أن «يهابوا» الدولة، والمدينة عليها أن «تهاب» الريف، والطوائف يجب أن تتبادل «المهابة» فيما بينها. الموظف عليه أن «يهاب» مديره، والمدير عليه أن «يهاب» مسؤول الفرقة الحزبية، الذي عليه أن «يهاب» عنصر الأمن. لم يجد النظام صعوبةً كبيرةً في تعميم حالة «الهيبة» هذه؛ لأن المجتمع الذي «تهاب» فيه الزوجة زوجها، والأطفال آباءَهم، والإخوة أخاهم الكبير، جاهزٌ للانتقال إلى مراحل أكثر تطوراً وتعقيداً من «الهيبة». أعيد إنتاج هذه الحالة في ظل نظام الأسد، بشكل أكثر تطوراً وتعقيداً لينتشر كالعدوى أمرُ الإفراط باستخدام مصطلحات «الهيبة» والتفخيم والتعظيم والتصرفات التي تضمن للأفراد الحفاظ عليها؛ كحمل السلاح واستخدامه في المناسبات الاجتماعية، وغيرها من الممارسات التي تخفي خلفها هزائم وانكساراتٍ وخيبات. التحدث بلهجة أهل الساحل على سبيل المثال هو إحدى طرق السوريين الأكثر ضعفاً وانكشافاً للحصول على قيمة مضافة من «الهيبة»، والاستماع لأغاني علي الديك ووفيق حبيب وغيرهم باعتبار شعبيتهم الكبيرة لدى رموز النظام تندرج كذلك في السياق ذاته.

«أُهبة» الاستعداد؛ من الكلمات المشابهة في شكلها ومعناها. سوريا دائما على «أهبة» الاستعداد لشيء، كحالة طبيعية أخرى نعيشها مع هذا النظام «المُتأهًب». الجيش وقوى الأمن دائماً على «أهبة» الاستعداد، والمواطنون كذلك يجب أن يكونوا على هذه الحال، من أجل تجاوز المنعطف التاريخي الذي نمرّ فيه منذ زمنٍ طويلٍ نكاد لا ندرك بدايته. و«أُهبة» الاستعداد وسمت السوريين في طبائعهم، فهم دائماً على أهبة الاستعداد للنجاة ووضع مخطط ب ومخطط ج ومخطط د موضع التنفيذ حين تأتي الكارثة المنتظرة أبداً، وأهبة الاستعداد توحي بشيءٍ لحظيٍّ يُحدث قطيعةً ما؛ غالباً قطيعة في زمان ومكان السوريين الاستثنائيَّيْن، قطيعة مستمرة متتابعة يقابلها أبد مستمر: الأسد للأبد.

الدولة كما الأب

«الهيبة» كذلك هي من مشتقات هذه الـ«نُهيب»، أو ربما الأمر هو العكس؛ فلهذه الدولة المسماة سوريا وشبيهاتها «هيبةٌ» هي أهم بكثير من الدولة نفسها، الأمر الذي يجعلنا نفهم ما الذي دفع بشار الأسد لأن يقول يوماً بأن لا مشكلة لديه مع المتظاهرين، بل مشكلته كانت مع الذين يصورون هذه التظاهرات وينقلونها للخارج، ويعتدون بذلك على «هيبة» الدولة التي لم يبق فيها حجر على حجر، ولم يعتدِ على «هيبتها» لا توريث للسلطة ولا توزيع أصولها على الأقارب والخلّان.

«التطاول على هيبة» الدولة كان أحد أبرز محركي مؤيدي النظام الذين أعطوا لها الحق بقمع من يخرج عن طاعتها، بذات الطريقة التي أعطوا فيها الحق للوالد بتأديب ابنه الخارج عن الأسرة وقواعدها، فالدولة كما الأب تعرف مصلحة أبنائها أكثر منهم، وبإمكانها أن تضربهم لتربيهم، والمشاكل التي تحدث يجب ألّا تظهر إلى الخارج؛ كي لا تنال من «هيبة» العائلة. الأب مهمته اتخاذ القرارات في هذه العائلة، دون الحاجة للرجوع لباقي أفراد الأسرة الذين لا يحق لهم الاعتراض، حتى لو كان القرار يقتضي تزويج أحد الأبناء أو البنات، أو المهنة التي عليهم اختيارها، والعديد من الأمور الشخصية الخاصة بالفرد. صورة الأب القائد عليها أن تزين جدران البلد؛ كما تزين صور الأب أو الجد جدران المنازل. هنا بالذات يكمنُ جنون اللغة الطغيانية؛ فالدالّ هنا مخيف، ولكنه يرتكز إلى مرجعياتٍ قريبة جداً؛ مرجعيات الأسرة والأب والعائلة والجماعة الأهلية.

هذا الخلط الفصامي بين الدولة وكل شيء يثير جنوننا وجنون غيرنا. أمّا النيل من «هيبة» الدولة، فتكاد تكون أكثر تهمة وجهت قضائياً للسوريين المعتقلين منذ انطلاقة الثورة عام 2011. أُدرجت رسمياً في النصوص القانونية وفي المحاكمات التي خضع لها موقوفون أمام مختلف المحاكم. والحال أن جزءاً مهماً وأساسياً في آلة القمع تلك هي عدم تحديد ماهية ما ينال من هيبة الدولة، كل شيء مفتوح ومبهم في الوقت عينه لتوجيه التهم، الإبهام يشل الحركة والمبادرة ويثير الذعر أكثر. الإبهام أكثر هيبة! منشور في فيسبوك أو عبارة على جدار، أو كلمة قالها صاحبها دون أن يلقي لها بالاً، الشكوى من الفساد والظلم والمطالبة بالحقوق، مجادلة موظفي الدولة ورفع الصوت بحضرتهم، الاعتراض على قانون أو تشريع أو تعيين؛ كلها أمور تنال من «هيبة» دولةٍ نال من حدودها عدة دول وجيوش.

الإبن العاقّ

في محاولة أخرى يائسة لتفكيك غموض وهيبة «الهيبة»، تساءلنا بسذاجة: هل يمكن لمن تُوجه له هذه التهم من نوع «النيل من هيبة الدولة»، والتي هي على شاكلة تهم كثيرة من قبيل «وهن عزيمة الأمة»، «إضعاف الثقة بالاقتصاد الوطني»، «بث الفرقة بين عناصر الأمة»، «الخيانة»، و«التعامل مع جهات أجنبية» … إلخ، هل يمكن لحامل تلك التهم أن يكون بارداً تماماً دون أن يُجرح؟ الكثير من المعنيين كانوا يضحكون فيما بعد على التهم الموجهّة إليهم ويشعرون وكأنهم في محاكاة ساخرة (باروديا)، ولكن هل يمكن لهم حقاً ألا يُجرحوا؟ قد يضحكون من منطلق الاستهجان الأقصى لهول التهمة، إلا أن هذا الاستهجان بعينه هو الذي يدلنا على جرحٍ ما. لماذا تجرحنا تهم المس بهيبة الدولة والأمة وإثارة النعرات الطائفية؟

ولكنّا نسينا أن نعرّف تعريفاً مبدئياً لغوياً للهيبة، حقاً ما هو تعريف الهيبة؟ نشعر به مفهوماً جمالياً، الطلة مع مزيج من بث الاحترام والسحر، وهناك طبعاً شيءٌ من الرصانة…. وماذا بعد؟ قد يكون مفيداً أن نقارن مُعادلات كلمة «هيبة» في اللغات الثانية، على الأقل تلك التي نعرفها في الفضاء المتوسطي المشابه إلى حدٍّ ما في جذوره البطريركية. لا كلمة معادلة تفي الهيبة العربية حقها: هي المكانة مع القوة مع الكرامة مع الوقار مع فخر، وثمة كذلك عنصر جمالي ما لا يمكن تبينه بدقة؛ ينطبق على الرجال والنساء، ولكن على الرجال أكثر، لتشتمل الهيبة بذلك عنصراً من تمثيلات الذكورة؛ شيء ما يتماهى معه تيم حسن، شيخ الجبل في مسلسل «الهيبة» ذي الثلاثة أجزاء، والذي لقي رواجاً كبيراً، إذ تجري أحداثه في قرية تحمل اسم «الهيبة»، بطله تاجر ومزارع حشيش، يتزعم عصابةً خارجة عن الدولة والقانون، ورغم ذلك سحرَ مشاهدي المسلسل «بهيبته» ووسامته وإنسانيته وطيبة قلبه. يعيش هو والدولة اللبنانية صراعاً على «هيبتهما» التي تنقص كل واحدة منهما الأخرى. إذن في النهاية: الهيبة عنصر جمالي تمثّلي وليس طبيعياً إو إجرائياً، يعاقب القانون السوري على النيل منه، وهو عنصر ذكوري أبوي، المسّ به يُشعر المُدان بعار العقوق.

في الحقيقة إنْ ابتغينا تفكيك جرح «المس بهيبة الدولة» فإنه يكمن هنا بالضبط؛ إحساس العقوق والذنب العميق. التعابير العاطفية والجمالية والعاطفية المستعملة في مقامٍ قانوني غير مقامها تمحي المسافة بين الدولة/الأمة/الوطن والقائد، لتصبح علاقة قربى في غير محلها؛ علاقة سفاح في الواقع. الأفراد المحكومون فيه يُقرّبون بطريقة انتهاكية من جسد «الأب القائد» الذي «منحبّك» دون احترام للمسافة التي تكفلها لغة قانونية باردة غير انطباعية وغير عاطفية. وحين ينتهك المحكوم ضمن تلك العلاقة يشعر بالذنب مثل المغتصب تماماً الذي انتهكت خصوصيته. في الحقيقة طرق التعذيب في السجون السورية لها خصوصية لا تمتلكها أي سجون في العالم، ليست الوحشية هي تلك السمة، فالوحشية وجدت (وربما أكثر) في الكثير من التجارب الإنسانية. ما يميّز التجربة السورية هي العلاقة الحميمة مع جسد المعتقل وتملكه، ولا نقصد بالعلاقة الحميمية الانتهاكات الجنسية وحسب، ولكن الإصرار على ملكية المعتقل وتأديبه وكأنه ابن عاقّ. لا داع بعد ذلك أن نشرح.

كان في انتفاضة الثائرين السوريين عام 2011 محاولة لاستبدال «الهيبة» بـ«الكرامة»، محاولة لإسقاط «هيبة» الدولة في نفوسهم، وقبل ذلك «هيبة» مجتمعاتهم والأفراد المحيطين بهم، فأصابوا هذا النظام بمقتل، وتهاوى أمامهم هذا الصنم العملاق، وكنا على موعد لتغيير اجتماعي وسياسي حقيقي، قبل أن تنحدر الأمور بطريقة غير منضبطة، لنصل إلى ما نحن عليه الآن. واليوم كل ما يقوم به النظام من اعتقالات وترويع وقتل تحت التعذيب في المناطق التي يسيطر عليها، وقصف بربري في المناطق خارج سيطرته، هو محاولة منه لاستعادة «هيبته» كشرطٍ لازم لاستمراره.

*نُشر المقال على موقع أوريان21 هنا.

العلمانية في سوريا ضرورة وطنية وديمقراطية

العلمانية في سوريا ضرورة وطنية وديمقراطية

*تُنشر هذه المادة ضمن ملف “آفاق العلمانية في سوريا” بالتعاون مع “حكاية ما انحكت” و”جدلية

ساد في مجتمعنا، ولا يزال، الكثير من الخلط والتشويه بشأن مفهوم العلمانية، باعتبارها نقيض الدين وصنو الكفر والإلحاد، وهذا تشويه مقصود ساهم به بداية إرث الحقبة البعثية التي تدّعي العلمانية، عبر أدوات الاستبداد والمواقف الإقصائية المعادية للدين والإيمان والمؤمنين أيضا، ولكل من لا ينضوي تحت رايتها، تيمنا بتجارب أنظمة الاستبداد الشيوعي شمولية الطابع.

استمرت هذه الحقبة لخمسة عقود تقريبا، احتكرت فيها الدولة مساحة الشأن العام والعمل السياسي، كما احتكرت الاقتصاد وثروات البلد، وسيّجت نفسها بأجهزة أمنية وجيش عقائدي، يتبنى أيديولوجية الحزب القائد التي حَلتْ تدريجيا مكان ولائه للوطن وحقوق المواطنة، ودجنت في هذا السياق كل تعبيرات المجتمع المدني والنقابات التي أصبحت تابعة لمكتب الأمن القومي في قيادة حزب البعث، القائد للدولة والمجتمع وفق نص الدستور السوري.

أنظمة تدّعي العلمانية

مع ذلك لم تتوان هذه الأنظمة التي تدعي العلمانية عن توظيف مفهوم الخصوصية الدينية والقومية، واستغلال الحس الديني لجمهور المسلمين، كأدوات في صراعها مع الإسلام السياسي، فكان السادات الرئيس المؤمن في مصر، وأضاف صدام حسين عبارة “الله أكبر” للعلم العراقي عام 1991، فيما رعى نظام الأسد في دمشق أكبر طفرة في بناء الجوامع، إضافة لإنشائه “معاهد الأسد لتحفيظ القرآن“، والأهم من ذلك كله، أن هذه الأنظمة التقدمية والعلمانية كانت حريصة في كل الدساتير التي أنتجتها، على النصّ بصيغ متعددة أن “دين رئيس الدولة هو الإسلام”، وأن “الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع”!

هذه البراغماتية تُصر من موقعها في السلطة، على احتواء جمهور الإسلام الشعبي، عبر مؤسسات الإفتاء والأوقاف وخطباء الجوامع، وعن طريق رشوة هذا الجمهور ببعض الشعارات، أو بناء بعض الجوامع، أو بالسماح لبعضهم أن يتغيب عن عمله الوظيفي لأكثر من ساعة يوميا بحجة صلاة الظهر!

بالمقابل، لم تجد هذه البراغماتية في لحظة ما، ضيرا من احتواء بعض المثقفين أوالقوى العلمانية في مجتمعاتها، بدافع الاستجابة لضغوطات غربية، أو لمطالب المنظمات الدولية بضرورة تحديث القوانين فيما يخص الحريات العامة وحقوق الانسان، وبشكل خاص حقوق النساء والأطفال.

قوانين دخلت الأدراج ولم تخرج منها

في هذا السياق ساهمتُ مع فريق قانوني من الزميلات والزملاء، عملًن مع “الهيئة السورية لشؤون الأسرة، والتي كانت قد أنشئت بالمرسوم 42 لعام 2003، بهدف تحديث بنية الدولة القانونية والدستورية، ومُنحت حق العمل على تعديل كل التشريعات بما يفضي لتعزيز المساواة بين الجنسين.

أنجزنا عمليا “قانون حقوق الطفل السوري” و”قانون الأحزاب والجمعيات في سوريا”، وكنا بصدد إعداد قانون أسرة عصري بديل لقانون الأحوال الشخصية، وتمّ نقاش القوانين المنجزة مع فريق من القانونين السوريين ثم مع ممثلي الاتحاد الأوروبي والمنظمات الدولية في دمشق، ومن ثم أحيلت هذه المشاريع القانونية إلى الجهات صاحبة الاختصاص لمناقشتها وإقرارها، لكنها دخلت الأدراج ولم تخرج منها.

فهكذا صحوة لم يكن مقدراً لها أن تستمر أكثر، إذ طُوي ملف تحديث وتطوير البنية القانونية في سوريا سريعاً، وبشكل خاص ما يتعلق منها بقانون الأحوال الشخصية وحقوق المرأة والطفل، بل أكثر من ذلك، إذ طُرح عام 2009، مشروع قانون أحوال شخصية جديد يعبر عن نزعة أصولية أكثر تخلفاً وتمييزا وانتهاكاً لإنسانية المرأة وحقوقها، الأمر الذي أثار حفيظة غالبية المثقفين السوريون والسوريات فانبروا لمناقشته ودحضه، وحالوا دون إقراره.

انكفاء إلى ما قبل الدولة

في ظل مناخات الاستبداد البعثي/ العسكري، وغياب الدولة الكبير عن وظائفها في حقل الخدمات والتنمية وحماية مواطنيها، ظهرت أشكال من الانكفاء باتجاه بنى مجتمعية وأيديولوجية تنتمي لما قبل الدولة الحديثة، بدءا من العائلة وامتدادا إلى العشائر والقبائل وانتهاء بالطوائف وحتى الانتماءات المناطقية أو الجهوية، والتي شكلت مناخا ملائما لانتعاش كل أشكال التدين من الصوفية إلى السلفية، وصولا للإسلام السياسي والحركات الجهادية التي وجهها النظام باتجاه خصمه التاريخي ممثلاً بسلطة البعث في العراق، قبل أن ترتد إليه بعيد اندلاع انتفاضات الربيع السوري عام 2011.

كما ظهر في سياق هذه الانتفاضة عدد كبير من الانتماءات الدينية والطائفية والعشائرية والقبلية والإثنية، التي كان الاستبداد البعثي ينكر وجودها قبل انهيار أصنامه. لذلك يمكننا القول، أن هذا الربيع، ورغم مآلاته الراهنة، نجح بتعرية ثنائية الاستبدادين البعثي والديني، فالأول دافع عن بقائه ضد الشعب من خلال خلق استقطابات مذهبية وإثنية ومناطقية، كما استقوى بدول وميليشيات ساهمت بتدمير البلد والمجتمع وبنى الدولة، فيما ذهب الإسلام السياسي وقواه المفوتة تاريخيا في الاتجاه ذاته عاكساً المنحى فقط، حين اعتمد الخطاب الطائفي والتقسيمي للسوريين، واستعان بقوى أشد تخلفا ووحشية، ساهمت بخراب سوريا وقتل وتشريد السوريين.

إشكالية الإسلام السياسي

إشكالية الإسلام السياسي أنه يرفض الفصل بين حقلي الايمان والعبادات وبين شؤون والدولة، معتبرا أن الإسلام لم يكتف بالجانب الإيماني من العقيدة، بل نظم شؤون البشر في المأكل والملبس والتعامل، ويضيف دعاته أن زمن الخلافة الإسلامية عهد بالسلطتين الدينية والسياسية للخليفة أو السلطان، فهو الحاكم وهو الإمام أيضا، وبرأيهم أن ذلك معاكس لما عرفته الأديان التوحيدية السابقة، لذلك أصروا على شعار “الإسلام هو الحل”، متجاهلين فعل الزمن وضرورات العصر من جهة، ومتجاهلين إشكالية التعدد والانقسامات بين الأديان، وحتى داخل الدين الواحد.

يفسر هذا عداء ورفض الخطاب الإسلامي المتطرف للعلمانية، بقصد إبعاد حاضنتهم ذات الإسلام الشعبي غير المتطرف عن هذا المفهوم، وعن المنادين به من مثقفين وقوى اجتماعية وسياسية، باعتبار أن العلمانية هي كفر وفجور، وخروج عن الشرع والتقاليد الموروثة لمجتمعاتنا المحافظة، بل وتخريب لها وزعزعة لاستقرارها أيضاً.

فيما يكتشف أي متتبع لمعادلة الصراع بين الاستبدادين العسكري والديني في سوريا، أنه كان صراعا على المصالح والدنيا، ولم يكن يوما بشأن الدين والعلمانية، وهذا ساهم بخلق استقطاب أيديولوجي تبسيطي، وضع السوريين وحتى شرائح من مثقفيهم أو فعالياتهم السياسية والمدنية بين فكي ثنائية الاستبداد الغبية، التي أعاقت تطور وتحديث المجتمع، لأن ذلك يحتاج إلى مناخات من الحرية والديمقراطية، بما فيها حرية الإيمان وممارسة الطقوس والشعائر الدينية، والتي لا يمكن لأي دولة دينية أن توفرها.

الدولة الدينية دولة استبدادية بالضرورة

فالدولة الدينية عبر التاريخ هي بالضرورة دولة استبدادية لأنها تقصي باقي الأديان عن المجال السياسي للدولة الذي تحتكره، كما نشاهد في دولة إسرائيل مثلاً، ناهيك أن الدين عموما والإسلام تحديدا منقسم ومتعدد تاريخيا إلى مذاهب وطوائف، سيجري استبعادها أو اضطهادها في أي دولة دينية، مثال نظام الملالي في إيران في كل سياستها الداخلية وفي حروبها الخارجية، فكيف يمكننا الخروج من هذا المأزق؟

حاول الشيخ علي عبد الرازق منذ عام 1925، أن يعالج هذا الموضوع في كتابه “الإسلام وأصول الحكم”، رافضا فكرة الحكم الإسلامي، ومضيفا “أن الإسلام رسالة وليس حكما، وأنه دين وليس دولة”، كما أكد: “أن الخلافة ليست نظاما دينيا، والقرآن لم يأمر بها ولم يشر إليها، والدين الإسلامي بريء من نظام الخلافة”.

لذلك نحن نحتاج لبدائل عن دولة الخلافة الدينية التي تُقسّم المجتمع ولا توحده، وتدمر الاقتصاد ولا تصنع تنمية، وتقف على الضد من العصر والتاريخ ولا تطور العلم والمجتمع، نحن نحتاج إلى دولة معاصرة تتبنى مبدأ العلمانية والنظام الديمقراطي التعددي، وتنهي حقبة الاستبداد، وتوقف مسلسل الحروب والاقتتال، وتوحد كل مواطنيها تحت سقف الدستور والقانون الذي يحولهم إلى شعب قادر على صناعة مستقبله.

العلمانية لا تحارب الدين

العلمانية هي نظام فلسفي واجتماعي وسياسي يقوم على مبدأ فصل الدين عن الدولة، دون أن تحارب الدين أو الايمان، بل تعتبر أن الدين يرتبط بالأشخاص الطبيعيين أو الحقيقيين، ويكون مجاله في حيز الضمير الشخصي للأفراد، والمعتقدات الفكرية والإيمانية، ولا يجوز أن يرتبط بالدولة، لأن الدولة في الفكر السياسي المعاصر، هي كائن اعتباري كأي مؤسسة إدارية، يمكن للسكان فيها أن يؤمنوا بدين أو أديان أو لا يؤمنوا بشيء من ذلك، وعلى الدولة أن تكون محايدة تجاه الأديان كلها وتجاه مذاهب مواطنيها واعتقاداتهم المتنوعة.

أن إطلالة سريعة على الدول الغربية التي تعتمد في دساتيرها مبدأ العلمانية، ورغم الكثير من الشوائب التي تنمو في ثنايا بعضها هنا أوهناك، إلا أن تلك الدول حافظت على حيادها تجاه الدين أو الأديان عموما، دون العداء لها أو محاربتها، فالدولة العلمانية ومن باب ديمقراطيتها تحترم كل الأديان وتحميها، وتحترم المتدينين بكل تلاوينهم ومللهم، وتدافع عن حقهم في الاعتقاد وممارسة طقوس العبادات، كما تحترم حقوق رافضي التديّن أيضاً، لكنها تحول دون تعدي دين ما أو المتدينين على حيز الشأن العام من الإدارة وأنظمة الدولة، التي لادين لها.

لا بد من نظام ديمقراطي يؤصل لمبدأ العلمانية

 وفي واقعنا العياني كسوريين، في بلد يعيش حرباً أو حروباً فوق أرضه، وتصفية حسابات إقليمية ودولية مستمرة منذ سنوات، وبعد أن أصبح قرابة نصف عدد سكانه بين نازح ولاجئ، أصبحنا بحاجة ماسة إلى قوة كبيرة لاستعادة لحمة السوريين التي ضيعها الاستبدادان العسكري والديني، ولا يبدو أن أيا منهما قادر على ذلك الآن أو في المستقبل، ولا بد من نظام ديمقراطي يؤصل لمبدأ العلمانية باعتبارها الممكن الوحيد في إطار هذه اللوحة الرمادية، بل هي ضرورة تاريخية لأي مشروع وطني وديمقراطي في سوريا المستقبل، مشروع دولة لا دينية، مهمتها السيطرة عبر عقد اجتماعي مع كافة مواطنيها على المجال السياسي والإدارة العامة، هذا العقد الاجتماعي هو الذي يوحد كل مواطني الدولة تحت سقف الدستور والقانون ويحولهم إلى شعب، بغض النظر عن معتقداتهم ومذاهبهم.

العلمانية الغربية كمثال

والتاريخ خير دليل على ذلك، حيث عاشت المسيحية الغربية صراعات دامية وانقسامات مذهبية متعدد، بدأت مع الإصلاح الديني الذي قاده مارتن لوثر عام 1517، ودفعت أوروبا ملايين الضحايا ثمنا لهذه الانقسامات، قبل أن توقع الإمبراطورية الرومانية المقدسة في عام 1648، صلح وستفالياPeace of Westphalia”، الذي أنهى حقبة الحروب الدينية بين البروتستانت والكاثوليك.

أهمية هذا الصلح أنه أرسى نظاما جديدا في أوربا يقوم على استقلال كل دولة ضمن حدود أراضيها، أي سيادة الدول بالمعنى السياسي والإداري في حدود الجغرافيا، كنقيض لسيادة الكنيسة أو المقدس الذي لا حدود له، بمعنى آخر فصل مؤسسة الدين عن مؤسسة الدولة، وليس إلغاء الدين ومحاربته، مما سمح لاحقا بتطور أنظمة الحكم والإدارة والاقتصاد بعيدا عن هيمنة النص الديني ومصالح الكنيسة.

غياب الإصلاح الديني الإسلامي

المجتمعات الإسلامية بكل أسف لم تعرف هذه الحقبة من الإصلاح الديني، فانحطاط الخلافة العثمانية في أواخر أيامها، شجع الاستعمار الأوروبي على تقاسم تركة الرجل المريض، ولم تقم أنظمة الاستقلال اللاحقة بتحقيق تطور مجتمعي وديمقراطي لبنى وهياكل الدولة، حيث ساهمت الانقلابات العسكرية المتلاحقة في سوريا، بالانتقال إلى سيطرة الاستبداد البعثي وديكتاتورية الحزب الواحد، التي أنتجت فشلا ذريعا في كل المستويات الأخلاقية والسياسية والتنموية.

أليست مفارقة في سوريا وفي المنطقة بشكل عام، أننا وبعد 500 سنة على الإصلاح الديني الذي عرفته المسيحية وأوروبا، أن نعود إلى أردأ نسخة من الخلافة الإسلامية بصيغتها الاستبدادية المتخلفة، التي ظهرت باسم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق “داعش”، والتي أدت إلى تدمير المجال السياسي والاقتصادي والحقل العام للإدارة والمجتمع المدني، وأساءت إلى جوهر الدين العقيدي أو الإيماني، حين أعادت الناس إلى بداوة الصحراء وجهل الأمراء والشرعيين، الذين قطعوا الرؤوس وسبوا النساء وباعوهن جواري في سوق النخاسة، وتآمروا باسم الدين والله على الناس، مما أنتج الفشل التاريخي الراهن  للإسلام السياسي الذي يقف على النقيض من العالم والتاريخ ومصالح الشعوب.

نعم، إن الواقع مزري، ولا طريق للنهوض خارج مشروع وطني ديمقراطي يتبنى العلمانية إطارا دستوريا لبناء الدولة.

سوريا في أسبوع 28 تشرين الأول/أكتوبر – 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2019

سوريا في أسبوع 28 تشرين الأول/أكتوبر – 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2019

انسحاب أم عودة؟

 4تشرين الثاني/ نوفمبر

انسحبت أكبر قافلة آليات تابعة لقوات أمريكية من مناطق ريف حلب والرقة شرقي سورية باتجاه الحدود السورية العراقية .

وقال مصدر من قوات سورية الديمقراطية “غادرت حوالي / 150 / آلية للقوات الأمريكية قدمت من قواعدهم في مناطق عين العرب وصرين بريف حلب الشرقي وعين عيسى في ريف الرقة الشمالي، باتجاه مدينة القامشلي ومنها إلى الحدود السورية العراقية “

من جهة أخرى، قال مصدر مقرب من القوات الحكومية السورية لـ لوكالة الأنباء الألمانية “”أكملت القوات الحكومية السورية انتشارها بمحاذاة الأوتوستراد الدولي حلب/ القامشلي واستطاعت تحقيق تواصل  قواتها بين محافظتي الرقة والحسكة وبذلك استطاعت تأمين طريق إمداد بري لقواتها “.

ربط اللاذقية بـ “الخميني

 3 تشرين الثاني/نوفمبر

أفادت صحيفة سورية الأحد بأن الدراسات تتواصل لربط ميناء الخميني الإيراني بميناء اللاذقية.

ونقلت صحيفة “الوطن” عن تقارير لوزارة النقل أن المناقشات تتواصل بشأن مشروع ربط ميناء الإمام الخميني الواقع على الجانب الإيراني من مياه الخليج مع ميناء اللاذقية على البحر المتوسط، إضافة لمشروع ربط مدينتي شلمجة الإيرانية والبصرة العراقية بطول 32 كيلومتراً بتنفيذ وتمويل من إيران. وسيكتمل بربط شلمجة بميناء الإمام الخميني وربط البصرة بميناء اللاذقية.

وذكرت الوزارة أن الخط الحديدي الواصل بين دير الزور- الطابية- البوكمال بطول 8ر142 كلم قيد الإنشاء وبمواصفات فنية عالمية حديثة من حيث السرعة والبنى التحتية.

ولفتت إلى أن الخط “تعرض في أغلب أجزائه للتدمير والتخريب، ولذلك فهو يحتاج إلى إعادة تأهيل ما دمرته الحرب واستكمال تنفيذ الأعمال المتبقية اللازمة لوضعه في الاستثمار”.

وأكدت أن هذا الخط يعتبر جزءاً من محور النقل الدولي غرب-شرق الموانئ السورية عبر حلب إلى العراق وإيران ودول شرق آسيا، ويشكل ممراً استراتيجياً بالنسبة لسورية والعراق في مجال الترانزيت.

تطمين أميركي

 2 تشرين الثاني/نوفمبر

أفاد مراسلان لوكالة فرانس برس أن وفداً عسكرياً أميركياً تفقد السبت مواقع للمقاتلين الأكراد قرب القامشلي في شمال شرق سوريا، وذلك رغم إعلان واشنطن سحب قواتها من هذه المنطقة.

وقال المراسلان أنهما شاهدا أربع مدرعات ترفع العلم الأميركي تدخل مركز قيادة قوات سوريا الديموقراطية في القامشلي والذي طُليت بوابته بألوان علم وحدات حماية الشعب الكردية، إضافة إلى مركز لوحدات حماية الشعب وموقع لقوات الأمن الكردية (الأسايش) في القامشلي.

ويأتي ذلك بعد يومين من تسيير القوات الأميركية دورية من قاعدتها في مدينة رميلان في محافظة الحسكة وصولاً إلى بلدة القحطانية، بمواكبة عناصر من قوات سوريا الديموقراطية.

وهذه الدورية هي الأولى منذ قرر الرئيس دونالد ترامب سحب القوات الأميركية المنتشرة في شمال سوريا.

عودة قصف إدلب

 2 تشرين الثاني/نوفمبر

قُتل ستة مدنيين على الأقل السبت بضربات نفّذتها طائرات حربية روسية في محافظة إدلب في شمال غرب سوريا، وفق ما أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان.

وقال المرصد إن ستة مدنيين قتلوا “بينهم طفل وامرأة على الأقل”، جميعهم من العائلة نفسها، باستهداف “طائرات حربية روسية قرية جبالا في ريف إدلب الجنوبي”.

وأشار المرصد إلى أن عدد القتلى مرشح بالارتفاع نظراً “لوجود جرحى بعضهم في حالات خطرة بالإضافة لوجود عالقين تحت الأنقاض”.

وتسيطر هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) على الجزء الأكبر من إدلب ومحيطها، كما تتواجد فيها فصائل إسلامية ومعارضة أقل نفوذاً.

وتضمّ إدلب ومحيطها نحو ثلاثة ملايين نسمة، نصفهم نازحون من مناطق أخرى وبينهم عشرات الآلاف من المقاتلين المعارضين الذين تم إجلاؤهم من محافظات أخرى، بعد هجمات شنتها قوات النظام على معاقلهم.

اختراق دستوري

 1 تشرين الثاني/نوفمبر

نوّه الموفد الدولي الخاص إلى سوريا غير بيدرسون الجمعة باجتماع أعضاء اللجنة الدستورية الـ150 في مقر الأمم المتحدة في جنيف، رغم “الاختلافات العميقة.. وانعدام الثقة” بين وفدي الحكومة والمعارضة السورية.

وقال بيدرسون للصحافيين في باحة الأمم المتحدة إثر اختتامه اجتماعاً استمر ليومين للجنة الموسعة الدستورية إن المحادثات التي تمت كانت “جيدة جداً”.

وأوضح “نعلم جميعاً أنه بعد ثماني سنوات ونصف السنة من النزاع، هناك اختلافات عميقة، والكثير من الشكوك وانعدام الثقة”.

وأضاف “لكن حقيقة أن 150 سورياً كانوا يجلسون معاً، يحترمون بعضهم بعضاً ويتحدثون مع بعضهم البعض ويتناقشون وفقاً لجدول الأعمال الذي اتفقنا عليه بشأن مستقبل سوريا، أعتقد أن ذلك كان مثيراً للإعجاب”.

وافتتحت الأمم المتحدة الأربعاء أعمال اللجنة المؤلفة من 150 عضواً موزعين بالتساوي بين الحكومة والمعارضة والمجتمع المدني. ووصف بيدرسون في وقت سابق انطلاق عملها بـ”لحظة تاريخية”، بعد أكثر من ثماني سنوات من النزاع الذي يمزق سوريا.

وتأمل الأمم المتحدة والقوى الدولية أن يمهّد عمل اللجنة المكلفة بإجراء مراجعة للدستور، الطريق أمام تسوية أوسع للنزاع، رغم اعترافهم بأن المهمة صعبة.

وبحسب ميثاق تشكيلها، يعود للجنة أن “تراجع دستور 2012 (…) وأن تقوم بتعديل الدستور الحالي أو صياغة دستور جديد”، على أن يتم بموجب الدستور الجديد الذي يقرّه الشعب عبر استفتاء، إجراء انتخابات جديدة بإشراف الأمم المتحدة.

إلا أن الرئيس بشار الأسد قال للتلفزيون الرسمي الخميس إن الانتخابات “ستكون بشكل كامل من الألف إلى الياء تحت إشراف الدولة السورية”. وقال إن الحكومة “ليست جزءاً” من مفاوضات جنيف الجارية وأن وفد دمشق “يمثل وجهة نظر الحكومة”.

وانبثقت فكرة تشكيل اللجنة عن مؤتمر استضافته روسيا الداعمة للأسد في سوتشي، في إطار محادثات أستانا التي ترعاها مع ايران الداعمة بدورها لدمشق وتركيا الداعمة للمعارضة.

وأكد الأسد إن “كل ما يحصل هو جزء من سوتشي”، معتبراً أن “جنيف غير موجودة”.

وتبدأ لجنة الصياغة المؤلفة من 45 عضواً موزعين بالتوازي بين الوفود الثلاثة مراجعة الدستور الإثنين المقبل.

ولم يخل اجتماع اللجنة الموسعة من تشنجات وتلاسن بين وفدي الحكومة والمعارضة جراء تباين وجهات النظر وتبادل الاتهامات، إلا أن المجتمعين تمكنوا من الاتفاق على جدول الأعمال ومدونة السلوك.

روسية – تركية

 1 تشرين الثاني/نوفمبر

قامت القوات التركية والروسية الجمعة بأولى دورياتها المشتركة قرب الحدود السورية الشمالية، بموجب اتفاق تمّ التوصل إليه بعد هجوم شنّته أنقرة ضد المقاتلين الأكراد في المنطقة غيّر المعادلات على الأرض.

ومنذ هجوم أنقرة في التاسع من تشرين الأول/أكتوبر الذي سبقه انسحاب أميركي من نقاط حدودية عدة، اختلطت الأوراق في مناطق سيطرة الأكراد في شمال شرق سوريا، ودخلت قوات النظام وحليفتها روسيا إلى المعادلة.

ويبدو أن الأميركيين والروس تقاسموا الخارطة الحدودية. ففي وقت تجري روسيا دورياتها غرب مدينة القامشلي الحدودية، سيرت القوات الأميركية دورياتها الخميس شرق المدينة، التي تعد عاصمة الإدارة الذاتية التي أعلنها الأكراد في العام 2014.

وبدأت الدوريات الروسية التركية المشتركة حوالى منتصف النهار (09,00 ت غ) قرب بلدة الدرباسية، غرب القامشلي، وفق ما أفاد مراسل لوكالة فرانس برس. وانتهت عند الساعة الثالثة والربع بالتوقيت المحلي (13,15 ت غ(.

وتألفت الدورية من تسع آليات مدرعة روسية وتركية، وسارت في شريط يمتد بطول 110 كيلومترات، قبل أن تغادر الآليات التركية من النقطة التي دخلت منها قرب الدرباسية.

وقال مراسل لوكالة فرانس برس في الدرباسية إن المدرعات لم تحمل أي أعلام روسية أو تركية بطلب من موسكو.

إلى شرق الفرات

 31 تشرين الأول/أكتوبر

 قال الرئيس السوري بشار الأسد يوم الخميس إن هدف بلاده النهائي هو استعادة سلطة الدولة على المناطق التي يسيطر عليها الأكراد في شمال شرق سوريا بعد الانسحاب المفاجئ للقوات الأمريكية، لكنه أشار إلى أن ذلك سيحدث بالتدريج.

وأضاف في مقابلة مع التلفزيون الرسمي إن الاتفاق الذي تم التوصل إليه هذا الشهر بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين لطرد وحدات حماية الشعب الكردية السورية من مسافة 30 كيلومترا تقريباً من الحدود لإقامة “منطقة آمنة” على الحدود هي خطوة تساعد دمشق على تحقيق هذا الهدف.

وقال الأسد الذي ظل ممسكا بزمام السلطة في دمشق خلال سنوات الحرب الأهلية الثماني بفضل دعم روسيا وإيران “هذا الاتفاق هو خطوة إيجابية لا تحقق كل شيء… لكنها تخفف الأضرار وتهيئ الطريق لتحرير هذه المنطقة في القريب الذي نتمنى أن يكون قريبا.. عاجلا”.

وقال الأسد إن قرار ترامب الأسبوع الماضي الإبقاء على عدد محدود من القوات الأمريكية في المناطق التي يسيطر عليها الأكراد في سوريا حيث يوجد النفط أظهر أن واشنطن قوة استعمارية سترحل لا محالة إذا قاومها السوريون مثلما “حصل في العراق”.

وأفاد الأسد في المقابلة بأن ترامب هو “أفضل رئيس أمريكي، لماذا؟ ليس لأن سياساته جيدة، ولكن لأنه الرئيس الأكثر شفافية” بشأن نواياه للحفاظ على السيطرة على حقول النفط الرئيسية في محافظة دور الزور.

انخراط في الجيش

 30 تشرين الأول/اكتوبر

رفضت قوات سورية الديمقراطية (قسد) الأربعاء دعوة وزارة الدفاع التابعة للحكومة السورية لانضمام عناصرها للقوات الحكومية السورية.

وقال قوات سورية الديمقراطية في بيان تلقت وكالة الأنباء الألمانية نسخة منه اليوم” نرفض قطعاً لغة الخطاب هذه الموجهة  للأفراد، بينما كان الأولى بوزارة الدفاع السورية أن توجه خطابها للقيادة العامة لقوات سورية الديمقراطية، بغية فتح باب حوار ينم عن رغبة صادقة لتوحيد الجهود، وليس الالتفاف على الواقع للتنصل من مسؤولياتها “.

وكانت وزارة الدفاع السورية قد دعت عناصر “قوات سورية الديمقراطية” إلى الانضمام إلى الجيش السوري للتصدي للجيش التركي وفصائل المعارضة.

وجود جنب النفط

 29 تشرين الأول/أكتوبر

 نددت إيران وروسيا بقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الإبقاء على وجود عسكري قرب حقوق النفط في شمال شرق سوريا، وقال وزير الخارجية الروسي إن أي استغلال لمورد الطاقة هذا سيكون غير قانوني.

وأثار اقتراح ترامب يوم الأحد بأن تدير شركة إكسون موبيل أو شركة نفط أمريكية أخرى حقول نفط سورية انتقادات من خبراء قانونيين وفي مجال الطاقة.

وكان وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر قال الجمعة إن الولايات المتحدة ستعزز وجود جيشها في سوريا بنشر بأصول إضافية تشمل “قوات ميكانيكية” للحيلولة دون انتزاع السيطرة على حقول النفط من قبل فلول تنظيم الدولة الإسلامية أو غيرهم.

هل التعايش ممكن في سوريا!

هل التعايش ممكن في سوريا!

طوال ثماني سنوات ومنذ بداية الثورة السورية، كان الفيس بوك وغيره من وسائط التواصل الإجتماعي حلاً مثالياً كي لا ينفجر الناس من الغيظ وكي يعبر كل مواطن عن أفكاره ومشاعره  وبما أنني اخترت أن أعيش في اللاذقية رغم أن كل أسرتي في باريس لأنني أريد أن أكون ضمير شعبي الحبيب وأشاركه آلامه وآماله، حتى أنني وبكل محبة كنت أستقبل في بيتي في اللاذقية النخبة المثقفة والسياسية في اللاذقية كي نتبادل الحوار ووجهات النظر. لكن كم يؤلمني ويؤسفني أن أحكي كيف تطورت الأمور خلال هذه السنوات الثماني.

بداية لا بد من الإقرار أن كل سوري خاسر سواء كان موالياً للنظام أو معارضاً له، الموت حصد الآلاف من شبان سوريا سواء كانوا من الجيش السوري أو من الفصائل المعارضة. النزوح طال الجميع سواء كانوا موالين للنظام أم معارضين له، الانهيار الاقتصادي المروع أذل الجميع وانهارت الطبقة الوسطى ليصير الفقر هو سمة المجتمع السوري. وكنت أتوقع أو أتأمل أن الجرح العميق الذي يوحد السوريين سوف يزيدهم تآزراً وتعاضداً ومحبة، لكن للأسف (وبشكل عام) العكس هو الذي حصل، فشلة المثقفين (ومعظمهم سُجن أكثر من 10 سنوات أيام الثمانينات) والذين يزيد عددهم عن الخمسة عشرة صاروا يترددون في الاجتماع في بيتي وصار كل واحد منهم يسألني: هل فلان سيحضر؟ فإذا أجبته: أجل سيحضر، يسرع ليقول: إذاً أنا لن أحضر لأنني لا أتفق معه ولا أطيق منطقه في التفكير وفي قراءة ما يحصل على الأرض السورية.

أصبحت النخبة المثقفة السياسية والتي دفع كل واحد منها سنوات طويلة من حياته في السجن لا تطيق بعضها. وكنت أتساءل بسذاجة: كيف يختلفون جوهرياً وكل منهم دفع زهرة شبابه في السجون السورية، بل (لا أبالغ) إذا قلت أنهم صاروا يخونون بعضهم البعض ويتهمون بعضهم البعض بالكذب والانتهازية. حتى اضطررت أن ألغي تلك اللقاءات الغنية بين الأصدقاء والتي كانت في العام الأول ونصف العام الثاني للثورة السورية التي فشلت وانحرفت كلياً عن مسارها في تحقيق الحرية والكرامة. وإذا كانت النخبة المثقفة والسياسية والتي تعيش في الداخل السوري تختلف في رؤياها اختلافاً جذرياً بدل أن تكون قدوة للشعب المتألم وجامعة له، فكيف حال عامة الشعب! للأسف من يتابع مواقع التواصل الإجتماعي الخاص بسوريا يرى هول الشرخ بين السوريين، فأحدهم مثلاً كتب لي موبخاً وبوقاحة إعجابي بزياد الرحباني لأن الموقف السياسي لزياد الرحباني لا يعجبه، وحين أجبته بكل لباقة بأن كل إنسان حر بموقفه السياسي وبأنني أقدر زياد الرحباني وأحب إبداعه بمعزل عن موقفه السياسي اتهمني بالتذبذب وأعلن أنه سيكف عن قراءة كل ما أكتب.

زميلة أخرى تعيش حالياً في إحدى دول اللجوء عنفتني بشراسة لأنني ترحمت على الممثل القدير فاروق الفيشاوي وأنا معجبة بفنه للغاية ولا تعنيني حياته الشخصية، والسيدة إياها اعتبرتني خائنة للشعب السوري لأن فاروق الفيشاوي زار دمشق. وكي تكتمل الصورة فإن من خونني لأنني أحب فن زياد الرحباني ومن خونتني لأنني أحب الممثل المبدع فاروق الفيشاوي، كانا يعيشان في الداخل السوري كالنعجة، لا ينطقان بحرف في انتقاد حتى كومة قمامة في الشارع ! ويتملقان كل مسؤول ويكيلان المديح له ، بل كانا يتجنبانني لأنني أكتب مقالات جريئة في نقد الأخطاء والممارسات الخاطئة في المجتمع السوري ، وقد دفعت ثمن مواقفي من منع السفر إلى استدعائي مراراً إلى الأجهزة الأمنية. ولم يكن أحد يجرؤ أن يدعمني أو يقف إلى جانبي في محنتي، فمن تستدعيه الأجهزة الأمنية يخاف منه أصدقاؤه ويبتعدون عنه كما لو أنه وباء. لكن حين خرج هؤلاء النعاج المنافقون خارج الوطن بدؤوا بالجعير وصار سهلاً عليهم الشتم وليس النقد، حتى أنهم اتهموني بأنني جبانة ويجب أن تكون مقالاتي أكثر جرأة وحدة في انتقاد النظام (النظام فقط وليس الجماعات المتطرفة الإرهابية التي لا يذكرونها أبداً والتي أبدعت في سفك الدم السوري والخطف والذبح) وأزعم أنهم يطالبونني بأن أكتب بجرأة أكبر كي أكون كبش المحرقة وكي يتفرجوا علي وحيدة وعزلاء في مصابي وهم يتلذذون.

ما أسهل أن تدعي الشجاعة والبطولة وأنت خارج سوريا، هؤلاء أشبه بديوك على مزبلة، وقد ابتلي الشعب السوري بقسم ممن يسمون أنفسهم بالمعارضة الخارجية التي ارتهنت لدول عديدة شريكة في سفك الدم السوري وقبضوا ثروات، وكلهم يتفقون على عبارة موحدة بأنهم يريدون أن يضحوا بآخر قطرة من الدم السوري! سبحان الله من قال لهم بأن الشعب السوري يريد أن يموت، الشعب السوري يحب الحياة والفرح ويريد أن يزوج أولاده ويزغرد في أعراسهم وليس في جنازاتهم. وهؤلاء الذين يتهمونني (ويتهمون غيري) بأنني أحب زياد الرحباني وفاروق الفيشاوي (وهم معترضون بشراسة على موقفه السياسي) لا ينبسون ببنت شفة على شلة الأدباء والفنانين الذين زاروا اسرائيل وتباهوا بالتطبيع معها.

أنا أؤمن أن الشعب السوري أعزل تماماً فلا النظام يمثله ولا المعارضة، وهو متروك للفقر والعقوبات الاقتصادية ولرفض العالم له، ومعظم دول اللجوء حالياً تتمنى وتسعى لترحيله وإعادته إلى سوريا التي تشرذمت وتجزأت. المؤسف أن من يكون منطقياً وغير متطرف وصادقاً في حب سوريا والشعب السوري، أي من يكون معتدلاً يُعاقب من قبل النظام الذي يمنعه من السفر ويشحطه إلى فروع الأمن كلما كتب مقالآ جريئاً ينتقد فيه مظاهر الفساد في سوريا، ويكون منبوذاً وخائناً أيضاً بالنسبة لمعارضة الخارج الموظفة لدى دول معينة وتقبض منها الملايين، ولا أنكر أن بعض أطراف معارضة الخارج الحاقدين يتهمونني بالتذبذب وبأنني ضمنياً مع النظام لأنني لست في السجن!! كما لو أن كل سوري كي يثبت وطنيته يجب أن يكون في السجن، وبعضهم يقول لي: لأنك مسيحية يتسامح معك النظام. ولا أعرف ما هذا التسامح!! وقد مُنعت مرتين من السفر وأنا على الحدود وفي إحدى المرات كنت مسافرة إلى البحرين لأشارك في مؤتمر ثقافي وتبدد السفر لأنني عرفت على الحدود أنني ممنوعة من السفر (الله أعلم لماذا). هل يجب أن يُقطع رأسي ورأس كل مثقف وطني ليثبت لهؤلاء المرتزقة أنه وطني ويحب الشعب السوري! بل إن البعض من هؤلاء المرتزقة يعتبرون كل مثقف يعيش في سوريا هو موال للنظام.

كم أحس بالقهر وخيبة الأمل وأنا أرى ما آل إليه وضع معظم السوريين بعد ثماني سنوات من الثورة السورية المُنتهكة، فبدل أن يوحدهم الجرح جعلهم ينفرون من بعضهم (رجاء لا أعمم) والطامة الكبرى أن نخبة المثقفين الذين قضوا سنوات طويلة من حياتهم في السجن دفاعاً عن مبادىء الحرية والكرامة ما عادوا يطيقون بعضهم وكل منهم يخون الآخر بل يعتبره موظفاً عند الأجهزة الأمنية. ويتحدثون عن إعادة الإعمار!! هل الإعمار ببناء حجر فوق حجر. من يرمم الشرخ الفظيع الذي حصل في نفوس السوريين. من يعيد للسوري روعة عبارة أخي في الوطن وشريكي فيه مهما كانت قناعاته سواء أحب زياد الرحباني وفاروق الفيشاوي أم كرههما. لأن بناء الوطن لا يقوم على الحجر بل على البشر. المؤسف أن الأحقاد انتصرت على الحب. وحصل شرخ كبير بين السوريين ألمسه تماماً هنا في باريس.

Syria in a Week (22 – 28 October 2019)

Syria in a Week (22 – 28 October 2019)

The following is a selection by our editors of significant weekly developments in Syria. Depending on events, each issue will include anywhere from four to eight briefs. This series is produced in both Arabic and English in partnership between Salon Syria and Jadaliyya. Suggestions and blurbs may be sent to info@salonsyria.com.

 

Russia Distributes the Roles… in the Self-administration!

Reuters

27 October 2019

The Kurdish-led Syrian Democratic Forces (SDF) said on Sunday it had agreed to withdraw more than thirty kilometers from the Turkish border, an announcement welcomed by Damascus which said Turkey should now end its “aggression” in northeast Syria. Turkey launched its cross-border offensive on 9 October targeting the Kurdish People’s Protection Units (YPG) in northeast Syria after President Donald Trump pulled US troops out of the area.

Turkish President Recep Tayyip Erdogan and Russia’s Vladimir Putin then agreed on 22 October that Syrian border guards and Russian military police would clear the border area up to thirty kilometers into Syria of YPG fighters over a six-day period that ends Tuesday.

The Russian ministry of defense said on Friday that around three hundred more military police and more than twenty armored vehicles were sent to Syria under an accord between Ankara and Moscow that has halted Turkey’s military incursion into northeast Syria.

Eliminating al-Baghdadi… in Syria!

Reuters

27 October 2019

President Donald Trump said on Sunday that fugitive ISIS leader Abu Bakr al-Baghdadi died in a raid by US special forces in northwest Syria, describing it as a great victory against the radical organization.

Al-Baghdadi killed himself by detonating a suicide vest after fleeing into a dead-end tunnel, Trump said in a televised address from the White House. He was positively identified by DNA tests fifteen minutes later, the president said.

Trump said “many” of al-Baghdadi’s people were killed in the raid and added that in blowing himself up, Baghdadi also killed three of his children. US forces suffered no personnel losses, he said. He also thanked Russia, Turkey, Syria, and Iraq for their support.

Hours later, the Syrian Kurdish YPG said Islamic State spokesman Abu al-Hassan al-Muhajir, described as Baghdadi’s right-hand man, had also been killed in a separate joint raid by Kurdish-led and US forces in northern Syria.

Turkey said it was proud to have helped “bring a notorious terrorist to justice”, but Russia’s response was skeptical, with the defense ministry in Moscow saying that it had no reliable information on the US raid.

SDF Withdraws from Ras al-Ain

Reuters

21 October 2019

The Kurdish-led Syrian Democratic Forces (SDF) on Sunday said they had withdrawn from the border town of Ras al-Ain under a US-brokered ceasefire deal, but a spokesman for Turkish-backed Syrian rebels said the withdrawal was not yet complete. Ras al-Ain is one of two towns on the Turkish-Syrian border that have been the main targets of Turkey’s offensive to push back Kurdish fighters and create a “safe zone” inside Syria that is more than thirty kilometers deep.

War Crimes

Reuters

23, 26 October 2019

Former prosecutor and UN investigator Carla del Ponte said in an interview published on Saturday that Turkish President Recep Tayyip Erdogan should be investigated and indicted for war crimes over his country’s military incursion in Syria. “For Erdogan to be able to invade Syrian territory to destroy the Kurds is unbelievable,” said del Ponte. “An investigation should be opened into him and he should be charged with war crimes,” she added.

Amnesty International said in a report published on Friday that Turkey is forcibly sending Syrian refugees to an area of Syria near the border where it aims to set up a “safe zone” even though the conflict there has not ended.

Human Rights Watch said in a separate report Friday that authorities had arbitrarily detained and deported dozens of Syrians to northern Syria between January and September.

In a related context, President Donald Trump’s special envoy for Syria James Jeffrey said on Wednesday that US forces had seen evidence of war crimes during Turkey’s offensive against the Kurds in Syria. “We haven’t seen widespread evidence of ethnic cleansing,” Jeffrey said during his testimony in congress, but there are reports of “several incidents which we consider war crimes.”

Putin Explains to al-Assad

Reuters

22 October 2019

The Kremlin said on Tuesday that Russian President Vladimir Putin explained to his Syrian counterpart Bashar al-Assad by phone the results of his talks with Turkish President Tayyip Erdogan. Putin, after lengthy talks with Erdogan, highlighted in the phone call with al-Assad that restoring Syria’s territorial integrity was the main task.

Al-Assad thanked Putin and “expressed his full support for the results of the work, as well as the readiness of the Syrian border guards, together with the Russian military police, to reach the Syrian-Turkish border,” the Kremlin said.

Syrian President Bashar al Assad on Tuesday denounced Turkey’s leader as “a thief… who stole factories, wheat, and oil… and is now stealing our land,” for attacking the northeast of Syria and reiterated a pledge to retake all areas lost to Damascus in years of civil war.

Al-Assad made the remarks as he made a rare visit to a frontline of Syria’s conflict, touring an area in war-torn northwestern Idlib governorate close to the last major bastion of Turkey-backed rebel forces.

Covert Turkish-Syrian Contacts

Reuters

21 October 2019

Turkey is holding covert contacts with Syria’s government to avert direct conflict in northeast Syria where both sides have deployed their armies, Turkish officials say, despite Ankara’s long-standing hostility to President Bashar al-Assad.

Warily, the two sides have set up channels of communication, both direct military and intelligence contacts and indirect messages through Russia, to reduce the risk of confrontation, three Turkish officials said.

The Constitutional Committee and the First Meeting

Reuters

24 October 2019

UN Special Envoy to Syria Geir Pedersen said on Thursday that the ceasefire in northeast Syria seems to be holding “by and large”, as major powers gather in Geneva ahead of the first meeting of Syria’s Constitutional Committee next week.

Pedersen said that envoys from seven Arab and Western states backing the opposition, known as the “small group”, which includes the United States, are due to meet in the Swiss city on Friday. Senior officials from the so-called Astana three – Russia, Iran, and Turkey – were expected in coming days.

The major powers would not participate directly in the “Syrian-owned, Syrian-led” constitutional effort, or the opening public ceremony, but they supported the process, he said.

Convening the Constitutional Committee, the first tangible progress since the Norwegian diplomat took up the UN job in January, is seen as key to paving the way for political reforms and new elections in the country wracked by eight years of war that have killed hundreds of thousands and forced millions to flee.

Oil Rush

Reuters

25, 26 October 2019

Russia’s defense ministry on Saturday attacked US plans to maintain and boost the US military presence in eastern Syria as “international state banditry” motivated by a desire to protect oil smugglers and not by real security concerns. US troops and private security companies in eastern Syria are protecting oil smugglers who make more than thirty million dollars a month, the statement said.

US Defense Secretary Mark Esper said on Friday Washington would send armored vehicles and troops to the Syrian oil fields in order to prevent them from falling into the hands of ISIS militants. His comments came after President Donald Trump earlier this month pulled some one thousand US military personnel out of northeast Syria, a move that prompted Turkey to launch a cross-border incursion targeting the Kurdish YPG, a former US ally against ISIS.

حال العلمانية في سوريا بعد تسع سنوات من الدمار

حال العلمانية في سوريا بعد تسع سنوات من الدمار

*تُنشر هذه المادة ضمن ملف “آفاق العلمانية في سوريا” بالتعاون مع “حكاية ما انحكت” و”جدلية

كان الخطاب العلماني في سوريا أحد ضحايا الثورة السورية. وقد جاءت تلك الخسارة نتيجة لأكثر من مسبّب واحد، حيث تعاون النظام والفصائل الإسلامية ودول الخليج وتركيا على تحييد هذا الخطاب وإفقاره وإقصائه من على طاولة النقاش. وبينما استخدم النظام العلمانية كورقة سياسية وزينة تجميلية فارغة من أي مضمون، هشّمت فصائل المعارضة مفهوم العلمانية باعتباره مرادفا للإلحاد والردّة.

قبل اندلاع الثورة، كان ثمّة حوار حاد (وجارح أحيانا)، بين أربعة تيارات فكرية تناولت مسألة العلمانية.

التيار الإسلامي والعلمانية

 التيار الأول كان التيار الإسلامي الذي لا تهادن بين فكره وبين الفكر العلماني، وقاد هذا التيار رجال دين مثقفون وفقهاء[1] وآخرون سوقيون وشعبويون[2]. واتفق الجميع على استسهال الاستشهاد بالمقدس[3] في مواجهة الدنيوي واختصار السجال بفكرة أن العلمانية هي نتاج غربي يهدف إلى تدمير الإسلام، بل ذهب البعض أبعد من ذلك فصرّحوا أن العلمانية نتاج الحركة اليهودية التي “أرادت نشر الإلحاد في الأرض فتسترت بالعلمانية،” كما يقول عبد الرحمن حسن حبنّكة.[4]

تيار النظام

التيار الثاني هو تيار النظام الذي عقد تسوية تاريخية بينه وبين التيار الإسلامي، وعلى رأسه الشيخ الراحل محمد سعيد رمضان البوطي، بحيث يترك الإسلاميون السياسة والاقتصاد للنظام وجماعته، ويتخلّى النظام بالمقابل عن الفضاءين الثقافي والاجتماعي لرجال الدين.

وزاد من قوّة هذا الاتفاق الضغط الدولي على النظام السوري بعد الاحتلال الأمريكي للعراق ودور سوريا في توريد مقاتلين جهاديين للقتال ضدّ القوات الأمريكية وارتكاب أبشع المجازر الطائفية. نتيجة تلك الضغوط، استخدمت السلطة المزاوجة بين الوطني والديني كورقة في مواجهة الضغوطات الخارجية التي كانت تتعرض لها. وقد لاحظنا قبل الثورة ارتفاعا كبيرا للخطاب الديني في الأداء السياسي لصناع القرار في سورية، وبخاصّة أثناء أزمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وما تلاه من ضغوط خارجية على الحكومة السورية، وارتفاع وتيرة الغزل بين أركان السلطة وأركان المؤسسة الدينية الأكثر انغلاقا. ورأينا انفلاتا همجيا للفئات الإسلامية الأكثر تطرفا، تجسّد في ذروته في إحراق وتدمير سفارتي الدانمارك والنرويج في شباط 2006.

شحرور والخزنوي

وكان على التحالف العتيد ما بين النظام ورجال الدين أن يزيل من على الطريق العثرات التي يمكن أن تقف في وجه هذا المدّ أو تنغّص عليه، فهوجم رجال الدين المنفتحون، كالدكتور محمد شحرور[5]والدكتور معشوق الخزنوي. لطالما كرّر شحرور أن “الإسلام لا يتعارض مع العلمانية، والناس بالنسبة له سواسية، يتميزون بقدر عملهم الصالح”. وحدّد بكل وضوح أن “وضع بند ‘الإسلام دين الدولة’ في أي دستور لا معنى له، بل يحمل مغالطة للتحكم برقاب الناس، وأفضل من هذا التركيز على دولة المؤسسات والقانون، بحيث يحكم فيها أمثال ميركل وترودو من خلال مؤسساتهم لا شخصهم”[6].

 أما الخزنوي فكان قبيل مقتله ينادي علانية بالعلمانية التي تعني وفق كلماته “في النهاية فصل الدين عن الدولة. وهو مطلب يخدم كلا الطرفين، فابتعاد الدين عن الدولة والعمل السياسي، حماية للدين نفسه، ولمكانته وقيمه ومثله العليا”[7].

 وتترافق الدعوة إلى العلمانية، في فكر الخزنوي، مع فكرة “لا إكراه في الدين،” وفكرة الأخوة الإنسانية التي يعتبرها أمرا رئيسيا. ولذلك عمل الخزنوي على “البحث عن المشترك بين الناس في مختلف اتجاهاتهم الفكرية والسياسية والاجتماعية وخاصة أبناء الوطن الواحد”[8]. ولذلك، اضطر محمد شحرور إلى الهجرة بمذهبه العقلاني إلى الخارج، بينما لقي معشوق الخزنوي حتفه تعذيبا واغتيالا في منتصف العقد الأول من هذه الألفية.

تيار “تأليه الشعب”

التيار الثالث شكّل طيفا واسعا من المثقفين السوريين الذين يؤلّهون “الشعب” ويسعون إلى استرضاء “الأغلبية”، وينادي هؤلاء بعلمانية لطيفة بلا أنياب تبقى في الإطار الفوقي للدولة دون أن تنزل إلى الناس في المجتمع.[9] هؤلاء يعتبرون أن العلمانية، لأنها تبحث في ضرورة فصل الدين عن المؤسسات واعتبار أن الأولوية للإنسان وليس للدين ومؤسساته رجاله وطوائفه، إنما تصبّ في خدمة الدكتاتور، وترحم الأغلبية (السنية بتركيبتها) من حرية التعبير.[10]

ويريد هؤلاء تخليص علمانيتهم اللطيفة من براثن العلمانيين الفجّين وجعلها مقبولة من الأغلبية، فيقولون إن العلمانية لا تتعارض مع الإسلام ويبحثون عن جذور لها في التاريخ العربي الإسلامي.

تيار “الأقلية”

كان التيار الرابع[11]على الدوام تيّار الأقلية التي كانت تطالب بدولة غير مؤدلجة، تقف على مبعدة واحدة من جميع الأديان والمعتقدات، ولا تتدخل في محتوى العقائد الدينية وليس من شأنها تنظيم الديانات، وعليها أن تُعامِل، على قدم المساواة، جميع الديانات والمذاهب الفلسفية الإنسية دون تبني أي منها أو تفضيل واحدة على أخرى. وهي لا تكفل فقط حرية المعتقد، بل وتضمن الممارسة الحرة للشعائر الدينية، وتحمي الأفراد وتضمن لهم حرية الخيار بأن يكون لهم اتجاه روحاني أو ديني أو لا يكون. وتحرص على ألا يكون بإمكان أي مجموعة أو أي طائفة أن تفرض على أي شخص هويتها الدينية أو الطائفية أو الانتماء إليها، وبشكل خاص تقسيم الأفراد بالقوة وفق الأصول العائلية لهؤلاء الأفراد.

العلمانية في ظل الثورة

مع قيام الثورة السورية، ازداد التيار الأول قوّة وسطوة، سواء أكان في مناطق المعارضة أم في مناطق سيطرة النظام، وبات ذكر مصطلح علمانية أمرا مكروها إن لم يكن محرّما، وغدت تهمة بحدّ ذاتها في بعض مناطق سيطرة الفصائل المسلحة، توازي الكفر أو الردّة. وتخلّى مثقفون سوريون علمانيون أو شبه علمانيين عن طرح أفكارهم، وذهبوا يدارون علمانيتهم بمصطلح جديد هو “المدنية“. بل انزاح بعضهم إلى لعب دور مصلحين دينيين بدل دورهم كناقدين،لهم، فطرحوا مسألة “الإصلاح الإسلامي”، راجعين بفكرهم قرنا ويزيد، وواجدين أنفسهم في أحذية محمد عبده ومحمد رشيد رضا، نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين.

انحناء النظام أمام المد الديني

ولم تكن مناطق سيطرة النظام بأحسن حالا، فالنظام الذي يباهي بعلمانيته اضطر إلى الانحناءأمام المدّ الإسلامي، ويمكننا أن نرى ذلك جيدا من خلال قانون وزارة الأوقاف السورية المثير للجدل، الذي اعتبر جمهرة من البعثيين ومؤيدي النظام أنه “يرسخ الانقسام الديني في البلاد ويجعلها وزارة تحكم قبضتها المطلقة على عدد من مفاصل الدولة الدينية وتحولها إلى وزارة لا شريك لها في اتخاذ عدد من القرارات”[12].

ولم ينحنِ النظام أمام التمدّد الإسلامي فحسب، بل قدّم تنازلات أيضا للمرجعيات الشيعية والكنائس المسيحية، ما جعل البلد الواحد، بل المدينة الواحدة عدّة بلدان وعدّة مدن. ففي دمشق مثلا يختلف نمط الحياة في القصاع وباب توما اختلافا كبيرا عن الميدان ويختلف الحيّان عن حيّ الأمين أو السيدة زينب. وكانت النتيجة تعميق الانقسام المجتمعي بين مكونات الأمة السورية.

حال العلمانية السورية اليوم

ويحقّ لنا استنتاج أن حال العلمانية في سوريا اليوم أسوأ من حالها قبل عقد من الزمان وقبل عقود كثيرة. وسوريا التي طالما عرفت، منذ انفكاكها عن الإمبراطورية العثمانية، نوعا من العلمانية الشفافة التي، وإن لم تسمّ باسمها، فإنها كانت واضحة ولينة ولم يعترض عليها معترض، تجد نفسها اليوم في حال أسوأ بكثير، فكثرة ممن يدّعون العلمانية يقفون الآن في صفّ النظام وأيّدوا فجوره ضدّ السوريين، إما خوفا من التغوّل الإسلامي الذي كانوا يرونه رأي العين في مناطق سيطرة المعارضة أو تشبثا بمواقع يسارية بائسة تقوم سياستها على المناكفة وردّ الفعل وليس المبادرة والفعل.

 وبالمقابل، تخلّى الكثير من المثقفين عن علمانيتهم، بزعم أن الوقت الآن ليس للترف النظري والفلسفي، بل للتغيير على الأرض. وسنحتاج سنوات قليلة قبل أن نعود إلى طرح القضية للبحث بشكل جدي ومثمر. ومع ذلك، فإن أي طرح لمستقبل سوريا بعيداً عن العلمانية سيكون خطوة أخرى باتجاه إبعاد البلاد عن الحداثة والديمقراطية والعيش المشترك، فالعلمانية ضرورة لإنتاج الدولة الوطنية الحديثة، في مواجهة اللادولة، أو الاستبداد والعنف والطغيان، وهي أداة السوريين الأكثر أهمية في تأسيس وحدتهم القائمة على أساس التعددية والتنوع والغنى القومي والطائفي والمجتمعي.

العلمانية ليس حكم قيمة

ولنتذكر في الختام أن العلمانية ليس حكم قيمة، بل هي أسلوب في الفكر والحياة، يعتبر أن الإنسان هو جوهر القضية وليس الفكرة أو العقيدة أو الدين. وهذا وحده ما يجعل من المتّحد المجتمعي مكانا صالحا للحياة والتفاعل والإنتاج والتطور.

وقد يكون أفضل ختام قول المفكر السوري جاد الكريم الجباعي في أن العلمانية “ليست صفة خارجية نطلقها على الدولة جزافاً وننزعها عنها جزافاً، وليست حكم قيمة ذاتياً يطلقه العلمانيون على الدولة، بل هي حكم واقع يتعلق بأساس الدولة الوطنية الحديثة ومبادئها، وليست اختياراً ثقافياً أو انحيازاً أيديولوجياً، إلا على صعيد الأفراد. الدولة الوطنية إما أن تكون علمانية وإما لا تكون دولة وطنية، بل لا تكون دولة. هذا الأمر لا يتعلق بواقع الاختلاف والتنوع، على الصعيدين الديني والإثني فقط، بل يتعلق بماهية الدولة الحديثة، دولة الحق والقانون أساساً.”[13]

هوامش

[1] كالدكتور محمد سعيد رمصان البوطي وعبد الرحمن حسن حبنّكة.

[2]  ، كالشيخ عبد العزيز الخطيب، وبدرجة أقل الشيخ راتب النابلسي.

[3] يمكن بخصوص الاستشهاد بالمقدّس مراجعة المناظرة الشهيرة بين الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي والدكتور طيب تيزيني. متوفرة على الرابط https://bit.ly/2Wk3VKP وفي هذه المناظرة يعتمد الشيخ البوطي على سؤال يسأله لمناظره، وسيستند إليه في جلّ طرحه. ” هل كلانا مؤمن بأن النص الذي سنتحدث عنه إنما هو حصيلة وحي تنزّل من عند الله (…) وخوطب به الإنسان؟”

[4] عبد الرحمن حسن حبنكة، هوامش على كتاب نقد الفكر الديني، منقولة عن “محمد كامل الخطيب، حرية الاعتقاد الديني، مساجلات الإيمان والإلحاد منذ عصر النهضة إلى اليوم، منشورات رابطة العقلانيين العرب، دمشق – 358

[5]  يقول الدكتور محمد شحرور في مقابلة له مع مجلة الجديد (https://shahrour.org/?p=8180 ) عندما صدر كتابي الأول «الكتاب والقرآن» عام 1990، لم أكن أتوقع أن يلقى ترحيباً، وتعرّض الكتاب لهجوم شرس في حينه، لكني لم آبه له، وكان رد معظم رجال الدين هو تحريم قراءة الكتاب، وبالطبع لم ألق قبولاً لدى الإعلام العربي على عكس شيوخ الطهارة وطاردي الجن، واليوم وبعد انتشار الوسائط المتعددة أصبح من الصعب منع المعلومة من الوصول لطالبها، وما قلته في التسعينات واعتبر تجاوزاً كبيراً على «المقدسات» أصبح اليوم يتداول حتى على ألسنة من هاجموه، ورغم أن الانتشار ما زال محدوداً إلا أني أتفاءل بالمستقبل، فجيل الشباب يبحث عن أجوبة لأسئلته. واتهم شحرور بالردة (راجع http://www.ahl-alquran.com/arabic/show_news.php?main_id=6739  كما اتهم بالعلمانية (راجع أسامة شحادة https://bit.ly/31PQvay)

[6]  راجع: د. محمد شحرور، هل الدولة الإسلامية هي الحل؟ متوفر على موقعه الرسمي على الرابط التالي: https://shahrour.org/?p=4013

[7]  للمزيد عن فكر الشيخ الخزنوي ورؤيته للعلمانية، راج: وائل السواح، الشيخ الكردي السوري محمد معشوق الخزنوي… خرج ولم يعد، جريدة الحياة 1 حزيران/يونيو 2005، متوفر على الرابط التالي:  https://bit.ly/2BLixJS

[8]  راجع وثيقة كان كتبها الراحل قبل وفاته، متوفرة على الرابط التالي: http://www.asharqalarabi.org.uk/huquq/b-huquq-18.htm

[9]  انظر في هذا الصدد برهان غليون، المسألة الطائفية ومسألة الأقليات، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت 2012، المقدّمة، وفيها يقول: ” المثقفين (العلمانيين) سعوا “إلى نفي التعددية المذهبية والدينية الرمزي في إطار دعوة علمانية تتجاوز السياسي لتشمل المجتمع بأكمله، وتظهر كما لو كانت عقيدة جديدة للدولة والأمة يجب أن تنحل فيها أو تذوب العقائد والمذاهب والأديان الأخرى كلها”.

[10]  يقول د. برهان غليون إن العلمانية باتت إيديولوجية لـ “تبرير ضرب حرية الاعتقاد الأساسية، ووسيلة للتغطية على انعدام هذه الحرية في الواقع والممارسة”. نفس المرجع ص 30.

[11]  ومنهم عزيز العظمة، جورج طرابيشي، صادق جلال العظم، وراتب شعبو.

[12]  هل فُصِّلَ القانون على مقاس وزير الأوقاف؟ موقع سناك سوري الموالي للحكومة السورية، متوفّر على الرابط التالي: https://bit.ly/2PmM8RM

[13]  انظر جاد الكريم جباعي، دخل سياسي إلى العلمانية أو مدخل علماني إلى السياسة، موقع الأوان، متوفر على الرابط التالي: https://bit.ly/32NgQaJ