تدريباتنا

إنجازات “التربية”: حفلة “ردح” وتصريحات فارغة

by | Sep 17, 2020

* تُنشر هذه المادة ضمن ملف صالون سوريا “الحرب على كورونا: معركة جديدة مصيرية للسوريين\ات

لم يمضِ أقل من أسبوع على حفلة “الردح” التي جرت بين وزير التربية السوري درام الطباع وعميد كلية الطب البشري في جامعة دمشق نبوغ العوا بخصوص العودة إلى المدارس، حتى صدر قرار بإقالة الأخير من منصبه وتعيين خلف له، في موقف اعتبره الكثيرون نقطة لصالح الطباع تمكن فيها من تسجيل هدف في مرمى العوا، حتى وإن كان بدون قصد. واللافت في الأمر أن عميد كلية الطب السابق لم يبلغ رسمياً بتعيين عميد جديد بدلاً عنه، وأن خبر التعيين وصل إليه كما وصل إلى العامة حسب تعبيره. ويأتي هذا القرار في الوقت الذي لمع اسم العوا في الآونة الأخيرة في ظل انتشار فيروس كورونا، حيث تمكن من بناء قاعدة جماهيرية له عبر فيديوهات التوعية والوقاية من الفيروس.

وفي العودة إلى تفاصيل السجال الذي دار بين الطرفين، كان قد تسبب اقتراح عميد كلية الطب البشري بتأجيل إعادة طلاب المرحلة الأولى للمدارس لمدة ١٥ يوماً، بإثارة حفيظة وزير التربية السوري ودفعه للتصريح جزافاً، ما دفع الأول للرد، وكالعادة لا يفوت الشارع السوري هذه التصريحات دون تحويلها إلى مادة للتندر لا تخلو من الجدية.

وكان عميد كلية الطب البشري قد وصف عودة المدارس في موعدها المحدد 13/أيلول الجاري لطلاب المرحلة الأولى بـ “المغامرة” ما لم تؤخر، داعياً إلى تأجيلها لمدة أسبوعين آخرين، ريثما يتم الوصول إلى السيطرة الصحيحة على منحنى انتشار فيروس “كورونا”.

وبالرغم من أن الاقتراح الذي قدمه العوا كان “طبياً” بحتاً حسب تعبيره، إلا أنه أغضب الطباع ليرد بالقول: “نحترم عميد كلية الطب البشري وآراءه المطروحة حول تأجيل المدارس، لكنه لم يغلق المشافي ولا الجامعة المشرف عليها”. هذه المقاربة لا تبدو منطقية وغير متكافئة بنظر العوا الذي بدوره رد عبر لقاء إذاعي في شام إف إم بالقول: “الجواب بإغلاق المشافي لا يعادل تأخير المدارس وليس على قدر الاقتراح، وفي حال تم إغلاق المشافي أين سنضع ونعالج المرضى”، موضحاً أن الغرض من الاقتراح المقدم هو: “لمراقبة منحنى الإصابات خلال الـ١٥ يوم باستمراره بالشكل الأفقي لإمكانية عودة الطلاب إلى المدارس دون الخوف، بحيث لا تتعرض جميع العائلات السورية للإصابة ويتصاعد المنحنى”.

الشارع السوري كعادته، ولامتلاكه حساً عالياً بالسخرية والتهكم بدأ بإطلاق سيل من التعليقات الساخرة على مواقع التواصل الاجتماعي، فهناك من وصفهم بـ “مثل الرداحة والنواحة، عيب عليهم”، فيما كتب آخر: “ها قد بدأت معركة قصف الجبهات”. لكن ما ساهم بحجم ردود أفعال السوريين وزيادة حدة سخرية التعليقات والاستهزاءات هي الخلفية التي ينحدر منها وزير التربية وهو اختصاص في الطب البيطري، إذ تعلق ناهد مثلاً: “أسلوبه بالرد يدل على مستوى تدني بالثقافة كتخصصه، فهو يتعامل مع التلاميذ كأنهم مجرد حيوانات في حظائر”. فيما تصف رولا رده بـ “المتسرع ولا يليق بوزير”. أما البعض الآخر فقد طالبوا الوزير بالاعتذار الفوري واستدراك خطأه.

لم يكتف الطباع بهذه الردود، بل ذهب إلى أبعد ما يكون عن المنطق، بفضل تصريحه حول إمكانية إصابة التلاميذ الصغار بفيروس كورونا ونقله بدورهم لأفراد العائلة ممن هم من كبار السن، مقدماً الحل العجائبي، بالقول: “يجب على أي فرد بالأسرة طاعن في العمر أن يقول لطفله أو حفيده، ابتعد عني”، ليثير بذلك موجة سخرية جديدة وتعليقات استهزائية كفرح التي كتبت: “بصراحة أفحمتنا بهاد الحل يلي ما كان خاطر ع ذهننا، برأي لازم يستعينوا فيك بوزارة الصحة العالمية لتحل مشاكلن”.

وما زاد الطين بلة تصريح ممثل اليونيسف في دمشق تشارلز نابونغو (أخصائي في مجال التعليم) خلال مؤتمر صحفي، حيث قال: “أن المدارس في سورية هي بيئة آمنة للأطفال ويجب على الأهل الاطمئنان على أطفالهم”. إذ أثار التصريح مزيداً من سخرية الأهالي واستهجانهم في الوقت ذاته، فتقول آية حسن مثلاً: “عليك أولاً زيارة مدارسنا الرسمية، ثم التفوه بهذا الكلام المجافي للواقع، لأنك حتما لم تشاهد الحمامات المتسخة ولا خزانات المياه الصدئة، أنا متأكدة أنك ستغير رأيك”، فيما تعلق بسمة ضاحكة: “قديش دافعيلو لحتى يحكي هالكلام”.

مواضيع ذات صلة

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

لم تُكسر مرآةُ الهوية السورية بضربةٍ واحدة. تشقّقت على مهلٍ، بخيطٍ رفيع يبدأ من الطابور الصباحي في المدرسة، ولا ينتهي عند حاجزٍ يسأل فيه عنصرٌ شاب رجلاً في الخمسين: "من وين حضرتك؟" فلا يجيب باسم مدينته فحسب، بل باسم طائفته ولهجته وشبهة انتمائه. ستة عقود كان فيها...

مواضيع أخرى

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

 بعد مرور أكثر من عامٍ على سقوط نظام الأسد، وتولي الحكومة الانتقالية شؤون الدولة، مازالت البلاد تعيش ظروفاً اقتصادية ومعيشية مُتردية، فبحسب تقديرات الأمم المتحدة لا يزال نحو 90% من السكان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، في ظل صعوبة الحصول على أدنى مقومات...

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

تُشكّل الثقافة بنيةً رمزيةً مؤسِّسةً للدول الحديثة، ويُعدّ الخطاب الثقافي الرسمي أحد أعمدة بنائها في لحظات التحوّل؛ لأنه أداة تُعيد تعريف الذات الوطنية، وتُرمّم العلاقة بين المجتمع والدولة، وتفتح قنوات الاتصال والتواصل مع العالم. وقد تناول الفيلسوف الإيطالي أنطونيو...

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

لم تكن السويداء بمعزل عن الخلافات ذات الطبيعة التفريقية، كحال أيّ مجتمع عربي؛ إذ تطفو العصبية القبلية بشكل مفاجئ إثر أيٍّ من الخلافات التي قد تتطور إلى تعبئة عنصرية تابعة لأطراف الخلاف، والتي غالباً ما تكون عشائر أو قبائل أو هويات قومية أخرى. ويقع المحظور فتسيل الدماء...

تدريباتنا