تدريباتنا

نحو مادية ديالكتيكية “مثاليّة” للضياع العربيّ الأخير!

by | Feb 4, 2019

*ينشر هذا المقال ضمن الطاولة المستديرة ما الذي تبقى من اليسار السوري؟

“يُقال: إنَّ الظلامَ هو غيابُ النُّور،

 ولكن في النورِ الخالصِ

 لا نرى أكثر ممّا نرى في الظلامِ الخالصِ”

(لينين، خلاصة علم المنطق لهيغل)

 يجب من أجل فهم القيمة الحقيقيّة للتجربة الماركسيّة في العالم العربيّ استحضار الياس مرقص؛ ذلك أنَّ طريقة تفكيره داخل اليسار العربيّ تُعَدُّ ثورة ثقافيّة على هذا اليسار نفسه، فكيف يكون الأمر إذن بالنسبة إلى بقية الاتجاهات أو التوجّهات؟

 إنَّ الماركسيين العرب في رأيه مثاليون لم يعرفوا المعنى الحقيقيّ للماديّة، لذلك فشلوا في تغيير الواقع العربيّ، لكن لم يفشلوا فقط بسببٍ من عجزهم عن تحقيق أيِّ تغييرٍ سياسيّ؛ بل بسبب عجزهم أيضاً عن فهم الماركسيّة بصفتها فلسفةً تنبني، أساساً، على تغيير العالم. لذلك اضطر مرقص إلى العناية بالتفسير عوضاً عن العنايةِ بالتغيير، أي وجد نفسه مرغماً على العودة إلى موقف فلسفيّ كلاسيكيّ تناقضه الماركسيّة نفسها، أعني به التفسير؛ لكن وجدَ هذا المفكّر مسوّغاً لنزعته الماركسيّة التفسيريّة في تجاوز النزعة المثاليّة عند الماركسيين العرب، ولئن كانت تسمية الماركسيين العرب ذات عموميّة كبيرة تفتقد إلى التحديد، إلا أنها كانت مصطلحاً اعتاد مرقص على استخدامه، وهدفه من ذلك الإنباه إلى فشل الماركسيّة العربيّة بعامّة، والماركسيّة السوريّة بخاصّة.

 هذا، ومن أجل الإقدام في موقف تفسيريّ عميق لم يجد مرقص ضالته في ماركس؛ بل في هيغل، أي آثر الرجوع إلى ينبوع دافق من ينابيع الماركسيّة، أعني به المثاليّة الهيغليّة، أو بالأحرى الجدل المثالي الهيغليّ، إذ اكتشفَ مرقص أنَّ ذلك ملائمٌ للواقع العربيّ، بمعنى أنّه ينبغي على الماركسيين العرب أن يتدرّبوا على فلسفة هيغل قبل التمسّك بأهداب ماركس؛ ذلك أنَّ ماركس عصيٌّ على فهمهم بمعزل عن هيغل؛ غير أنه يمكن القول: إنَّ مرقص وجد في فلسفة هيغل أمراً مناسباً لأنطولوجيا الواقع العربيّ، على أساس أنَّ هيغل فهم العالم الشرقيّ ومنه العالم العربيّ على أنّه ملكوت العهد الحيوانيّ للروح المطلق أو للفكرة الشاملة.

 إذن، العالم العربيّ هو المطلق في حيوانيته، في مقابل العالمِ الجرمانيّ الذي هو المطلق في إنسانيته، علماً أنه لا قيمة للمطلق نفسه في فلسفة هيغل إذا لم يرتقِ إلى الإنسانيّة، أي إذا لم يثبت أو يُحقّق أو يؤكد ذاته في الإنسانيّة، وبما أنَّ المطلق في حيوانيته في عالم العرب، فإنَّ الماركسيّة ليست صالحة في هذا الاتجاه، لأنها متقدّمة على الثقافة العربية، إذ إنَّ الماركسيّة، أساساً، قوّضت تاريخ الفلسفات المثاليّة الغربيّة، ومنها فلسفة هيغل عندما قلب ماركس الديالكتيك الهيغليّ المثاليّ المعبّر عن عقل الألوهيّة، ليجعله ديالكتيكاً ينبثق من أعماق المادّة وينظم العالم على أساس هذا الانبثاق.

هذا، ورغم انقلاب ماركس على هيغل، إلا أنَّ مرقص عاد إلى هيغل، لكن مُؤوَّلاً على طريقة لينين في “الدفاتر الفلسفيّة”. إذن، وكما يقول مرقص نفسه في مقدمة ترجمته لكتاب روجيه غارودي فكر هيغل: “هيغل هو الماديّ، وخلفاء بوغدانوف العرب وأقرانهم في أوروبا وعلى امتداد العالم الثالث هم مثاليون ذاتيون، حاملو المثالية الأسوأ..” (١).

 لم يقتنع مرقص بتنظيرات الماركسيين العرب ولا بفهمهم لمعنى الماركسيّة، إذ إنَّ تعويلهم على المنهج الماركسيّ، في حركيّة تكامله، استناداً إلى الماديّة الديالكتيكيّة والماديّة التاريخيّة والاقتصاد السياسيّ العلميّ، -أقول: إنَّ تعويلهم على هذا المنهج نفسه ليس إلا ادعاءً فارغاً؛ ذلك أنهم خدعوا أنفسهم باعتقادهم أنهم صاروا ماديين بمجرد اتخاذهم موقفاً إلحاديّاً إزاء الدِّين. غير أنّهم وقعوا في شِراك أكثر خطورة. يقول مرقص في مقدمته نفسها: “لنعترف بأنَّ أصحابنا “الماركسيين العرب صورة (كاريكاتوريّة، مضخّمة، نوعيّة، جاهلة، شرقيّة) عن وضعٍ دوليّ”(٢).

يعني كلام مرقص هنا أنَّ الماركسيّة العربيّة ضربٌ من المستحيل، إذ إنَّ مصطلح “ماركسيّة عربيّة” ينطوي على ضربٍ من السُّخرية، إذ إنّه لا يمكن تكوين أيّة ماركسيّة في مجتمعات ليست إلا انعكاساً لملكوت العهد الحيوانيّ للروح المطلق!

إنَّ مرقص يسخر سخرية مريرة من أعرق التجارب الماركسيّة في العالم العربيّ، سخرية تثير مشاعر اليأس والقنوط وفقدان الرجاء، إذ إنَّ سخريته تنبعُ من موقفٍ نقديّ لا يُعنى بأعداء الماركسيّة من العرب بقَدْر ما يُعنى بنقد الماركسيين العرب أنفسهم. ويمكن أن نجازف بالقول: إنَّ مشكلته الرئيسة تكمن في الماركسيين العرب، وليس في أعداء الماركسيّة من العرب. إنّه يواجه أبناء جِلدته من الماركسيين العرب، لأنّه معجب جداً بعبارة عميقة جداً للفيلسوف اليونانيّ هِرقليطُس قال فيها: “إنَّ العيون والآذان شهود سيئون عندما تكون النفوسُ بربريّةً”، بمعنى: أنه لن يثق بحواس أو بماديّة الماركسيين العرب، لأنَّ نفوسهم أو عقولهم مثاليّة؛ لذلك ذهب في نقده للماركسيين العرب إلى حدّ بعيد-قد يكون غير مقبول أحياناً-إذ قال في كتابه “نقد العقلانيّة العربيّة” عن خالد بكداش: “…بكداش إمام الماديّة والعلميّة والإلحاد. بكداش يجهل موقف ماركس من هذا المصطلح…-”ماديانيّة“…”(٣).

إنَّ الماركسيين العرب لم يعرفوا ماركس، لأنهم لم يفهموا معنى الوجود في جملته الجامعة على أساس لفظة بسيطة ومُركّبة في آن، أعني بها، استناداً إلى مرقص “العمل”. إذ إنَّ “العمل الخلّاق” وفقاً لاصطلاح ماركس نفسه، هو المعنى النهائيّ لوجود الإنسان، ولا يوجد، ماركسيّاً، ما هو أبعد من ذلك.

إنَّ ما يريد مرقص تأسيسه عند العرب هو أنطولوجيا ماركسيّة للعمل، أو علم وجود ماديّ للعمل، فإذا كانت الأنطولوجيا، وفقاً لتعريفها الكلاسيكيّ، هي علم الوجود بما هو موجود، فإنَّ الوجود لا يتجلّى إلا إنسانيّاً، ولأنّه كذلك، فإنّه موجود بوساطة العمل، لذلك لا يوجد مكان هنا للحديث عن علل أو أسباب أو ماهيّات يمكنَ إرجاع الوجود إليها، ذلك أنَّ الوجود في مُختلف درجاتِ تَنَاسُبِهِ أو هرميته، لا معنى له بمنأى عن الإنسان، لذلك هو-أعني الوجود-بذاته وفي ذاته ومن أجل ذاته ليس إلا إنسانيّاً، وما هو إنسانيّ لا قيمة له، إلا على أساس العمل، أو على حدِّ تعبير إلياس مرقص “الشُّغل”. إذن ما يشغلني بصفتي إنساناً هو العمل؛ ذلك أنَّ الإنسان هِرمينوطيقيّاً أو تأويليّاً، هذا إذا أخذنا التأويل بالمعنى الماديّ، أي بمعنى تفجُّر ينابيع الحقيقة الأنطولوجيّة للمادّة، هو في نهاية المطاف مادة تعمل، أو عمل يصير مادة، أي مادة تعمل على تكوين نفسها، وهنا تتجلّى نزعة مرقص الهيغليّة –هذا إن أصاب كاتب هذه السطور- أعني أنّها تتجلّى في فهم هيغل للمعنى النهائيّ للوجود: موضعة الذات وتذويت الموضوع، أي وفقاً لقلبٍ ماركسيٍّ للهيغليّة، بوساطة لينين، لا بدّ من ترسيخ العمل، أنطولوجيّاً، في الثقافة العربيّة، في أفق الصياغةِ الماركسيّة لها؛

 لكن مرقص، انطلاقاً من هيغليته، يريد أن يُبيّن فشل الماركسيين العرب، لأنهم لم يؤصّلوا العمل أنطولوجيّاً، كما يريد في الوقت نفسه أن يُبيّن فشل الإسلامويين العرب، لأنهم أيضاً لم يؤصّلوا الله أنطولوجيّاً، يقول مرقص: “الله مُغيّب! لا سيما في خطاب “الأصوليين الرجعيين” الذين قرروا البقاء أو التفاعل مع الفكر القوميّ” (٤). إذن، هناك فشلٌ متضافر عند العرب، ماديّاً ومثاليّاً، أو بالأحرى، ماركسيّاً ودينيّاً، وهنا تظهر ثقافة مرقص الضاربة بجذورها عميقاً في حقيقةِ الأمور، إذ إنّه يتوسّل المعطيات كلّها، انطلاقاً من مَرجِعِيَّتيه الهيغليّة واللينينيّة، فالعالمُ العربيّ منسوجٌ بالمثاليّة والماديّة معاً، لكن الماديّة، كما فهمها لينين الذي يعاني من الطبيعة الإقطاعيّة لروسيا التي تجعله، أحياناً، يعمل على تعديل المنهج الماركسيّ الذي يحتاج لتطبيقه، ثوريّاً، إلى دولة مثل بريطانيا وليس مثل روسيا، لذلك العالم العربيّ في رأي مرقص بحاجة إلى هيغل بقدْر حاجته إلى ماركس، ولذلك هو أساساً بحاجة إلى لينين. يقول مرقص معبِّراً بذكاء بالغ عن هذا التداخل بين الماديّة والمثاليّة في العالم الشرقيّ: ” براهما (“الإله-الكلمة “) يُخيم علينا (وعلى غيرنا). واللوجوس هو، نوعاً ما، كلّ الفلسفة. اللوجوس أي الربط، العقل، النطق، الكلام، الحساب. هيراكليت، وهيبوقراط، أفلاطون وأفلوطين، القبالة اليهوديّة Kabbalah والصوفيات والباطنيات، وعرب هذا الزمان وثوارهم“(٥) .

الهوامش

١- مقدمة الياس مرقص لترجمة كتاب روجيه غارودي، فكر هيغل، دار الحقيقة، بيروت، بدون تاريخ، ص:8-9.

٢ -المصدر نفسه، المعطيات السابقة نفسها.

٣ -الياس مرقص، نقد العقلانية العربيّة، دار الحصاد، دمشق، 1997 ص:462.

٤ -مرقص، نقد العقلانيّة العربيّة، مصدر سابق، ص: 374.

٥ -مقدمة ترجمة مرقص لكتاب روجيه غارودي: فكر هيغل، ص:50.

مواضيع ذات صلة

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات...

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

مواضيع أخرى

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

ربما كانت سوريا، عبر تاريخها، من أكثر بلدان العالم "اكتظاظاً" بالأحزاب والسياسيين والزعماء و"القادة الملهمين"، حتى يُنقل قول معروف على نطاق واسع عن الرئيس شكري القوتلي عندما سلَّم سوريا الديمقراطية الصاعدة لجمال عبد الناصر مرغماً تحت ضغط الضباط البعثيين والقوميين...

حين يصبح الجسد وطناً: شعر وداد نبي بين المنفى والذاكرة

حين يصبح الجسد وطناً: شعر وداد نبي بين المنفى والذاكرة

قارة اسمها الجسد عنوان المجموعة الشعرية الصادرة باللغة الإيطالية للشاعرة السورية وداد نبي، والتي فازت بجائزة كامايوري الدولية للشعر 2025 في إيطاليا. صدر الكتاب عن دار دي فيليتشه، وقام بترجمة المجموعة الناقد سيموني سيبيليو. تحوي المجموعة قصائد منتقاة من...

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

يمثل قطاع الكهرباء في سوريا عصب الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وهو اليوم أمام مفترق طرق مصيري، إذ يقف بين إرث من الإهمال المتراكم والدمار الذي طال البنية التحتية لعقود، وبين فرص تاريخية لإعادة البناء تتقاطع فيها قرارات محلية مصيرية مع تحالفات إقليمية معقدة وصفقات غاز...

تدريباتنا