تدريباتنا

كوميديا سوداء على الملاعب السورية

by | Jul 2, 2018

قد يحظى المونديال الكروي في روسيا بمتابعين ومشجّعين كُثُر حول العالم، ومن بينهم الكثير جداً من السوريين، فهي البطولة الرياضيّة الأشهر في العالم ولا ريب، ولكن ربّما من المفيد لنا أن نسلّط الضوء على “المونديال” الحقيقي الذي يجري على أرضنا وبين جمهورنا، وبمشاركة فعّالة ومؤثرة من منتخبات: قطر والسّعودية وتركيّا وإيران وأمريكا وفرنسا وبريطانيا وروسيا والأردن وإسرائيل ولبنان والعراق ومصر وألمانيا والصّين، وبمشاركة بعض الدول القلقة على حقوق البث واللّعب النظيف، مثل سويسرا وهولندا والنرويج وكندا.

كان من أبرز المحطّات في المونديال السّوري، خروج المنتخب القطري على يد المنتخب السّعودي في الدور الثاني، رغم أنه كان من أبرز المنتخبات اللاعبة على مستوى بطولات الرّبيع العربي وفي التصفيات المؤهّلة للمونديال السّوري، وبالتالي كان مُرشّحاً قويّاً للفوز، خاصّة مع وجود لاعبين أساسيين في صفوفه من الإخوان المسلمين وحزب الشّعب الديمقراطي، في حين خرج المنتخب السّعودي من الدور ربع النهائي، على الرغم من أنه قاد اللعب لصالحه فترة من الزمن، بعد أن أطاح بالمنتخب القطري القوي آنذاك، وتُعزى أسباب خروجه المبكّر إلى تركيز طاقمه الفني على بطولة “كأس الخليج” المحليّة، كونها ذات أهميّة أكبر للمنتخب السّعودي مقارنة بالبطولات الأخرى، وخاصّة بعد مشاركة غير مُتوقّعة من المنتخب الإيراني (الخصم التقليدي) في البطولة الخليجية، وللعلم تجري مباريات هذه البطولة على الملاعب اليمنية، وفي قسم منها على الملاعب المحيطة لقطر بمشاركة المنتخب المصري.

بعد مباريات شديدة الصّعوبة في المونديال السوري، وصل إلى نصف النهائي كل من منتخبات: روسيا وأمريكا وتركيا وإيران، وكما هو واضح، تمتلك هذه المنتخبات حظوظاً قريبة من بعضها بحيث يصعب التكهّن بمن يستطيع الوصول إلى المباراة النهائية وإحراز اللقب، فالمنتخب الرّوسي أصبح كمَن يلعب على أرضه وبين جمهوره، مع مساندة واضحة من المنتخب السوري وبعض الأندية والفرق المحلية واللبنانية والعراقية الموالية، والمنتخب التركي صنع أرضية مناسبة له للعب في الشمال السوري، وبمساعدة كبيرة من فرق المعارضة السّورية، والغريب أنه لا زال محتفظاً بجمهوره ومشجّعِيه السوريين، على الرغم من أنه أصبح يلعب لصالح الطرف الآخر في البطولة، كما أنّه غيّر تكتيك لعبه من تسجيل الأهداف إلى المراوغة ومحاولة السيطرة على أرض الملعب، ثم الاحتفاظ بالكرة لأطول فترة ممكنة، وذلك مع نهاية الدور الأول.

بينما يمتلك المنتخب الأمريكي حظوظاً قويّة لفرض إرادته داخل الملعب السوري، سواء في الشّمال أو الجنوب، داعماً صفوفه بلاعبين مخضرمين ومحترفين من بعض الدول الغربية التي لم تكن تمتلك منتخباتها حظوظاً للفوز في البطولة من دونه، كفرنسا وبريطانيا وألمانيا وإسرائيل، وأيضاً استثمر في بناء “أندية” خاصة له في شمال شرق سوريا، كما قام بدعم وتدريب فريق سوري محلّي، استطاع أن يحقق إنجازاً جيداً على صعيد البطولة المحلية، ولكنه بات يظن بأنه قادر على تكوين منتخب قومي قادر على المنافسة في البطولات العالمية.

في حين أصبحت حظوظ المنتخب الإيراني أقل لبسط سيطرته على ملاعب الجنوب، بعد شبهات واضحة من التنسيق بين المنتخبين الأمريكي والروسي، وتعاونهما لحيلولة وصوله إلى المباراة النهائية، على الرغم من التنافس الشديد بين المنتخب المذكورين على إحراز اللقب.

يُذكَر بأنّ سوريا وجدت نفسها تستضيف المونديال العالمي على أراضيها بدون تخطيط مسبق، في حين خرج منتخبها الوطني من التصفيات المؤهلة للبطولة، في سابقة هي الأولى من نوعها، بينما يتسابق لاعبو وفرق المعارضة السّورية للعب لصالح بعض المنتخبات الإقليمية والدولية المؤثرة، وبعقود سيئة كما وصفها الكثير من المحللين والمتابعين.

وكما جرت العادة، يعاني الاتحاد الدولي للعبة من هيمنة المنتخبات الكبرى، حيث أصبحت اجتماعاته وقراراته جسراً لتنفيذ رغباتها، وبالتالي ضاعت هيبة حكامه الُمنَتدبين، وفقدوا كل إمكانيات فرض قوانين اللعبة المعتمدة، وخاصة فيما يتعلق باللعب النظيف.

ومن غرائب هذا المونديال، بأنه بدأ كبطولة محلية بحتة وبشعارات جيدة، لكن ما لبث أن توسّعت دائرة المشاركة بعد عدة أشهر لتدخل إليها منتخبات إقليمية وعربية إلى جانب فرق المعارضة وأخرى إلى جانب منتخب النظام، لتصبح البطولة إقليمية شديدة الضراوة على الملاعب السورية، وتحت شعارات طائفية تجاوبت معها أغلب الأندية المحلية وبعض الجمهور السوري، الأمر الذي جذب اهتمام بعض الفرق الأجنبية المتشددة، والمسجلة على القائمة السوداء للاتحاد الدولي للعبة، حيث تسلل لاعبوها من كل حدب وصوب إلى داخل الملاعب السورية، وفرضوا إيقاعهم على اللعب بعيداً عن قوانين الاتحاد الدولي، مما حدا بالمنتخبات الكبرى في العالم للزجّ بمنتخباتها الوطنية في محاولة منها إلى إعادة ضبط إيقاع اللعب، وتجريب الحديث من خططها ومهاراتها، ثم التنافس لتحقيق لقب عالمي جديد، وبالتالي تحوّلت البطولة المحلية إلى مونديال عالمي مفتوح لكل من يرغب في المشاركة ويجد بأن لديه حظوظاً وقدرة على الفوز.

ونظراً لكثرة المشاركين، ورعونة اللاعبين، تضررت الملاعب السورية كثيراً، وفقدت الجماهير السورية حماسها للبطولة، وبدأت عملية النزوح بعيداً عن الملاعب في الداخل، أو الهجرة خارجا لأجل البحث عن مستقبل لا تفسده تلك اللعبة ورُعاتها.

مواضيع ذات صلة

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

لم تُكسر مرآةُ الهوية السورية بضربةٍ واحدة. تشقّقت على مهلٍ، بخيطٍ رفيع يبدأ من الطابور الصباحي في المدرسة، ولا ينتهي عند حاجزٍ يسأل فيه عنصرٌ شاب رجلاً في الخمسين: "من وين حضرتك؟" فلا يجيب باسم مدينته فحسب، بل باسم طائفته ولهجته وشبهة انتمائه. ستة عقود كان فيها...

مواضيع أخرى

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

 بعد مرور أكثر من عامٍ على سقوط نظام الأسد، وتولي الحكومة الانتقالية شؤون الدولة، مازالت البلاد تعيش ظروفاً اقتصادية ومعيشية مُتردية، فبحسب تقديرات الأمم المتحدة لا يزال نحو 90% من السكان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، في ظل صعوبة الحصول على أدنى مقومات...

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

تُشكّل الثقافة بنيةً رمزيةً مؤسِّسةً للدول الحديثة، ويُعدّ الخطاب الثقافي الرسمي أحد أعمدة بنائها في لحظات التحوّل؛ لأنه أداة تُعيد تعريف الذات الوطنية، وتُرمّم العلاقة بين المجتمع والدولة، وتفتح قنوات الاتصال والتواصل مع العالم. وقد تناول الفيلسوف الإيطالي أنطونيو...

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

لم تكن السويداء بمعزل عن الخلافات ذات الطبيعة التفريقية، كحال أيّ مجتمع عربي؛ إذ تطفو العصبية القبلية بشكل مفاجئ إثر أيٍّ من الخلافات التي قد تتطور إلى تعبئة عنصرية تابعة لأطراف الخلاف، والتي غالباً ما تكون عشائر أو قبائل أو هويات قومية أخرى. ويقع المحظور فتسيل الدماء...

تدريباتنا