تدريباتنا

السوريون في فرنسا: الألزاس مثالاً

by | Jun 19, 2018

ستراسبورغ

تقع مدينة ستراسبورغ  في إقليم الألزاس الذي تم تغيير اسمه إلى إقليم الشرق الكبير بعد دمج عدة أقاليم معه لأسباب اقتصادية بحتة  هدفت لرفع مستوى تلك الأقاليم الضعيفة النمو الاقتصادي والناتج العام. وتُعتبر مدينة ستراسبورغ المدينة الثالثة  في فرنسا من حيث مستوى الدخل والرفاهية بعد مدينتي بوردو ورين .

قبل الحرب السورية كان  عدد السوريين في المدينة لا يتجاوز المائة شخص، وهم غالباً من الطلاب الذين أنهوا دراساتهم الجامعية العليا وتزوجوا من سيدات فرنسيات واستقروا فيها. وبعد العام 2014 بدأت العوائل السورية تتوافد إلى المدينة ليصل الرقم حالياً إلى ما بين ألفين وألفين وخمسمائة سوري، ويتضمن هذا الرقم عائلات وشابات وشباب عازبين يدرسون ويعملون. وتجدر الإشارة الى أن عدداً كبيراً من العائلات  قد قررت التجمع معاً في منطقة واحدة محددة بناء على ارتباطاتهم العائلية أو الأقلوية كالطائفة أو بلد المنشأ أو علاقات الصداقة المميزة بين تلك العائلات، المهم تلك القناعة أنّ وجودهم معاً هو علامة الأمان الأقوى والأكثر خيراً على الجميع.

لا يوجد رابطة رسمية للسوريين في المدينة، إلا أنّ الغالبية تعرف بعضها من الأسماء، فالأسماء والألقاب معروفة وإن غابت الوجوه عن مساحة المعرفة البصرية أو الذاكرة.

***

أحمد إيزولي مهندس ميكانيك حاصل على درجة الماجستير في تنقية المياه ومحطات المعالجة، يقيم في المدينة منذ عام 1993، زوجته سورية وناشطة في مسرح الهواة وقد حصلت الفرقة المسرحية التي تعتبر عضواً أساسياً من أعضائها على جوائز فنية عالية وبشكل متكرر. افتتح المهندس المذكور مطعماً أسماه “حبيبي” باللغة العربية، ويقدم ً  تبولة ومسبحة وبرغل ببندورة وفلافل وشاورما وكبة وبرك جبنة وسبانخ، وفي شهر رمضان يقدم وجبات خاصة للصائمين، يضيف إليها شوربة العدس والتمر وشراب التمر هندي والمشمش والليمون، مع الإشارة إلى أن غالبية زبائنه من الفرنسيين. وقد نافس مطعم أحمد من سبقه من أصحاب المطاعم اللبنانية، وكل متصفح لصفحة المطعم على الفيس بوك يتعرف إلى ما يقدمه المطعم وبالتالي يمكن عبر الموقع نفسه  التعرف على المستوى المميز والرفيع للمطعم ونوعية ما يقدمه وحسن تعامل صاحبيه مع الزبائن .

***

يتميز الطلبة السوريون بانتظامهم في المدارس فور وصولهم وسعيهم الحثيث للتعلم، ويبرعون في اختبارات الطب والفنون وهندسة المعلوماتية. حسن رب عائلة سورية قدمت إلى ستراسبورغ من حوالي السنتين، ابنه البكر كان في الصف العاشر الثانوي  وخلال سنته الدراسية الأولى تجاوز صعوبات تعلم لغة جديدة وهو الآن في الثانوية وقد قام باختيار العلوم الطبية للدراسة بعد ما خيرته إدارة المدرسة بين هذا الاختصاص واختصاص الهندسة المدنية نظراً لارتفاع معدل علاماته في الصف الحادي عشر.

السمة الغالبة للعائلات السورية في المدينة هي قدومها مجتمعة عبر برنامج اللجوء في منظمة الهجرة الدولية بمكتبها في بيروت، وبالتالي فإن عذابات الغربة جاءت أخف لأنّ الأسرة تقاسمت صدمة التعرف إلى بلد جديد وروتين إداري مقيت وطويل ومبالغ فيه، لدرجة أن أحدهم أعلمني بأن ما قدمه من الأوراق لدوائر الضمان الصحي واللجوء والإعانة والسكن يبلغ حجمها حقيبة بوزن أربعين كيلو غراماً.

لكن ثمة من قدم وحيداً واختبر مشقة الانتظار ولوعة الوحدة والقلق على من تبقى من أفراد عائلته في سورية أو في ما يخص موافقات لم الشمل وتوقيت الاجتماع بالعائلة مجدداً. يروي أحد السوريين أنه قد تعرف على لاجئٍ جديدٍ في المدينة، وقد شكا وبكى وندب حظه لدرجة دفعت الشاب المقيم منذ مدة للتوسط  لدى أحد الأصدقاء الفرنسيين لإيوائه كي يوفر عليه بدل الإيجار والخدمات حتى موعد حلول الوقت المناسب لتؤمن له الدوائر المختصة كل ذلك، ليكتشف الشاب المغيث والفرنسي صاحب النخوة أن السوري الميمون لديه حساب بنكي يتجاوز الخمسين ألف يورو!

لانا طفلة سورية عمرها خمسة أعوام قدمت الى المدينة منذ سبعة أشهر وهي الآن “بلبل بالفرنسي” (حسب التعبير الشائع  لدى السوريين الذين يعانون من نقص حاد في معارفهم اللغوية بالعربية فكيف باللغات الأخرى!). لانا متفوقة على كافة زملائها بالمدرسة وقد بدأت  بالانخراط بصف الرقص وتبدي نجاحاً مميزاً واندماجاً كبيراً ما بين أقرانها من الجيران وزملائها ومعلميها في المدرسة.

في نهاية كل عام دراسي تقيم المدارس حفلاً وداعياً لطلابها، غالباً ما يكون يرافقه نشاطات متنوعة وله صفة المرح فحسب، لكن بعد قدوم أستاذ موسيقا جديد وهو شاب سوري تغيرت نكهة الحفل وتفاصيله، خاصةً بعد إصراره ونجاحه في تشكيل أوركسترا وكورال من الطلاب أنفسهم بعد أن تحولت دروس الموسيقا إلى منجمٍ من ذهب لاكتشاف المواهب والميول الفنية  وتوظيفها وتطويرها، لدرجة أنّ الأهالي وإدارة المدارس طالبت المحافظة بلحظ رصيد مالي محدد وسنوي لتأمين تكاليف رعاية واستمرار وتطور الكورال والأوركسترا، واللافت أنّ بداية الحفل كانت بأغنية “لما بدا يتثنى” والتي أدّاها طلابٌ لا يوجد بينهم طالبٌ عربي واحد.

كما أنّ الأستاذ المذكور قد فاز بعقدي عمل مع المحافظة، الأول لورشات عمل تحت عنوان “العلاج بالموسيقا للأطفال أصحاب الاحتياجات الخاصة”، والثاني “ورشات عمل بمجال الموسيقا مع أطفال اللاجئين وحكايا اللجوء والنجاة”.

***

اللجوء أكثر من مكان جديد ومن حكايا شوقٍ وترقبٍ ونجاةٍ، اللجوء هو أماكن التسوق بلكنتك الغريبة وبحثك عن بائع خضار سوري أو مغاربي ليطمئن قلبك فتبالغ بالشراء، اللجوء هو التدقيق في ممتلكات الآخر شريكك في بلدك الأصلي وسؤال النفقات والمقدرة والخوف من العجز والإفلاس، اللجوء هو السؤال عن راتب اللجوء وهل لديك طبيب للوصفات الإضافية، ونميمة بأنّ فلاناً لديه أربعة أطفال مما يعني خمسمائة يورو إضافية عن راتبك الشهري والتعويضات، اللجوء هو أن تقرّش كل يورو حسب الليرة السورية وتقرّر حينها فقط هل تشتري تلك الحاجة أم لا.

يوقفني رجل فرنسي وأنا عائدة من سوق الخضار الشعبي ليقول بلكنة فرنسية خالصة “سيري Syrie؟”  أي سورية! ( وعندما أجيب بنعم يقول لي مشيراً إلى ربطات البقدونس التي أحملها (تبولة!)).

العلامة الفارقة هي براعة السوريين في التعرف إلى الأماكن العامة وخاصة مراكز التسوق بسرعة، وقلة الاختلاط بالفرنسيين مع أن جلّهم بادر بإقامة علاقات اجتماعية مع الجوار وخاصة الجيران في ذات المبنى، خاصة إذا كانوا من اللاجئين أو المهاجرين أمثالهم، لكنها باءت جميعها بالفشل. ولابد من الإشارة إلى أنّ علاقاتٍ مميزةٍ جمعت بعض العائلات السورية ببعضها البعض بعد أن تم التعارف في ستراسبورغ عبر أو بعد رحلة الاستقرار في الوطن الجديد.

أكثر الأسئلة مدعاةً للضياع كان “هل تشعر بأن فرنسا هي وطنك الثاني؟” سؤال استدعى معنى الوطن والحقوق والواجبات والحرب والغربة ومتاهات العزلة والاندماج، وظل معلقاً دونما جواب، كالأرواح الهائمة في عشق المكان وذكرياته وفي رحلة التعرف إلى جديد لا خيار في الامتثال لشروط العيش فيه وإن بدت عبارة الشروط مجرد تغيير طارئ سيعيد ترتيب نفسه هناك في المكان المعلق بين العودة أو عدمها! أما الزمان والتوقيت فمجرد هلام لا يُكمش ويتسرب كالحلم من بين أصابع الزمن.

مواضيع ذات صلة

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

لم تُكسر مرآةُ الهوية السورية بضربةٍ واحدة. تشقّقت على مهلٍ، بخيطٍ رفيع يبدأ من الطابور الصباحي في المدرسة، ولا ينتهي عند حاجزٍ يسأل فيه عنصرٌ شاب رجلاً في الخمسين: "من وين حضرتك؟" فلا يجيب باسم مدينته فحسب، بل باسم طائفته ولهجته وشبهة انتمائه. ستة عقود كان فيها...

مواضيع أخرى

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

 بعد مرور أكثر من عامٍ على سقوط نظام الأسد، وتولي الحكومة الانتقالية شؤون الدولة، مازالت البلاد تعيش ظروفاً اقتصادية ومعيشية مُتردية، فبحسب تقديرات الأمم المتحدة لا يزال نحو 90% من السكان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، في ظل صعوبة الحصول على أدنى مقومات...

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

تُشكّل الثقافة بنيةً رمزيةً مؤسِّسةً للدول الحديثة، ويُعدّ الخطاب الثقافي الرسمي أحد أعمدة بنائها في لحظات التحوّل؛ لأنه أداة تُعيد تعريف الذات الوطنية، وتُرمّم العلاقة بين المجتمع والدولة، وتفتح قنوات الاتصال والتواصل مع العالم. وقد تناول الفيلسوف الإيطالي أنطونيو...

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

لم تكن السويداء بمعزل عن الخلافات ذات الطبيعة التفريقية، كحال أيّ مجتمع عربي؛ إذ تطفو العصبية القبلية بشكل مفاجئ إثر أيٍّ من الخلافات التي قد تتطور إلى تعبئة عنصرية تابعة لأطراف الخلاف، والتي غالباً ما تكون عشائر أو قبائل أو هويات قومية أخرى. ويقع المحظور فتسيل الدماء...

تدريباتنا