تدريباتنا

أنا سوري! آه يا ويحَ قلبي

by | Apr 4, 2018

“أنا سوري” ربما باتت هذه الكلمة هي الوحيدة التي تجمع بين السوريين، في وقتٍ اختلفت فيه المواقف والآرء، وكثرت فيه المصطلحات والانتماءات الطائفية والدينية والعرقية.

إذن في زحمة كل التعصبات والتحزبات التي طفت على السطح بعد الثورة السورية، لازال الذي بقي في البلد أو ذلك المُهجّر قسراً أو المدني أو المقاتل ، يجيب -وبشكل فطري-بـ “أنا سوري” عندما يسألونه من أين أنت.

انتظر… فقد تستمر الحالة اللاشعورية لثوان معدودة، ولكن لا بد للنزعة المناطقية أن تخرج هنا، وهذه المرة بالحالة الشعورية ومع سبق الإصرار والتصميم، ليعود السوري ويقول لك إنه “شامي”… أو حمصي أو حلبي أو درعاوي أو جزراوي مثلاً.

وهنا تبدأ دوامة أخرى من التفاصيل التي لاتنتهي، ومحاولة إثبات حسن الحسب والنسب والتفوق على أبناء المناطق الأخرى، وهذه الحالة قديمة صراحة نستطيع اختصارها، بمصطلح “برا السور وجوا السور”  المقصود هنا سور دمشق القديمة، هذا إن كان المدعو من دمشق تحديداً، أو ابن الريف والمدينة في الحالات المتبقية.

عندما يُعرّف السوري بنفسه، فإنه لايحكي عن طبيعة موقفه السياسي إلا إذا سُئل عن ذلك، وما أكثر من خاب ظنهم بما تبقى اليوم من سلطة ومعارضة، فالسوريون وجدوا أنفسهم لوحدهم، ولم يكن معهم في معاناتهم اليومية داخل البلاد وخارجها، فمن الغلاء إلى التهجير، إلى القتل والحصار والتجويع، والذل على أبواب السفارات والقنصليات.

لم ننته بعد… فها أنت وحيد إلا من منفاك، ها أنت وحيد إلا من عذابك، تحمل ذكرياتك عبر زمان لن يعود يوماً، تستذكر في الأزقة الأوروبية ملامح حارتك القديمة، تغمض عينيك للحظة، فلا تجدها، يا للغربة المفتوحة.

متى سنعود، وإلى أين سنعود، يطرق هذا السؤال بال معظم السوريين، دون وجود إجابة واضحة، ربما كان السوريون في السنوات الأولى من الثورة يعوّلون على المؤتمرات الدولية وقدرتها على الوصول إلى حل ينهي المأساة، ولكنها ذهبت كما أتت، فلا الأسد غادر السلطة، ولا المعارضة أثبتت فاعليتها على الأرض، فيما يزداد عدد العناصر والميليشيات والدخلاء في المناطق السورية يوماً بعد يوم.

في سبيل الحرية… هذا ما خرجت لأجله الثورة السورية عام 2011، وهذا ما صرخت به الحناجر آملةً في نيل المنشود، ولكن في دولة البعث كان المنشود غير موجود، والأكثر من ذلك أن مؤيدي النظام السوري أصبحوا على عداء تام مع كلمة حرية، حتى أنها لا تدور في أحاديثهم اليومية، ولايسمحون لأنفسهم باستخدامها أبداً، وصارت تعني لهم بشكل أو بآخر قوى المعارضة، مقابل تمسّك الأخيرة بالكلمة رغم دخول الثورة عامها الثامن.

مصطلح الثورة، بات أيضاً تهمة تُجرّم من يقولها في ظل حكم نظام الأسد، كذلك حمل مؤيدو الأخير عداء كبيراً تجاه المصطلح، وبات يعني لهم الخراب والتدمير.

بالمقابل شكّلت كلمة “إلى الأبد” عقدة مزمنة لدى المعارضة بقدر ما تحمله الكلمة من زمن غير منته، فأبرز شعارات حزب البعث قامت على هذا المصطلح، في إطار ترسيخ فكرة بقاء آل الأسد في السلطة إلى ما لانهاية، ولكن المعارضة قامت بنسف المفهوم تماماً وأطلقت شعاراً مضاداً لطالما استُخدم في المظاهرات، وهو “ما في للأبد… ما في للأبد… عاشت سوريا ويسقط الأسد.”

الصراع في سوريا، لم يُبنَ فقط على اختلاف الموقف السياسي فحسب، وإنما لعب الاختلاف الديني دوراً كبيراً في إذكاء نار الصراع، ولكن إلى حد الآن لا يُعرّف السوري نفسه بناء على طائفته، إلا في حال سُئلَ عن ذلك بشكل مباشر، وهنا لابد من القول إن الانتماءات الطائفية بلغت أوجها بعد عام 2011، حتى أن الانتماء السياسي بات يُحسب في بعض الأحيان على أساس الطائفة، فمثلاً وحسب النظرة الشعبية، ابن الطائفة العلوية مؤيد بالضرورة لنظام الأسد، والكردي شخص انفصالي لامحالة، وابن الطائفة السنية هو معارض، وبأحوال أخرى “داعشي… إسلامي…”

وبحسب نفس النظرية الجديدة بات ابن الطائفة المسيحية مؤيداً بالغالب، أو غير منتمِ بأحوال أخرى، فيما عزز سفر قسم كبير من أبناء الطائفة المسيحية خارج البلاد مع بداية الأحداث هذه النظرية.

التشرذم الكبير في الحالة السورية، تعمّق أكثر مع موجات اللجوء المليونية خارج حدود الوطن، التي أدت إلى اختلافات جذرية في الشخصيات والنفسيات تبعها بالضرورة تغييرات في طريقة التعبير عن الآخر وعن النفس وعن المجريات المحيطة، فبينما استكشف السوريون الذين غادروا البلاد أن الحيطان ليس لها آذان، لازال سوريو الداخل “يمشون الحيط الحيط … ويارب السترة”، بمعنى أن الخوف من الحديث في المواضيع السياسية بدأ يختفي تدريجياً من حياة غالبية سوريي المهجر، بينما بقي مسيطراً على قلوب وعقول أهل الداخل.

تغير مفهوم الوطن اليوم بعد العذابات والقهر والكبت الذي ذاقه السوريون داخله، فأصبح الوطن هو جواز السفر الأوروبي، أو الفيزا، أو المكان الذي يمنح السوري الأمان، ويحفظ كرامته ويصون حريته.

الكل بات يقاتل اليوم من أجل البقاء، نعم هكذا باتت تُحسب الأمور، أما النظام فلا يهمه من بقي ولا من ذهب، فالدولة هي دولة العسكر، دولة السوط والحذاء والبندقية، فرغم كل ما حصل لم يغير النظام أسلوبه في التعامل مع المواطنين، لابل أن الظلم والفساد يزداد تشعباً،  في الوقت الذي يزداد فيه المشهد الدولي قتامة وضبابية، إزاء ما يحدث في سوريا.

ما يريده السوريون صعب جداً ويختلف من فرد إلى آخر، ولكن مهما اختلفت الآراء والتوجهات، فهم يحنّون أبداً للعودة إلى لمة الأسرة السورية البسيطة في منزل الجدة الحنون، التي جسّدها مسلسل “الفصول الأربعة”، أفضل تجسيد عندما عُرضَ بجزئه الأول عام 1999، في وقت كان راتب موظف الدولة فيه لايزيد عن خمسة آلاف ليرة سورية، في وقت كانت فيه رفاهية المواطن أن يجد مقعداً فارغاً في ميكرو “دوار شمال”، أو “مزة جبل-اوتستراد.”

“أنا سوري… آه يانيالي…” أغنية لطالما رددناها بالصغر، أما اليوم انقلبت المعادلات والموازين وبتنا نقول “أنا سوري… آه يا ويح قلبي!”

مواضيع ذات صلة

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

لم تُكسر مرآةُ الهوية السورية بضربةٍ واحدة. تشقّقت على مهلٍ، بخيطٍ رفيع يبدأ من الطابور الصباحي في المدرسة، ولا ينتهي عند حاجزٍ يسأل فيه عنصرٌ شاب رجلاً في الخمسين: "من وين حضرتك؟" فلا يجيب باسم مدينته فحسب، بل باسم طائفته ولهجته وشبهة انتمائه. ستة عقود كان فيها...

مواضيع أخرى

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

 بعد مرور أكثر من عامٍ على سقوط نظام الأسد، وتولي الحكومة الانتقالية شؤون الدولة، مازالت البلاد تعيش ظروفاً اقتصادية ومعيشية مُتردية، فبحسب تقديرات الأمم المتحدة لا يزال نحو 90% من السكان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، في ظل صعوبة الحصول على أدنى مقومات...

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

تُشكّل الثقافة بنيةً رمزيةً مؤسِّسةً للدول الحديثة، ويُعدّ الخطاب الثقافي الرسمي أحد أعمدة بنائها في لحظات التحوّل؛ لأنه أداة تُعيد تعريف الذات الوطنية، وتُرمّم العلاقة بين المجتمع والدولة، وتفتح قنوات الاتصال والتواصل مع العالم. وقد تناول الفيلسوف الإيطالي أنطونيو...

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

لم تكن السويداء بمعزل عن الخلافات ذات الطبيعة التفريقية، كحال أيّ مجتمع عربي؛ إذ تطفو العصبية القبلية بشكل مفاجئ إثر أيٍّ من الخلافات التي قد تتطور إلى تعبئة عنصرية تابعة لأطراف الخلاف، والتي غالباً ما تكون عشائر أو قبائل أو هويات قومية أخرى. ويقع المحظور فتسيل الدماء...

تدريباتنا