بعد مرور أكثر من عامٍ على تولي الحكومة الجديدة شؤون الدولة، شهدت البلاد...
تدريباتنا
ورشة تدريب صالون سوريا
أجرى فريق #صالون_سوريا، دورة تدريبية عن الانواع الاعلامية والصحافة الحساسة...
ينتمي لقمان ديركي إلى جيلٍ سوريّ تشكّلت ملامحه الإبداعية في ثمانينيات القرن الماضي، حيث برز كصوت شِعري ذي نبرة خاصة تمزج بين الحميمي واليومي، وبين التأمل الحادّ والالتقاط السريع للمفارقات. وُلد في مدينة الدرباسية شمال شرقي سوريا عام 1966، وحمل منذ بداياته حساسية شِعرية تنحاز إلى الإنسان العادي، وإلى تفاصيل العيش الصغيرة، والتوتر الخفي بين الفرد ومحيطه.
كتب الشِعر والمقالة، وشارك في الحراك الثقافي السوري والعربي، مستفيداً من خبرته الصحفية ومن حضوره في المنابر الأدبية. ومع تحولات العقد الأخير، انتقل إلى أوروبا، حيث واصل الكتابة من موقع جديد أتاح له مسافة تأملية أعمق، فصار نصّه أكثر انفتاحاً على أسئلة الهوية والاقتلاع والتحوّل.
في كتابه الجديد “مذكرات سائح بالصرماية”، الصادر عن منشورات المتوسط في ميلانو (2026)، يقدّم لقمان ديركي نصاً يراوغ التصنيف، ويتخفّف من أثقال الأنواع الأدبية، ليكتب سيرة جيلٍ كامل عبر مفردة شعبية يومية “الصرماية”.
يشتغل العنوان وحده كمفتاح تأويلي كثيف؛ فالسائح في المتخيّل العام يحمل خرائط ويدوّن انطباعات عابرة، غير أن سائح ديركي يحمل ذاكرة ثقيلة، ويتنقّل بين الحارات والسجون والمدارس والحدود، ويجرّ وراءه طبقات من الخيبة والتهكّم والنجاة المؤجّلة. أما “الصرماية”، فهي انحياز إلى اللغة الحيّة التي تمشي في الشارع، وتحتكّ بالتراب، وتعرف وجع الطريق.
بهذا يتحوّل العنوان إلى بيان جمالي وأخلاقي في آن؛ فالنص يكتب من الأسفل/ القاع، من يوميات البشر الذين عركتهم السلطة والعائلة والمنفى. يُعاد هنا ترتيب العلاقة بين العالي والواطئ، بين الفصيح والمحكي، بين البطولة والنجاة الصغيرة.
يقع الكتاب في نحو مئتي صفحة من القطع الوسط، موزّعة على فصول مستقلة في عناوينها، متكاملة في مضامينها، بحيث يمكن قراءة كل فصل كحكاية قائمة بذاتها، وفي الوقت نفسه كجزء من سيرة ممتدّة تتقاطع فيها الطفولة والمراهقة والشباب، البيت والحارة، المدرسة والسجن، الملعب والميناء.
تعني “الصرماية”، في لهجات الشام، الحذاء؛ غير أن ديركي يمنحها كثافة رمزية تتجاوز معناها المعجمي؛ فهي علامة على اليومي، وعلى الجسد الذي يسير في طرقات المدينة، وعلى اللغة التي ترفض التهذيب القسري. “الصرماية” تمشي، تُركل، تُستهلك، تتسخ، وتبقى شاهدة على المسافة التي قطعها صاحبها.
يقدّم الكاتب لوحات سردية متتابعة، كل لوحة تلتقط لحظة أو مشهداً أو حادثة، وتترك للقارئ مهمة ربط الخيوط. تتجاور الحكايات العائلية مع الوقائع السياسية، وتتداخل النوادر الطفولية مع مشاهد القمع، في فسيفساء مدينة تتشكّل عبر التفاصيل الصغيرة. هكذا تتحوّل “الصرماية” إلى عدسة ترى من الأسفل، وتعيد كتابة السيرة من الهامش.
حكايات البيت الأولى
تبدو الفصول في “مذكرات سائح بالصرماية” مستقلة في عناوينها، غير أن روحاً واحدة تسري بينها؛ كل فصل يحمل عنواناً دالاً يعكس مزاجه وموضوعه، من حكايات البيت الأولى إلى تجارب الاعتقال والتهريب والرحيل. ما يمنح الكتاب إيقاعاً متقطّعاً يشبه الذاكرة نفسها؛ فالذاكرة تميل إلى القفز بين الأزمنة، وتستدعي ما يلمع فجأة. تغدو الطفولة هنا مختبراً مبكّراً لتعلّم الخوف والسخرية، بعيداً عن صورتها المثالية. فيما تظهر المدرسة بوصفها فضاءً لتلقين الشعارات، والحارة مساحة للتواطؤ واللعب وتبادل النكات. كما تحضر العائلة بثقلها الرمزي، حيث تتقاطع السلطة الأبوية مع السلطة السياسية في شبكة من الأوامر الصغرى التي تمهّد لأوامر كبرى. يمرّ السجن كظلّ ثقيل، ويأتي الملعب كفسحة مؤقتة للفرح، وتغدو الحدود جداراً يفرض على الجسد أن يتحوّل إلى رقم.
يمنح هذا البناء القائم على اللوحات، الكتاب طابعاً سينمائياً؛ فالمشاهد قصيرة ومكثّفة، تعتمد على لقطة محدّدة وحركة سريعة وخاطفة، ثم تنسحب لتفسح المجال للّقطة التالية. وتعمل السخرية كخيط جامع بين هذه اللوحات، فتمنحها وحدة نبرية وتخفّف من وطأة الوقائع القاسية.
سخرية سوداء
يُعرف لقمان ديركي بمزجه السخرية السوداء بالمرارة السياسية والوجد الشخصي؛ في هذا الكتاب، تتكثّف هذه النبرة لتصبح استراتيجية وجودية، فالضحك هنا وسيلة لمقاومة القمع والخذلان، ودرع هشّ في وجه عالم يضغط على أفراده من كل الجهات.
تعمل السخرية في “مذكرات سائح بالصرماية” على تفكيك الخطاب الرسمي؛ فعندما تُروى الحكاية بلغة الشارع تسقط عنها هالة القداسة. وعندما يُعاد توصيف الحدث الجلل عبر استعارة يومية ينكشف تناقضه. هكذا تصبح “الصرماية” أداة نقد، تمشي فوق الشعارات وتترك عليها آثار الغبار.
من البيت إلى المنفى
تبدأ حكايات الكتاب من بيت دمشقي أو حارة حلبية لتنتهي عند أرصفة مطارات ومعابر حدودية. الهجرة هنا امتداد لمسار طويل بدأ داخل البيت والمدرسة والشارع. القمع الصغير في العائلة يوازيه قمع أكبر في الدولة، والخيبة الأولى تمهّد لخيبات لاحقة، حتى يجد الفرد نفسه مضطراً إلى التحوّل من مواطن إلى عابر سبيل.
يتقاطع النص مع سرديّة أوسع عن الانتقال القسري والاقتلاع وإعادة تعريف الذات في فضاء غريب. جيل كامل وجد نفسه موزّعاً في المنافي، يبحث عن ظلّ مدينته في مدن بعيدة. يكتب المؤلف هذه التجربة من الداخل، من موقع من عاشها وعاين تحوّلاتها. بعد عام 2011، ومع تصاعد الأحداث في سوريا، تبنّى مواقف معارضة للنظام، وغادر البلاد عام 2012 ليستقر في ألمانيا. يتسرّب هذا المسار الشخصي إلى النص من دون أن يتحوّل إلى خطاب مباشر، فيمنح الحكايات صدقاً إضافياً.
من أكثر المقاطع كثافة في الكتاب ذلك الذي يروي لحظة الصعود إلى اللنش في رحلة الهجرة البحرية. يُروى المشهد بنبرة تجمع بين التهكّم والذعر. يُنقل القادمون إلى الزورق كما تُنقل البطيخات من الأرض إلى الشاحنة؛ كل شخص، أو “نفر”، يمسك به حارسان ويرميانه إلى الداخل، حيث يتلقّفه آخرون.
تكثّف هذه الاستعارة تجربة التشييء التي يتعرّض لها الجسد في اقتصاد التهريب، إذ يتحوّل الإنسان إلى حمولة أو سلعة تُنقل وفق آلية محسوبة. “يُقسّم الدفع إلى نصفين؛ جزء عند الصعود، وجزء مودع لدى مكتب وسيط يُسلّم عند الدخول إلى المياه الإقليمية الإيطالية”. حتى البحر يخضع لشروط الدفع المسبق.
عندما تحوم دوريات خفر السواحل، تتكشّف شبكة من الاتصالات والتعليمات عبر هواتف الثريا. يُحرَّك زورق فارغ باتجاه الدورية لصرف الانتباه، ويقف قبطانه قربها ثم يرمي نفسه في البحر ويعود سباحة، بينما ينطلق الزورق المحمّل بالبشر مسرعاً بعيداً عن المراقبة. يحمل المشهد طابعاً عبثياً وسينمائياً في آن، حيث تتجاور الحيلة والمخاطرة، والذكاء الفطري مع استهتار القدر. يقول: “فجأة حدث ما لم يكن في الحسبان، دوريات خفر السواحل تحوم في المكان، لكن اتّصالاً من أبو صطيف جاء للحُرَّاس، وبدأت تليفونات الثُّريَّا بالظهور، كانت الأوامر أن يحرّكوا لنشاً خالياً باتِّجاه خفر السواحل، وبالفعل انطلق أحدهم بزورق فارغ باتِّجاه الدورية، وتوقَّف بالقرب منها، رمى قبطان الزورق الخالي بنفسه إلى البحر، وعاد سباحة إلى البرِّ، بينما انطلق قبطاننا مشفِّطاً بزورقنا، فتخَرْيَطنا أيَّما خَرْيَطة، يا أبو شريك، وهو يمضي بنا مسرعاً بعيداً عن دورية خفر السواحل التي كانت منشغلة بالزورق الخالي”.
يختزل المقطع السابق فلسفة الكتاب؛ فالإنسان يُعامل كشيء، غير أنه يحتفظ بقدرته على السرد والضحك، ما يخفّف من وطأة الرعب، ويحوّل المأساة إلى صورة قابلة للتداول، مع احتفاظها بقسوتها.
فسيفساء دمشق
تتوزّع دمشق في المنافي وتتحوّل إلى ذاكرة محمولة؛ فكل حكاية عن حارة أو مدرسة أو سجن تفتح نافذة على مدينة عبرت حدودها الجغرافية. هي جرح متنقّل، يرافق أصحابه حيثما ذهبوا. ما يمنح النص بعداً تأملياً. تُستعاد المدينة عبر اللغة والنكات وعبر تفاصيل صغيرة قد تبدو عابرة. ينسج المؤلف صوراً متفرّقة تترك للقارئ مهمة جمعها. في كل فصل، تلمع قطعة من الفسيفساء لتشكّل في النهاية صورة مركّبة لمدينة وسيرة جيل.
يمزج المؤلف بين الفصحى والمحكي، ويمنح المفردات الشعبية مكانة مركزية؛ فيما تأتي الجملة قصيرة في كثير من الأحيان، تعتمد على الإيقاع السريع والمفارقة. ويأتي الحوار عفوياً ومشبعاً بروح النكتة، مع احتفاظه بعمقه. حتى في المقاطع الأكثر قسوة يحافظ النص على خفّة محسوبة، كأن الكاتب يمشي على حبل مشدود بين الضحك والبكاء.
يروي “مذكرات سائح بالصرماية” سيرة فرد، ويقترح في الوقت نفسه سيرة جيلٍ عاش بين السلطة والعائلة والمنفى، عبر بنية فسيفسائية ولغة تمزج الفصيح بالمحكي وسخرية تتحوّل إلى استراتيجية نجاة، حيثُ يقدّم المؤلف نصاً يضع “الحذاء” في مركز الحكاية، ويجعل من المشي فعلاً تأويلياً.
مواضيع ذات صلة
مواضيع أخرى
تدريباتنا
هل سيتغير الوجه المدني لسوريا؟
بعد مرور أكثر من عامٍ على تولي الحكومة الجديدة شؤون الدولة، شهدت البلاد...
ورشة تدريب صالون سوريا
أجرى فريق #صالون_سوريا، دورة تدريبية عن الانواع الاعلامية والصحافة الحساسة...






