بعد مرور أكثر من عامٍ على تولي الحكومة الجديدة شؤون الدولة، شهدت البلاد...
تدريباتنا
ورشة تدريب صالون سوريا
أجرى فريق #صالون_سوريا، دورة تدريبية عن الانواع الاعلامية والصحافة الحساسة...
تُبنى الأُمَمُ على أساسِ تعميقِ الهويّة، فتنفتحُ على الجذور، وتوسّعها وتشملُ كلَّ المكوّنات على جغرافيّتها، ومن ثمّ الاحتفاء بها. تضعُ الشعوبُ هويّتَها على صدرِها كوسامِ استحقاق؛ إنّها إرثُ الأجداد، والعتبةُ التي ستنطلقُ منها نحو المستقبل، لكن في المقابل، الهوية الحقيقيّةُ، ليست إرثًا مقدّسًا لا يمكن المساس به. فهي تعيدُ خلقَ نفسِها باستمرار على أساسِ الحوار. الحوارُ مع الماضي يهدفُ إلى الهدمِ كما إلى البناء: هدمِ الميّت والبناءِ على ما هو حيّ. كما أنّ هذا الحوار لا يمكن أن يتمّ بمعزلٍ عن الآخر؛ لا بدّ من الحوار، والانفتاح على هويّاتٍ مختلفةٍ، كي نفهمَ ونعيدَ خلقَ أنفسِنا.
أمّا تشويهُ هويّةِ شعبٍ ما، فقد يكون تمهيدًا لاستعمارِه، ثقافيًّا أوعسكريًّا. الاستعمارُ الثقافي قد يكون أشدّ خطرًا من الاستعمار القائم على الوجود العسكري، فلمَ على المستعِمرِ أن يرسلَ جيوشَهُ، طالما أنّهُ قادرٌ على خلقِ شعبٍ خاضعٍ باستخدامِ وسائلَ ناعمة؟ يتمّ هذا التشويه عن طريقِ تجريدِ الشعوبِ من جذورِها، فتفقدُ معنى الحاضر كما تفقدُ بوصلةَ المستقبل. وفي مرحلةٍ لاحقةٍ يتمّ تجريدها من كرامتِها، وصولًا ربّما إلى تجويعِها، كي تتحوّل إلى قطعانٍ تائهةٍ تسهلُ قيادتُها إلى الحقدِ والحروب.
و إذا كان الفنّ أداةَ وعي، فهو بالتالي إحدى أدواتِ بناء وصناعة الهويّة. يحملُ الفنُّ الأصيل الماضي على ظهرِه، ويُبدعُ المستقبل. من خلالِه نستطيعُ أن نقرأَ ذاتَنا الممتدّةَ عبر الزمن، كما من خلالِه نوسّعُ الرؤيا كي نتحرّر. في الحقيقة، العلاقةُ بين هويّةِ شعبٍ ما وفنونِه هي علاقةٌ جدليّة؛ متى فقدها فقدَ ذاتَه.
تفقدُ الشعوبُ ذاتَها عندما تتحجّرُ في الماضي، فتتحوّل فنونُها إلى تكرارٍ فاقدٍ للحيويّة، كما تفقدُ ذاتَها عندما تصبحُ تابعةً لغيرها، فتكفُّ فنونُها عن البحثِ، وتوليدِ، وتجديدِ الهويّة، لتُعيدَ إنتاجَ الآخر واستنساخَه. لستُ أبالغ إن قلتُ: إنّ إخصاءَ الشعوب يتطلّبُ إخصاءَ فنونِها، والعكسُ صحيح. هذا الإخصاءُ هو فعلٌ خارجي، كما هو فعلٌ داخلي؛ فقد يسيرُ شعبٌ إلى الجهلِ والتبعيّة بكاملِ إرادتِه، أو يُساقُ إلى هذا المستنقع عبر قوى خارجيّة.
يقدّم الطبيبُ الفرنسيّ وعالمُ الاجتماع والمتخصّصُ في الأنثروبولوجيا، غوستاف لوبون، مجموعةً من المؤلّفات، ربّما أهمّها “سيكولوجية الجماهير”. يسلّط لوبون الضوء على علم نفس الجماهير، هذا العلم الذي يُعتبَر سلاحًا ذا حدّين؛ فهو من ناحية قد يزيدُ مساحةَ الوعي لدى الفرد ويمنعُه من الانخراط في فوضى ولامعقوليّة الجماعة، ومن ناحيةٍ أخرى يُلهمُ الدكتاتوريّات والفاشيّات والمتحكّمينَ بالشعوب، إذ يقدّم لهم أساليبَ وألاعيبَ السيطرة على الجموع. ربّما وسائلُ التواصل الاجتماعي، وما وفّرته من منصّاتٍ تستطيعُ أن تصلَ إلى عقلِ المستخدم كلمةً وصوتًا وصورةً، هي الأداةُ الأشدّ تأثيرًا والأقدرُ على تسخير علم نفس الجماهير من أجل تَسييسِ وتَسييرِ الشعوب.
ألا يتّضحُ يومًا بعد يوم أنّ مفهوم العولمة يحمل بين طيّاتِه مشروعَ هيمنة؟ حيث تفقدُ السياساتُ المحليّة تأثيرَها وسلطتَها، مقابل السياسات العالميّة وما يطبخُه لنا “رعاةُ”، أو بالأحرى طغاةُ العالم. ربّما يقومُ مشروعُ الدولة على صناعة وبناء هويّةٍ وطنيّة، أمّا مشروع الهيمنة على العالم فيقتضي نزعَ مفهوم الهويّة من جذورِه، والقضاءَ على الفكر الوطني في سبيل فكرٍ عولمي، سيحوّل الجماهير إلى قطعانٍ مستهلِكةٍ، تائهةٍ، وحكّامُهم إلى مهرّجين.
يستخفّ لوبون بعقلِ الجماهير، وليس بقوّتِها؛ إذ يعتبرُها غوغائيّةً، ماضويّةً، غيرَ واقعيّة، تحرّكُها الغرائزُ البدائيّة. تثورُ وتغضبُ وتدمّر، لكنّها في النهاية تعودُ لتركنَ إلى الماضي. الجماهيرُ برأيه محافظةٌ، لا بل رجعيّة، على الرغمِ ممّا يبدو عليها من ثورة.
أمّا الفنونُ والآداب، وعلى اعتبارِها تنطلقُ من موهبةٍ وتجربةٍ ذاتيّةٍ جوهرُها الوعي، فقد تكون أدواتِ مقاومة، كما قد تكون بوصلةً توجّهُ الجماهيرَ الغاضبة، وتهذّبُها، وتحدُّ من غوغائيّتِها. نستطيعُ أن نقول: إنّ الفنَّ هو عدوُّ الطغاة والمستبدّين في العالم، أمّا الغوغاءُ فقد تكون أداتَهم. هل يجب بالتالي إخصاءُ الفنون والآداب كي تتحوّل إلى خادمٍ هي الأخرى؟ أعتقد أنّه مشروعٌ محلّيّ أخذه على عاتقه طغاةُ الداخل، كما أنّه مشروعٌ عالميّ، عولمي، يهدفُ إلى تحييدِ الفنون والآداب، على اعتبارها قد تكون بقعةَ ضوءٍ أو وعي، تشوّشُ على مشروع الهيمنة.
عندما نقول إخصاءَ الفنون والآداب، فهذا يعني تسطيحَها، وإفراغَها من الثيمةِ الأهمّ في الصيرورة الإبداعيّة، ألا وهي الثقافة التي تؤدّي إلى بناء الفكر الحرّ. لا بدّ للفنّان أو الكاتب أن يكون صاحبَ فكرٍ حرٍّ، كي تتحوّل موهبتُه إلى أداة وعي، وبالتالي تحرّر. أمّا إفراغُ الفن من الفكر، فسوف يؤدّي إلى تحوّل الفنانين إلى ببّغاوات يؤدّون الدور الذي يُطلب منهم، بعيدًا عن الصيرورة التي تؤدّي إلى بناءِ الهويّة. بحسبِ إدوارد سعيد، فإنّ المثقّف هو من يتمتّع بموهبةٍ خاصّة تمكّنه من حمل رسالةٍ ما، أو تمثيل وجهة نظرٍ ما، أو موقفٍ ما، أو فلسفةٍ ما، أو رأيٍ ما، وتجسيد ذلك والإفصاح عنه لمجتمعٍ ما.
فيما يخصّ بناء الهويّة السورية مثلاً، يتم منذُ السقوط تم تداول مصطلح “سوريا الجديدة”، كإشارة إلى مرحلةٍ من المفترض أن تكون أكثر عدالةً وحرّيّة لكلّ السوريين. المصطلح يحمل بين طيّاتِه مشروعَ بناء هويّة جديدة، تقوم على قطيعةٍ مع الماضي على اعتباره صنيعةَ النظام البائد. هناك تخبّطٌ واضح فيما يخصّ سؤال الهويّة السوريّة، وهو ما يُربك الواقع السوريّ اليوم ويقسّمه، كما أنّه يمهّد الأرضَ من أجل مزيدٍ من العنف والدم. ربما من حقّ وواجب الشعوب بعد الصراعات الطويلة، والحروب الأهليّة أن تعيد النظر في ذاتِها، وأن تعيد بناء هويّتِها، لكن في الحقيقة، مفهوم الهويّة يقوم على إعادة فهم التاريخ والانطلاق منه من أجل خلق حاضر جديد. ربّما الأفضل أن نقول “سوريا المُتجدّدة”، فعندما نتحدّث عن سوريا، إنّما نتحدّث عن حضارة ممتدّة لآلاف السنين، لا يمكن اختصارها بعائلة حكمت فترةً من الزمن، كما لا يمكن إلباسها هويّة مفصّلة على مقاس مصالح القوى المسيطرة على المشهد.
أمّا الثقافة التي من المُفترض أن تكون أداتَنا في هذه المرحلة الحَرِجة، ألم تدخل، ومنذ اندلاع الثورة، الصراعَ هي الأخرى؟ من خلالِ حملات التَخوينٍ وبالتالي الإقصاء، التي يقودُها غالبًا المثقّفون ضدّ بعضهم البعض، وتشعلُ نيرانَها الجماهيرُ الغاضبة، تقوم هذه الحملات تحت شعاراتٍ أخلاقيّة، لكنّها في العمق جزءٌ من الخراب المُمنهج الذي غزا البلاد؛ هنا يتمّ قتل الثقافة عن طريق تخوينِها، ومن ثمّ تسليمها إلى الغوغاء كي يقطّعونها إربًا إربا.
مواضيع ذات صلة
مواضيع أخرى
تدريباتنا
هل سيتغير الوجه المدني لسوريا؟
بعد مرور أكثر من عامٍ على تولي الحكومة الجديدة شؤون الدولة، شهدت البلاد...
ورشة تدريب صالون سوريا
أجرى فريق #صالون_سوريا، دورة تدريبية عن الانواع الاعلامية والصحافة الحساسة...






