تدريباتنا

سوريا تدخل مرحلة “خصخصة الخوف”

by | Jun 12, 2026

لا تبدو سوريا اليوم كبلدٍ يتجه نحو الاستقرار بالمعنى التقليدي، لكنها أيضاً لا تشبه البلدان المنهارة التي فقدت كلّ أشكال الحياة العامة. هي تقف في منطقة رمادية شديدة التعقيد، تتجاور فيها محاولات إعادة بناء الدولة مع تصاعد الشكوك حول قدرتها على القيام بوظيفتها الأساسية: إنتاج الشعور بالأمان.

خلال الأشهر الأخيرة، بدا وكأنّ السوريين يتابعون سلسلة لا تنتهي من الوقائع المتناثرة: حوادث أمنية، جرائم قتل وخطف، توترات محلية، حملات مقاطعة، سجالات طائفية، وخطابات متبادلة يغلب الخوف عليها أكثر مما يغلب النقاش. لكن قراءة هذه الوقائع بوصفها أحداثاً منفصلة قد تحجب عنا ظاهرة أعمق آخذة في التشكل داخل المجتمع السوري؛ ظاهرة لا تتعلق فقط بما يحدث على الأرض، بل بكيفية فهم الناس لما يحدث، وكيف يعيدون بناء علاقتهم بالدولة وببعضهم البعض بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام.

لقد اعتاد السوريون لعقود طويلة على شكلٍ محدد من الخوف. كان الخوف مركزياً، تصنعه الدولة وتديره وتحتكره. لم يكن المواطن مضطراً إلى تفسير مصادر التهديد بنفسه، لأنّ الدولة، بكل ما لها وما عليها، كانت تحتكر تعريف الخطر وتحديد مصادره ووسائل التعامل معه. أما اليوم، فيبدو المشهد مختلفاً. فلم يعد الخوف مركزياً، إنما موزعاً على المجتمع نفسه. لم تعد هناك رواية واحدة للتهديد، إنما عشرات الروايات المتنافسة. ولم يعد السوريون يعيشون داخل خوف واحد، بل داخل مجموعة من المخاوف المتجاورة التي تنتجها الجماعات والأفراد ووسائل التواصل الاجتماعي بوتيرة أسرع بكثير مما تنتجه الوقائع نفسها. لهذا يمكن القول إنّ سوريا تدخل تدريجياً مرحلة جديدة يمكن تسميتها بخصخصة الخوف.

لا يعني ذلك أنّ الدولة اختفت أو أنّ المؤسسات لم تعد موجودة، بل يعني أنّ الخوف لم يعد ينتظر تفسيراً رسمياً كي يتشكل. بات كل فرد أو جماعة أو بيئة اجتماعية تنتج تفسيرها الخاص للمخاطر المحيطة بها، وتبني على أساسه مواقفها السياسية والاجتماعية. وهنا لا يصبح الخوف مجرد شعور عابر، إنما يتحول إلى إطار كامل لفهم الواقع.

من يحتكر الخوف إذاً؟

في العلوم السياسية، تحتكر الدولة الحديثة حق استخدام القوة، لكنها تحتكر أيضاً وظيفة أكثر أهمية: إنتاج الشعور العام بالأمان. حين يثق المواطن بأنّ القانون سيحميه، لا يعود مضطراً للبحث عن حماية بديلة. وحين يثق بأنّ العدالة ستأخذ مجراها، لا يشعر بالحاجة إلى الاحتماء بالطائفة أو العشيرة أو المنطقة أو الجماعة السياسية. لكن حين تتراجع هذه الثقة، يبدأ المجتمع بإنتاج منظوماته الأمنية الخاصة. وهنا لا يعود الخوف شعوراً فردياً، بل يتحول إلى هوية سياسية.

العلوي لا يخاف من حادثة محددة بقدر ما يخشى فكرة الانتقام الجماعي. والسني لا يخاف من شخص بعينه بقدر ما يخشى عودة أشكال جديدة من الاستبداد. والمسيحي يخشى التهميش وفقدان الحضور. والدرزي يخاف من فرض إرادات خارج بيئته المحلية. والكردي يخاف من الإقصاء السياسي أو الثقافي. وحتى المواطن الذي لا ينتمي إلى أيّ خطاب سياسي واضح بات يخشى الفوضى أكثر مما يخشى الخصوم السياسيين.

هذه المخاوف ليست أوهاماً بالضرورة، كما أنها ليست حقائق مطلقة. لكنها أصبحت العدسة التي يقرأ السوريون من خلالها كلّ حدث يقع أمامهم. وهذا ما يجعل أيّ حادثة فردية قابلة للتحول إلى دليل على صحة الخوف المسبق. فالعقل الخائف لا يتعامل مع الوقائع بوصفها أحداثاً منفصلة، بل بوصفها إشارات تؤكد ما كان يعتقده أصلاً. وهنا تنتقل السياسة من إدارة الوقائع إلى إدارة المخاوف. والأخطر أنّ الخوف لم يعد مجرد شعور اجتماعي، بل أصبح مادة متداولة في المجال العام. على وسائل التواصل الاجتماعي، وفي بعض المنابر السياسية والإعلامية، نشأ ما يشبه “سوق المخاوف”. كل طرف يعرض بضاعته الخاصة من الهواجس والتهديدات، وكل حادثة جديدة تتحول إلى فرصة لإثبات أن الخطر الذي حذر منه كان حقيقياً. وبدلاً من أن تتنافس القوى المختلفة على إنتاج الثقة، بات كثير منها يتنافس على إدارة القلق وتوجيهه واستثماره.

حين تصبح المخاوف أقوى من الوقائع

هنا تبرز أهمية الفيلسوف كارل بوبر ومبدأ “القابلية للتكذيب”. كان بوبر يرى أنّ الفكرة الجيدة ليست تلك التي تستطيع تفسير كل شيء، بل تلك التي يمكن اختبارها وإثبات خطئها إذا تعارضت مع الواقع. أما الفكرة التي تفسر كل شيء فهي في الحقيقة لا تفسر شيئاً، لأنها تحوّل نفسها إلى عقيدة مغلقة لا تسمح بمراجعة ذاتها.

هذه الفكرة تبدو لي شديدة الصلة بما يجري في سوريا اليوم. فكثير من السوريين باتوا يمتلكون فرضيات جاهزة عن المستقبل وعن الآخرين وعن المجتمع نفسه. إذا وقعت جريمة، اعتبرها البعض دليلاً على انهيار الدولة. وإذا حدث توتر محلي، اعتبره آخرون دليلاً على اقتراب حرب أهلية. وإذا وقع اعتداء على فرد من جماعة معينة، تحول فوراً إلى إثبات لصحة مخاوف جماعته بأكملها. لكن السؤال الذي يغيب غالباً هو: ما الذي يمكن أن يدحض هذه الفرضيات؟ وما الحدث الذي قد يدفع أصحابها إلى إعادة النظر فيها؟

إذا كانت كل حادثة تؤكد القناعة المسبقة، وإذا كانت كل واقعة جديدة تُفسَّر ضمن الرواية نفسها، فإننا لا نكون أمام تحليل سياسي، بل أمام منظومة مغلقة من المخاوف. وعند هذه النقطة يصبح الخوف أشبه بعدسة معتمة. فهو لا يساعد على فهم الواقع، بل يعيد تشكيله وفقاً لما نخشاه. وتصبح الأخبار والأحداث والوقائع مجرد مواد خام تُستخدم لتغذية السردية القائمة مسبقاً. هنا تحديداً تكمن خطورة خصخصة الخوف، لأنها لا تجعل الناس خائفين فقط، بل تجعلهم أسرى تفسيرات لا تقبل المراجعة.

من الخوف إلى إعادة تشكيل المجتمع

التاريخ يقدم أمثلة كثيرة على هذه الظاهرة. ففي لبنان، لم يبدأ التفكك الحقيقي عندما اختلف اللبنانيون حول السياسة، بل عندما فقدت الدولة قدرتها على لعب دور المرجع الأمني المشترك. وعندما انتقلت الثقة من المؤسسات إلى الجماعات، تحوّلت المخاوف المتبادلة إلى حقائق سياسية قائمة بذاتها. لم يعد الناس يسألون ما إذا كان الخطر حقيقياً أم لا، بل أصبحوا يتصرفون انطلاقاً من افتراض أنه موجود سلفاً.

المشهد العراقي بعد عام 2003 سار في اتجاه مشابه. فالأزمة لم تكن في التنوع الاجتماعي أو المذهبي بحد ذاته، بل في اقتناع قطاعات واسعة من المجتمع بأنّ الجماعة باتت أكثر قدرة على توفير الحماية من الدولة نفسها. ومع مرور الوقت، تحولت هذه القناعة إلى واقع سياسي أعاد تشكيل مؤسسات الدولة والمجتمع معاً.

التحول الأخطر لا يحدث عندما يزداد الخوف، بل عندما يصبح الخوف منظماً. عندما يبدأ الناس بتشكيل خياراتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية على أساسه. وعندما تتحول الطائفة أو المنطقة أو الجماعة إلى بديل نفسي عن الدولة. من هذه الزاوية، لا تبدو القضية السورية اليوم أزمة تعايش بين المكونات بقدر ما تبدو أزمة ثقة في الجهة التي يفترض أن تدير هذا التعايش. فالخوف لا يملأ الفراغ وحده، بل يملأ الفراغ الذي تتركه الثقة حين تغادر.

الحلقة المغلقة للخوف

تكمن المفارقة في أنّ معظم السوريين، وعلى اختلاف مواقعهم وانتماءاتهم، يعتقدون أنهم يتصرفون بدافع الحذر. وهذا أمر مفهوم في مجتمع خرج من حرب طويلة وموجعة. لكن المجتمعات لا تتشكل فقط بما يخشاه أفرادها، بل أيضاً بالطريقة التي يتصرفون بها نتيجة هذا الخوف. فالخوف من الآخر قد يدفع إلى الانكفاء عنه. والانكفاء يولد مزيداً من الجهل المتبادل. والجهل ينتج مخاوف جديدة. ثم تعود هذه المخاوف لتبرر مزيداً من الانكفاء والعزلة. وهكذا يدخل المجتمع في حلقة مغلقة يصبح فيها الخوف منتجاً للخوف، لا مجرد استجابة له.

في هذه الحالة لا يعود الخطر الحقيقي هو الحادثة نفسها، بل الأثر التراكمي الذي تتركه في الوعي الجمعي. فالمجتمعات لا تُبنى فقط عبر المؤسسات والقوانين، بل عبر الثقة اليومية التي تسمح للناس بالعيش معاً رغم اختلافاتهم. وحين تتآكل هذه الثقة، يبدأ الخوف بالعمل كقوة سياسية مستقلة قادرة على إعادة تشكيل السلوك العام والعلاقات الاجتماعية وحتى التصورات المتعلقة بالمستقبل.

فما الذي يجب مراقبته؟

ربما يخطئ كثيرون عندما يراقبون عدد الحوادث الأمنية أو حجم السجالات على وسائل التواصل الاجتماعي بحثاً عن مؤشرات المستقبل. المؤشر الأهم ليس عدد الحوادث، بل الطريقة التي يفسرها الناس بها. هل ما زال السوري يرى نفسه مواطناً تعرّض لخطر عابر؟ أم بات يرى نفسه عضواً في جماعة مستهدفة على الدوام؟ هل ما زال يعتقد بأن الحل يجب أن يأتي من القانون؟ أم أصبح مقتنعاً بأنّ الحماية لا تأتي إلا من الجماعة؟ وهل ما زالت الدولة تُنظر إليها باعتبارها المرجع النهائي للحقوق والواجبات؟ أم أنها بدأت تفقد هذه المكانة لصالح شبكات الانتماء الأصغر؟

هنا تحديداً يتحدد اتجاه البلاد. ليس في عدد المنشورات الغاضبة، ولا في عدد البيانات السياسية، بل في الإجابة اليومية الصامتة التي يقدمها السوريون لهذه الأسئلة.

ونصل في الختام إلى أنّ المشكلة الكبرى في سوريا اليوم قد لا تكون حجم الخوف المنتشر بين الناس، بل الطريقة التي يُدار بها هذا الخوف ويُعاد إنتاجه. فالمجتمعات تستطيع العيش مع اختلافاتها، وتستطيع تجاوز جراحها، بل وحتى إعادة بناء نفسها بعد الحروب. لكن المهمة تصبح أكثر صعوبة عندما يتحول الخوف إلى مؤسسة غير معلنة، وعندما تصبح كل جماعة مسؤولة عن إنتاج روايتها الخاصة للتهديد، وحين تتراجع الثقة المشتركة لمصلحة مخاوف متجاورة لا يجمع بينها سوى القلق. حينها لا يعود السؤال: من يخاف ممن؟ بل يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: إذا كانت كلّ جماعة سورية تمتلك اليوم خوفها الخاص، فمن يمتلك بعدُ القدرة على إنتاج الثقة المشتركة؟

مواضيع ذات صلة

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات...

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

مواضيع أخرى

باحثة أمريكية: “أدب السجون السوري” امتدادٌ لكتابة المنفى

باحثة أمريكية: “أدب السجون السوري” امتدادٌ لكتابة المنفى

في كتابها “قراءات في أدب السجون السوري: شاعرية حقوق الإنسان” (Readings in Syrian Prison Literature: The Poetics of Human Rights)، والذي رأى مترجمه الكاتب والمترجم السوري حازم نهار أن يعنونه بـ “أدب السجون السوري: بويطيقا حقوق الإنسان”، تعتمد الباحثة...

هل سيتغير الوجه المدني لسوريا؟ 

هل سيتغير الوجه المدني لسوريا؟ 

بعد مرور أكثر من عامٍ  على تولي الحكومة الجديدة شؤون الدولة، شهدت البلاد مجموعة من القرارات والممارسات والسلوكيات، التي بدأت تُثير قلق ومخاوف كثير من السوريين، الذين رأوا أنها تحاول تكريس سياسة اللون الواحد، وتسعى لتقييد الحريات المدنية العامة والخاصة، هذا عدا...

نساء سوريا بين الخطف والإنكار: وجه آخر للانهيار الاجتماعي

نساء سوريا بين الخطف والإنكار: وجه آخر للانهيار الاجتماعي

يعود الخطف مرة أخرى إلى واجهة الأحداث السورية، لكنه في الحقيقة لم يتوقف أبداً؛ إنما هناك فترات من التباعد بين الحالات، ويرافق ذلك تغيّر في الأسلوب والإعلان. يواجه السوريون اليوم ظاهرة جديدة، وهي استخدام الفتيات لنشر الفكر الدعوي من قبل جهات تعمل في السر، ليصبحن...

تدريباتنا