تدريباتنا

هل سيتغير الوجه المدني لسوريا مستقبلاً؟ 

by | May 21, 2026

بعد مرور أكثر من عامٍ  على تولي الحكومة الجديدة شؤون الدولة، شهدت البلاد مجموعة من القرارات والممارسات والسلوكيات، التي بدأت تُثير قلق ومخاوف كثير من السوريين، الذين رأوا أنها تحاول تكريس سياسة اللون الواحد، وتسعى لتقييد الحريات المدنية العامة والخاصة، هذا عدا عن مخالفتها للإعلان الدستوري، الصادر عقب سقوط الأسد، والذي نصت  المادة الثانية عشر منه على أن الدولة “تحمي حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وتكفل حقوق المواطنين والحقوق والحريات الواردة في الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها الجمهورية العربية السورية”.

علو سقف الخطاب الديني  

في الأشهر الأولى التي أعقبت سقوط نظام الأسد، ظهرت بعض مظاهر ما يسمى بـ”الدعوات الدينية” في عددٍ من الأماكن العامة في سوريا، وقد اتخذت طرقاً وأشكالاً مختلفة، من بينها: توزيع ملصقاتٍ تدعو النساء والرجال لارتداء اللباس المُحتشم، وظهور بعض المنقبات في الشوارع لينصحن النساء بضرورة ارتداء الباس الشرعي، وانتشار مجموعاتٍ دعوية، عبر سياراتٍ، مُجهَّزة بمكبرات الصوت، تجوب شوارع دمشق، بما فيها الأحياء المسيحية، لتبثَّ خطباَ ودعوات، تدعو الناس إلى اعتناق الدين وتطبيق الشريعة الإسلامية.

وقد أثارت “السيارات الدعوية“، التي كانت تنظر إلى الناس وكأنهم كُفَّار بحاجة إلى الهداية، جدلًا واستنكاراً واسعاً بين مختلف الطوائف في دمشق، خاصة عندما قام بعض سكان منطقة الدويلعة باعتراض إحدى السيارات، التي وقفت أمام كنيسة مار إلياس، وطردها من المنطقة، ما أدى إلى حدوث حالة من التوتر والغضب الشعبي. 

ورغم إقرار الحكومة بأن تلك “الدعوات” هي تصرّفات فردية، لا تتبع لأي تنظيم واضحٍ أو جهة رسمية، إلإ أنها لم تُبادر لمنعها ومحاسبة القائمين عليها، على الرغم من تكرارها، كما أنها لم تصدر أي بيانٍ رسمي يوضِّح موقفها صراحة من انتشار مثل هذه الأنشطة الدعوية، التي رآها البعض محاولة لفرض نهجٍ ديني وإيديولوجي في مرحلة مفصلية وحسّاسة من تاريخ البلاد. 

 وخلال شهر رمضان لهذا العام، ظهرت الكثير من حالات الاعتراض على “الإفطار العلني”، وذهبت بعض الآراء إلى تحريمه وتجريمه، بحجة مخالفته لـ”الآداب العامة”، في بلدٍ يمتاز بالتنوع الديني والثقافي. ففي ريف دمشق، أصدرت بلدية التل قرارًا ، لاقى جدلاً واسعاً، يقضي بفصل جميع عمال فرن حرنة الآلي، بتهمة “الإجهار بالإفطار”، متذرعةً بأن القرار جاء بعد ورود شكاوى من بعض أهالي المنطقة بحق العمال، الذين تعمدوا التدخين وشرب القهوة أمام المواطنين، في منافذ بيع الخبز خلال أوقات الصيام. 

وفي مدينة حمص، انتشر مقطع فيديو لصانع محتوى، يتنقل بين بعض مقاهي شارع العشاق، وهو يقوم بتصوير عددٍ من الأشخاص المُفطرين، ويُظهرهم وكأنهم مخالفون للقانون وينبغي مساءلتهم وفضحهم على الملأ، معترضاً على من أعطاهم الحق في الإفطار والجهر به، وعلى من سمح للمقهى بالعمل خلال وقت الصيام. وقد رأى كثيرون أن هذا السلوك، الذي أثار غضباً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، هو انتهاك صارخ للحريات الشخصية، وتعدي على خصوصية الجالسين في المقهى، ويتجاوز مسألة الاعتراض الشخصي إلى التشهير والتحريض. فيما رأى آخرون أنه مؤشّرٌ مخيفٌ على ولادة مناخٍ اجتماعي وثقافي غريب عن طبيعة المجتمع السوري، قد يأخذ البلاد نحو مزيدٍ من الانغلاق والتضييق على الحياة المدنية، ويفتح أسئلة كثيرة تتعلق بمدى حدود التدخل في حياة الآخرين ومن يمتلك حق محاسبتهم.  

تقييد بيع المشروبات الكحولية 

 أصدرت محافظة دمشق  منتصف آذار الماضي، قراراً يمنع تقديم المشروبات الكحولية في المطاعم والملاهي في مدينة دمشق، ويَحصُر بيعها ضمن المحلات المرخَّصة، في ثلاث مناطق تقطنها غالبية مسيحية: باب توما، القصاع وباب شرقي. كما اشترط القرار أن تبعد تلك المحلات مسافة 75 متراً عن الجوامع والكنائس والمدارس والمقابر، ومسافة 20 متراً عن مراكز الشرطة والدوائر الحكومية. وقد بررت المحافظة سبب القرار بأنه جاء تلبية لشكاوى المجتمع المحلي، وأنه يهدف إلى “الحد من الظواهر المخلّة بالآداب العامة”.

القرار الذي أثار مزيداً من المخاوف المُتعلّقة بالمساس بالحريات الشخصية، قوبل بموجةٍ من الاستهجان والسخط والانتقادات اللاذعة، من قبل شريحة واسعة من السوريين، بما فيهم وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات، التي احتجت على القرار من خلال منشور عبر صفحتها الرسمية على فيسبوك، جاء فيه: “المسيحيون في سوريا هم سكانها الأصليون، ومناطقنا ليست أماكن للمشروبات والكحول، بل هي قلب دمشق وتاريخها المشرق، ومكان للعيش المشترك. لم نكن يوماً سكارى ولكننا سكارى في محبة سوريا والانتماء إليها”.  

وعقب القرار تجمّع مئات السوريين، من مختلف المكونات، في اعتصام صامت، في باب توما، رفعوا فيه لافتات ترفض القرار، الذي اعتبروه اعتداءً على الحريات العامة والشخصية، ويسعى لتكريس الطائفية وتفريق الشعب بدلاً من جمعه، كونه “يُكفِّر” مناطق محددة ويسيء لتاريخها وثقافتها، ويعمل على تغيير هوية المدينة، التي لطالما كانت تمتاز بالتنوع الاجتماعي والثقافي، وتستوعب جميع الناس على اختلاف ثقافاتهم.

وما أثار مخاوف بعض السوريين، أكثر من القرار ذاته، هو خروج مجموعة مظاهرات في عدد من المحافظات، رداً على اعتصام باب توما، واستجابة لحملة “حظر أم الخبائث”، التي أطلقها مجموعة من الناشطين دعماً لقرار منع الكحول،  وقد نادت المظاهراتبمجموعة شعارت يغلب عليها الطابع الديني، ومن بينها: “ما بدنا سكرجية”، “حرية إسلامية”، “الشعب يريد إلغاء الخمور”، ” فَليعد للدين مجده ولتُرق منا الدماء” و”الشعب يريد تحكيم شرع الله”.   

 منع المكياج في اللاذقية

تحت ذريعة “تنظيم المظهر الوظيفي” و”الحفاظ على صورة المؤسسة وتعزيز المهنية والانضباط”، أصدر محافظ اللاذقية، في شهر كانون الثاني من هذا العام، قراراً رسمياً يقضي بمنع جميع الموظفات والعاملات من وضع المكياج بشكل نهائي خلال الدوام الرسمي، في جميع مؤسسات ودوائر الدولة وهيئاتها وما يتبع لها من مديريات وشركات، مؤكداً على ضرورة التقيّد والإلتزام بالقرار “تحت طائلة المساءلة القانونية”.   

وقد أثار ذلك القرار، الغريب والمفاجئ، جدلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، رافقته موجة واسعة من الانتقادات والرفض والسخرية، إذ اعتبره البعض تقييداً لحرية النساء بحجة الأخلاق، ووصايةً ذكورية على أجسادهن، وفرضاً لنهج إيديولوجي متطرف، كما أعرب آخرون عن مخاوفهم من فرض مزيدٍ من القيود على الحريات الشخصية، مع تسلّم مسؤولين، من خلفيات دينية، الكثير من المناصب في البلاد، فيما رأى جزء كبير من المعترضين على القرار، أن وضع المكياج  لا يؤثّر على النزاهة أو الكفاءة المهنية والالتزام الوظيفي، وأن القرار، الذي لا يدخل ضمن صلاحيات المحافظ، قد تجاوز الدور التنظيمي للمؤسسات وتدخل في  خيارات شخصية لا تمسّ طبيعة وجوهر العمل. وقد تساءل البعض: وفق أي مادة قانونية ستحاسب الموظفة التي تضع المكياج، في ظل غياب أي نص قانوني ينصُّ صراحة على منعه؟   

ضوابط ومعايير لارتداء ملابس السباحة

في خطوة غريبة عن المجتمع السوري، أصدرت وزارة السياحة في شهر حزيران من العام الماضي، قراراً يفرض ضوابط صارمة على قواعد اللباس في الشواطئ والمسابح العامة، التي لطالما كانت مُختلطة ومتنوعة وتستقبل جميع الناس على اختلاف ثقافتهم وسلوكهم الاجتماعي. وقد أكد القرار على “الالتزام بارتداء ملابس سباحة مناسبة تراعي الذوق العام ومشاعر مختلف فئات المجتمع”، مع التشديد على “احترام التنوع الثقافي والديني في الجمهورية العربية السورية”. وبموجب القرار، الذي رآه كثيرون تقييداً للحريات ومحاولة لفرض وجهة نظرٍ واحدة: تُلزم النساء بارتداء “البوركيني” أو ملابس سباحة “مُحتشمة”، تغطي الجسم، مع ضرورة ارتداء لباس فضفاض عند التنقل خارج أماكن السباحة، فيما يُلزم الرجال بارتداء قمصان عند الخروج من الماء، ويُمنعون من الظهور مكشوفي الصدر في الأماكن العامة والمطاعم التابعة للمنشآت السياحية. كما أكدت الوزارة، من خلال القرار، على تجنب ارتداء الملابس الشفافة أو الضيقة في الأماكن العامة، خارج الشواطئ والمسابح، والالتزام بملابس واسعة تغطي الكتفين والركبتين.

ونتيجة القرار، الذي لاقى موجة استهجان وانتقادات كبيرة، حُرم كثير من الناس من زيارة الشواطئ التي اعتادوا زيارتها خلال الصيف، بعد أن شعروا أنها أصبحت غريبة عنهم، وأنهم سيكونون مسلوبي الحرية ومقيدي الحركة فيها، كما أضرَّ القرار بكثير من أصحاب الشاليهات ومستثمري الشواطئ، بعد تراجع حجم الإقبال عليها.    

قرارات غريبة عن المجتمع السوري

في شهر شباط الماضي، أصدرت بلدية وادي بردى قراراً، يمنع المطاعم والمنتزهات من استقبال المجموعات السياحية المختلطة، أو التي تقيم حفلات رقص أو أنشطة اندماج بين الجنسين، دون وجود “رادع أخلاقي”، تحت طائلة إغلاق المنشأة وختمها بالشمع الأحمر في حال المخالفة.

وقد تساءل كثيرون عن مدى صلاحية البلدية في اتخاذ قرار كهذا، يُسيء لصورة المجتمع الذي اعتاد أن يتقبل الجميع، ويضرُّ بأصحاب المطاعم والمنتزهات ويحدُّ من الحركة السياحية في المنطقة، التي اعتادت استقبال الغروبات السياحية والرحلات المختلطة والنزهات العائلية، التي كانت تحظى بكثير من الترحاب والاحترام وكرم الضيافة من قبل سكان المنطقة، فيما رأى آخرون أن هذا القرار سيشكل مخاوفاً لدى الناس ويجعلهم يفكرون في كل رحلة أو نزهة مختلطة يقومون بها، إذ يمكن أن يُنظر إليها على أنها مخلّة بالآداب العامة، خاصة أن بلدية وادي بردى قد بررت القرار، بأنه جاء “استناداً إلى أخلاق ديننا الحنيف” وإلى “قواعد الآداب العامة، والحرص على العادات والتقاليد المجتمعية واحترامها”. 

وفي مدينة التل، وتحت ذريعة “صون الخصوصية العامة واحترام العادات والتقاليد المجتمعية”، أصدر مجلس المدينة، في شهر كانون الثاني لهذا العام، قراراً يحظر تواجد أي بائع “ذكر” داخل محلات بيع الألبسة النسائية، ويُلزم أصحاب المحلات بتعيين بائعة للعمل، مؤكداً على أن المحل الذي سيخالف التعليمات سيتم إغلاقه وختمه بالشمع الأحمر.  

وقد اعتبر كثير من المتابعين أن القرار  يعد مخالفاً للقوانين ويتدخّل بالملكية الخاصة لأصحاب المحلات ويضع قيوداً على إدارتهم لأعمالهم، رغم أن وجود الرجال في محلات بيع الألبسة النسائية هو عادة مألوفة في سوريا ولم تشكّل يوماً أية مشكلة أخلاقية تسيء للمجتمع. وقد تساءل بعض الساخرين من القرار إن كان سيسمح لأصحاب المحلات بزيارة محلاتهم، وإن كان سيطال أصحاب محلات المكياج والأحذية النسائية؟

ما ذكر أعلاه، يضعنا أمام سيناريوهات مستقبلية متعددة، تتعلَّق بشكل الحياة المدنية والاجتماعية والثقافية ضمن المجتمع السوري، ويطرح سؤالاً بدأ يتردد في الأحاديث اليومية لكثير من الناس: هل سيتغير الوجه المدني لسوريا مستقبلاً؟

مواضيع ذات صلة

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات...

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

مواضيع أخرى

إمساك العصا من المنتصف في رواية كمَنْ ينتعل قبرًا

إمساك العصا من المنتصف في رواية كمَنْ ينتعل قبرًا

تناولت المدونة الأدبية السورية بكافة أنواعها ثيمة الحرب، حتى كادت أن تصبح نموذجًا للانشغال بأدبيات الحروب؛ وهذا لم يكن ليتحقق إلّا بعد خمس عشرة سنة من استمرار المقتلة، جماعيًا وفرديًا، حتى الآن. هذا الانغماس في محاولة كتابة سرد أدبي للمقتلة السورية، يتجذّر في رغبة لا...

في تخوم الهذيان: سيرة المكان في رواية “هلوسات شرق أوسطية”

في تخوم الهذيان: سيرة المكان في رواية “هلوسات شرق أوسطية”

يسعى الكاتب السوري علي نضال تفاحة إلى إعادة صياغة العلاقة بين الأدب والواقع عبر أدوات فنية تتجاوز النماذج الكلاسيكية، مستنداً إلى تفكيك البنى السردية الجاهزة والانفتاح على أشكال كتابية تمزج التأمل الفلسفي بالتجريب اللغوي، في سياق تفاعلٍ واعٍ مع التحولات العميقة التي...

“نزوح”.. فيلم سوري عن البيت المهدَّد ومرارة الرحيل

“نزوح”.. فيلم سوري عن البيت المهدَّد ومرارة الرحيل

يتعرّف الجمهور السوري تباعاً إلى الأعمال الدرامية التي كانت ممنوعة في عهد النظام البائد. وقد عُرض مؤخراً في ملتقى هارموني للثقافة بمدينة حمص فيلم "نزوح"، وهو عمل أُنتج بتعاون فرنسي ـ سوري عام 2022، من إخراج سؤدد كنعان، وبطولة كل من سامر المصري وكندة علوش. وقد حاز...

تدريباتنا