تدريباتنا

هدايا “التحرير” لأطفال سوريا

by | Oct 26, 2025

لم تكن الطفلة حلا قطان تنتظر بابا نويل فهي تعرف أن آب ليس الشهر الذي يمر به ليرمي الهدايا من الشرفات أو نوافذ المنازل ومداخنها، ورغم أنه كان دوماً بعيداً عن شوارع الفقراء في مدينتنا إلا أنها لربما كانت كما كل الأطفال، تحلم به وبهداياه في يوم ما. لم تكن الهدية التي رميت على بيت حلا تشبه هدايا بابا نويل الذي تعرفونه ولا في موعده، كانت هدية غير متوقعة ( قنبلة) رمتها يد الإجرام والعبث اليومي في شوارعنا فقصفت حلم حلا حتى بيوم عادي، حين مر أحدهم في الثانية بعد منتصف الليل في 13 آب 2025 ورمى قنبلة على منزل حلا الكائن في حي العباسية في مدينة حمص ودمر أحلامها البريئة والبسيطة بعد أن عانت بضع ساعات ثم ماتت.

 لم تكن الطفلة الأولى التي قتلت بهذه الطريقة، فقد تكرر فعل رمي القنابل وصار أحياناً يومياً في بعض الأحياء، تقريباً منذ الشهر الأول للتحرير، كان يذهب ضحيته أحياناً عدد من أفراد العائلة ذاتها، كما في يوم 12 آيار الماضي في الشارع رقم 17 كرم الزيتون حيث تهدم جدار المنزل وأصيب عدد من سكانه.

في 18 آب مساء، شابان على دراجة نارية أطلقا النار على شرفات المنازل، فقتلت الطفلة غنى الحسن إذ اخترق الرصاص رئتيها.

وكل يوم في منتصف الليل قد تسمع صوت انفجار في مكان ما وحين تسأل ستعرف فوراً أو بعد حين عبر صفحات التواصل أنها قنبلة انفجرت في مكان ما من الأحياء التي صارت تعتاد أعمال العنف.

قد يكون الهدف ليس القتل بل مجرد الاعتداء كما حدث في حي السبيل حين ألقى أحدهم قنبلة على سرفيس مركون فاحترق بالكامل، وتلك خسارة كبيرة في الحقيقة رغم أنها لا تساوي حياة إنسان. وقد تكون القنبلة صوتية لمجرد إحداث الرعب والفوضى حتى أن خبر انفجار قنبلة في أحد الشوارع صار يمر دون توقف إن لم يكن هناك ضحايا.

وبنفس الطريقة ذات يوم قتل الطفل حيدر سليمان أمام منزله في حي كرم اللوز.

كانت الأغنية تقول: “وقالو شلحلي ورد عا تختي” يا للمفارقة من كان يتخيل أن نقارن يوما بين الوردة والقنبلة؟ هل سمع المجرمون هذه الأغنية وهم يرمون قنبلة على سرير حلا؟ هل فاضلوا يوماً بين الورد والموت وهم يرمون الهدايا القاتلة؟ 

كيف يطغى السواد على العقول ويحجب عنها التفكير وهي تحرم البشر من حقهم بالحياة؟ يحجب التفكير بنتائج أفعالهم وتصور الآخرين مجرد أجساد تذهب إلى الموت ببرود، ألا يخطر للقتلة أن هؤلاء الأطفال الذين يموتون يشبهون أطفالهم؟ وهؤلاء وأولئك يشبهون الأطفال الذين قضوا بالكيماوي يوماً، أولئك الذين أعيد شريط صورهم إلى ذاكرتنا منذ أيام. كانت الأم تقول لطفلها: لا تتنفس الهوا رح يقتلك. وكأن الطفل يستطيع ان لا يفعل وكأن بإمكانها أن تحميه من غاز السارين الذي دخل رئتيه. بأجسادهم النحيلة ووجوههم الشاحبة يودعون الحياة دون أن يعرفوا منها، سوى الرصاص والقنابل والموت اختناقاً. بأي ذنب قتلوا؟ 

هل تذكرون أطفال الحولة، أي قلوب قدت من الصخر استطاعت أن تقتلهم ذات يوم؟

هل تتذكرون طفل الحزام (إبراهيم شاهين) الذي قتل في أول أيام عيد الفطر مع عائلته في قرية حرف بنمرة في الساحل السوري، في يوم على المؤمنين فيه فعل المزيد من الخير، ربما كان إبراهيم يحلم بحزام حقيقي لبنطاله الذي يشده على جسده النحيل بخيط، يا لوجع الطفولة المقهورة. تحولت صورة إبراهيم إلى رمز لسوريا. وإليه أهدى سميح شقير أغنيته الجديدة والتي تبدأ ب “تيشد خصرو ربطوا بخيطان عافقر حالو هالصبي ربيان أيا إله بيقبل يندبح ودموعلى الرصيف سايل” سيبقى السؤال مشرعاً.

في جنوب البلاد كان هناك حلا أخرى، حلا الخطيب التي فقدت عائلتها بالكامل في أحداث السويداء وكانت الناجية الوحيدة إذ اختبأت في خزانة الملابس لتنجو رغم إصابتها بطلق ناري في الوجه تركها في حالة أذى شديدة.

أما تالا حسام الشوفي ذات الأربعة عشر عاماً التي استشهدت بطلقة في الرأس من قناصة، فكتب والدها الطبيب حسام الشوفي: تالا يا عمري سامحيني لقد خذلتك ولم أحميكي. خذلك الوطن. خذلتك ما كنا نسميها ثورة ولم تري منها سوى الظلام والموت.”

 مات أطفال مع عائلاتهم، وهناك أطفال شهدوا قتل أهلهم وتركوا وحيدين، هل الموت أقسى من مشهد ينحفر في الذاكرة لأهل يقتلون؟ هكذا تقتل الطفولة وتبقى الأجساد تعارك الألم وجروح الروح. 

أبعدوا أيديكم عن الأطفال فلا ذنب لهم أو علاقة بالحروب والصراع من أي نوع، لا تجعلوهم يحملون آثامكم، أبعدوا الأطفال عن معارك الثأر القبيحة. لا فرق بين قاتل وآخر فالقتلة يتشابهون! 

دعوهم يعيشون ويحلمون بهدايا تسقط عليهم غير القنابل ورصاص القناصة، غير السكاكين التي تحمل الهول ورعب الذبح، دعوهم يحلمون ككل أطفال العالم ببابا نويل الذي يحمل الألعاب لا الموت.

حين عثرت الذئاب على الطفل الصغير ماوكلي لم تأكله بل أرضعته. هل تعقلون؟ 

مواضيع ذات صلة

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات...

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

مواضيع أخرى

الخارجية السورية في طرابلس الشام

الخارجية السورية في طرابلس الشام

في لحظةٍ وثّقت عجز الزعامات الطرابلسية عن إدارة واقع مدينتها وتمثيل وجعها، دخل موكب وزير الخارجية السوري في الحكومة الانتقالية، أسعد الشيباني، أو (أبو عائشة) كما ناداه بعض الطرابلسيين، فبدا حضوره كضوءٍ كاشفٍ سلّط على تلك الزعامات ما حاولت طويلًا إخفاءه. وكانت زيارة...

من ضيق العيش إلى مطلب العدالة: احتجاجات سوريا واختبار العقد الاجتماعي الجديد

من ضيق العيش إلى مطلب العدالة: احتجاجات سوريا واختبار العقد الاجتماعي الجديد

في القامشلي، لم تُثنِ الأزمة القلبية المفاجئة رجلاً عن معاودة الاحتجاج؛ فبعد ساعات من نقله إلى المستشفى إثر وعكة داهمته وهو يتحدث عن ضيق العيش، عاد في اليوم التالي ليتابع الوقفة من مقعد سيارته. يختصر هذا المشهد مزاجاً سورياً جديداً في عام 2026: شعبٌ أنهكه الفقر، ويرفض...

سوريا ولبنان: عقدة الأخ الأكبر

سوريا ولبنان: عقدة الأخ الأكبر

لا يمكن فهم واقع العلاقات السورية–اللبنانية، ولا ما راكمته من توتر وهيمنة وعداء متبادل، بالانطلاق من دخول قوات نظام الأسد إلى لبنان وحده. فهذا الدخول، على خطورته وما رتّبه من انتهاكات للسيادة اللبنانية، لم يكن بداية الإشكالية بقدر ما كان إحدى نتائجها الأكثر عنفًا....

تدريباتنا