تدريباتنا

قراءة في التقرب السوري إلى اليونان

by | Sep 15, 2025

شكّلت زيارةُ وزيرِ الخارجيةِ السوريّ أسعدَ الشيباني إلى أثينا ما هو أبعدُ من إجراءٍ بروتوكوليٍّ عابر؛ بل هي اختبارٌ مبكّرٌ لتموضعِ سوريّة الجديدةِ في شرقِ المتوسّط، ولقدرةِ أثينا ونيقوسيا على تأطيرِ هذا التموضعِ ضمنَ الحساباتِ الأوروبيّةِ الأوسع. وخلفَ اللغةِ الملساءِ للدبلوماسيّةِ برزت عناوينُ صلبةٌ: قانونُ البحارِ وترسيمُ الحدودِ، إدارةُ الهجرةِ، حمايةُ الأقليّات -وفي مقدّمها المسيحيّون- وبناءُ المؤسّساتِ بوصفِه مدخلاً إلى اعترافٍ عمليّ. كما طُرِح إنشاءُ إطارٍ ثلاثيٍّ يونانيٍّ–قبرصيٍّ–سوريٍّ على هامشِ اجتماعاتِ الأممِ المتّحدةِ في سبتمبر/أيلول 2025، ويُرجَّحُ أن الزيارةَ رسمتْ خطوطاً حمراءَ لأيّ تفاوضٍ سوريٍّ–تركيٍّ معزولٍ محتملٍ حول البحر.

اليونان

بداية من منظور أثينا، تبدو الزيارة فرصة لإعادة وصل ما انقطع مع دمشق، لكن بشروط واضحة لا لبس فيها. أولها مرجعية القانون الدولي عموماً وقانون البحار خصوصاً؛ أي رسالة مباشرة بأن أي صيغة لترسيم بحري سوري–تركي على غرار “المذكرة التركية–الليبية” ستُعامل كخطٍ أحمر لأنها تمسّ حقوقاً سيادية لليونان ولقبرص وتعيد خلط خرائط شرق المتوسط خارج قواعد الشرعية. ثانيها المطالبة بحوكمة شاملة غير إقصائية من قِبل الإدارة الانتقالية السورية، بما يطمئن أوروبا إلى أن دمشق الجديدة لا تعيد إنتاج أنماط الاستبعاد القديمة، ويُفهم في آنٍ واحد كإشارة سياسية إلى أنقرة بأن أثينا ترفض تحويل سورية إلى امتداد مباشر لنفوذها. ثالثها رفع حماية الأقليات، والمسيحية خصوصاً، من حيز التعاطف الأخلاقي إلى بندٍ مُعلَن في المعادلة: استمرار الدعم الأوروبي وممراته المالية–الفنية مشروطٌ بسلوك انتقالي لا يهدد حياة وحقوق الجماعات الدينية والإثنية.
ولا تتوقف المقاربة اليونانية عند الخطاب؛ بل تُترجم إلى أدوات عمل: لجانٌ فنية لملف الهجرة، وخبراتٌ في بناء المؤسسات، أي لغة “الاعتراف العملي” من دون شيكٍ سياسي على بياض. بهذا المعنى تعرض أثينا أن تكون بوابة عبور دمشق إلى أوروبا، شرط ألا تُجازف الأخيرة بمصالح اليونان وقبرص أو بإطار الشرعية الدولية.

قبرص 
وإذا كانت أثينا قد حدّدت إطار الإدماج المشروط تحت سقف القانون، فإن نيقوسيا تمسك بخيطٍ موازٍ أقلّ ضجيجاً وأكثر براغماتية؛ تُبقي قبرص نبرتها منخفضة لكنها لا تُخفي مصلحتها المباشرة في استقرار سورية، إذ تقوم مقاربتها على ثلاثية واضحة: أولاً، الحدود البحرية وموارد الطاقة، حيث إن أي اتفاق سوري–تركي يتجاهل حقوق قبرص في منطقتها الاقتصادية الخالصة يُعدّ التفافاً على مواقفها في البحر، ما يستدعي تثبيت قبرص طرفاً أصيلاً في أي هندسة إقليمية جديدة تمسّ سورية؛ ثانياً، الهجرة والأمن الداخلي، فالجزيرة في الخطوط الأمامية لمسارات العبور، والتعاون الفني مع دمشق -وعبرها مع أثينا- ينقل الملف من “صداعٍ مزمن” إلى برنامج عملٍ قابلٍ للقياس؛ ثالثاً، إعادة دمج سورية دولياً، إذ تميل قبرص مؤسسياً إلى صيغٍ ثلاثية مع اليونان (ومع مصر/ إسرائيل في ترتيبات أخرى)، وإدخال دمشق في إطارٍ مشابه يُدوّر حضورها ضمن شبكاتٍ شرعية ويقلّص هامش المقايضات الثنائية السورية – التركية على حساب الجزيرة؛ وبكلماتٍ أخرى، فإن الرهان القبرصي هو تطبيعٌ مشروط لدمشق داخل منصّات شرق المتوسط يجعل نيقوسيا شريكاً في الصياغة لا متلقّياً للنتائج، على نحوٍ يُتمّم المقاربة اليونانية بدل أن يتعارض معها.

سورية

بالنسبة إلى حكومة دمشق الانتقالية التي يقودها اليوم أحمد الشرع، فإن طرق باب أثينا يحمل أربع رسائل متوازية: أوّلاً، تنويع المنافذ بالخروج من ثنائية أنقرة/ موسكو نحو قناةٍ أوروبية تديرها اليونان وقبرص تَعِدُ بشرعيةٍ ومواردَ، لكن بثمنٍ سياسيٍّ معلوم: احترام القانون الدولي، والتهدئة البحرية، وإشاراتٌ عمليّة لحماية الأقليات. ثانياً، طمأنة الغرب عبر وضع ملفّ المسيحيين وسائر الأقليات في الواجهة لا كتنازلٍ مجاني، بل كأوراق طمأنة لازمة لتخفيف التحفظات الأوروبية وفتح أبواب تعاونٍ فنّي ومالي. ثالثاً، غموضٌ بنّاء حيال تركيا بإبقاء الباب موارباً أمام مفاوضاتٍ حول البحر والشمال السوري لرفع سقف المكاسب من الطرفين -أوروبا عبر أثينا ونيقوسيا، وتركيا عبر القنوات الأمنية والاقتصادية- مع إدراكٍ أن خطوةً خاطئة مع أنقرة قد تُطيح بما تعرضه أوروبا. رابعاً، المؤسسية عبر خطابٍ يتحدّث عن “بناء مؤسسات” و”لجان للهجرة” و”قنوات مع بطريركية أنطاكية”، بما يشي برغبةٍ في ترسيم انتقالٍ منضبط يبدّد هواجس الانفلات.

أوروبا

تنظر أوروبا إلى اليونان كمفوّض طبيعي لفتح قناة اختبار مع دمشق. الأولويات الأوروبية واضحة: منع موجات لجوء جديدة، خفض التوترات البحرية، إبقاء ملف الطاقة ضمن قواعد اتفاقية قانون البحار (UNCLOS)، وتحييد مساحات نفوذ تركية منفلتة في شرق المتوسط. وعليه تُرسم معادلة بسيطة: دعمٌ مشروطٌ بسلوك سوري منضبط. تعرض أثينا القيام بدور الضامن السياسي والمُصفّي الفني لهذا الدعم، على أن تمتنع دمشق عن مقايضات بحرية مع أنقرة على حساب اليونان وقبرص.

ماذا قال كل طرف… وماذا قصد؟

حين شدّدت أثينا على “القانون الدولي للبحار” لم تكن تُلقي درساً نظرياً؛ بل سمّت الخطر مباشرة: أيّ ترسيمٍ بحريٍّ سوري–تركي خارج إطار اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)، وبما ينتقص من حقوق الجزر ومن المنطقة الاقتصاديّة الخالصة القبرصيّة (EEZ). وحين تحدّثت عن “حُكمٍ شامل” فهي تربطُ الاعترافَ والتمويلَ الأوروبيَّيْن لسوريّة بإشراك الأقليّات وخفض منسوب الإقصاء والعنف. أمّا إبرازُ ملفّ المسيحيّين وسائر الأقليّات فحوّلته من قضيّةٍ إنسانيّةٍ إلى شرطٍ سياسيٍّ مُعلن لأيّ مسار تطبيعٍ مع دمشق. وأخيراً، طرحُ اللجان الفنيّة للهجرة هو اختيارٌ واقعيّ لبدء تعاونٍ عمليّ قابلٍ للقياس يسبقُ التطبيعَ السياسيَّ الشامل، بوصفه إجراءً من إجراءات بناء الثقة (CBMs).

الإطار الثلاثي: آلية ضبط التفاهمات الثنائية

الحديث عن اجتماع ثلاثي يوناني–قبرصي–سوري في نيويورك ليس تفصيلاً بروتوكولياً؛ بل أداة عملية لضبط الإيقاع الإقليمي. مؤسسياً، يحقق ثلاث فوائد متقاطعة: لليونان، تقييد هامش دمشق في أي مقايضة بحرية مع أنقرة عبر إدخال قبرص طرفاً أصيلاً؛ لقبرص، تحصين ملف منطقتها الاقتصادية الخالصة ونقل الهجرة من عبء مزمن إلى برنامج تعاون منظم؛ ولسورية، مظلة شرعية غير صدامية مع أوروبا وخيار بديل عن اصطفاف أحادي مع تركيا. بكلمات أخرى، الإطار الثلاثي أداة سياسية لإدارة المخاوف المتبادلة، لا مجرد صورة جماعية.

على مستوى المسارات الواقعية، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات: الأول، مذكرة بحرية سورية–تركية تستدعي رداً يونانياً–قبرصياً–أوروبياً قاسياً سياسياً ومالياً وقانونياً وتغلق عملياً بوابة أثينا، مع تداعيات تتجاوز البحر إلى ملفات الهجرة والطاقة والمؤسسية؛ الثاني، انخراط منضبط تمضي فيه دمشق تدريجياً في تعاون فني للهجرة مع إشارات محسوبة لحماية الأقليات وامتناع عن خطوات بحرية استفزازية وفتح قنوات قانونية حول الطاقة، بما يفضي إلى دعم أوروبي مبرمج وعودة متدرجة إلى منصات شرق المتوسط؛ الثالث، توازن حاد تلعب فيه دمشق على الحبلين، تفاوض أنقرة بحساب وتحافظ على خيط أثينا–نيقوسيا، ما يطيل أمد الغموض المفيد لكنه يعلق أي دعم أوروبي على الاختبار التالي.

اختبار نيويورك

إذا انعقد اللقاء الثلاثي في نيويورك فسيكون الاختبار الأول لتحويل لغة البيانات إلى هندسة سياسية قابلة للاستمرار. مؤشرات المتابعة واضحة: تشكيل اللجان الفنية للهجرة وجدول عملها، أي تصريحات سورية حول قانون البحار، مستوى التواصل المؤسسي مع بطريركية أنطاكية، وخريطة الطريق القبرصية لدمج سورية في معادلة شرق المتوسط بلا صدام مع أوروبا. المعادلة بسيطة ومعقدة معاً: كلما اقتربت دمشق من قواعد القانون والتهدئة والاشتمال، اتسعت أمامها أبواب أثينا ونيقوسيا وبروكسل؛ وكلما انجرفت نحو صفقات بحرية وارتجالات أمنية عابرة، انغلقت تلك الأبواب سريعاً. الزيارة فتحت النافذة؛ أمّا العبور فمرهونٌ بواقعية رسائل الشيباني وبقدرة أثينا ونيقوسيا على تحويل الفرصة إلى إطارٍ مُلزِم.

مواضيع ذات صلة

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

لم تُكسر مرآةُ الهوية السورية بضربةٍ واحدة. تشقّقت على مهلٍ، بخيطٍ رفيع يبدأ من الطابور الصباحي في المدرسة، ولا ينتهي عند حاجزٍ يسأل فيه عنصرٌ شاب رجلاً في الخمسين: "من وين حضرتك؟" فلا يجيب باسم مدينته فحسب، بل باسم طائفته ولهجته وشبهة انتمائه. ستة عقود كان فيها...

مواضيع أخرى

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

 بعد مرور أكثر من عامٍ على سقوط نظام الأسد، وتولي الحكومة الانتقالية شؤون الدولة، مازالت البلاد تعيش ظروفاً اقتصادية ومعيشية مُتردية، فبحسب تقديرات الأمم المتحدة لا يزال نحو 90% من السكان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، في ظل صعوبة الحصول على أدنى مقومات...

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

تُشكّل الثقافة بنيةً رمزيةً مؤسِّسةً للدول الحديثة، ويُعدّ الخطاب الثقافي الرسمي أحد أعمدة بنائها في لحظات التحوّل؛ لأنه أداة تُعيد تعريف الذات الوطنية، وتُرمّم العلاقة بين المجتمع والدولة، وتفتح قنوات الاتصال والتواصل مع العالم. وقد تناول الفيلسوف الإيطالي أنطونيو...

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

لم تكن السويداء بمعزل عن الخلافات ذات الطبيعة التفريقية، كحال أيّ مجتمع عربي؛ إذ تطفو العصبية القبلية بشكل مفاجئ إثر أيٍّ من الخلافات التي قد تتطور إلى تعبئة عنصرية تابعة لأطراف الخلاف، والتي غالباً ما تكون عشائر أو قبائل أو هويات قومية أخرى. ويقع المحظور فتسيل الدماء...

تدريباتنا