تدريباتنا

الكابتن ماجد… مسرحية تدخل البهجة لأطفال نزحوا من الرقة

by | Nov 5, 2017

 “في ساحة «مشروع أمل» في مخيم عين عيسى على بعد خمسين كيلومتراً شمال غربي مدينة الرقة، وقف طفل ناظراً إلى كرة قدم وُضعت في منتصف الملعب وإلى جانبه لاعب ثانٍ يرافقهما حارس المرمى بكل ثقة، في انتظار صافرة البداية وأعينهم البريئة تشتعل حماسة ليبدأوا مباراتهم الكروية في وجه لاعبي الفريق الخصم الذين وقفوا في الجهة المقابلة.

 بعد مرور دقيقة ركض لاعب ثالث وصاح بأعلى صوته: «مرر الكرة لي يا ماجد». يجيبه وليد الذي كان واقفاً خلف ماجد: «اتجه نحو المرمى لأقذفها لك»، في حين بدأ لاعبو الفريق الخصم الركض باتجاه ماجد وفريقه.
في هذا المشهد، افتتح أطفال «مشروع أمل» عرضهم المسرحي الأول في مخيم عين عيسى، الذي حمل عنوان «الكابتن ماجد»، معلناً البدء في مرحلة جديدة لأنشطة المركز. «رسالة مسرحية الكابتن ماجد إدخال الفرحة والبهجة ورسم الابتسامة على وجوه أطفال الرقة، فكرة المسرحية تقوم على الحركات والأنشطة؛ لأن أطفال الرقة وبعد الحرب التي دمرت مدينتهم وبسبب احتلال تنظيم داعش، حرموا من الطفولة واللعب والنشاط وهم في الجيل»، بحسب آمنة أحمد الحسن، مديرة مشروع أمل للطفولة.

وقدمت اليابان بالتعاون مع منظمة اليونيسيف 100 كتاب من نسخ قصة «الكابتن ماجد»، حيث تم توزيعها في مخيم عين عيسى، وقد تبرعت بها «دار شويشا» والأخيرة إحدى أكبر دور النشر في اليابان.
ويستضيف مخيم عين عيسى عددا كبيرا من الأطفال وأسرهم النازحين من الرقة بسبب القتال الأخير قبل طرد مقاتلي تنظيم داعش منتصف الشهر الماضي، ومنذ أبريل (نيسان) 2017 أجبر أكثر من ربع مليون شخص على الفرار من ديارهم بسبب الاشتباكات العسكرية، نصفهم من الأطفال، وتضيف آمنة: «(مشروع أمل) مساحة صديقة للطفل يهدف إلى تفريغ طاقاتهم من خلال اللعب والأنشطة، نعمل في مجال الدعم النفسي والاجتماعي للطفل، من خلال نشاطات ترفيهية وتقديم التوعية الصحية والمسرحيات لاكتساب مهارات الحركة وتنشيط الذاكرة».
يعمل «مشروع أمل» بدعم وتنسيق من منظمة «يونيسيف» على مساعدة الأطفال لمواجهة واقعهم بعد سنوات من العنف والتشريد، وفي الخيام المخصصة للمشروع، ينخرط الأطفال في أنشطة تعليمية وترفيهية منظمة ومراعية للسن كشكل من أشكال الدعم النفسي الاجتماعي، كما يتردد الأطفال على المراكز بدافع الغناء والرقص واللعب والرسم والقراءة.

وبحسب محمد حسين محمد، المشرف العام على «مشروع أمل» في مخيم عين عيسى، يتبع المركز لـ«جمعية البر والإحسان الخيرية»، بدعم وتمويل من منظمة «يونيسيف». وافتتح أول برنامج للمشروع داخل المخيم في الأول من شهر يوليو (تموز) الماضي. ويشرح محمد ماهية المشروع: «هو عبارة عن خمسة أقسام، قسم خاص بالخياطة والتطريز والنسيج، وقسم خاص بدعم وتمكين النساء، وقسم إدارة الحالة، وقسم خاص بالتوعية من الألغام والمخاطر، والقسم الخامس وهو الأكثر إقبالاً لأنه ترفيهي يشمل الأنشطة الحركية والرسم والموسيقى».
وبدأ «مشروع أمل» مرحلة جديدة من أنشطته تستمر ثلاثة أشهر حتى نهاية شهر يناير (كانون الثاني) من العام المقبل، يستهدف نحو 350 طفلا تتراوح أعمارهم بين 6 سنوات و18 سنة، يتردد الطفل إلى المشروع ثلاثة أيام كل أسبوع، ويحصل في كل يوم على ساعة ونصف الساعة من الترفيه. ويضيف محمد: «المركز غير تعليمي، نحن نعمل ضمن إطار الدعم النفسي والحركي للأطفال، كما نقوم بتوزيع القصص مجاناً على الأطفال، حيث يتم تدريبهم على الحركات والألعاب والغناء والموسيقى».

والهدف الرئيسي لمجموعة الأنشطة لمشروع أمل: «إخراج الأطفال من دائرة الحرب، وتهيئتهم للعودة إلى المدرسة، وللحياة الطبيعية بعد أن حُرموا منها طيلة ثلاثة سنوات من حكم تنظيم داعش المتطرف، لأن مرحلة بناء الطفل وتعليمه بدأت الآن»، والكلام لمشرف المشروع محمد الحسين.
في خيمة ثانية ضمن «مشروع أمل»، تجلس سعدية (35 سنة) المنحدرة من مدينة الرقة، إلى جانب نسوة أخريات قررن تعلم فنون الخياطة والنسيج، ونقلت إنها تريد التعلم والتدريب وقضاء وقتها في شيء مفيد، مضيفة: «في المخيم لا يوجد شيء أعمله أو أنجزه، قبل النزوح كنت أحلم أكون خياطة، أما اليوم فأسعى إلى أن أتدرب وأكتسب مهارة جديدة تعيل أسرتي».

وتقول المشرفة على قسم التطريز والنسيج، بسمة العليان: إن «40 سيدة وفتاة مشاركة في أنشطة القسم، كل منهن تقضي ساعتين وقتهن، تتعلق جميع الأعمال التي يقومن بها بالنسج والتطريز والخياطة والحياكة، بالإضافة إلى تقديم الدعم النفسي للنساء المشاركات داخل القسم».
في حين تقدم ثلاث اختصاصيات اجتماعية في القسم الدعم النفسي للنساء، وتزيد بسمة: «خاصة بعد ما تعرضن له من مشاهدة وحشية وأعمال إجرامية قام بها عناصر تنظيم داعش، إضافة إلى توعيتهنّ بظاهرة الزواج المبكر التي انتشرت بالمخيم مؤخراً».

في حين خصصت خيمة ثالثة لإعطاء دروس توعوية عن أخطار الألغام والابتعاد عن مخلفات الحرب، وتحولت الخيمة إلى معرض للرسوم والإشارات والأجسام التي تشبه الألغام، حيث يقف المدرس إسماعيل رشيد، المنحدر من مدينة الرقة، في وسط الخيمة ويمسك بيده صورة كبيرة كتب في أعلاها «حملة الوقاية من المخلفات المتفجرة»، يقف طفل ينظر إلى شاخصة رسمت عليها جمجمة ودهنت باللون الأحمر، ورجل يقود عربة يدوية لنقل بقايا صواريخ وقذائف، وتحذر صورة ثانية من العبث بالأجسام الغريبة، وضرورة تركها مكانها كي لا تنفجر.

تعتمد إدارة المشروع في توعية الأطفال من خلال الصور الملونة لإيصال الرسائل المراد تعليمها، وتم تعليق الكثير منها في الخيمة، ويعزو المدرس إسماعيل: «إن الأطفال وبهذا الجيل، لا يفهمون المصطلحات العلمية بالشكل التقليدي عبر الدروس والكتب التعليمية؛ لذلك نعتمد إلى الصورة لأنها تصل بشكل أسرع إلى ذهنية الطفل، وتبقى عالقة في ذاكرته»، منوهاً «أن الصور تشرح الغاية بشكل تفصيلي عن خطورة هذه المخلفات وضرورة الابتعاد عنها والحذر منها».

وقامت منظمة اليونيسيف بتوزيع الآلاف من نسخ مجلة «مشوار» الخاصة بالتوعية من مخاطر المخلفات المتفجرة، داخل المخيم عبر «مركز أمل»، وفي ريف الرقة للحذر والتوعية قبل عودة الأهالي إلى مدينتهم التي عمد عناصر التنظيم لزرع الآلاف من الألغام والمفخخات المتفجرة.
ويضيف المدرس إسماعيل: «كل صورة تشرح جانبا محددا، لمساعدة الطفل على حفظ أكثر النقاط التي من المحتمل أن يكون فيها ألغام، فالصورة تساعد الطفل كيف يتصرف في حال وجد لغماً، ويتبّع التعليمات الإرشادية للابتعاد عنها».

وفي الختام، يقول مشرف المشروع محمد الحسين: «إننا نعمل على إعادة الثقة وزرع روح الحياة في أنفس المشاركين بالمشروع عبر ما يقدمه من دعم وتوعية، في محاولة لتخليصهم من الخوف والرعب الذي تركه تنظيم داعش المتشدد، وإعادة روح الطفولة إلى الأولاد».”

تم نشر هذا المقال في «الشرق الأوسط»

مواضيع ذات صلة

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

لم تُكسر مرآةُ الهوية السورية بضربةٍ واحدة. تشقّقت على مهلٍ، بخيطٍ رفيع يبدأ من الطابور الصباحي في المدرسة، ولا ينتهي عند حاجزٍ يسأل فيه عنصرٌ شاب رجلاً في الخمسين: "من وين حضرتك؟" فلا يجيب باسم مدينته فحسب، بل باسم طائفته ولهجته وشبهة انتمائه. ستة عقود كان فيها...

مواضيع أخرى

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

 بعد مرور أكثر من عامٍ على سقوط نظام الأسد، وتولي الحكومة الانتقالية شؤون الدولة، مازالت البلاد تعيش ظروفاً اقتصادية ومعيشية مُتردية، فبحسب تقديرات الأمم المتحدة لا يزال نحو 90% من السكان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، في ظل صعوبة الحصول على أدنى مقومات...

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

تُشكّل الثقافة بنيةً رمزيةً مؤسِّسةً للدول الحديثة، ويُعدّ الخطاب الثقافي الرسمي أحد أعمدة بنائها في لحظات التحوّل؛ لأنه أداة تُعيد تعريف الذات الوطنية، وتُرمّم العلاقة بين المجتمع والدولة، وتفتح قنوات الاتصال والتواصل مع العالم. وقد تناول الفيلسوف الإيطالي أنطونيو...

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

لم تكن السويداء بمعزل عن الخلافات ذات الطبيعة التفريقية، كحال أيّ مجتمع عربي؛ إذ تطفو العصبية القبلية بشكل مفاجئ إثر أيٍّ من الخلافات التي قد تتطور إلى تعبئة عنصرية تابعة لأطراف الخلاف، والتي غالباً ما تكون عشائر أو قبائل أو هويات قومية أخرى. ويقع المحظور فتسيل الدماء...

تدريباتنا