تدريباتنا

مشاهد في ظلّ الحرب

by | Jan 17, 2018

لستُ الوحيد الذي تُمزقّ الحربُ روحي بأنيابها الصلبة، الحرب التي تتكاثر كندوبٍ فوق جسد البلاد، لستُ الوحيد الذي رُمِي جسده ـ منذ سبع سنينٍ كاملةٍ ـ في محرقةِ البقاء العمياء، البقاءُ للأقوى:

تقول شرائع الغاب: البقاء للأقل حظاً، تقول الضحية التي تشبهني، الضحية التي نجت بلحمٍ محروقٍ وروحٍ مطعونةٍ بحراب الفقد.

أجل منذ سنينٍ سبعٍ وأنا أحفر الخنادق في ذاكرتي فلا يخرجنّ من طينها سوى الجثث وأصوات الأقدام المبتورة التي ما زالت تحاول الهرب، فأسقط عميقاً في فراغي.

ولستُ الوحيد، الذي أدمنتْه حبوبُ المهدئات، فصار أيضاً لاجئاً إليها، يحتمي بخدرِها كي ينجو فقط بما تبقى فيه من عاطفة، أمشي في شوارع دمشق فأرى الناس يتكئونَ على حزنهم، كما يتكئ الغريب على ظله فجميعنا أغرابٌ تهنا في أوردة البلادِ وأزقتها، أمشي في شوارعها أحدثُ الفراغَ المرعبَ الذي خلفته آلةَ الحربِ خلفها، أقول:

لا بدّ من نافذة، لا بدّ من خلاص.“

أعود إلى بيتي ـ بيتي الذي يتألف من غرفةٍ واحدة بأربعة جدرانٍ تحمل بقسوةٍ صورَ أصدقائي الذين غافلهم الموتُ بأصابعه الثخينة، فلوى أعناقهم وأعناق من بقوا على قيدِ الفقدِ يستجدونَ الأمل، أحاول مواربتهم ومواربة الموتِ بالنسيان، فأكثرُ من المهدئات والكحول حتى أصبح جثّةً هامدة، تطوف روحها بسلام مؤقت في فراغِ الغرفة / الشوارع/ المدينة، في فراغ الجسد.

هكذا فقط أستطيع أن أثبت لنفسيَ المنحورةَ بسكين الغائبين أنني ما زلت حياً، فأستيقظ صباحاً مكبّلاً بقيودٍ لا حصر لها:

اسمي، عائلتي، هويتي، والحاجز الذي ينتظرني على مبعدة أمتارٍ قليلة، أفتش عن طريقةٍ للهروب كي لا يسألني أحدهم: “من أين أنت؟”

سؤالٌ ينحر رئتي كخنجرٍ مسموم، فأفقد صوتي، وانتمائي بينما تجول بي الذاكرة غرب البلادِ وشرقها، ليوقظني الصوت الأجش من جديد: “من أين أنتفأكتفي بأن أقول أنا من هنا، من عدة أمتارٍ مغلفةٍ بالدمِ والحرائق اسمها دمشق، ثم أمضي تاركاً خلفي أجوبةً لا قرار لها، أجوبة طفلة تكاد من براءتها أن تسيل ماءً على وجوه السائلين.

وأنا من هنا، رجلٌ في الثلاثين نجوتُ مراتٍ عدةٍ من سهام الموت وقراصنته، مازالَ مشهدُ القذائف التي انفجرت محاذاتي يعيد نفسه كآلةِ تسجيل، وأذكر أنني نجوت من أربع سياراتٍ مفخخة، انفجرت بعد أن اجتزتها بقليل، قليل فقط، إلا أنني لم أنجُ من حروقٍ في أصابعي عندما انتشلتُ جثث أصدقائي أشلاءً ووضعتهم بيدي هاتين في أكياسٍ سيُخاط فمها جيداً كي تبقى الجثث هادئةً في خوفها الأخير.

هكذا أزاول الحياة أو أني أواربها بالضحك الممسوس بالخوف ـ الخوف من الوحدة من المُخبر من الفقد من الأصدقاء الذين قد لا يعودون ـ الخوف من الغد، الغد الذي قد لا يأتي.

صباحاً، أذهبُ إلى عملي أتأمل الوجوه الغارقة في ضباب الحزن، كم من مرةٍ وددت أن أعانقها جميعاً، لكنني دائماً كنت أفشلُ حتى في التحديقِ الطويلِ في عيونها، عيونها التي تحمل البلادَ المهدومة على أنقاضها، عيونها التي تريد أن تبكي إلا أنه لم يبقَ حتى طللٌ ثابت تبكي عليه.

فصور المدن تلاحقنا وكأننا قتلةٌ، المدن التي تسألنا بألسن من نارٍ:

ماذا فعلتم من أجلنا؟

ـ لم نفعل شيئاً يا أمي، حملنا صمتنا فوق كفوفنا الفارغة فكنّسَنا خوفُنا عن شوارعك وحدائقك ومقاهيك وشرائطَ الأخبار العاجلة.

لذلك، ولأنني رجلٌ وحيد، أو رجل أصبح وحيداً بعد أن ناله الفقد بكامل صخبه، وجدت نفسي وجهاً لوجه في معركةٍ ضدّ القبح، دونَ سلاح يُذكر، فأنا لا أحمل في جيبي سكيناً أو مسدس، حتى أني بتّ أخاف صوتَ الرصاصِ وعويل الأمهات، فشرعت أصابعي للكتابة، وروحي للركض على الصفحات عاريةً من كل شيء، ربما ـ على الورق ـ أجد نفسي أكثر توازناً، فالكتابة هي الشيء الوحيد ـ في هذه الحرب ـ الذي لا يحتاج لبتر ذراع أحدهم أو اقتناصِ فرحه برميةٍ طائشة، الكتابة غرفةٌ مستعارة تستطيع نقلها أينما ذهبت، غرفةٌ بلا جدران أو لصوصٍ ينظرون إليك من ثقوبٍ في روحها، الكتابة كنايةٌ ـ كنايةُ أنّك ما زلتَ تصر على استنشاق الهواء النظيف رغم تراكم الغبار والحرائق، الكتابة جلد الذات وجلد الآخر في محاولةٍ لكنسِ الألم مخفوراً بالمعنى ـ المعنى اليقين، أنك صدفةً نجوت، وأنكَ صدفةً ستسير في عوالمَ ما من شيءٍ يؤرقها سوى وجودك المحتوم، وجودك المُراوغ لتفاصيل الموتِ وأشكاله.

أجل فأنا ومنذ سبعِ سنين خراب ما زلت أكتب، كتبت عشرات القصائد بل المئات منهاـ قصائد تحمل النعوش عالياً، قصائد يرشح من أصابعها الدم والبرد، قصائد تحتفي بوردةٍ ذابلةٍ على نهد إحداهن، قصائد ترتجف في هذيانها.

ولطالما احتميت من ندمي بأمسياتٍ شعريةٍ كنت أقيمها في أصغر حاناتِ دمشق وأكثرها اكتظاظاً بالسوريين الذي سيتقاسمون صوتي الأقرب من لسانِ إلى صوتِ المجزرة.

والآن أصبح لي ديوانٌ وحيد سميته ضوءاً قصيراً، سميته سريراً بارداً، ديوان ينزف من أوراقه الصفراء أجساداً هائلة تصرخ بصوتٍ واحدٍ:

كان لا بدّ من نافذة، كان لا بد من خلاص.“

مواضيع ذات صلة

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات...

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

مواضيع أخرى

باحثة أمريكية: “أدب السجون السوري” امتدادٌ لكتابة المنفى

باحثة أمريكية: “أدب السجون السوري” امتدادٌ لكتابة المنفى

في كتابها “قراءات في أدب السجون السوري: شاعرية حقوق الإنسان” (Readings in Syrian Prison Literature: The Poetics of Human Rights)، والذي رأى مترجمه الكاتب والمترجم السوري حازم نهار أن يعنونه بـ “أدب السجون السوري: بويطيقا حقوق الإنسان”، تعتمد الباحثة...

هل سيتغير الوجه المدني لسوريا؟ 

هل سيتغير الوجه المدني لسوريا؟ 

بعد مرور أكثر من عامٍ  على تولي الحكومة الجديدة شؤون الدولة، شهدت البلاد مجموعة من القرارات والممارسات والسلوكيات، التي بدأت تُثير قلق ومخاوف كثير من السوريين، الذين رأوا أنها تحاول تكريس سياسة اللون الواحد، وتسعى لتقييد الحريات المدنية العامة والخاصة، هذا عدا...

نساء سوريا بين الخطف والإنكار: وجه آخر للانهيار الاجتماعي

نساء سوريا بين الخطف والإنكار: وجه آخر للانهيار الاجتماعي

يعود الخطف مرة أخرى إلى واجهة الأحداث السورية، لكنه في الحقيقة لم يتوقف أبداً؛ إنما هناك فترات من التباعد بين الحالات، ويرافق ذلك تغيّر في الأسلوب والإعلان. يواجه السوريون اليوم ظاهرة جديدة، وهي استخدام الفتيات لنشر الفكر الدعوي من قبل جهات تعمل في السر، ليصبحن...

تدريباتنا