تدريباتنا

يخطر في ذهني أحياناً

by | Jul 15, 2020

–I–

يخطرُ في ذهني أحياناً أننا وُلدْنا من الريح

أو على ظهور الأمواج وهي تَجْمحُ

أننا أتينا مع ضوء الفَجْر إلى لحظاتنا

وتَساقَطْنا مع الأمطار

أو ربما وُلدنا من ضوءٍ هربَ من الشمس

 كي يُضيء لحظته ويثملَ بنفسه

من الدوران السريع لجناحيْ الطائر الطنان

أو من ارتعاشِ جناح فراشةٍ

وربما مكثْنا قليلاً في أوراق الأشجار وثمارها

وفي مياه الينابيع.

وعلى الشواطئ التي غادرْناها

وُلدَ أطفالٌ آخرون

ما يزالون هناك،

 لا يفكرون بمن خرجوا منهم ورحلوا.

 

–II–

الشاطئُ الذي غادرْتهُ

أراد أن يحبس صوتيَ في أصدافه

بعد أن منحني أجنحةً وأخذ مني الفضاء.

أقول له الآن:

شاطئي آخرُ حانةٍ خرجتُ منها

أوّل حانة سأدخلها

آخرُ كتاب قرأتهُ

وآخر موسيقا سمعتُها أو سأسمعها.

شاطئي امرأةٌ أعانقها الآن.

 

–III–

المدينةُ التي درستُ فيها أربع سنوات

 على شاطئ المتوسط

لم يسافرْ منها شيءٌ معي.

نزلتُ من سفينتها

وهي تُبحر دون خريطة أو بوصلة

 في بحر ماضيها. 

 

–IV–

المدينة التي عشتُ فيها عقدين من عمري

عاصمةٌ تغنّى الشعراءُ بجوامعها وأسواقها ونسوا آلامها.

تخيّلوا الماءَ يجْري في نهرها

ولم يروا الذبول في أوراق أشجارها.

المدينةُ التي يتغنّى الشعراءُ بشموخ جبلها

ولا يريدون أن يروا أنها في الهاوية

آثرتْ ألا تسافر معي

أن تبقى جامعاً أو سوقاً

أن تظلَّ نهراً متخيلاً في قصائد الشعراء

زقاقاً أو مئذنة في صور السائحين

سجادةً على جدار

 أو جرّة فخار على الطاولة.

المدينةُ التي عشتُ فيها عقدين من عمري

 لم تكن حيةً في داخلي

لم أسمع فيها إلا الموتى

يُلقون مواعظهم على الأحياء.

 

–V–

المدينة التي رحلتُ إليها

تلبسُ في الشتاء ثوباً أبيض

فتخالها ممرضةً في مستشفى كوني

وحين تلمحُ الأضواء تنزلقُ على صدْرها الثلجي

لا تعرف إن كانت تنير الدروب أم تُعْتمها.

التقيتُ فيها مرة بكاهنٍ نذرَ حياته للمشرّدين

كان يجمع التبرعات ويموّل صالة تقدم الطعام والسرير لهم مجاناً.

سألني: ما رأيك بشيكاغو؟

قلت: مدينة كريمة، لا تُشْعركَ بأنك غريب.

علتْ وجهه ابتسامة غامضة، وقال:

أريدك أن تأتي معي في أحد الأيام كي ترى شيكاغو.

حين ذهبتُ معه رأيتُ مدينةً أخرى

 تضع أبناءها في برادات الشتاء وتنساهم.

 

–VI–

أتمنى لو كان بوسعي

 أن أمسكَ الطفل الذي كنتهُ

 لحظةَ خروجهِ من الرحم

وأبلّلَ أصابعي بدم ولادته

 كي أتأكد أنني ولدْتُ

أنني لستُ نسمةَ هواءٍ.

ربما لم تحدث الولادة

ربما نحن قصصٌ رواها أحدٌ ما

ما يزال يرويها أحدٌ ما

كلماتٌ همستْها شفتا الريح.

 

–VII–

يحدث أن تختفي بلادكَ عن الخريطة

أن تتكسّر خطوطُ مدنها وقراها

أن تنخفض سماؤها كسقف زنزانةٍ

وتضيق وديانُها وجبالُها وسهولها

ولا تعثر على مهرب إلا في روحك الضالة.

أحياناً لا تعرف أين أنتَ أو من أنتَ

أو إلى ماذا تنتمي.

ترى نفسك تغضّناً في ماء البحر

زبداً أو رملاً على الشاطئ

يلتصقُ به ضوءٌ مبلّل مجنون.

 

–VIII–

حين أعودُ من اللحظة التي أنا فيها

إلى لحظاتٍ عشتُها

أرى نفسي صياداً

 يرمي صنارته في الرمال.

حين أستعيد طفولتي

أشعر بملمس رمادٍ بارد على أصابعي.

ألمح قمراً ضيّع ضوءه

أفكر بالريح

بأشكالٍ تتفتّت في معدتها

الريح

التي تقتاتُ على الأشياء.

 

–IX–

في شيكاغو

تدفعني الريحُ أمامها في الشارع.

يكتسي وهْجُ بياض الثلج بضوءٍ

يغلّفُ المدينة بكفنِ ضباب أصفر.

ربما أستطيعُ أن أعلنَ ولادتي

في حانةٍ ما

أو في مخدعٍ ما

حين يتوهّج الضوءُ

لا من شَمْسٍ تشرقُ

بل حين ينزاحُ اللحاف قليلاً

عن جسدٍ عارٍ

وأسمعُ جريانَه

في عروقي.

 

 حزيران، 2020

 

 

 

 

 

مواضيع ذات صلة

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات...

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

مواضيع أخرى

“مذكرات” لقمان ديركي: سيرة جيل على حافة المنفى

“مذكرات” لقمان ديركي: سيرة جيل على حافة المنفى

ينتمي لقمان ديركي إلى جيلٍ سوريّ تشكّلت ملامحه الإبداعية في ثمانينيات القرن الماضي، حيث برز كصوت شِعري ذي نبرة خاصة تمزج بين الحميمي واليومي، وبين التأمل الحادّ والالتقاط السريع للمفارقات. وُلد في مدينة الدرباسية شمال شرقي سوريا عام 1966، وحمل منذ بداياته حساسية...

خالد خليفة واللاذقية: رواية أخيرة ومدينة لا تنسى

خالد خليفة واللاذقية: رواية أخيرة ومدينة لا تنسى

في الثلاثين من شهر أيلول/سبتمبر أقيمت احتفالية جائزة (خالد خلد خليفة للرواية) في دورتها الثانية في كنيسة اللاتين في مدينة اللاذقية  هذا اليوم الذي يصادف الذكرى الثالثة لرحيل  الروائي والسينارست السوري خالد خليفة الذي توفي عام ٢٠٢٣ حيث ذهبت الجائزة...

نحن أم محمد حبش من يدخل قفص الاتهام أولاً؟

نحن أم محمد حبش من يدخل قفص الاتهام أولاً؟

مازالت القصة القديمة ذاتها، قادرة اليوم على إحداث الضجيج نفسه. الفضائح الجنسية السلاح الذي لا تبطل موضته ولا يخف أثره. رؤساء، وزراء، نواب، كتاب، ومثقفون، وشعراء، ورجال دين، من كل أنحاء الأرض، تُسرب أو تفبرك لهم فضيحة جنسية ليصيروا مباشرة في قفص...

تدريباتنا