تدريباتنا

قويات ومجتهدات… قصص بنات لرعاية الأيتام

by | Jul 4, 2022

في السادسة من عمرها، كانت نيفين (21 عاما) ترتدي زيها المدرسي بانتظار والدها الذي اعتاد على إيصالها إلى مدرستها، لكنه في تلك المرة لم يأتي.

تروي نيفين لـ“صالون سوريا“: “بعد وفاة والدي بحادث سير، تنقلت أنا وأختي الصغرى بين منزل جداي، وعندما تفاجأت أمي بحملها بأخي الذي ولد مصاباً بالشلل الدماغي، لم تستطيع تكبد مصروفنا جميعا، فاقترحت عليها إحدى صديقاتها إيداعنا في الدار، على أن تبقى أمي مع أخي للعناية به لحاجته إلى الرعاية المضاعفة“.

”الوصم“ هو أبرز التحديات التي تواجهها فتيات الدار، مع انتشار نظرة نمطية لهن في المجتمع، تشوبها الاتهامات القاسية، أولها الرسوب الدراسي، الأمر الذي تنفيه نيفين بالقول: “أدرس تصميم الأزياء، وتعلمت الرسم في معاهد خاصة، كما أطمح لإكمال دراستي والتسجيل في الجامعة الافتراضية قسم إدارة الأعمال، لا تعنيني نظرة المجتمع لي، بالرغم من أنني كنت محظوظة بأصدقائي الذين لطالما أحبوني و لم يسيئوا لي بنظراتهم المريبة، سأبقى مجتهدة على الدوام“.

وتختم نيفين بقولها “أنا فخورة أنني بنت الدار”، توافقها في الرأي نيرمين (22 عاما)  التي تدرس الصيدلة، إذ تّكن الشابة مشاعر الامتنان للدار. تقول نيرمين :” تستهويني التركيبات الكيماوية والمواد الداخلة في صناعة الأدوية، دخلت الفرع لمحبتي الكبيرة به“. لم تسمح نيرمين لظروفها العائلية القاسية بالتأثير على مستقبلها، إذ عاشت تجربة “كفالة اليتيم” مرتين في حياتها ، عن هذا تشرح الشابة:” في عمر الرابعة، وقع الطلاق بين والداي، فتخلى أبي عني، بينما أمي أصيبت بالمرض ولم تعد تستطيع الاعتناء بي، فقامت جدتي بإيداعي عند أسرة غريبة تكفلت بي، عشت معهم إلى  سن البلوغ في الثالث عشر من العمر، حينها أودعوني بدار الرحمة، لأن وجودي لم يعد مقبولا في ظل وجود 3 شبان في المنزل، وأنا أعيش هنا منذ تسع سنوات”. وعن تعامل المجتمع توضح نيرمين “عند ارتيادي المدرسة والجامعة، هناك من يعتبر أن وضعي الاجتماعي تهمة، ويتوجب عليّ الدفاع عن نفسي، لكني لا ألقي لهم بالاً، اتصرف بشكل طبيعي، عليهم تقبلي وانتهى الأمر”. وتتطلع الشابة لإكمال دراستها في الخارج إذا ما سمحت لها الفرصة عبر التقديم إلى منح دراسية مجانية، أما آية (20 عاما) فاختارت دراسة مجال التعويضات السنية بعد حصولها على الشهادة الثانوية، وقررت دراسة هذا الفرع عندما كانت تذهب برفقة والدتها التي كانت تعمل كمساعدة مخبري أسنان، وبعد أن انقطعت أخبار الزوج عنها وتم تهجيرهم من الغوطة الشرقية عاشت آية وشقيقتها مع أمها لمدة عامين إلى أن تزوجت ”فأودعتنا في دار الرحمة، ولم تعد تستطيع تحمل نفقاتنا، لكنها تزورنا على الدوام” تقول آية مضيفة ” أعلم جيدا أنني لو كنت مع والدتي ، لما وصلت إلى هذه المرحلة الدراسية،  فتقاليد وعادات منطقتنا بالية جدا، لُحرمنا من التعليم، وأُجبرنا على الزواج، على غرار صديقاتي في الحي”.

دار الرحمة لرعاية الأيتام

تأسست دار الرحمة لرعاية الأيتام في عام 2007، وهي تابعة لجمعية الأنصار الخيرية التي افتتحت أبوابها عام 1995، بدأ عمل الدار باحتواء البنات في خطوة أولية، لكنه بعد سنوات شمل البنين أيضاً. مديرة دار الرحمة براءة الأيوبي تقول لـ“صالون سوريا”: ”مع بداية اندلاع الحرب في البلاد، كانت تقصدنا عائلات وأسر مكونة من فتيات وذكور، وعملنا كان يقتصر على استقبال الإناث فقط، من هنا بدأنا التفكير بإنشاء فرع للذكور، وبالفعل قمنا بذلك وأسسنا قسم خاص بالذكور الذين تتجاوز أعمارهم العاشرة ممن فقدوا ذويهما أو أحدهما، سواء بالموت أو في عداد المفقودين”.

ومن الحالات التي تستقبلها الدار أيضاً، هي حالات اليتم الاجتماعي، ويقصد به أن يعيش الطفل/ة في بيئة غير سليمة وتهدد حياته بالخطر، بسبب معاقرة أحد الأبوين للكحول أو المخدرات ، أو إصابته/ا بالمرض العقلي والنفسي الذي يشكل خطرا على الأطفال. إلى جانب عدم توافر القدرة المالية لإعالة الطفل، أو تخلي الوالدين عنه.

وتلفت الأيوبي إلى وجود ما يسمى بنظام “وديعة الطفل”، حيث يقوم أحد الوالدين أو كليها بإيداع طفلهم عند الدار لفترة غير محددة الأجل، لأسباب قاهرة قد تكون مرض أو سفر أو سجن، ثم يعود الوالدين لاسترجاع طفلهما بعد تغير الظروف،

ويخضع دار الرحمة لمجموعة من القوانين الصارمة من حيث مواعيد النوم والدراسة والاستيقاظ ومشاهدة التلفاز والاستراحة، كما يمنع استخدام الإنترنت، إلا لطالبات الجامعة. تحتوي الدار على عدة  شقق، لتستوعب كل شقة حوالي 15 طفل وطفلة تتراوح أعمارهم من الأشهر الأولى إلى المرحلة الجامعية.

مواضيع ذات صلة

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات...

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

مواضيع أخرى

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

ربما كانت سوريا، عبر تاريخها، من أكثر بلدان العالم "اكتظاظاً" بالأحزاب والسياسيين والزعماء و"القادة الملهمين"، حتى يُنقل قول معروف على نطاق واسع عن الرئيس شكري القوتلي عندما سلَّم سوريا الديمقراطية الصاعدة لجمال عبد الناصر مرغماً تحت ضغط الضباط البعثيين والقوميين...

حين يصبح الجسد وطناً: شعر وداد نبي بين المنفى والذاكرة

حين يصبح الجسد وطناً: شعر وداد نبي بين المنفى والذاكرة

قارة اسمها الجسد عنوان المجموعة الشعرية الصادرة باللغة الإيطالية للشاعرة السورية وداد نبي، والتي فازت بجائزة كامايوري الدولية للشعر 2025 في إيطاليا. صدر الكتاب عن دار دي فيليتشه، وقام بترجمة المجموعة الناقد سيموني سيبيليو. تحوي المجموعة قصائد منتقاة من...

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

يمثل قطاع الكهرباء في سوريا عصب الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وهو اليوم أمام مفترق طرق مصيري، إذ يقف بين إرث من الإهمال المتراكم والدمار الذي طال البنية التحتية لعقود، وبين فرص تاريخية لإعادة البناء تتقاطع فيها قرارات محلية مصيرية مع تحالفات إقليمية معقدة وصفقات غاز...

تدريباتنا