تدريباتنا

انهيار الليرة السورية يعصف بشتاء السوريين\ات

by | Feb 18, 2020

داخل محل لبيع الملابس المستعملة وسط مدينة القامشلي تتأمل “رغد زكي” ما يُعرض فيه من أحذية وألبسة شتوية قديمة متنوعة الأحجام، وتقف حائرة في انتقاء ما يناسب أطفالها الخمسة من كسوة الشتاء وتشكو: “لم نعد قادرين على إكساء أولادنا من محلات الألبسة الجديدة بسبب الغلاء والأزمة الاقتصادية بعد انهيار الليرة السورية أمام العملة الأجنبية (الدولار) فأسعار الثياب والأحذية الجديدة ارتفعت ثلاثة أضعاف مقارنة مع أسعار العام الماضي”.

وتقف إلى جانبها الشابة العشرينية  “روشن” ممسكة بزوج حذاء أسود تتفحصه لتتأكد أنه يستحق السعر الذي قدره البائع لها بـ 8آلاف ليرة سورية وتعلق: “شراء قطعة من (البالة) ذات جودة عالية، أفضل من شرائها من المحلات الجديدة التي أغلبها بضاعة صينية لا تتميز بالجودة العالية، إضافة لأسعارها الباهظة التي تقدر بين بـ15ألف ليرة سورية إن كانت بمواصفات متوسطة الجودة”.

أسعار الغذاء

في بدايات شهر كانون الأول الفائت وصل سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار لـ 950، وسط تداول احتمالات عن وصول سعر الدولار إلى ألف ليرة.

وفي جولة بالأسواق لتفحص أسعار بعض الخضروات، فقد وصل سعر كيلو البطاطا إلى300  ليرة  وكيلو البندورةإلى 700 ليرة وكيلو الموز إلى 1400 ليرة، وتجاوز سعر كيلوغرام اللحمة الـ 7000 ليرة بدل ال4000 ليرة.

وبحسب التجّار فقد زاد سعر كيلو السكر من 400 ليرة إلى 550. وشملت موجة الغلاء مواد غذائية أخرى، حيث زادت بمقدار الضعفين أسعار زيوت الطعام والأرز والأجبان والعدس والبيض، وهي من أساسيات الغذاء السوري.

ولم يقتصر تأثير ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة السورية على ارتفاع أسعار الألبسة والمواد الغذائية والمحروقات بل وصل لمواد البناء مما أدى لعرقلة الحركة العمرانية التي تشهدها مناطق شمال شرق سوريا؛ فبحسب المكاتب العقارية ارتفعت أسعار تأجير وبيع الشقق السكنية والمحلات التجارية  للضعفين.

تقليص الاحتياجات الضرورية 

وتعاني سوريا نقصاً حاداً في النقد الأجنبي، وترتفع  في السوق السوداء  قيمة الدولار على نحو متزايد، وهو ما يتسبب في ارتفاع الأسعار ودفع المواطنين لتقليص احتياجاتهم الضرورية.

وعلى سبيل المثال، قرر “ابراهيم سعد” ( عامل في خياطة الملابس النسائية) تقليل احتياجات عائلته الغذائية كحلول لمواجهة غلاء السلع، لكنه ينوه “على الرغم من ذلك لم نسلم من العجز والديون الثقيلة.”

ولا يختلف حال “أحمد” (سائق سرفيس عمومي لخط قناة السويس) إذ يشكو تدهور وضعه المعيشي، ويؤكد أنه يصرف نصف دخله اليومي على بنزين سيارته، بينما يسخر الباقي لمصروف عائلته المكونة من سبعة أشخاص والذي لا يغطي ربع احتياجاتها الضرورية كما يوضح.

وتقول “سمية غانم” (زوجة حلاق رجالي في مدينة الحسكة وأم لأربعة أبناء) إن فاتورة تسوقها ارتفعت من 100 ألف ليرة سورية إلى 200 ألف  وتضيف: “اضطررتُ لاختصار الكثير من الحاجات، وتخليتُ عن شراء المعلبات كالسردين والتونة والمربى، واستبدلتُ بعض أنواع الصابون ومستحضرات النظافة التي كنت أستخدمها بأنواع أرخص”.

الإدارة الذاتية ترفع أجور موظفيها

و بعد ارتفاع سعر صرف الدولار وغلاء البضائع والمستلزمات الرئيسية للحياة في الأسواق، أعلنت الإدارة الذاتية في شمال شرقي سوريا رفع أجور الموظفين لديها خلال اجتماع عقدته الهيئة الرئاسية للمجلس التنفيذي مع هيئة المالية في 27 من تشرين الثاني (نوفمبر)، ويبلغ عدد موظفي الإدارة نحو 220 ألف موظف بين مدني وعسكري.

وبحسب القرار فإن الزيادة وُزعت على ثلاث شرائح: الأولى تخص الفئة التي تتقاضى 80 ألف ليرة وما دون، وستكون الزيادة بنسبة 35% من الراتب. أما الشريحة الثانية فتخص الفئة التي تتقاضى من 81 ألف إلى 100 ألف ليرة، وسوف تكون الزيادة بنسبة 25% من الراتب. والشريحة الثالثة: تخص الفئة التي تتقاضى 101 ألف وما فوق، وستكون الزيادة 15% من الراتب.

ومع ذلك، فإن الزيادة بعيدة عن تلبية مطالب الأسرة السورية المتوسطة نتيجة لارتفاع الأسعار والانخفاض الحاد في قيمة الليرة السورية.

وقام بعض التجار بإغلاق متاجرهم عن طيب خاطر بسبب الفوضى في أسعار الصرف وأسعار الدولار، حيث أن الأسعار ارتفعت بالفعل عشرة أضعاف منذ بداية الحرب السورية إلى الآن. فالحرب التي دخلت عامها التاسع هدمت الاقتصاد السوري وأوقفته بشكل شبه كامل، وتسببت في كارثة إنسانية مهولة للسوريين.

وبلغت الموازنة السنوية بحسب تقارير اقتصادية لعام 2019 خمسة مليارات دولار بعد أن كانت 17 ملياراً في 2011، وهي موازنة تعجز عن سداد رواتب موظفي الدولة.

ووفق بيانات الأمم المتحدة، فإن خسائر الاقتصاد السوري من جراء الحرب بلغت 400 مليار دولار، إضافة إلى أن 9 ملايين سوري أصبحوا عاطلين عن العمل.

وأشار الخبير الاقتصادي “يونس السعيد” أن الناتج المحلي للبلاد سجل منذ بداية الأزمة والحرب خسائر بقيمة 226 مليار دولار، مشيراً إلى أن نسبة 67% من القدرة الصناعية دُمرت بالكامل، وتحولت سورية إلى بلد مستورد للمحاصيل الزراعية بعد أن كان مصدر لها. ووفقاً لتقديرات الأمم المتحدة، فإن سوريا بحاجة إلى أكثر من 250 مليار دولار من أجل إعادة تحريك الاقتصاد.

مواضيع ذات صلة

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

لم تُكسر مرآةُ الهوية السورية بضربةٍ واحدة. تشقّقت على مهلٍ، بخيطٍ رفيع يبدأ من الطابور الصباحي في المدرسة، ولا ينتهي عند حاجزٍ يسأل فيه عنصرٌ شاب رجلاً في الخمسين: "من وين حضرتك؟" فلا يجيب باسم مدينته فحسب، بل باسم طائفته ولهجته وشبهة انتمائه. ستة عقود كان فيها...

مواضيع أخرى

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

 بعد مرور أكثر من عامٍ على سقوط نظام الأسد، وتولي الحكومة الانتقالية شؤون الدولة، مازالت البلاد تعيش ظروفاً اقتصادية ومعيشية مُتردية، فبحسب تقديرات الأمم المتحدة لا يزال نحو 90% من السكان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، في ظل صعوبة الحصول على أدنى مقومات...

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

تُشكّل الثقافة بنيةً رمزيةً مؤسِّسةً للدول الحديثة، ويُعدّ الخطاب الثقافي الرسمي أحد أعمدة بنائها في لحظات التحوّل؛ لأنه أداة تُعيد تعريف الذات الوطنية، وتُرمّم العلاقة بين المجتمع والدولة، وتفتح قنوات الاتصال والتواصل مع العالم. وقد تناول الفيلسوف الإيطالي أنطونيو...

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

لم تكن السويداء بمعزل عن الخلافات ذات الطبيعة التفريقية، كحال أيّ مجتمع عربي؛ إذ تطفو العصبية القبلية بشكل مفاجئ إثر أيٍّ من الخلافات التي قد تتطور إلى تعبئة عنصرية تابعة لأطراف الخلاف، والتي غالباً ما تكون عشائر أو قبائل أو هويات قومية أخرى. ويقع المحظور فتسيل الدماء...

تدريباتنا