تدريباتنا

السوريون ولعنة الدولار في دمشق

by | Feb 17, 2020

يختبر السوريون منذ حوالي الأسبوعين حرباً من نوع مختلف، كانوا وكأنهم ينتظرونها، لكن ليس من موقع المرحّب، بل من موقع العالم بمسيرة الأحوال التي تعني لهم اقتراب موت كان مؤجلاً، لكنه الآن انحرف بسرعة حادة وجنونية وبات لصيقاً بهم ومشرفاً على اختناقهم ومتدخلا ًبنهايتهم الموجعة.

المحال التجارية مغلقة، وجوم حاد في قسمات الوجوه العابرة، والجميع مشغول بمتابعة أسعار الدولار الذي حلّق عالياً ويبدو أنه مصرٌّ على بلوغ الذرى دون تهيب أو تردد.

في الحافلة العامة الصغيرة يدور حديث واحد (حديث الأسعار الجديدة)، ويطوف رعب واحد (الرعب من تغول التجار ومن فشل أي تدخل حكومي)، يجمع ما بين قلوب الجميع ويوحد ترقبهم الحذر لدرجة القلق الوجودي الحاد وسؤال البقاء من عدمه.

اعتاد السوريون على الاعتراض بالسخرية من أحوالهم البائسة بدلاً من لغة الصمت أو الفعل المهدد لسلامتهم الشخصية، لكن ردود الفعل الساخرة هذه المرة اكتست بالمرارة وبالتعاطف شبه العام مع اللبنانيين في مخاض ليرتهم العسير، في صيغة نقلت فرح السوريين بالثورة اللبنانية وخوفهم على أشقائهم في حالة خاصة كسرت الحساسية المعهودة والاتهامات المتبادلة.

واعتادت السياسات الحكومية على التهديد والوعيد للتجار الصغار والتهديد بعقوبات رادعة وقاسية. وسارت دوريات المراقبة التموينية لتخالف بأرقام كبيرة الباعة الذين لم يضعوا لوحة للتسعير أو ممن لم يظهروا فواتير نظامية، مما دفع الباعة للتوقف عن البيع وإغلاق محالهم خوفاً من الغرامات التي يعجزون عن سدادها وكي يأخذوا وقتهم ويتلمسوا طبيعة السوق الراهنة وحالة الأسعار أولاً فأول في حالة يسمونها اللوحة الواضحة خوفاً من خسارات محققة، لدرجة قال لي صاحب أحد محال السمانة بأنه يخاف من بيع أية مادة ولو بربح إضافي خوفاً من اضطراره لشرائها مجدداً بسعر لا يقدر عليه، وإن قدر على شرائه ومن ثم بيعه فلن يحقق له ربحاً يكفي معيشته وحاجاته الضرورية. أي أن هامش الربح تضاءل بصورة مرعبة وباتت محصلة الأرباح لا تفي بأبسط الاحتياجات. وتجدر الإشارة إلى أن الباعة السوريين يصفون حالة الكساد بتعبير (إننا نأكل رأسمالنا)، بمعنى أنهم مضطرون للإنفاق من قيمة رأس المال الفعلية التي يجب أن تبقى مصانة لشراء البضائع وليس للإنفاق.

للمرة الأولى أيضاً طفا على السطح تعاطف غير مسبوق بين الباعة وخاصة باعة الخضار وبين عامة السوريين. كنت شاهدة حين منح بائع الخضار سيدة ثلاث رؤوس من القرنبيط مجاناً، وكل ما فعلته بعد شكره بأن وجهت السطح العلوي للرؤوس نحو أسفل الكيس لأنها مصابة بالسواد نتيجة قدم قطافها وببعض البقع العفنة خجلاً من تعليق الجوار أومن المارة بأنها قد اشترت نفايات الخضار وما لا يصلح للطعام البشري.

رتبت مها خزانة المونة في حالة هيستيرية، قسمت كل ما لديها ليكفيها ثلاثة شهور، قسّمت الأرز بكأس الشاي وكذلك العدس والبرغل، أما زيت الزيتون فقررت أن تستعمل منه ملعقة واحدة لكل طبخة. الخوف الأكبر كان فيما يخص ما تمتلكه من مازوت شحيح للتدفئة (في ظل تقنين حاد طال الكهرباء)، إضافة لقلة حبات الدواء التي لن تكفيها لآخر الشهر مما دفعها للتخلي عن شراء اللحم ودفعت ما كان مرصوداً له لشراء علب دواء في حركة استباقية خوفاً من ارتفاع متوقع وغير قابل للمهادنة بأسعار الأدوية الدائمة الموصوفة لمعالجة الأمراض المزمنة.

كل ما فعلته الحكومة لتطمين السوريين هو إعلانها عن توفر سلة غذائية تحتوي على خمسة كيلوغرامات من السكر وثلاثة من الأرز و ثلاثة من البرغل وعبوة زيت نباتي سعة ليترين وعلبة سمن نباتي سعة كيلوغرام واحد وكيلو من الحمص وكيلو من العدس وكيلو من الشعيرية وربطتي معكرونة بمبلغ مقداره عشرة آلاف ليرة. لكن وعلى الرغم من أن كافة الأصناف المذكورة هي من الدرجة الثانية ومتدنية الجودة، إلا أن أعداد السلة المذكورة تبخرت بسرعة فائقة ولم يستفد منها إلا من تتوفر بين يديه العشرة آلاف وواسطة نقل سهلة أو مجانية، أي وبصريح العبارة فإن المستحقين الفعليين لهذه السلة لم يستفيدوا منها لضيق ذات اليد ولتعثر وصولهم إليها.

تخلى البعض عن عادة شرب القهوة بعد أن وصل سعر كيلو القهوة المهيّلة إلى خمسة آلاف والقهوة بدون هيل وفي المحال الشعبية إلى ثلاثة آلاف ومائتي ليرة، والبعض توقف عن التدخين نهائياً. أما التوقف عن تناول اللحوم فقد وصل إلى حده الأعلى في مسيرة طويلة تمتد منذ سنين بعيدة تدّرج عبرها السوريون من الشراء بالكيلو وصولاً إلى الشراء بمبلغ مقطوع مقداره خمسمائة ليرة فقط وهي لا تكفي ثمناً لمائة غرام من اللحم المدهن ومن النخب الثالث.

لكن الصورة الأشد قتامةً تكمن في ترافق هذا الارتفاع الهائل مع قدوم فصل الشتاء وغياب الكهرباء في ظل عملية تقنين تصل إلى غياب كامل للكهرباء لمدة ست عشرة ساعة يومياً مترافق مع غياب شبه كامل  للمحروقات وخاصة المازوت والغاز بالأسعار النظامية. هذا الوضع يعني أن السوق السوداء باتت هي المجال الوحيد أمام السوريين لتأمين احتياجاتهم الأساسية، والتي تتضاعف فيها أسعار كافة المواد دونما حسيب أو رقيب، لابل وعلى سبيل المثال لا الحصر يتوفر المازوت وبصورة علنية ومستجر مباشرة من المصدر الرسمي للتوزيع ولكن بسعر مضاعف تماماً للسعر الرسمي المعلن عنه.

يفتقد السوريون الراحة حتى في قسمات وجوههم ويخافون من ارتفاع سعر الخبز المدعوم من قبل الدولة، ويدب الهلع في نفوسهم من مجرد التفكير بأنهم سيفقدون نصف أرغفتهم التي تحشو بطونهم وبطون أطفالهم إن تم رفع سعر الخبز أو نقص عدد الأرغفة في الربطة، لا شيء يرعب السوريين أكثر من خطر فقدانهم لخبزهم اليومي، يقول أجود لابنه: “من اليوم وطالع رغيف بزيت وزعتر أو بلبنة والرغيف الثاني حاف.”

فكيف إذا عرفنا أن الزيت المرافق للزعتر هو الزيت النباتي وبأن اللبنة مغشوشة وممزوجة بالنشاء ليشتد قوامها. ولقد كنت شاهدة عيان على تخلي شاب يعمل مياوماً في سوق باب سريجة عن سندويشته الثانية التي اعتاد أكلها في وجبة الغداء نظراً لارتفاع سعر السندويش عامة. يبدو أن السوريين يتدربون بشكل متتال على إدارة أمعائهم الخاوية بتقنين عجيب يستهلك طاقتهم على مواصلة العيش ويفتك بقوتهم وبأسباب بقائهم.

يتضامن السوريون في الحد الأدنى المتاح، لكن الأفق غامض وداكن السواد، وما تعجز عن امتلاكه لا يمكنك تقاسمه مع غيرك وإن كان ابنك. ارتفاع سعر الدولار وضبابية أشكال التدخل الرسمي للجم الآثار المدمرة لهذا الارتفاع يسم الحاضر والقادم بالخشية حيال إمكانات العيش في صلب احتياجاته الأساسية.

أمام دكان بيع الفلافل يقترب فتى على عربة مدولبة من أذني قائلاً لي في طريقة تشبه الهمس وكأنني قريبة مباشرة له: “تشتريلي سندويشة فلافل معك؟”. نعم أشتري له اليوم وبكل تضامن وبكل رضى، لكن ماذا عن الغد؟ وماذا عن احتياجات أخرى كاللباس أو الدوا؟ وأين أهله؟ أين يسكن؟ وكم من الوقت والمال يحتاج لشراء أو تركيب ساقين اصطناعيين؟ أو هل سيذهب إلى المدرسة أم أنه سيبقى في عرض الطريق متروكاً لكل العبث؟

تترافق الأزمة الحادة التي خلقها ارتفاع الدولار مع هشاشة بالغة في الوضع الاقتصادي بشكل عام، تتجاوز الجمهور الأكثر فقراً، لتلامس أصحاب الورش الصغيرة التي توقفت عن العمل وسرحت عمالها وكما يقولون قطعت برزق عائلات بأكملها، حتى أن بعض المعامل المتوسطة قد أجبرت موظفيها على أخذ إجازات من عملهم للعجز الحاصل في السيولة وفي تأمين المواد الأولية التي يتم الحصول عليها بالدولار فقط.

العجز الساطع إن صح التعبير، يهيمن على البنية الهشة فيخلع عنها ما كان يعتقد البعض أنه ركائز داعمة في مسيرة تحصيل ما يلزم من أجل عيش غير كريم لكنه أقوى من الموت أو الانهيار. الطمأنينة في غياب مضطرد ومخيف، والحياة تبدو مجرد ترتيب لما تبقى من الوقت، والموت متدفق كالسيل بالجلطات والسكتات القلبية والأغلبية تمشي وهي تكلم نفسها وكأنها شريك العمر الأوحد.

مواضيع ذات صلة

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات...

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

مواضيع أخرى

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

ربما كانت سوريا، عبر تاريخها، من أكثر بلدان العالم "اكتظاظاً" بالأحزاب والسياسيين والزعماء و"القادة الملهمين"، حتى يُنقل قول معروف على نطاق واسع عن الرئيس شكري القوتلي عندما سلَّم سوريا الديمقراطية الصاعدة لجمال عبد الناصر مرغماً تحت ضغط الضباط البعثيين والقوميين...

حين يصبح الجسد وطناً: شعر وداد نبي بين المنفى والذاكرة

حين يصبح الجسد وطناً: شعر وداد نبي بين المنفى والذاكرة

قارة اسمها الجسد عنوان المجموعة الشعرية الصادرة باللغة الإيطالية للشاعرة السورية وداد نبي، والتي فازت بجائزة كامايوري الدولية للشعر 2025 في إيطاليا. صدر الكتاب عن دار دي فيليتشه، وقام بترجمة المجموعة الناقد سيموني سيبيليو. تحوي المجموعة قصائد منتقاة من...

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

يمثل قطاع الكهرباء في سوريا عصب الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وهو اليوم أمام مفترق طرق مصيري، إذ يقف بين إرث من الإهمال المتراكم والدمار الذي طال البنية التحتية لعقود، وبين فرص تاريخية لإعادة البناء تتقاطع فيها قرارات محلية مصيرية مع تحالفات إقليمية معقدة وصفقات غاز...

تدريباتنا