تدريباتنا

العنف والضغوطات.. يزيد حالات الانتحار بين النساء في إدلب

by | Jun 19, 2022

لم تستطع فاطمة حميدان العشرينية أن تحتمل نظرات المجتمع ”الدونية“ لها، ومعاملة أهلها السيئة بعد طلاقها من زوجها، ما دفعها للانتحار بتناول حبة غاز” فوستوكسين” بعد مرورها بأزمة نفسية حادة، وذلك بتاريخ ٢٥ مارس/ آذار ٢٠٢٢.

جارتها سهيلة البيوش (٣٥ عاماً) قالت لـ“صالون سوريا“ أن الشابة فاطمة نازحة من مدينة كفرنبل إلى مخيمات باريشا شمال إدلب، يتيمة الأب والأم وتعيش في منزل أخيها، وكانت تشكو المعاملة السيئة من الأقارب والمجتمع المحيط بعد طلاقها من زوجها، الذي حرمها من كافة حقوقها وطردها من حياته خالية الوفاض.

وتضيف البيوش ” كانت تشعر بالظلم والإهمال والتهميش، وقلما تخرج من خيمتها، ودائمة الشرود والبكاء“، ولكنها لم تكن لتتخيل أن تكون فاطمة عازمة على الانتحار.

حالة فاطمة ليست الوحيدة التي سمع عنها أهالي الشمال السوري مؤخراً، حيث تكررت حوادث الانتحار بين النساء في إدلب وشمال غرب سوريا نتيجة عوامل عدة، أهمها الضغوطات النفسية الناجمة عن حالات التفكك الأسري، الطلاق، انهيار الوضع الاقتصادي وخاصة بعد انهيار الليرة التركية أمام الدولار الأمريكي، الذي خلف فوارق كبيرة في أسعار المواد الأساسية وارتفاع نسبة البطالة.

ففي ٢٢ شباط/ فبراير ٢٠٢٢ أقدمت فتاتان مراهقتان على الانتحار في مدينة الفوعة التابعة لمحافظة إدلب، لم يُعرف السبب بشكل محدد، لكن الأحاديث المتناقلة أشارت إلى الظروف المعيشية القاسية، وحالة اليأس التي تمر بها الكثير من الفتيات بعد القضاء على أحلامهن الدراسية وحياة الفقر والنزوح والتشرد التي يواجهنها.

وتتراوح أعمار الفتاتين بين ١٣-١٥ عاماً، وهما نازحتين من مدينة خان شيخون جنوب إدلب، ولقت إحداهما حتفها على الفور بعد تناولها حبة غاز، بينما نقلت الأخرى إلى إحدى المشافي القريبة في محاولة لانقاذها دون جدوى.

صديقة إحدى الفتاتين وتدعى ريم السلوم (١٧ عاماً) قالت إنها كانت على علم بنية صديقتها بالانتحار لكنها لم تصدق في بادئ الأمر، ”اعتبرته كلام وحسب يعكس تمرد صديقي على وضع عائلتها المادي السيئ، وحرمانها من تعليمها، وعدم السماح لها بالخروج من المنزل خوفاً من الأوضاع الأمنية المتدهورة“ بحسب قولها.

ولم تمر ستة أشهر، وتحديداً في تاريخ ٢٤ أيلول/ سبتمبر ٢٠٢١ أقدمت روعة الحسين (١٩ عاماً) على شنق نفسها، وتنحدر روعة من قرية كنصفرة، وهي أم لطفلة وكانت تعيش مع عائلة زوجها بعد نزوحهم إلى إدلب المدينة، وقالت مصادر مقربة من أهل الزوج أن الفتاة كانت تعاني أزمة نفسية حادة، على إثر تكرر المشاكل العائلية مع زوجها وأهله، وهو ما أفضى لانتحارها في نهاية المطاف.

المرشدة الاجتماعية أمل الزعتور (٣٥ عاماً) تقول ”أنه يصعب توثيق جميع حالات الانتحار في المنطقة، وسط إخفاءها من قبل الأهل لتجنب الوصمة الاجتماعية“، بينما تسود توقعات بأن الأعداد الحقيقية تفوق أضعاف ماتم توثيقه.

وترجع المرشدة الزعتور أسباب انتحار فتيات ونساء في إدلب إلى خيبة الأمل والضغوطات النفسية المتراكمة، والحالة المعيشية المزرية التي يعيشها السواد الأعظم من المدنيين، وسط الفقر والنزوح والغلاء وانعدام الفرص وضعف القطاع التعليمي، يضاف إلى ذلك ”المشاكل العائلية، وزيادة وتيرة العنف القائم على النوع الإجتماعي، الذي يضع المرأة دائماً موضع الضعيف ومن عليه تحمل كل تلك التبعات“ كما تقول.

وتضيف الزعتور “لا بد من مد يد المساعدة إلى تلك الحالات التي اصطدمت بواقع مؤلم وشعرت بالعجز عن تحسين واقعها، وتعزيز العامل الديني والأخلاقي في المجتمع، ومحاولة التخطيط للمستقبل وفق الإمكانيات المتاحة وخاصة في مخيمات النزوح، حيث الأوضاع الإنسانية المتدهورة والافتقار لأدنى مقومات الحياة”.

وبهذا الصدد، أطلقت منظمة “إحسان للإغاثة والتنمية” مبادرة توعوية بالتعاون مع منظمة “أنقذوا الأطفال الدولية”، تضمنت ندوات وورشات عمل في مدينة سلقين بريف إدلب.

ورفعت المبادرة شعار “كلمات قليلة تصنع فرقاً.. لنعمل معاً على الحد من الانتحار”، والتي ألقت الضوء على موضوع الانتحار وسعت إلى تقديم أساليب للوقاية منه.

وعن هدف المبادرة قال خالد فتال مسؤول البرامج في المنظمة ”هو إيصال رسالة مفادها أن المجتمع قادرعلى التأثير ومد يد المساعدة للأشخاص اليائسين ولو بكلمات قليلة“.

وتضمت المبادرة التوعوية، التي شارك بها أطباء وأستاذة وقضاة وبعض المختصين والعاملين في الشأن الإغاثي-الإنساني،  تقديم “خدمات نفسية” لجميع المحتاجين لها.

وشددت على ضرورة الاهتمام بالصحة النفسية، باعتبارها لا تقل أهمية عن الصحة الجسدية، وقدمت نصائح ومبادئ توجيهية للإسعافات الأولية للانتحار قبل وقوعه بحسب الفتال.

ووثق فريق “منسقو استجابة سوريا ” تسجيل حالات انتحار جديدة في محافظة إدلب وريفها ومناطق من ريف حلب الشمالي، ليصل عدد محاولات الانتحار التي شهدتها هذه المناطق إلى 33 حالة منذ مطلع 2022 الحالي.

وبحسب بيان للفريق، الأحد 5 من يونيو/ حزيران، أدت 26 حالة من محاولات الانتحار إلى الوفاة، كان من بين أصحابها تسعة أطفال وعشر نساء، بينما فشلت سبع محاولات، من بينها حالات لأربع نساء.

مواضيع ذات صلة

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات...

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

مواضيع أخرى

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

ربما كانت سوريا، عبر تاريخها، من أكثر بلدان العالم "اكتظاظاً" بالأحزاب والسياسيين والزعماء و"القادة الملهمين"، حتى يُنقل قول معروف على نطاق واسع عن الرئيس شكري القوتلي عندما سلَّم سوريا الديمقراطية الصاعدة لجمال عبد الناصر مرغماً تحت ضغط الضباط البعثيين والقوميين...

حين يصبح الجسد وطناً: شعر وداد نبي بين المنفى والذاكرة

حين يصبح الجسد وطناً: شعر وداد نبي بين المنفى والذاكرة

قارة اسمها الجسد عنوان المجموعة الشعرية الصادرة باللغة الإيطالية للشاعرة السورية وداد نبي، والتي فازت بجائزة كامايوري الدولية للشعر 2025 في إيطاليا. صدر الكتاب عن دار دي فيليتشه، وقام بترجمة المجموعة الناقد سيموني سيبيليو. تحوي المجموعة قصائد منتقاة من...

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

يمثل قطاع الكهرباء في سوريا عصب الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وهو اليوم أمام مفترق طرق مصيري، إذ يقف بين إرث من الإهمال المتراكم والدمار الذي طال البنية التحتية لعقود، وبين فرص تاريخية لإعادة البناء تتقاطع فيها قرارات محلية مصيرية مع تحالفات إقليمية معقدة وصفقات غاز...

تدريباتنا