تدريباتنا

  تكاليف الإخصاب المساعد تقتل حلم الأمومة لدى السوريات

by | Jul 7, 2022

“أريد طفلاً يحمل اسمي، لقد نفذ صبري من الانتظار” بهذه العبارة كسر طارق قلب زوجته دارين (37) عاماً، التي تعاني مشكلات في الخصوبة، لتنتهي علاقة حبهما الطويلة بالطلاق، فهما غير قادران على تأمين الملايين المطلوبة لإجراء عملية طفل الأنبوب. فدارين لا تعمل و أجر طارق الزهيد الذي يتقاضاه من عمله في ورشة الخياطة بريف دمشق بالكاد يسد الرمق، ووالدته مريضة تشاركه المسكن، وهو معيلها الوحيد.

تلقي دارين اللوم على والدة طارق التي كانت تضغط عليه باستمرار ليتزوج من أخرى صغيرة تنجب لها حفيداً، تروي دارين لـ “صالون سوريا“ :”أثناء زيارتي الأخيرة للطبيب أخبرني  باستحالة حدوث حمل طبيعي، وأن الأمل الوحيد لنا هو باللجوء للإخصاب المساعد، لكن طارق رفض إجراء العملية  لعدم قدرته على تحمل تكاليفها المالية“، وتضيف: “من حقه أن يكون أباً، لكن لو أن المشكلة بالإنجاب عنده، لما تخليت عنه كما تخلى عني، ولما ضغط علي المجتمع لأفعل هذا”

تروي دارين تفاصيل معاناتها من حرمان الإنجاب، وهي تكره حالة الشفقة التي يظهرها المجتمع تجاهها، فتحاول أن تبدو قوية، لكن دموعها تنهمر حزناً عندما تكون وحدها.  

خلطات للإنجاب 

ودارين هي واحدة من مئات السوريات اللواتي أجبرهم ضعف الحال المادي على نسيان فكرة الإنجاب والأمومة، أمام التكاليف المالية المرتفعة لعمليات الإخصاب المساعد، إذ تنتظر ديمة (35) عاماً “معجزة سماوية ” تحقق حلمها بعد أن قررت التوقف عن متابعة علاجها عند الطبيب المختص، فهي لم تعد قادرة على إنفاق المزيد من الأموال لإتمام الرحلة.

بدلاً من ذلك لجأت ديمة للعطارين المختصين بتركيب خلطات عشبية بهدف المساعدة على الإنجاب، وهي تواظب على قراءة الأدعية والأوردة التي نصحتها بها إحدى الصديقات.

تشرح ديمة لـ “صالون سوريا ” :“الطبيب أخبرني أن احتمال نجاح طفل الأنبوب في حالتنا لاتتجاوز الـ5 %  فقط، ومع أني  أتوق شوقاً لاحتضان طفلي بين ذراعي، وأشعر بالأسى عندما تخفي جارتي أطفالها عني، ظناً منها أنني قد أحسدهم، ولكني لن أغامر بالمال مقابل هذه النسبة الضعيفة“.

بورصة الأطفال 

و ازدادت مؤخرا مشكلات الخصوبة في المجتمع السوري ”وذلك نتيجة تأخر سن الزواج والرغبة بتأخر الإنجاب، إضافة إلى الملوثات البيئية والسموم المهنية وطرق التغذية الحديثة“، بحسب ما أشار إليه الدكتور مروان الحلبي مدير مشفى الشرق للإخصاب في إحدى مقابلاته لوسائل إعلام محلية، لافتا ًإلى عدم  وجود إحصائية دقيقة  لنسب العقم في سوريا، لكنها و بشكل تقريبي تتراوح مابين 13 ـ  18%من جميع الزيجات التي تحصل بحسب مواد صحفية.

و تبدو ملك (43) عاما من المحظوظات في هذه الإحصائية، فالوضع المالي الجيد لزوجها منحها فرصة لتحقيق حلمها بالإنجاب، و أصبحت أماُ  لطفلة بعد تجارب عديدة فاشلة لعمليات أطفال الأنابيب، وبعد انتظار دام  16 عاماً.

وبحكم خبرة ملك الطويلة في تجارب أطفال الأنابيب، فهي تعرف جيداً التقلبات الكبيرة التي طرأت على أسعار عمليات أطفال الأنابيب. فقبل الأزمة كانت تترواح  تكاليف هذا الإجراء مابين 100-150 ألف ليرة، وفي الخمس سنوات الأولى من الأزمة في سوريا وصلت التكاليف لحوالي 600  – 750 ألف،  ثم ارتفعت لتصل لما يقارب المليون ليرة. وفي عام 2021 بلغت ما يقارب 5-7 ملايين ليرة ، وهذا العام  قفزت تكاليف العملية لتسجل رقماً قياسياً وصل لـ 10 ملايين ليرة سورية .

يعزي  الدكتور زياد رمضان إخصائي نسائية وتوليد ارتفاع تكاليف هذه العمليات إلى الواقع الذي فرضته الأزمة، وارتفاع سعر الصرف، فجميع المواد الأولية الداخلة في هذا الإجراء الطبي مستوردة, بدءاً من الإبرة وانتهاء بالأواسط الزراعية، لافتاً إلى أن التكاليف الإنتاجية العالية لهذه المواد ربما تكون أحد أسباب العزوف عن تصنيعها محلياً، ويرى أن ”التكلفة لاتزال مقبولة مقارنة بالدول المجاورة لكن الدخل المالي المتواضع  للمواطن يجعل كل شيء مرهقاً له“. 

حلول بديلة

تطرح ليلى العاملة في مجال الخدمة الاجتماعية فكرة استبدال تكاليف عمليات الإخصاب المساعد وكل ما يرافقها من قلق بكفالة أطفال أيتام ممن فقدوا أهلهم نتيجة الأحداث التي شهدتها  البلاد. أما  زميلتها ديمة فتطالب بوجود جمعيات خيرية أو مشافي حكومية تتولى مساعدة الأزواج اللذين لا يملكون المال لإجراء عمليات أطفال الأنابيب بأسعار مقبولة، ولمنع استغلالهم من قبل المراكز الخاصة والمتاجرة بأحلامهم.

وقبل اندلاع الحرب في سوريا تم افتتاح شعبة طفل الأنبوب في مشفى التوليد الجامعي  الحكومي، ولكنها أغلقت بسبب سفر الطبيب المسؤول عنها، ورغم التصريحات المتتالية من قبل  كل إدارة جديدة تتولى المهام بالمشفى عن عودة افتتاح قريبة، غير أن الأمر لم يخرج عن نطاق التصريحات الإعلامية  حتى اللحظة.

ويوجد مقابل شعبة طفل الأنبوب الحكومية المتوقفة عن العمل، حوالي 40 مركزاً خاصاً بالإخصاب المساعد، وقد حدد القرار التنظيمي رقم/ 18 / الصادر عن وزارة الصحة لعام/ 2008 جملة من الشروط للحصول على ترخيص لافتتاح هذه المراكز، من بينها انه لايجوز اللجوء إلى الإخصاب المساعد إلا بالنسبة لزوجين على قيد الحياة وبواسطة أعراس (أمشاح ) متأتية منهما فقط، ويحظر الإخصاب الطبي المساعد بقصد الحصول على بويضات ملقحة بغية استعمالها لغايات تجارية أو صناعية أو بقصد الدراسات والأبحاث. ويجوز بموافقة الزوجين معا الكتابية الحصول على بويضات ملقحة زائدة وحفظها بهدف إجراء محاولة جديدة لإعادة عملية الزرع غير أنه  في حال وجود أعراس (أمشاح ) أو مضغ فائضة يمكن للزوجين المطالبة كتابيا بإتلافها أو حفظها بالتجميد ويحظر التبرع بالأعراس (الأمشاح ) والبويضات الملقحة في إطار الإخصاب الطبي المساعد، ولايجوز استعمال رحم امرأة أخرى لزرع البويضة الملقحة .

مواضيع ذات صلة

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

لم تُكسر مرآةُ الهوية السورية بضربةٍ واحدة. تشقّقت على مهلٍ، بخيطٍ رفيع يبدأ من الطابور الصباحي في المدرسة، ولا ينتهي عند حاجزٍ يسأل فيه عنصرٌ شاب رجلاً في الخمسين: "من وين حضرتك؟" فلا يجيب باسم مدينته فحسب، بل باسم طائفته ولهجته وشبهة انتمائه. ستة عقود كان فيها...

مواضيع أخرى

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

 بعد مرور أكثر من عامٍ على سقوط نظام الأسد، وتولي الحكومة الانتقالية شؤون الدولة، مازالت البلاد تعيش ظروفاً اقتصادية ومعيشية مُتردية، فبحسب تقديرات الأمم المتحدة لا يزال نحو 90% من السكان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، في ظل صعوبة الحصول على أدنى مقومات...

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

تُشكّل الثقافة بنيةً رمزيةً مؤسِّسةً للدول الحديثة، ويُعدّ الخطاب الثقافي الرسمي أحد أعمدة بنائها في لحظات التحوّل؛ لأنه أداة تُعيد تعريف الذات الوطنية، وتُرمّم العلاقة بين المجتمع والدولة، وتفتح قنوات الاتصال والتواصل مع العالم. وقد تناول الفيلسوف الإيطالي أنطونيو...

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

لم تكن السويداء بمعزل عن الخلافات ذات الطبيعة التفريقية، كحال أيّ مجتمع عربي؛ إذ تطفو العصبية القبلية بشكل مفاجئ إثر أيٍّ من الخلافات التي قد تتطور إلى تعبئة عنصرية تابعة لأطراف الخلاف، والتي غالباً ما تكون عشائر أو قبائل أو هويات قومية أخرى. ويقع المحظور فتسيل الدماء...

تدريباتنا