أهالي محافظة إدلب، بين سندان الوصاية التركية ومطرقة الحل الروسي

أهالي محافظة إدلب، بين سندان الوصاية التركية ومطرقة الحل الروسي

لم تعد مشاهد النزوح الجماعي السوري هرباً من الموت تلفت أنظار وسائل الإعلام الغربي أو استنكار قادة العالم، لقد أضحى السوريون رهينة لمصالح اللاعبين الأساسيين بكل ما تحمل الكلمة من فجاجة وقبح. منذ ديسمبر2019   نزح أكثر من مليون شخص من مناطق ومدن محافظة إدلب في أكبر موجة نزوح منذ تسع سنوات، حيث هربت آلاف العائلات من مناطق القصف والقتال من مدينتي معرة النعمان وسراقب وما حولهما، تبعها تدّفق آلاف أخرى من مدنِ وبلدات الريف الغربي لمدينة حلب باتجاه مناطق درع الفراتوغصن الزيتونحيث سيطرة الجيش والحكومة التركية.

لكن لا مكان للهاربين من الموت، البرد قارص، وآلاف العائلات مبعثرة على طرقات المدن وأطراف البلدات، حيث يبيت معظمهم داخل الشاحنات والسيارات التي تضيق بركابها وما تحمله من متاع، ومن كان محظوظاً ويحمل قليلاً من المال دفعه مقدماً لإيجار بضعة أشهر بأسعارٍ لم تشهدها تلك المنطقة سابقاً. ما يزيد من قتامة المشهد غياب المجالس المحلية والمنظمات الإغاثية تماماً عن هذا المشهد المهول، فلا مراكز إيواء أو حتى رغبة بتقديم مكانٍ مخصصٍ لإيواء النازحين، وحدهم المتطوعون من الأهالي ومن الناشطين بعيداً عن منظماتهم ومجالسهم المحلية التي تخشى على تمويلها وتراخيص عملها في المنطقة التي تهيمن عليها منظمة إدارة الكوارث والطوارئ التركية آفاد” (AFAD)، هم وحدهم من يناضلون في محاولةٍ لتلبية الاحتياجات التي أصبحت محصورة في إيجاد أماكن لنصب الخيام. أحد النازحين المسنين يشتكيلا يسمحون لنا بأن ننصب الخيام في تلك المناطق، يدّعون بأنها أراضي تركية، ويتابع بحرقة ما أعرفه بأن هذه أراضي سورية وليست تركية، ويكتب قائد فريق ملهم التطوعيعلى حسابه الشخصي على الفيسبوك للأسف نحن لا نملك من أمرنا شيء، هناك قرار بعدم إقامة مخيمات في مدن شمال سوريا، بدون ضغط من أعيان هذه المدن لحماية أهلنا من المناطق النازحة. مدراء المنظمات يخافون على تراخيص منظماتهم، مدراء المجالس المحلية يخافون على مناصبهم، قادة الفصائل نحن ممنوعون من إقامة مخيمات علي أراضينا!“ 

في المقابل يستنفر الجيش التركي ويزيد من تدفق عتاده وجنوده لرسم حدود جديدة داخل محافظة إدلب مدّعياً بأنها حدود متفق عليها مع الروس ضمن مذكرة سوتشيفي 17 أيلول 2018، بينما تظهر ملامح تصادم بين الجيشين السوري والتركي غداة قصف سوري لقاعدة تفتناز الجوية مما أودى بحياة خمسة جنود أتراك، يقابله إسقاط مروحية للجيش السوري بواسطة صاروخ محمول على الكتف من قبل عناصر نقطة المراقبة التركية قرب بلدة دارة عزة بحسب التصريحات الروسية.

هناك غضب تركي واضح، تُظهره وسائل الإعلام التركية مع تصريحات نارية للمسؤولين الأتراك، حيث هدّد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بشن عملية عسكرية واسعة في سوريا، إذا لم ينسحب الجيش السوري من المناطق التي سيطر عليها مؤخراً إلى خلف نقاط المراقبة التركية في إدلب، فالحل بحسب إردوغان يتمثّل “بانسحاب النظام إلى الحدود المنصوص عليها في الاتفاقيات. وإلا فإننا سنتعامل مع هذا قبل نهاية فبراير“.
لم تكتفي الحكومة التركية بالتصريحات، فهي تعلم بأن الجيش السوري يتقدم بشكل يومي في ريف حلب الغربي وبالتالي لن تتمكن من إجباره على التراجع حتى لو توقف القتال، لذا فقد أرسلت الكثير من القطع العسكرية والجنود ليتمركزوا في ريف حلب الغربي وخاصة في محيط مدينة الأتارب، أكبر مدن ريف حلب الغربي، والتي يحاول الجيش السوري التقدم ليفرض سيطرته عليها.

لكن ما سبب كل هذا الغضب التركي؟ ولماذا تحاول روسيا خرق تفاهمها بحسب الرواية التركية مع تركيا؟

 يعلم الروس جيداً وكذلك النظام السوري بأنّ تركيا تملك كل خيوط اللعبة في محافظة إدلب، وبالتالي بدون توافق تركي فلا حل نهائياً في الشمال، ولذلك كان الروس واضحين جداً بالتقارب مع الأتراك واغتنام حادثة الانقلاب الفاشل في يوليو 2016 لتحقيق ذلك، على الرغم من التوتر الذي حصل إبان إسقاط المقاتلة الروسية بواسطة قوات الدفاع التركية في 24  نوفمبر 2015.

 لم يستطع الجيش التركي أن يتجاوز الحدود إلى الداخل السوري عندما كان الملف السوري بيد واشنطن، فلا حجة المنطقة الآمنة أو فكرة حظر الطيران، ولا حتى محاربة داعش سمحت للجيش التركي بالتوغل في الأراضي السورية ناهيك عن السيطرة على بعض المدن الحدودية والعبث فيها، وحده التوافق مع روسيا مكّنهم من ذلك ولا يزال، هي منافع متبادلة، فتركيا لديها أمنها القومي المهدد من تنامي قوة الأكراد في شمال سوريا، وروسيا لديها خارطة الحل المنحازة إلى جانب النظام السوري، ولا يمكن تحقيق كلا الأمرين إلا بالتوافق بين هاتين الدولتين، ولذلك كانت مؤتمرات أستانا أكثر فاعلية من كل مؤتمرات جنيف التي سعت إليها ونظمتها الأمم المتحدة.

 هذا التوافق الروسيالتركي القائم على المنافع المتبادلة، والذي بدأ بتبادل مناطق للسيطرة، ثم تطمين الجانب التركي فيما يخص أمنه القومي من خلال إعادة تفعيلاتفاقية أضنة بضمانة روسية، ناهيك عن سيطرة الجيش التركي على منطقتي رأس العين وتل أبيض الواقعتين على الشريط الحدودي شرق الفرات، بدأ يصطدم بتعنتٍ تركي واضح بعد العملية العسكرية للجيش السوري في جنوب محافظة إدلب، والتي انتهت بالسيطرة على مدينة خان شيخون الاستراتيجية. حاول الجيش السوري حينها بدعمٍ روسي التوجه شمالاً نحو مدينة معرة النعمان ولكن الجيش التركي تحرك مسرعاً لوضع جنوده وعتاده جنوب مدينة معرة النعمان لإرغام الجيش السوري على التوقف، ليظهر الروس سخطهم عن طريق استهداف مقاتلة روسية لشاحنة صغيرة تابعة للفصائل المعارضة كانت تستطلع الطريق أمام الرتل التركي عند الأطراف الشمالية لمعرة النعمان، ولكن الرتل التركي تابع طريقه بعد توقف قليل ليؤكد على تماسك موقفه في سبيل وقف تمدد الجيش السوري عند هذا الحد.

بعد سيطرة الجيش السوري على مدينتي معرة النعمان وسراقب، بدأ الجيش بالتوغل في منطقة ريف حلب الشرقي باتجاه مدينة الأتارب، محاولاً الوصول نحو معبر باب الهوى الحدودي ليضع بذلك أغلب مدن وبلدات محافظة إدلب خلف ظهره في محاولة لإعادة السيطرة عليها بعد قطع خط إمدادها، لكن يبدو بأن الحسابات التركية مختلفة عن الحسابات الروسية المستعجلة لإنهاء ملف إدلب بشكل كامل.

لقد تعاملت الرئاسة الروسية بطريقة مراعية للمخاوف التركية حين قبلت بأن يكون الحل شرق الفرات أولاً قبل ملف إدلب، وذلك بعد قمة طهران الثلاثية في نهاية عام 2018، والتي نتج عنها تحركات عديدة لحل ملف شرق الفرات انتهى بانسحاب آني للقوات الأمريكية في أكتوبر 2019تاركةَ المجال مفتوحاً أمام دخول الجيش السوري ليتمركز في مناطق محددة في شمال شرق الفرات، وكذلك الجيش التركي ليسيطر على منطقتي رأس العين وتل أبيض الحدوديتين، وأيضاً انطلاق محادثات بين الجانب الكردي مع النظام السوري لحل ملف شرق الفرات والميليشيا الكردية. لكن يبدو بأنّ المخاوف التركية لا زالت موجودة على الرغم من ذلك، فالجيش الأمريكي عاد ليتمركز في أماكن تواجده السابقة في شرق الفرات من جديد، ولا نتائج حقيقية في الملف السياسي المتداول بين النظام والأكراد، وربما هذا يدعو تركيا لعدم التفريط بمحافظة إدلب، فهي كما وصفها الرئيس التركي في قمة طهران الثلاثية إن مستقبل منطقة إدلب لا يتعلق بمستقبل سوريا فقط، وإنما يتعلق بمستقبل تركيا أيضاً، وبالأمن والاستقرار في تركيا، وبالتالي لا وقت للتنازل والمساومة، وغالباً هذه فرصة تركيا الأهم في تاريخها لضمان أمنها القومي المُهدّد من شمال سوريا وبشكل نهائي، ويبدو بأنها عازمة عليه.

 وأيضاً هناك أمر آخر، ويبدو من الممكن البحث فيه، فمن الواضح بأن التوافق الروسي التركي في سوريا يصطدم باختلاف مواقف كلا البلدين في ليبيا، حيث تدعم تركيا حكومة الوفاق الوطني بكامل ثقلها وإلى جانبها قطر وإيطاليا، حتى أنها سمحت بتدفق مقاتلين سوريين من الفصائل السورية التابعة لها للقتال إلى جانب حكومة السراج في معركة الدفاع عن العاصمة طرابلس، في حين تقف روسيا خلف المشير خليفة حفتر إلى جانب كل من مصر والإمارات والسعودية وفرنسا.

صحيح بأن الرئيسين الروسي والتركي اتفقا على وقف إطلاق نار في ليبيا، ولكن يَبدو بأنّ المشير حفتر قد تمرّد على القرار الروسي حين رفض التوقيع على الهدنة في موسكو ليستمر في القتال دون توضيح الأسباب الحقيقية إن كانت حركته تمرّد فعلي على القرار الروسي أم أنه بتوافقٍ ضمني معها. كل ذلك يشير إلى أن محافظة إدلب قد تكون منطقة موجعة للضغط على روسيا لتلبية مصالح تركيا سواء شرق الفرات أو في ليبيا، وبالنسبة لروسيا فإنّ إعادة السيطرة على كامل محافظة إدلب تعني بداية طي الملف السوري، خاصة بأن لجنة إعداد الدستور السوري قائمة والانتخابات الرئاسية على الأبواب.

 في النهاية كلا البلدين يملكان الكثير جداً من المصالح المشتركة، والتي تجعل من تقاربهما أكبر بكثير من احتمال تباعدهما كما يأمل بعض السوريين، هي فقط مصالح تستنزف حاضر ومستقبل السوريين بعيداً نحو مكان وزمان قد لا يتسع لهم حتى لنصب مخيم إيواء داخل حدود بلادهم.

 

السوريون ولعنة الدولار في دمشق

السوريون ولعنة الدولار في دمشق

يختبر السوريون منذ حوالي الأسبوعين حرباً من نوع مختلف، كانوا وكأنهم ينتظرونها، لكن ليس من موقع المرحّب، بل من موقع العالم بمسيرة الأحوال التي تعني لهم اقتراب موت كان مؤجلاً، لكنه الآن انحرف بسرعة حادة وجنونية وبات لصيقاً بهم ومشرفاً على اختناقهم ومتدخلا ًبنهايتهم الموجعة.

المحال التجارية مغلقة، وجوم حاد في قسمات الوجوه العابرة، والجميع مشغول بمتابعة أسعار الدولار الذي حلّق عالياً ويبدو أنه مصرٌّ على بلوغ الذرى دون تهيب أو تردد.

في الحافلة العامة الصغيرة يدور حديث واحد (حديث الأسعار الجديدة)، ويطوف رعب واحد (الرعب من تغول التجار ومن فشل أي تدخل حكومي)، يجمع ما بين قلوب الجميع ويوحد ترقبهم الحذر لدرجة القلق الوجودي الحاد وسؤال البقاء من عدمه.

اعتاد السوريون على الاعتراض بالسخرية من أحوالهم البائسة بدلاً من لغة الصمت أو الفعل المهدد لسلامتهم الشخصية، لكن ردود الفعل الساخرة هذه المرة اكتست بالمرارة وبالتعاطف شبه العام مع اللبنانيين في مخاض ليرتهم العسير، في صيغة نقلت فرح السوريين بالثورة اللبنانية وخوفهم على أشقائهم في حالة خاصة كسرت الحساسية المعهودة والاتهامات المتبادلة.

واعتادت السياسات الحكومية على التهديد والوعيد للتجار الصغار والتهديد بعقوبات رادعة وقاسية. وسارت دوريات المراقبة التموينية لتخالف بأرقام كبيرة الباعة الذين لم يضعوا لوحة للتسعير أو ممن لم يظهروا فواتير نظامية، مما دفع الباعة للتوقف عن البيع وإغلاق محالهم خوفاً من الغرامات التي يعجزون عن سدادها وكي يأخذوا وقتهم ويتلمسوا طبيعة السوق الراهنة وحالة الأسعار أولاً فأول في حالة يسمونها اللوحة الواضحة خوفاً من خسارات محققة، لدرجة قال لي صاحب أحد محال السمانة بأنه يخاف من بيع أية مادة ولو بربح إضافي خوفاً من اضطراره لشرائها مجدداً بسعر لا يقدر عليه، وإن قدر على شرائه ومن ثم بيعه فلن يحقق له ربحاً يكفي معيشته وحاجاته الضرورية. أي أن هامش الربح تضاءل بصورة مرعبة وباتت محصلة الأرباح لا تفي بأبسط الاحتياجات. وتجدر الإشارة إلى أن الباعة السوريين يصفون حالة الكساد بتعبير (إننا نأكل رأسمالنا)، بمعنى أنهم مضطرون للإنفاق من قيمة رأس المال الفعلية التي يجب أن تبقى مصانة لشراء البضائع وليس للإنفاق.

للمرة الأولى أيضاً طفا على السطح تعاطف غير مسبوق بين الباعة وخاصة باعة الخضار وبين عامة السوريين. كنت شاهدة حين منح بائع الخضار سيدة ثلاث رؤوس من القرنبيط مجاناً، وكل ما فعلته بعد شكره بأن وجهت السطح العلوي للرؤوس نحو أسفل الكيس لأنها مصابة بالسواد نتيجة قدم قطافها وببعض البقع العفنة خجلاً من تعليق الجوار أومن المارة بأنها قد اشترت نفايات الخضار وما لا يصلح للطعام البشري.

رتبت مها خزانة المونة في حالة هيستيرية، قسمت كل ما لديها ليكفيها ثلاثة شهور، قسّمت الأرز بكأس الشاي وكذلك العدس والبرغل، أما زيت الزيتون فقررت أن تستعمل منه ملعقة واحدة لكل طبخة. الخوف الأكبر كان فيما يخص ما تمتلكه من مازوت شحيح للتدفئة (في ظل تقنين حاد طال الكهرباء)، إضافة لقلة حبات الدواء التي لن تكفيها لآخر الشهر مما دفعها للتخلي عن شراء اللحم ودفعت ما كان مرصوداً له لشراء علب دواء في حركة استباقية خوفاً من ارتفاع متوقع وغير قابل للمهادنة بأسعار الأدوية الدائمة الموصوفة لمعالجة الأمراض المزمنة.

كل ما فعلته الحكومة لتطمين السوريين هو إعلانها عن توفر سلة غذائية تحتوي على خمسة كيلوغرامات من السكر وثلاثة من الأرز و ثلاثة من البرغل وعبوة زيت نباتي سعة ليترين وعلبة سمن نباتي سعة كيلوغرام واحد وكيلو من الحمص وكيلو من العدس وكيلو من الشعيرية وربطتي معكرونة بمبلغ مقداره عشرة آلاف ليرة. لكن وعلى الرغم من أن كافة الأصناف المذكورة هي من الدرجة الثانية ومتدنية الجودة، إلا أن أعداد السلة المذكورة تبخرت بسرعة فائقة ولم يستفد منها إلا من تتوفر بين يديه العشرة آلاف وواسطة نقل سهلة أو مجانية، أي وبصريح العبارة فإن المستحقين الفعليين لهذه السلة لم يستفيدوا منها لضيق ذات اليد ولتعثر وصولهم إليها.

تخلى البعض عن عادة شرب القهوة بعد أن وصل سعر كيلو القهوة المهيّلة إلى خمسة آلاف والقهوة بدون هيل وفي المحال الشعبية إلى ثلاثة آلاف ومائتي ليرة، والبعض توقف عن التدخين نهائياً. أما التوقف عن تناول اللحوم فقد وصل إلى حده الأعلى في مسيرة طويلة تمتد منذ سنين بعيدة تدّرج عبرها السوريون من الشراء بالكيلو وصولاً إلى الشراء بمبلغ مقطوع مقداره خمسمائة ليرة فقط وهي لا تكفي ثمناً لمائة غرام من اللحم المدهن ومن النخب الثالث.

لكن الصورة الأشد قتامةً تكمن في ترافق هذا الارتفاع الهائل مع قدوم فصل الشتاء وغياب الكهرباء في ظل عملية تقنين تصل إلى غياب كامل للكهرباء لمدة ست عشرة ساعة يومياً مترافق مع غياب شبه كامل  للمحروقات وخاصة المازوت والغاز بالأسعار النظامية. هذا الوضع يعني أن السوق السوداء باتت هي المجال الوحيد أمام السوريين لتأمين احتياجاتهم الأساسية، والتي تتضاعف فيها أسعار كافة المواد دونما حسيب أو رقيب، لابل وعلى سبيل المثال لا الحصر يتوفر المازوت وبصورة علنية ومستجر مباشرة من المصدر الرسمي للتوزيع ولكن بسعر مضاعف تماماً للسعر الرسمي المعلن عنه.

يفتقد السوريون الراحة حتى في قسمات وجوههم ويخافون من ارتفاع سعر الخبز المدعوم من قبل الدولة، ويدب الهلع في نفوسهم من مجرد التفكير بأنهم سيفقدون نصف أرغفتهم التي تحشو بطونهم وبطون أطفالهم إن تم رفع سعر الخبز أو نقص عدد الأرغفة في الربطة، لا شيء يرعب السوريين أكثر من خطر فقدانهم لخبزهم اليومي، يقول أجود لابنه: “من اليوم وطالع رغيف بزيت وزعتر أو بلبنة والرغيف الثاني حاف.”

فكيف إذا عرفنا أن الزيت المرافق للزعتر هو الزيت النباتي وبأن اللبنة مغشوشة وممزوجة بالنشاء ليشتد قوامها. ولقد كنت شاهدة عيان على تخلي شاب يعمل مياوماً في سوق باب سريجة عن سندويشته الثانية التي اعتاد أكلها في وجبة الغداء نظراً لارتفاع سعر السندويش عامة. يبدو أن السوريين يتدربون بشكل متتال على إدارة أمعائهم الخاوية بتقنين عجيب يستهلك طاقتهم على مواصلة العيش ويفتك بقوتهم وبأسباب بقائهم.

يتضامن السوريون في الحد الأدنى المتاح، لكن الأفق غامض وداكن السواد، وما تعجز عن امتلاكه لا يمكنك تقاسمه مع غيرك وإن كان ابنك. ارتفاع سعر الدولار وضبابية أشكال التدخل الرسمي للجم الآثار المدمرة لهذا الارتفاع يسم الحاضر والقادم بالخشية حيال إمكانات العيش في صلب احتياجاته الأساسية.

أمام دكان بيع الفلافل يقترب فتى على عربة مدولبة من أذني قائلاً لي في طريقة تشبه الهمس وكأنني قريبة مباشرة له: “تشتريلي سندويشة فلافل معك؟”. نعم أشتري له اليوم وبكل تضامن وبكل رضى، لكن ماذا عن الغد؟ وماذا عن احتياجات أخرى كاللباس أو الدوا؟ وأين أهله؟ أين يسكن؟ وكم من الوقت والمال يحتاج لشراء أو تركيب ساقين اصطناعيين؟ أو هل سيذهب إلى المدرسة أم أنه سيبقى في عرض الطريق متروكاً لكل العبث؟

تترافق الأزمة الحادة التي خلقها ارتفاع الدولار مع هشاشة بالغة في الوضع الاقتصادي بشكل عام، تتجاوز الجمهور الأكثر فقراً، لتلامس أصحاب الورش الصغيرة التي توقفت عن العمل وسرحت عمالها وكما يقولون قطعت برزق عائلات بأكملها، حتى أن بعض المعامل المتوسطة قد أجبرت موظفيها على أخذ إجازات من عملهم للعجز الحاصل في السيولة وفي تأمين المواد الأولية التي يتم الحصول عليها بالدولار فقط.

العجز الساطع إن صح التعبير، يهيمن على البنية الهشة فيخلع عنها ما كان يعتقد البعض أنه ركائز داعمة في مسيرة تحصيل ما يلزم من أجل عيش غير كريم لكنه أقوى من الموت أو الانهيار. الطمأنينة في غياب مضطرد ومخيف، والحياة تبدو مجرد ترتيب لما تبقى من الوقت، والموت متدفق كالسيل بالجلطات والسكتات القلبية والأغلبية تمشي وهي تكلم نفسها وكأنها شريك العمر الأوحد.

عقول مبدعة يحتضن الإعاقة في ريف حلب الغربي

عقول مبدعة يحتضن الإعاقة في ريف حلب الغربي

بجهود فردية تطوعية وتحت شعار “أطفالنا طاقة لا إعاقة”، افتتح مركز عقول مبدعة بتاريخ 1/أبريل 2019 في بلدة كفر ناصح بريف حلب الغربي للوقوف إلى جانب شريحة ذوي الاحتياجات الخاصة الذين زاد عددهم بشكل ملحوظ في الشمال السوري بعد ثماني سنوات متواصلة من الحرب.

يضم المركز فئة الإعاقة الجسدية ، شللاً نصفياً، بتراً، تشوهاً، أمراضاً مزمنة، صماً وبكماً، ومكفوفين، ومتلازمة داون.

يُدير المركز عمار هلال (٢٧عاماً) وهو مجاز بإدارة المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وقد أصبح من ذوي الاحتياجات الخاصة بعد إصابة حربية تسببت ببتر قدمه اليمنى وقصر بالطرف الأيسر. ويقول هلال عن المركز وأهدافه ونشاطاته: “نظراً لتهميش فئة ذوي الاحتياجات الخاصة وحاجة هذه الفئة للوقوف بجانبها تم افتتاح المركز وبكلف تشغيلية تطوعية بغية تحسين الواقع التعليمي والثقافي والنفسي لهذه الفئة من خلال إطلاق العديد من الأنشطة”.

ويشير الهلال بأن الأنشطة التعليمية تتضمن تعليماً مسرعاً لفئة الإعاقة الجسدية، ولغة الصم والبكم، وأساسيات مبسطة في التعليم، ولغة متزامنة داون من الدرجة الأولى والثانية.

ولتحويل فئة ذوي الاحتياجات الخاصة من فئة مستهلكة إلى فئة منتجة أطلق المركز أنشطة مهنية “تُسهم في زرع الثقة بالنفس ودفع عجلة اندماج ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع، وتلك المهن هي تعلم حياكة الصوف، صيانة الأدوات الكهربائية، الحلاقة، الخياطة وغيرها من الأنشطة ” وفق ما بين هلال.

يضم المركز جميع الفئات العمرية، ويبدأ التعليم فيه من سن الرابعة وحتى السابعة عشرة وفق تعليم بنظام المدارس ودوام يومي مقسم حسب الفئة. أما لسن الثامنة عشرة وما فوق فهناك أنشطة تعليم مسرع ودورات محو أمية ودورات مهنية لجميع الفئات القادرة على العمل. وتعد فئة الشيخوخة من المستفيدين بالمركز بخدمات طبية وأدوية. ويعمل أيضاً المركز على المتابعة الطبية من خلال تأمين اللوازم الطبية من أجهزة مساعدة حركية وأطراف صناعية وسماعات أذن ونظارات طبية وأدوية.

يغطي المركز مناطق ريف حلب الغربي وإدلب، ويعمل حالياً على افتتاح فروع جديدة للمركز في المناطق البعيدة بعد الدراسة والاستطلاع عن أعداد المعاقين المتواجدين في تلك المناطق.

يهتم مركز عقول مبدعة بإطلاق المبادرات، وقد أطلق مؤخراً مبادرة بصمة التطوعية التي تهدف لإنشاء ممرات  لذوي الاحتياجات الخاصة في المدارس العامة، ويقول الهلال عن أنشطة المبادرة: ”تجهز لوحات جدارية في المدارس العامة والرسم عليها برسومات دمج بين الطلاب من ذوي الاحتياجات الخاصة والطلاب السليمين ورسومات للدعم النفسي.” وهنالك أنشطة تغيير ألوان أبواب المدارس من اللون الأسود إلى ألوان فاقعة تحفز على التفاؤل والأمل.

كما اهتمت المبادرة بعقد جلسات تدريب لمعلمي المدارس وشرح خلالها مفاهيم ذوي الاحتياجات الخاصة ومفهوم التربية الخاصة بهم وطريقة التعليم، وتم منح المعلمين في نهاية التدريب حقيبة معلم تحوي أدوات تعليمية مقدمة لهم هدية من تلك الفئة.

ضمن برامج المبادرة، كان إقامة حفلات ترفيهية ودعم نفسي لطلاب المدارس شارك فيها عدد من الطلاب من ذوي الاحتياجات الخاصة مع إرسال دعوات للأهالي كخطوة في تشجيعهم على إكمال العملية التعليمية لأطفالهم المنقطعين عن الدراسة بسبب إعاقاتهم المختلفة.

لاتخفي الطفلة راما فرحتها باندماجها مع أقرانها السليمين في المدارس النظامية، فهي ومنذ فقدت ساقها بالقصف منذ عامين تحلم بالعودة إلى المدرسة وقد أتاحت لها مبادرة بصمة تلك الفرصة. تقول راما “غدوت قادرة على التوجه للمدرسة بعد أن ضمت الكثير من التجهيزات المؤهلة لاستقبال حالاتنا، هنا يمكننا التعلم واللعب بحرية دون حرج كون المدرسة تضم الكثير من الحالات المشابهة والتي أشعر معها بوحدة المصير والحال”.

يجدر بالذكر أن مركز عقول مبدعة يضم 70 حالة دون السابعة عشرة وأكثر من 130 حالة لعمر الثامنة عشرة ومافوق، والعدد في ازدياد مع زيادة القصف  حركة النزوح في تلك المناطق.

سوريا في أسبوع 27 كانون الثاني/يناير-3 شباط/فبراير

سوريا في أسبوع 27 كانون الثاني/يناير-3 شباط/فبراير

في وداع سراقب

1 شباط/فبراير

ودّع وائل شيخ خالد بحزن شديد حارته الغارقة في الدمار، قبل أن يستعدّ لمغادرة مدينته سراقب، التي باتت شبه خالية مع اقتراب قوات النظام السوري منها، ذلك بحسب تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية من سراقب في ريف إدلب.

ويقول الرجل (38 عاماً) بينما ينفث دخان سيجارته عالياً وهو يجلس فوق الركام: «عدت لآخذ بعض الأغراض وأرى حارتي لآخر مرة، لأنني ربما قد لا أتمكن من رؤيتها مجدداً» بعدما نزح مع زوجته وأطفالهما الأربعة قبل عشرة أيام. ويضيف: «ليتني لم أعد وأراها بهذه الحال، إنه لمشهد يفطر القلب».

على غرار بلدات وقرى عدّة في محيطها، فرغت سراقب من سكانها على وقع تقدم قوات النظام في ريف إدلب الجنوبي وسيطرتها منتصف الأسبوع على مدينة معرة النعمان، ثاني كبرى مدن إدلب، في إطار تصعيد مستمر في المنطقة. وباتت قوات النظام السبت قريبة من سراقب.

شوارع المدينة بدت مقفرة. أبنية متصدّعة وأخرى مدمّرة بالكامل جراء الغارات، كما هو المشهد في العديد من المدن التي طالها التصعيد في محافظة إدلب ومحيطها، حيث يقيم ثلاثة ملايين نسمة.

على وقع التصعيد العسكري لقوات النظام بدعم روسي، أحصت الأمم المتحدة نزوح 388 ألف شخص منذ مطلع ديسمبر (كانون الأول) خصوصاً من معرة النعمان وريفها باتجاه مناطق أكثر أمناً في شمال إدلب قريبة من الحدود التركية.

قبل أشهر، شكلت سراقب ملجأ لعائلات نازحة من بلدات طالها التصعيد، وتجاوز عدد سكانها 110 آلاف نسمة.

لقمة و “صفقة

31 كانون الثاني/يناير

لم يكترث الفلسطينيون المتبقون من اللاجئين في دمشق ومحيطها لـ«صفقة القرن» بسبب تردي الوضع المعيشي وانشغالهم بـ«لقمة العيش» والنزوح المتكرر.

اللاجئون الفلسطينيون، الذين نزحوا من مخيم اليرموك جنوب دمشق بعد سيطرة فصائل المعارضة المسلحة عليه أواخر العام 2012، ويقيم عدد كبير منهم حاليا في العاصمة ومحيطها، ترقبوا بحذر على شاشات التلفزة في المنازل والمقاهي إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب الثلاثاء الماضي لمضمون الصفقة.

«أبو مصباح» في العقد السابع من العمر، وهو ممن لجأوا من فلسطين إلى سوريا عام 1948. قال بمجرد سؤاله عن رأيه بالصفقة: «ينقعها ويشرب ماءها».

الرجل الذي لم يعد إلى منزله في مخيم اليرموك حتى الآن رغم مضي نحو عامين على استعادة الحكومة السورية السيطرة عليه ويقيم في أحد أحياء العاصمة، قال بأن «فلسطين للفلسطينيين وستعود».

و«مخيم اليرموك» للاجئين الفلسطينيين الواقع على بعد أكثر من سبعة كيلومترات جنوب دمشق، وتصل مساحته إلى كيلومترين مربعين، تم وضع اللبنات الأولى لإقامته عام 1957. عندما كان بقعة صغيرة، قبل أن تتوسع دمشق ويصبح المخيم جزءاً أساسيا من مكوناتها الجغرافية والديموغرافية وأكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين في كل من سوريا ولبنان والأردن، ورمزاً لحق العودة. كما غدا يُعرف بـ«عاصمة الشتات الفلسطيني» كونه كان قبل اندلاع الحرب في سوريا، يضم 36 في المائة من اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، الذين كان عددهم قبل الحرب أكثر من 450 ألف لاجئ، علماً بأنه يوجد في سوريا وحدها خمسة عشر مخيماً تتوزع على ست مدن.

اعتقال “ثائر” في فرنسا

31 كانون الثاني/يناير

وجه القضاء الفرنسي تهم ارتكاب جرائم حرب وتعذيب لقيادي سابق في تنظيم «جيش الإسلام» السوري المعارض المسلح، الذي يُشتبه بأنه متورط في اختفاء الناشطة المعروفة رزان زيتونة في 2013.

وذكر مصدر قضائي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أن الناطق السابق باسم التنظيم أُوقِف الأربعاء في فرنسا. ومثل الجمعة أمام قاضي التحقيق في باريس، الذي وجّه إليه تهم التعذيب وارتكاب جرائم حرب والتواطؤ في حالات اختفاء قسري.

هو من مواليد عام 1988 ويقيم في فرنسا بتأشيرة طالب، في إطار برنامج «إيراسموس» المخصص للطلاب، وتم توقيفه في مدينة مرسيليا (جنوب).

وذكرت منظمات غير حكومية في بيان مشترك، أن الرجل الموقوف اختار لنفسه الاسم الحركي إسلام علوش، لكن اسمه الحقيقي هو مجدي مصطفى نعمة. واضافت أن نعمة هو «أحد قياديي جيش الإسلام» الجماعة التي «بلغ عدد عناصرها أكثر من عشرين ألفاً، وبشكل رئيسي في الغوطة الشرقية، التي فقدت السيطرة عليها في أبريل (نيسان)  2018».

وأوضحت أن إسلام علوش كان نقيباً في الجيش النظامي السوري، قبل أن يعلن انشقاقه وينضم إلى «جيش الإسلام»، حيث كان مقرباً من زعيمه، زهران علوش.

ويُشتبه بأن «جيش الإسلام» قام بخطف المحامية والصحافية السورية رزان زيتونة وزوجها وائل حمادة واثنين من شركائهما، هما سميرة خليل وناظم الحمادي، في التاسع من ديسمبر (كانون الأول)  2013.

تراشق روسي – تركي

31 كانون الثاني/يناير

هدد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان موسكو بـ«توغل» شمال سوريا عبر شن «عملية عسكرية جديدة» في إدلب، مشيراً إلى أن اتفاقية أضنة الموقعة مع سوريا تمنح بلاده الحق في الدفاع عن حدودها الجنوبية.

وذكر إردوغان في أنقرة أن هناك انتهاكاً للاتفاق في إدلب السورية يقوم به النظام بدعم من روسيا، مضيفاً: «لن نقف متفرجين على ممارسات النظام السوري وقصف المدنيين على حدودنا مع سوريا». وأضاف أن اتفاقية أضنة (الموقعة بين أنقرة ودمشق عام 1998) تمنح تركيا الحق في الدفاع عن حدودها الجنوبية مع سوريا. وقال إن تركيا لن تتردد في القيام بكل ما يلزم «بما في ذلك استخدام القوة العسكرية».

من جهته، أعلن الناطق باسم الرئاسة الروسية، ديمتري بيسكوف، أن بلاده «تفي بشكل كامل بالتزاماتها بموجب (اتفاق سوتشي) الخاص بإدلب، لكن الهجمات الإرهابية المستمرة في هذه المنطقة تشكل مصدر قلق عميقاً لموسكو». وقال: «لسوء الحظ، لا تزال هذه المنطقة حتى الآن نقطة تمركز لعدد كبير من الإرهابيين الذين يقومون باستمرار بأعمال هجومية عدوانية ضد القوات المسلحة السورية، وكذلك ضد القاعدة الروسية في حميميم»، مضيفاً أن هذا الواقع «لا يمكن إلا أن يثير لدينا قلقاً كبيراً».

دمشق تحرج موسكو

30 كانون الثاني/يناير

لم تسمع دمشق لـ«نصائح» موسكو بتحريك اللجنة الدستورية السورية. موسكو انسحبت وراء «نصائح» دمشق لـ«تحرير» إدلب. ولم يسمع المبعوث الأممي غير بيدرسن من وزير الخارجية السوري وليد المعلم ما كان يعتقد أنه سيسمعه بعد محادثاته مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف. لكن، سير العمليات في شمال غربي سوريا هو تطبيق لما يريده ويقوله وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو.

بموجب نتائج محادثات بيدرسن في دمشق، بات هدف توجيه دعوة لأعضاء اللجنة الدستورية إلى جنيف منتصف الشهر الجاري على المحك، لكن هدف استمرار العمليات العسكرية في إدلب بات في المقدمة. وبينهما، يتعزز موقف الدول الغربية الداعية إلى تطبيق سياسة «الضغط الأقصى» على دمشق لانتزاع تنازلات من موسكو من جهة وتتعمق الأزمة الاقتصادية السورية من جهة ثانية وتزيد معاناة السوريين بدرجات سواء النازحين في الشمال أو القاطنين في مناطق الحكومة من جهة ثالثة.

كانت استضافت لندن وبروكسل الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس اجتماعات أميركية وأوروبية وعربية حول سوريا بالتزامن مع محادثات بيدرسن في دمشق وجلسة مجلس الأمن الأربعاء وسير العمليات العسكرية بين ريفي حلب .

وتدل إشارات صادرة من دمشق وموسكو وعواصم غربية، أن المرحلة المقبلة مقبلة على «مكاسرة»: دمشق تمضي بغطاء روسي في قضم إدلب قطعة بعد قطعة تمهيدا لـ«التفرغ» لمقارعة الأميركيين وحلفائهم شرق الفرات ثم الاستفراد بالأكراد. واشنطن تمضي لـفرض «ضغط أقصى» وقضم الموقف الأوروبي دولة بعد دولة للاستفراد وتزعم بالتفاوض مع موسكو. وبين المعركتين، ستزيد الأزمة الاقتصادية ومعاناة السوريين وتزيد التساؤلات حول حدود نفوذ موسكو على دمشق.

 فقط الفسيفساء

29 كانون الثاني/يناير

يخيّم صمت ثقيل على مدينة معرّة النعمان، في شمال غربي سوريا؛ حيث أقفرت الشوارع وهُجرت المنازل التي نجت من الدمار. وحدها لوحات الفسيفساء الذائعة الصيت بقيت بمعظمها صامدة في المتحف الذي لم يسلم من تداعيات الحرب، ذلك بحسب تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية من معرة النعمان.

بعد أسابيع من معارك عنيفة وغارات دفعت بعشرات الآلاف من السكان إلى الفرار، سيطر الجيش السوري الأربعاء على معرّة النعمان، ثاني أكبر مدن محافظة إدلب، الواقعة على طريق دولي استراتيجي، وذلك بعد أكثر من 7 سنوات من سيطرة الفصائل المعارضة عليها.

في المدينة، تقتصر الحركة على بضعة جنود سوريين. يتجوّل عدد منهم وسط الشوارع والأزقة، ويقف آخرون عند حاجز مستحدث، بينما يتبادل غيرهم أطراف الحديث على قارعة الطريق. وفي مكان قريب منهم، ترك فصيل معارض شعاره على جدار في المدينة التي شكلت لسنوات طويلة مركزاً لمظاهرات ضخمة مناوئة لدمشق.

في إحدى الساحات، بقيت أرجوحة أطفال ضخمة وملونة يتيمة. على يمينها بناء انهار سقفه، وعلى يسارها شرفة تصدّعت، فيما لا تزال أعمدة الدخان الأسود تتصاعد في سماء المدينة.

قبل 4 أشهر فقط، كان 150 ألف شخص يقطنون في معرّة النعمان التي باتت اليوم أشبه بمدينة أشباح بعد أن هجرها سكانها.

وكانت لمعرة النعمان، كما مدن أثرية أخرى، حصتها من دمار طال معالمها. ففي فبراير (شباط) 2013، عمد مقاتلون معارضون إلى قطع رأس تمثال الشاعر أبي العلاء المعري (973 – 1057)، أحد أبرز شعراء العرب والمتحدر منها.

ولعلّ أكثر ما تُعرف به المدينة متحفها الضخم الذي يضم أكثر من 2000 متر مربع من لوحات الفسيفساء الأثرية العائدة للعصرين الروماني والبيزنطي، ولم يسلم بدوره من تداعيات الحرب.

وفي يونيو (حزيران) 2015، قالت جمعية حماية الآثار السورية المستقلة إن المتحف تعرض لقصف «ببرميلين متفجرين»، ما أسفر عن «أضرار بالغة».

وحافظت لوحات عدة على نضارتها، ولم تشبها شائبة، بينها لوحة مستطيلة الشكل تظهر 4 حيوانات، يجري بعضها خلف بعض، وفوقها لوحة أخرى دائرية لرجل يحمل عنقود عنب.

الليرة فقط

28 كانون الثاني/يناير

أعلنت وزارة الداخلية توقيفها مدير شركة فنية في دمشق لتعامله بالدولار الأميركي، وأوقفت المخرج السوري فادي بعد مداهمة مكتبه وتفتيشه بالتهمة ذاتها.

وكانت شركة «غولدن لاين» للإنتاج الفني قد أعلنت أول من أمس في بيان لها، إغلاق الشرطة مكتبها في دمشق وتوقيف مديرها نايف الأحمر بتهمة التعامل بغير العملة السورية. وعبّر عدد من الفنانين السوريين عن استغرابهم لإغلاق الشركة. ونشرت شكران مرتجى عبر حسابها في «فيسبوك» منشوراً قالت فيه: إن شركة «غولدن لاين» من الشركات القليلة التي واصلت عملها خلال الحرب، الشركة «فاتحة بيوت فنانين وفنيين ومخلية الدراما السورية تنتشر»، وأضافت: «لازم نحنا بها الفترة نجلب المنتج العربي لبلدنا لحتى نرجع نوقف، بدنا شركة زيادة تفتح مو شركات تسكر»

في حين استنكر الممثل والمخرج سيف السبيعي إغلاق الشركة وكتب عبر حسابه في «فايسبوك» «هلق شركات الإنتاج الدرامي هي يلي صارت عم تساهم بانهيار الاقتصاد السوري!؟ بالعكس هي الشركات مفروض هيه يلي عم تدخل العملة الصعبة هالبلد منشان تنزل قيمتها وتكون موجودة بالسوق».

وتفاعل مع بيان الشركة عشرات الممثلين والعاملين في الدراما السورية، منهم مها المصري، وسلاف معمار، وقمر خلف، وكاريس بشار، وعلاء القاسم، ومصطفى المصطفى، وتولاي هارون، والكاتب الدرامي جورج عريجي، والمخرج أحمد إبراهيم أحمد، والسيناريست سيف حامد، وغيرهم.

20 قرية

و3 ملايين مدني

27 كانون الثاني/يناير

أعلنت دمشق سيطرة الجيش على معرة النعمان بعد أسابيع من الاشتباكات والقصف العنيف، ليقترب أكثر من تحقيق هدفه باستعادة طريق دولي استراتيجي.

وتشهد محافظة إدلب ومناطق محاذية لها تؤوي ثلاثة ملايين شخص، نصفهم تقريباً من النازحين، منذ الشهر الماضي، تصعيداً عسكرياً لقوات النظام وحليفتها روسيا، يتركز في ريف إدلب الجنوبي وحلب الغربي، حيث يمر جزء من الطريق الدولي الذي يربط مدينة حلب بالعاصمة دمشق.

وأعلن الجيش السوري في بيان جرى بثه على التلفزيون الرسمي: «تمكنت قواتنا الباسلة في الأيام الماضية من القضاء على الإرهاب في العديد من القرى والبلدات»، وعدّد نحو عشرين بلدة وقريبة بينها معرة النعمان.

وأكد الجيش نيته «ملاحقة ما تبقى من التنظيمات الإرهابية المسلحة إلى أن يتم تطهير كامل التراب السوري من رجس الإرهاب بمختلف مسمياته».

وتسيطر «هيئة تحرير الشام» (جبهة النصرة سابقاً) على الجزء الأكبر من محافظة إدلب، وتنشط فيها فصائل معارضة أخرى أقل نفوذاً. ودخل الجيش معرة النعمان، الثلاثاء، بعد تطويقها بالكامل، وانسحاب الجزء الأكبر من مقاتلي الفصائل منها.

وتركزت المعارك والقصف، خلال الأيام الماضية، على مدينة معرة النعمان، وأسفرت، وفق حصيلة لـ«المرصد السوري لحقوق الإنسان»، عن مقتل 147 عنصراً في القوات الحكومية، و168 عنصراً من الفصائل.

ويرى مراقبون أن قوات النظام تسعى من خلال هجماتها الأخيرة في إدلب إلى استعادة السيطرة تدريجياً على الجزء الذي يعبر إدلب وغرب حلب من هذا الطريق، لتبسط سيطرتها عليه كاملاً.

احتجاجات الجوع تنطلق في السويداء

احتجاجات الجوع تنطلق في السويداء

“بدنا نعيش” جملة صغيرة كُتبت على رغيفِ الخبز لتكون شعاراً لاحتجاجاتٍ شعبيةٍ انطلقت في مدينة السويداء السورية نتيجةً لتردّي الواقع المعيشي لأغلب السكان ووصول الفقر إلى مستوياتٍ غير مسبوقة في ظلّ انهيارٍ متسارعٍ لليرة السورية حيث وصلَ سعر صرف الدولار الواحد 1200 ليرة سورية في السوق السوداء إن وُجِد أصلاً؛ كما ارتفعت الأسعار بشكلٍ جنونيٍ في الوقت الذي لا يزال دخل الفرد عموماً متدنياّ ومحدوداّ بحيث لا يتجاوز بشكلٍ وسطي 50 ألف ليرة شهرياً (أي ما يُعادل نحو 45 دولاراً) ولا يمكن أن يغطي حتى أبسط الاحتياجات الأساسية اليومية.

مما لاشكّ فيه أنّ الواقع الاقتصادي المتدهور ليس وليد اللحظة، فخلال سنوات الحرب المتواصلة لم يكن الحال بأفضل منه اليوم، فالسويداء وإن بقيت خارج نطاق العمليات العسكرية المباشرة إلا أنها عانت من ضائقة معيشية وتهميشٍ كبيرٍ وغلاء أسعارٍ جعل خط الفقر يتدنى إلى مستويات غير مسبوقة حيث تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أنّ 80 بالمائة من السكان باتوا يعيشون تحت خط الفقر.

ما يبدو جديداّ اليوم هو حالة الإفلاس العامة التي وصل إليها الجميع، والتي دفعتهم للمطالبة بالنزول إلى الشارع كحلٍ أخيرٍ، فالوعود الحكومية بتحسين المعيشة والنهوض بالاقتصاد بقيت حبراّ على ورق ولم تقدّم الحكومة أي إجراءات أو خطط لحل الأزمات الموجودة وسط مناشدات متكررة من الجميع، بل على العكس من ذلك فقد قامت الحكومة بإيقاف تحويل الأموال من والى سورية وحصرها بالمصرف المركزي أو ببعض الشركات المحسوبة عليه وبسعر صرف (434 ليرة) مما لا يتناسب أبداً مع غلاء البضائع الذي تفرضه أسعار الصرف بالسوق السوداء. انعكس هذا الأمر سلباّ على أحوال الناس المعيشية وساهم في زيادة فجائية في الأسعار واحتكار السلع وتدهور الليرة وخصوصاً في السويداء التي تعتمد على التحويلات والأموال القادمة من المقيمين خارجها بشكل رئيسي.

 بدايةً كانت الدعوات لمقاطعة الأسواق والعيش لمدة أسبوع على الخبز فقط ثمّ تطّور الموضوع إلى الدعوة للنزول إلى الشارع والاعتصام أمام مبنى المحافظة وخاصةً بعد التصريح الاستفزازي التي أدلت به المستشارة الإعلامية والسياسية بثينة شعبان في حوارٍ بثته قناة الميادين حيث زعمت شعبان بأنّ الاقتصاد السوري اليوم أفضل مما كان عليه في العام 2011 بخمسين ضعفاّ. الأمر الذي أثار موجةً من الاستنكار والتذمر لدى الجميع.

 انطلقت الاحتجاجات يوم الأربعاء 15 كانون الثاني إلا أّن أعداد المشاركين في الاحتجاج تعتبر قليلة حتى اليوم حيث قًدّرت في اليوم الرابع بين 150 -200 شخص.  الشعارات التي رُفعت كانت واضحة ومحددة بعيداّ عن أي بعد سياسي ودون أن تتبناها أي جهة، واقتصرت على المطالبة بتحسين الوضع المعيشي والحدّ من غلاء الأسعار وانهيار الليرة ومحاسبة المسؤولين والفاسدين وتجار الأزمات، وأيضاً الدعوة إلى إقالة الحكومة الحالية وتشكيل حكومة جديدة، كما نددت الاحتجاجات بالإعلام السوري الغائب عن هموم الناس ووصفته بأنه إعلام كاذب.

لاقت الاحتجاجات الكثير من ردود الأفعال المتباينة سواء داخل السويداء أو خارجها وتجلّى ذلك بشدة على مواقع التواصل الاجتماعي، فنجد الكثير من الآراء المؤيدة للاحتجاج ولعفويته وسلميته معتبرةً أن الخروج للشارع هو الحل الوحيد لإيصال صوت الناس والتعبير عن مظالمها وخاصةً أنّ الاحتجاج اتّسم بالسلمية المطلقة سواء بالشعارات أو بالتطبيق حيث لم يحدث أي صدام مع القوى الأمنية الموجودة بل بالعكس قام المحتجون بتوزيع الورد على عناصر الشرطة عند مدخل مبنى المحافظة وتنظيف الساحة بعد الانتهاء من الاعتصام. المؤيدون لهذه الاحتجاجات يعتبرونها لسان حال كافة المناطق والمدن السورية مطالبين بوحدة الحل على مستوى الدولة ومطالبين باقي المدن بالخروج في احتجاجاتٍ مشابهة للضغط على الحكومة، وقد أُنشِئت عدّة صفحاتٍ على الفيس بوك تدعو إلى تنظيم مظاهراتٍٍ محلية كصفحة “بدنا نعيش-مدينة السلمية”، كما نشر أفرادٌ من مختلف المناطق السورية صوراً للوحاتٍ كرتونيةٍ تضامنية مع حراك السويداء نُشرت على صفحة “بدنا نعيش” الرئيسية.

 لكن لم تنجو هذه الاحتجاجات من سخرية البعض، وخاصة من معارضي النظام السوري في الخارج، حيثُ استهجنوا بخروجها في هذا الوقت، معتبرين أنها تأخرت 10 سنوات على حد قولهم في إشارةٍ لربطها باحتجاجات 2011 والتقليل من شأنها حيث المطالبة بالخبز لا ترقى لتضحيات “ثورة الكرامة” على حدّ تعبيرهم. لكن لم يقتصر الأمر على المعارضين فهناك طرفٌ آخر موالٍ للنظام السوري ممن عارضها معتبراّ إياها مؤامرة ًمن الخارج لتقويض الاستقرار الذي وصلت له البلد بعد سيطرة الحكومة على أغلب المناطق التي كانت خارج سيطرتها محذرين بأنها ستؤدي إلى الفوضى في آخر الأمر على غرار ما حدث في باقي المدن السورية.

من جانبٍ آخر، هناك الكثير ممن يؤيدون توقف الاحتجاجات حالياّ وإعطاء فرصة للحكومة على أن تتجدّد لاحقاً إذا لم يكن هناك إجراءات حقيقية لتحسين الواقع المعيشي المتردِّ، وبذلك يتم قطع الطريق على أي مخططٍ لإثارة العنف وحرف المطالب من أي جهة كانت على حسب رأيهم.

وبالمقابل أصرّ المحتجون على سلمية حراكهم وعلى حقهم في التعبير دون صدامٍ مع أحد أو إثارة أعمال شغب معتبرين أنّ هذا حقهم الذي يكفله لهم دستور بلادهم ونصوص القانون، وأنّ غايتهم فقط إيصال صوتهم ورسائلهم عبر الشعارات التي رفعوها والتي كان من أبرزها “بدنا نعيش بكرامة ” و”لحتى نعيد الإعمار ما بدنا الليرة تنهار”، “إذا ابنك شبعان ابني جوعان يا بثينة شعبان”، “مطالبنا شعبية ما بدنا حرامية ” وغيرها الكثير.

حتى اليوم لم يصدر أي تصريح رسمي من الحكومة باستثناء مرسومين جمهوريين صدرا بتاريخ 18 كانون ثاني مرسوم رقم 3 ورقم 4 ينصان على مضاعفة العقوبة والغرامات على من يتعامل بغير الليرة السورية في تداولات الأسواق وعلى ملاحقة ومعاقبة كل من ينشر “أخباراً مغلوطةً” تضرّ بالاقتصاد والعملة.

لا يمكن لأحد أن يتكهن بما ستؤول عليه الأوضاع في السويداء في قادم الأيام، هل سيستمر الاحتجاج ويتوسع؟ أم سينكفئ ويبقى محدوداً تحت ضغط الخوف والقلق من ردود الفعل العنيفة سيما وأنّ للمدينة ملفاتٍ شائكةً كثيرة ليس أولها موقفها المحايد من الحرب والتجنيد ولا آخرها وجود عصابات القتل والخطف والسرقة التي رّوعت المدينة ولا تزال.

سوريا في أسبوع 31 كانون الأول/ ديسمبر-6 كانون الثاني/ يناير

سوريا في أسبوع 31 كانون الأول/ ديسمبر-6 كانون الثاني/ يناير

أشباح” في باريس

٦ كانون الثاني/يناير

تجري محكمة خاصة بباريس الاثنين محاكمة 24 شخصا بينهم 21 فرنسيا، ذهبوا في 2014 و2015 للجهاد في العراق وسوريا حيث قتل معظمهم.

وهؤلاء المتهمون في ما يمكن تسميته “محاكمة الأشباح” كانوا تبنوا ايديولوجيا المتطرفين الإسلاميين إما في مسجد سري وإما لدى قيادات متطرفة وتحمسوا للانضمام لتنظيم الدولة الإسلامية خصوصاً مع إعلان التنظيم المتطرف إقامة “خلافته” في 2014.

والمتهمون (فرنسيون ومغربي وجزائري وموريتاني) كانت تتراوح أعمارهم بين 20 و30 حين غادروا فرنسا قبيل أو بعيد اعتداءات بباريس في كانون الثاني/يناير 2015.

ولن يكون سوى خمسة منهم حاضرين أمام المحكمة بتهمة الانخراط في عصابة أشرار لغايات إرهابية. أما الباقون فهم رسميا “موضع ملاحقة” لكن معظمهم قضى في عمليات قصف أو اعتداءات انتحارية، بحسب شهادات الأسر والمعلومات التي جمعها المحققون.

ولم ينف المتهمون الحاضرون اهتمامهم بتنظيم الدولة الاسلامية لكنهم نفوا مشاركتهم في عصابة إجرامية.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى 17 كانون الثاني/يناير.

نصف مليون قتيل

٥ كانون الثاني/ يناير

تسبّبت الحرب السورية منذ اندلاعها قبل نحو تسع سنوات بمقتل أكثر من 380 ألف شخص، بينهم ما يزيد عن 115 ألف مدني، وفق حصيلة جديدة نشرها المرصد السوري لحقوق الإنسان السبت.

ووثق المرصد مقتل 380 ألفاً و636  شخصاً منذ اندلاع النزاع، بينهم أكثر من 115 ألف مدني، موضحاً أن بين القتلى المدنيين نحو 22 ألف طفل وأكثر من 13 ألف امرأة.

وكانت الحصيلة الأخيرة للمرصد في 15 آذار/مارس 2018 أفادت بمقتل أكثر من 370 ألف شخص.

وفي ما يتعلق بالقتلى غير المدنيين، أحصى المرصد مصرع أكثر من 128 ألف عنصر من قوات النظام والمسلحين الموالين لها من جنسيات سورية وغير سورية، أكثر من نصفهم من الجنود السوريين، بينهم 1682 عنصراً من حزب الله اللبناني الذي يقاتل بشكل علني إلى جانب دمشق منذ 2013.

في المقابل، قتل أكثر من 69 ألفاً على الأقل من مقاتلي الفصائل المعارضة والإسلامية وقوات سوريا الديموقراطية، التي تشكل الوحدات الكردية أبرز مكوناتها وتمكنت العام الماضي من القضاء على “خلافة” تنظيم الدولة الإسلامية بدعم أميركي.

كما قتل أكثر من 67 ألفاً من مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) ومقاتلين أجانب من فصائل متشددة أخرى.

وتشمل هذه الإحصاءات وفق المرصد، من تمكن من توثيق وفاتهم جراء القصف خلال المعارك، ولا تضم من توفوا جراء التعذيب في المعتقلات الحكومية أو المفقودين والمخطوفين لدى مختلف الجهات. ويقدر عدد هؤلاء بنحو 88 ألف شخص.

عدا عن الخسائر البشرية، أحدث النزاع منذ اندلاعه دماراً هائلاً في البنى التحتية، قدرت الأمم المتحدة كلفته بنحو 400 مليار دولار. كما تسبب بنزوح وتشريد أكثر من نصف السكان داخل البلاد وخارجها.

لن أنسى” سليماني

٣  كانون الثاني/ يناير

قال الرئيس بشار الأسد الجمعة إن الشعب السوري “لن ينسى” وقوف القائد العسكري الإيراني قاسم سليماني، الذي قتل بضربة أميركية في بغداد، إلى جانب جيش بلاده في النزاع المستمر منذ نحو تسع سنوات، فيما ندّد معارضون بالدور “المحوري” الذي لعبه في سوريا.

وقتل رئيس فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي العراقي أبو مهدي المهندس وآخرون فجر الجمعة في هجوم صاروخي أميركي استهدف سيارتهما قرب مطار بغداد الدولي، ما يثير مخاوف من نزاع مفتوح بين واشنطن وطهران.

وتعد طهران من أبرز حلفاء دمشق. وقدّمت منذ بدء النزاع دعماً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً كبيراً لدمشق. وتمكنت مع مجموعات موالية لها من تعديل موازين القوى ميدانياً لصالح القوات الحكومية السورية على جبهات عدة.

وكان سليماني موفد بلاده إلى العراق وسوريا ولبنان للتنسيق مع المجموعات المسلحة الموالية لإيران في هذه الدول.

وإثر اندلاع النزاع عام 2011، بادرت طهران إلى فتح خط ائتماني بلغت قيمته حتى اليوم 5,5 مليار دولار، قبل أن ترسل مستشارين عسكريين ومقاتلين لدعم الجيش السوري في معاركه ضد فصائل المعارضة.

ووقع البلدان صيف 2018 اتفاقية تعاون عسكرية تنص على تقديم طهران الدعم لإعادة بناء الجيش السوري والصناعات الدفاعية.

في المقابل، اعتبرت شخصيات ومجموعات سورية معارضة في المنفى أن مقتل سليماني يشكل نهاية لأحد “مجرمي الحرب” نظراً لدوره في النزاع.

وفي مدينة إدلب في شمال غرب سوريا، هتف متظاهرون خلال مشاركتهم في اعتصام تنديداً بتصعيد دمشق وحلفائها حملة القصف على المنطقة، احتفاء بمقتل سليماني. وحمل أحدهم ورقة كتب عليها “شكراً ترامب”.

 إدلب مغلقة

٢ كانون الثاني/ يناير

لم ينجح مجلس الأمن الدولي الذي عقد اجتماعاً مغلقاً بطلب من باريس ولندن حول الوضع في منطقة إدلب في شمال غرب سوريا، في الاتفاق على قرار لتمديد إيصال المساعدات الإنسانية الذي ينتهي في 10 الشهر الجاري.

وأوضحت المصادر أن الولايات المتحدة دعمت طلب فرنسا والمملكة المتحدة، على أن يعقد الاجتماع اعتبارا من الساعة 15,00 ت غ.

ويأمل بعض الدبلوماسيين أن تبحث دول مجلس الأمن مجدداً خلال الاجتماع مسألة تمديد العمل بآلية لإيصال المساعدات الإنسانية العابرة للحدود إلى أربعة ملايين شخص في سوريا.

وينتهي مفعول هذه الآلية التي تسمح بإيصال المساعدات عبر نقاط حدودية لا يسيطر عليها النظام السوري، في 10 كانون الثاني/يناير.

وتستخدم الآلية حالياً أربع نقاط عبور، اثنتين عبر تركيا وواحدة عبر الأردن وواحدة عبر العراق.

وعارضت روسيا في 20 كانون الأول/ديسمبر تمديد العمل بالآلية بصيغتها الحالية في سياق سعيها لتعزيز سيطرة حليفها النظام السوري على البلاد.

وهي تعتبر أن الوضع الميداني تغير مع استعادة النظام السيطرة على مزيد من الأراضي، وتقترح في المقابل إلغاء اثنتين من نقاط العبور الأربع الحالية وتمديد الآلية لستة أشهر فقط وليس لسنة.

وقال دبلوماسي طلب عدم كشف اسمه إنه بانتظار 10 كانون الثاني/يناير “أمامنا الخيار بين لا شيء والموقف الروسي”.

وأفاد البيت الأبيض أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره التركي رجب طيب إردوغان اتفقا خلال اتصال هاتفي بينهما الخميس على “ضرورة خفض التصعيد في إدلب لحماية المدنيين”.

ربع مليون

٢ كانون الثاني/ يناير

 قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن زهاء 250 ألف شخص يفرون حالياً من منطقة إدلب في شمال غرب سوريا باتجاه تركيا، بسبب قصف القوات الروسية والسورية المستمر منذ أسابيع.

وتستضيف تركيا بالفعل حوالي 3.7 مليون لاجئ سوري وهو أكبر عدد من اللاجئين في العالم. وقال أردوغان إن بلاده تتخذ خطوات تواجه بعض الصعوبات لمنع عبور موجة جديدة لحدودها.

ومع تفاقم الأزمة بسبب الشتاء، قالت الأمم المتحدة إن حوالي 284 ألف شخص فروا من منازلهم حتى يوم الاثنين. ويعيش ما يصل إلى ثلاثة ملايين سوري في إدلب، وهي آخر منطقة يسيطر عليها مسلحو المعارضة في الحرب السورية المستمرة منذ تسع سنوات تقريبا.

وقال أردوغان في مؤتمر بأنقرة “في الوقت الحالي هناك ما بين 200 ألف إلى 250 ألف مهاجر يتجهون نحو حدودنا. نحاول منعهم ببعض الإجراءات لكن هذا ليس بالأمر السهل. إنه أمر صعب فهم بشر أيضا”.

وتتعرض بلدات وقرى للقصف من المقاتلات الروسية والمدفعية السورية منذ تجدد هجوم القوات الحكومية الشهر الماضي، بالرغم من اتفاق توصل إليه زعماء تركيا وروسيا وإيران في سبتمبر/ أيلول الماضي لتخفيف حدة التوتر.

مجزرة تلاميذ

١ كانون الثاني/ يناير

قتل 8 مدنيين على الأقل، بينهم أربعة أطفال الأربعاء في قصف صاروخي شنته القوات النظامية وأصاب مدرسة في محافظة إدلب في شمال غرب سوريا.

وكثفت قوات النظام وحليفتها روسيا وتيرة الغارات على المنطقة الخاضعة بمعظمها لسيطرة هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقا) وتنتشر فيها فصائل مقاتلة أخرى أقل نفوذاً، منذ منتصف كانون الأول/ديسمبر في وقت تحقق قوات النظام تقدما على الأرض رغم وقف إطلاق النار الذي تم الاتفاق عليه في آب/أغسطس ودعوات الأمم المتحدة لخفض التصعيد.

وذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان إن ضربات صاروخية أرض أرض استهدفت بلدة سرمين في ريف إدلب الشرقي وسقطت على مدرسة ومناطق أخرى في البلدة.

ويعتبر النظام السوري الذي يسيطر على أكثر من 70% من الأراضي السوري أن معركة إدلب ستحسم الوضع في سوريا.

أدنى حصيلة

٣١  كانون الأول/ديسمبر

سجّل النزاع الدائر في سوريا منذ نحو تسع سنوات، في العام 2019 أدنى حصيلة سنوية للقتلى، وفق ما أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان.

ووثّق المرصد مقتل 11215 شخصا بين مقاتل ومدني في عام 2019، موضحاً أن حصيلة القتلى المدنيين بلغت 3473 شخصاً بينهم 1021 طفلاً.

وشهدت سوريا في العام 2019 قتالاً ضارياً على ثلاث جبهات.

ففي آذار/مارس طردت وحدات حماية الشعب الكردية المدعومة من الولايات المتحدة تنظيم الدولة الإسلامية من آخر رقعة كان يسيطر عليها في أقصى الشرق السوري قرب الحدود مع العراق.

وفي الصيف، كما وفي الأسابيع الأخيرة، صعّدت قوات النظام السوري حملتها العسكرية على منطقة إدلب الخاضعة لسيطرة الجهاديين والواقعة في شمال غرب سوريا.

وفي الصيف أوقعت المعارك التي شهدتها المنطقة التي تأوي نحو ثلاثة ملايين شخص ومقاتلين نحو ألف قتيل مدني.

وفي شرق البلاد شنّت تركيا وفصائل مقاتلة موالية لها عملية عسكرية عبر الحدود داخل الأراضي السورية لطرد المقاتلين الأكراد الذين تعتبرهم أنقرة “إرهابيين”.

وفي العام 2017 بلغت حصيلة القتلى 33 ألفا، لتتراجع في العام التالي إلى 19600 قتيل.

وكان العام 2014 الأكثر دموية في النزاع وقد بلغت حصيلته 76 ألف قتيل. وشهد ذاك العام صعود تنظيم الدولة الإسلامية وسيطرته على مساحات شاسعة في سوريا والعراق.

ومنذ العام 2011 يُقتل في سوريا سنويا أكثر من 40 ألف شخص كمعدل وسطي للنزاع الذي شرّد الملايين.