بواسطة محمد الواوي | ديسمبر 17, 2021 | العربية, غير مصنف
يبحث أحمد عن منزل للإيجار ضمن الأحياء العشوائية في منطقة “المزة 86” منذ أكثر من عام، لكن محاولاته للحصول على شقة مفروشة وبسعر مناسب باءت بالفشل، بعد أن ارتفعت الإيجار الشهرية بما يفوق قدرته على تحملها، على الرغم أن الشاب ذي السبعة والعشرين ربيعاً يجني “دخلاً جيداً” من عمله في القطاع الخاص.
ويرغب أحمد بهذه المنطقة، كما يذكر لـ”صالون سوريا”، لتمتعها بخدمات أفضل من مناطق الريف الدمشقي نسبياً، بخاصة عدد ساعات التغذية الكهربائية، وقربها جغرافياً من مكان عمله في مركز المدينة.
بعد مرور 10 سنوات على الحرب، قفزت إيجارات المنازل إلى مستو قياسي جديد، في ظل تضخم جامح عام في الأسعار، وتدهور في سعر صرف الليرة السورية أمام سلة العملات الأجنبية وازدياد نسبة الفقر بين المواطنين.
وتضاعفت بدلات الإيجار هذا العام مقارنة بالعام الفائت في المناطق السورية المختلفة، ووصلت إيجارات المنازل في منطقة “الشيخ سعد” بالمزة جنوب دمشق إلى أكثر من 600 ألف ل.س شهرياً (الدولار الاميركي يساوي ثلاثة الاف ليرة)، مع صعوبة في توفر شقق الإيجار نتيجة الاكتظاظ السكاني. وتراوحت البدلات في الأحياء العشوائية لمنطقة المزة ما بين 200 و600 ألف ل.س شهرياً بحسب مساحة المنزل وإكسائه.
وتتفاوت الأسعار بشكل حاد ما بين منطقة وأخرى؛ إذ يقترب بدل الإيجار للشقة المفروشة وذات الإكساء الجيد في المزة – فيلات غربية وفي تنظيم كفرسوسة من حدود 30 و40 مليون ل.س سنوياً.
وفي منطقة جرمانا بريف دمشق -ذات الكثافة السكانية المرتفعة- يبدأ الإيجار من 150 ألف ل.س للشقق غير المفروشة وذات الإكساء البسيط؛ بينما يبلغ إيجار منزل مفروش مؤلف من غرفتين وصالون ما بين 350 و700 ألف ل.س.
وفي عام 2014 فرضت السلطات السورية شرط الموافقة الأمنية المسبقة لإبرام عقود الإيجار، وغالباً ما يستغرق استخراجها وقتاً، وربما تأتي النتيجة بالرفض في حالات كثيرة، إلا أن وزارة الداخلية أصدرت قراراً في عام 2018 تضمن إجراء تعديلات على عقود الإيجار ومنها إلغاء الموافقة الأمنية، على أن يسجل المسـتأجر وصاحب العقار العقد في الوحدة الإدارية المختصة أو في “مركز خدمة المواطن” المخول تسجيل عقود الإيجار.
وصدر في آذار (مارس) الماضي القانون رقم 15 لعام 2021 الخاص بضريبة البيوع العقارية، والتي تُحدَد بمعدل من القيمة الرائجة استناداً إلى الوصف المالي للعقار، وصرّح وزير المالية كنان ياغي لـوكالة الانباء السورية الرسمية (سانا) في وقت سابق أن قانون البيوع العقارية الجديد يهدف إلى تحقيق العدالة ما أمكن بين المكلفين، ومعالجة التهرب الضريبي في مجال بيع وشراء وتأجير العقارات الذي يؤدي الى فوات المنفعة والإيرادات على الخزينة العامة للدولة؛ بينما ربط خبراء اقتصاديون ارتفاع بدلات الإيجار وأسعار العقارات عموماً بالقانون سابق الذكر والضرائب الجديدة الواردة فيه التي لم تكن موجودة سابقاً؛ إذ تضمنت الفقرة ب من المادة 16 الآتي:
ب- استثناء من الأحكام الناظمة لضريبة دخل الأرباح الحقيقية تخضع العقارات السكنية المؤجرة للسوريين وغير السوريين وفق أحكام القانون رقم /10/ لعام 2006 والقانون رقم /20/ لعام 2015 لضريبة دخل بمعدل (5%) خمسة بالمئة من بدل الإيجار السنوي الوارد في عقد الإيجار، على ألا تقل ضريبة الدخل عن /0,0003/ ثلاثة بالعشرة آلاف من القيمة الرائجة للعقار المؤجر، وتزاد القيمة الرائجة للوحدة العقارية السكنية المشار إليها بنسبة (25%) خمسة وعشرين بالمئة في حال تأجيره مفروشاً.
لكن مدير عام “هيئة الضرائب والرسوم” منذر ونوس استبعد في تصريح سابق لصحيفة “الوطن” المحلية، مساهمة الضريبة الجديدة برفع قيم الإيجارات، موضحاً أن معدل الضريبة للعقارات السكنية هي 5 بالمئة من بدل الإيجار السنوي المصرح عنه في العقد، بمعنى أنه في حال كانت أجرة المنزل 100 ألف ليرة سورية شهرياً، فالضريبة على الإيجار هي 5 آلاف ليرة فقط شهرياً تحصل بشكل سنوي، يتحملها المؤجر لكون القانون ألزمه بدفع الضريبة عند تأجير العقار والحصول منه على الإيراد.
وقدّر وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية مارتن غريفيث في جلسة لمجلس الأمن الدولي الأربعاء 27 تشرين الأول (اكتوبر) الماضي أعداد السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر بأكثر من 90% من إجمالي عدد سكان البلاد، يضطر كثير منهم إلى اتخاذ خيارات صعبة للغاية لتغطية نفقاتهم.
يبدي أحمد تخوفه من ارتفاع تكاليف المعيشة، وبخاصة السكن، بعد أن أصبح استئجار منزل لائق في أحياء العاصمة المنظمة يسيراً لطبقة صغيرة من المواطنين السوريين فقط.
بواسطة حمد المحاميد | ديسمبر 16, 2021 | العربية, مقالات
رغم مرور سنوات على استعادة الحكومة السورية سيطرتها على غوطتي دمشق الشرقية والغربية، فأن المشهد في الغوطتين المعروفتين قبل الأحداث بأنهما جنتان من جنان الأرض لاتساع البساتين الخضراء فيهما وجمال أشجارهما المتنوعة ومياههما الوفيرة، لا يزال كالح السواد من دون ظهور ملامح أي تحسن، إذ تحولت المساحات الخضراء إلى قفار، ومشهد الدمار والركام والبيوت المتهالكة والطرقات السيئة يطغى على مدنهما وسط انعدام شبه تام لأبسط مقومات العيش.
وتمتد الغوطة الغربية من ربوة دمشق غربا وجنوبا وتحيط حيي المزة وكفر سوسة في دمشق ببساط اخضر، وتضم العديد من المدن والبلدات والقرى، أبرزها داريا ومعضمية الشام والكسوة وصحنايا والأشرفية وسبينة ووادي العجم والهيجانة ويمر بها نهر الأعوج، وتشتهر بكافة أشجار الفاكهة والبساتين والمروج وزراعة مختلف أنواع الخضار.
مدينة العنب
وتعد مدينة داريا أكبر مدن الغوطة الغربية وعرفت خلال الأحداث بـ«أيقونة الثورة»، وتقع على بعد 8 كلم جنوب العاصمة دمشق، وتبلغ مساحتها 120 كلم مربع، وكان معظم سكانها يعملون بالزراعة، وأطلق عليها كثيرون «مدينة العنب» لشهرتها بزراعة جميع أنواعه، وتعرف أيضا بـ«مدينة المتنزهات»، وقد استعاد الجيش النظامي السيطرة عليها في آب (أغسطس) 2016، بعدما سيطرت فصائل المعارضة المسلحة عليها لنحو أربع سنوات، وذلك اثر حملة عسكرية مسعورة شنها ضدها أسفرت عن تهجير نحو ألفي شخص من مقاتلي المعارضة وعائلاتهم نحو الشمال السوري، ومقتل 2712 شخصاً، بحسب فريق التوثيق في داريا، إضافة إلى دمار نسبة كبيرة من المباني السكنية والبنى التحيتية والمزارع والمنتزهات والمعامل.
وبخلاف ما تقوله الحكومة منذ زمن بعيد بعودة الحياة الطبيعية إلى مناطق المدينة كافة، فإن المشهد على أرض الواقع في داخلها يؤكد عكس ما تروجه الحكومة، إذ لا تزال أكوام الركام موجودة على جانبي طريق مدخلها الشمالي على أوتوستراد المتحلق الجنوبي وأغلب المباني على الجانبين مدمرة ومجرف الكثير منها، وحركة السيارات والمارة ضعيفة.
المشهد في مدخل المدينة الشرقي المتفرع عن أوتوستراد دمشق – عمان الدولية يبدو أفضل قليلا عما هو عليه في المدخل الشمالي، إذ أن هناك حركة أكثر للسيارات والمارة في بداية الطريق المؤدية إلى وسط المدينة ويصل طولها ما بين 3 و4 كيلومترات وتتموضع عليها حواجز عدة للجيش والقوى الأمنية.
وتشاهد في هذه المنطقة الممتدة من بداية الطريق وحتى منتصفها تقريباً عدد من المحال التجارية وقد عاودت نشاطها، مع وجود حركة للمارة وإن كانت خجولة، كما يلاحظ أن معظم الأبنية سليمة ومأهولة وقد طال الدمار عدد قليل منها، على حين لا تزال معظم المنتزهات ومزارع العنب والفواكه الأخرى التي كانت موجودة على جانبي الطريق خلف المحال التجارية والأبنية، غارقة بالدمار، بينما يقتصر مشهد الخَضار على بقع صغيرة للغاية مزروعة ببعض الخضراوات، بعد أن كانت المنطقة يضرب بها المثل كمنطقة للتنزه ويؤمها الآلاف، خصوصاً في أيام العطل الرسمية للترويح عن النفس، بسبب جمال مزارعها ومتنزهاتها.
في وسط المدينة عند “دوار الباسل”، حيث نصبت عناصر الجيش النظامي حاجزاً ضخماً، وتتفرع منه طرقات رئيسية تؤدي إلى أحياء عدة في المدينة، منها النكاشات والشاميات وشريدي، يبدو حجم الدمار أقل من الموجود في طريق المدخل الشمالي، وكثير من الأبنية الطابقية لا تزال قائمة، لكنها أُعيدت إلى ما قبل مرحلة الإكساء (على العظم) من جراء عمليات النهب و«التعفيش»، مع وجود شقق مسكونة في عدد من الأبنية، لكنها قليلة جداً؛ الأمر الذي دل عليه رؤية ملابس منشورة على بعض الشرفات.
وتبدو حركة المارة في شوارع المنطقة التي تم فتحها بشكل جزئي ضعيفة، وتقتصر على عدد قليل من الشباب وكبار السن من الرجال والنساء، ويقول رجل خمسيني لـ”صالون سوريا” بحذر وهو يسير في الطريق بسبب انتشار العناصر الأمنية والمخبرين: «العيشة هون صعبة جدا. لأنو مافي كهربا ولا مي ولا سرافيس ولا تلفونات ولا تغطية موبايل، ويلي بصعّب العيشة أكثر أنو مافي ناس»، ويلفت إلى أن عائلات كثيرة عادت إلى بيوتها عندما سمحت الحكومة بذلك ولكن معظم تلك العائلات «هربت لأنو ما بينعاش هون، وبقيت بعض العائلات وعائلتي منها، لأننا ما بنقدر ندفع ايجارات». ويشير إلى معاناة مريرة للكثير من العائلات عندما تريد الذهاب إلى مدينة دمشق بسبب عدم وجود وسائل نقل عامة، ويضيف «الواحد لما بدوا يروح بيهكل هم من قبل بنهار وبالزور بدبر حالوا مع سيارة طالعة أو سوزوكي أو ميتور (دراجة نارية) ».
وبعدما كانت المنطقة قبل اندلاع الأحداث مركزاً تجارياً كبيراً، تبدو الحركة التجارية فيها شبه معدومة؛ فمعظم المحال التجارية (الأثاث المنزلي، العصرونيات، المأكولات الجاهزة، والعصائر والسوبر ماركات..) دمرت واجهاتها ونهبت محتوياتها، على حين عدد قليل منها لا يزال مغلقا، بينما أقدم بعض أصحاب السوبر ماركات وهم يعدون على أصابع اليد على ترميم محالهم وإعادة افتتاحها.
ويؤكد أحد أصحاب المحال المغلقة لـ«صالون سوريا»، أنه لا يفكر نهائيا بالعودة وإعادة افتتاح محله، ويقول، «طالما ما في ناس بالبلد، لماذا أعود؟، لمن سأبيع البضاعة؟، هل اتركها واتفرج عليها»؟، ويضيف «العودة ستكون كلها خسارة بخسارة، وكل من عادوا وافتتحوا محالهم يؤكدون أنهم ما بيطلعوا باليوم حق غدا العيلة. هذا إذا ما كانوا عم يخسروا لأنو الألبان والأجبان وكثير من المواد بدها تبريد وما في كهربا، وأكيد عم يخرب كتير منها وبيكبوها».
في منطقة أحياء الخليج شمال غرب درايا والتي كانت تشتهر بمزارعها الجميلة، وخصوصاً منها العنب، لا يزال الدمار يطغى عليها وهي خالية من البشر والشجر، وسط معلومات من كثير ممن كانوا يسكنون فيها، بأن السلطات تمنع منعاً باتاً الأهالي من العودة إليها، ولا حتى زيارتها للاطلاع على ما آلت إليه أوضاع منازلهم وأراضيهم الزراعية.
رئة دمشق
لا يختلف المشهد كثيرا في الغوطة الشرقية التي كانت قبل الحرب رئة دمشق و”متنزه” الدمشقيين والسوريين عموما وتقدر مساحتها بنحو 110كم مربع، وتمتد نحو الشرق والجنوب محيطة مدينة دمشق ببساط أخضر وتشتهر بكثافة أشجار الفواكه وتنوعها وزراعة مختلف أنواع الخضروات.
وتضم الغوطة الشرقية التي استعاد الجيش النظامي السيطرة عليها في عام 2018 بعد حملة عسكرية خلفت مئات القتلى ودمار وتهجير معظم سكانها الذين كان عددهم قبل الحرب أكثر من مليوني نسمة، العديد من المدن والبلدات والقرى منها دوما التي تعد مركزها الرئيسي، وعربين وسقبا وزملكا وجرمانا والمليحة وعقربا وحزّة وكفربطنا.
التطبيل والتزمير منذ زمن بعيد من قبل الحكومة بعودة الأهالي إلى مدن وبلدات وقرى الغوطة الشرقية، وأنها تعمل على إعادة الخدمات الأساسية إليها، ينفيه حديث كثيرون من أهالي المنطقة، ويقول احدهم لـ«صالون سوريا»، إن «كل ما تقوله الحكومة غير موجود على الأرض. الدمار والركام مازال موجودا في معظم المناطق، والناس الموجودة، منهم لم يخرجوا من بيوتهم أصلا، وهناك من عاد ليستر نفسه في ظل الغلاء الكبير، ولكن عدد من عادوا ليس كما تزعم الحكومة بأنه كبير». ويضيف «الناس الموجودة في الغوطة تعيش في بيوت متداعية، وما تم فتحه من طرقات في أغلبه جرى بجهود الأهالي على نفقتهم، وشبكات المياه والصرف الصحي لم يجر إصلاحها والكهرباء معدومة فكل يوم نراها ساعة أو نص ساعة وأغلب الأيام نراها ساعة كل يومين أو ثلاثة، والناس عايفة حالا فهي ما بتقدر تشترك بالمولدات الضخمة، ومع انعدام الكهرباء تنعدم المياه وخليها لله».
مواطن أخر من مناطق الغوطة الشرقية، وبعدما يؤكد لـ«صالون سوريا»، أن الناس أُصيبت بعقدة نفسية من جراء الانقطاع المتواصل للكهرباء وعدم توفر الماء والمواصلات، يقول، «بعد المغرب كثيرون لا يجرؤون على الخروج من منازلهم، فقد يقتل المرء ولا أحد يدري به مع تزايد عصابات السرقة والنهب وذلك يحصل رغم الانتشار الكبير لحواجز الجيش والأمن وعناصرهما في معظم المناطق»، بينما تتحسر سيدة من أهالي الغوطة الشرقية في حديثها لـ«صالون سوريا» على «أيام زمان (قبل الحرب) لما كانت الغوطة تعج بالناس من كل سوريا لتروّح عن نفسها بين البساتين وبين الشجر وجنب المي، أما اليوم يا حسرتي تعا شوف لا ظل بساتين ولا ظل شجر ولا ظل مي. كلو راح بالحرب».
وبينما يؤكد كثير من أهالي الغوطة الشرقية الذين يأتون إلى دمشق أنهم يجبرون على دفع إتاوات عند خروجهم وحين عودتهم، يتحدث بعضهم عن استيلاء على منازل كثير من المهجرين .
بواسطة عزام النجمي | ديسمبر 15, 2021 | News, العربية
حان وقت تدخين سيجارة على الشرفة المطلّة على قطعة عسكرية قريبة من المنزل. أغنية للياس خضر تصدر في كل مرة من ذات الغرفة المحصّنة التي نجت من أثار الحرب خلال سنوات مضت. ليس مستغرباً أن تسمع نغمة حزينة قادمة من نقطة عسكرية، فيها جنود منسيون لا يعزّيهم سوى الألحان الحزينة التي تؤنس وحدتهم، ومن يجيد العزف على تلك الأوتار أكثر من ياس خضر.
ساعات مرت على موعد السيجارة التالية، لا يزال صوت خضر يصدح في المكان، وكأنه يقيم حفلاً في تلك الغرفة الإسمنتية ذات المظهر الباهت. فضولٌ يلازمني على مدى أيام، من هو ذا صاحب الذوق الرفيع المشبع بالأحزان الذي يُطرب ليالي هذه المنطقة المهجورة؟
مضت أيام. أشتري بعض رُزم “الخبيّزة” والبصل؛ لأعد غداء اليوم. يقف إلى جواري شاب يبدو وأن وجهه اسمرّ مؤخراً، لا تتناسب البدلة العسكرية التي يرتديها مع معالمه الطفولية التي تدعوك للصراخ في وجهه “اخشوشن يا فتى!”.
يشتري ذاك الفتى البرتقال وبقايا عنب تتواجد لدى البائع، رغم أننا دخلنا في أوائل أيام الشتاء. يقول البائع إن هذا الصنف من العنب الأحمر يبقى “على أمّه” حتى وقت متقدم من السنة، إذ يلتقي مع موسم النبيذ. يتحدث الجندي عن النبيذ بحسرة “فمن من الممنوع شرب الخمور في القطعة العسكرية”، وتبدو في حديثه رغبة في ثمالة تُذهب عقله لساعات فينسى قيود البدلة التي يرتديها والحُجرة التي يمكث فيها.
“يبدو أنه جندي غرّ مبتدئ” -يهمس البائع في أذني-. لكن ما بدا لي أن صدفةً ما، جمعتني بذاك الذي يستمع إلى ياس خضر دوماً، لحقتُ به، وناديته، ولم يخذلني حدسي.
تُخفي تلك الغرفة الإسمنتية الباهتة خلف جدرانها قصة جندي لم يتبقَ له من الذاكرة سوى شريط “كاسيت” يضم 23 أغنية للمطرب العراقي الياس خضر، يشغّله عبر آلة عفى عليها الزمن، لكنها لا زالت تستطيع تشغيل ذاك الشريط الذي يحتفظ به الجندي من منزله الذي دمرته الحرب فوق رؤوس عائلته.
نجا من المنزل القليل من الأثاث غير المهم، وذاكرة حزينة انتشلها من تحت الأنقاض وقرر الهروب بها إلى حيث لا خراب ولا دماء، لكنها كانت بمثابة لعنة وسوء طالع، أحبط آماله بالسفر لاستكمال دراسته واستعادة حياته السليبة.
الشاب الطري الرقيق، الذي اشتد عوده واسمرّ جبينه بفعل القسوة التي تجرّع كأسها حتى التخمة، ابتداء من خسارة عائلته إلى ضياع أحلامه، وليس انتهاءً باستبدال الآلة التي كانت تلامسها أصابعه، فبغضون سنوات بات زناد البندقية هو الشيء الوحيد القريب من ملمس يديه، بعد أن كان معتاداً على مداعبة أوتار العود في سهرات الطرب مع أصحابه وعائلته.
“وضعتني هذي السنوات في حجرة منسية، لا أجني منها سوى الوحدة والحزن والعجز، لم أتخيل يوماً أنني سأخدم بهذي الطريقة، بأن أكون عاجزاً إلا عن البكاء والاستماع لشريط الياس خضر، كل ما تبقى لي من أبي”.
يقول “صاحب الذوق الرفيع” بأنه لم يرغب منذ بداية الحرب بأن يُحسَب على أي طرف أو حتى يوضع بمواجهة أيّ منهم، معتبراً أنه يقضي مع رفاقه الجنود سنوات الخدمة دون أي جدوى، بل وتأخذ “نوبات الحرس” من عمرهم ربيعه. وفوق هذا كله “نُحسب لدى شريحة واسعة من أبناء البلد على أننا أعداء ومجرمون، فماذا اقترفنا لنحاسب بكل هذه القسوة؟”.
يقول “صاحب الذوق الرفيع” بأنه لم يرغب منذ بداية الحرب السورية بأن يُحسَب على أي طرف أو حتى يوضع بمواجهة أيّ منهم. معتبراً أنه يقضي مع رفاقه الجنود سنوات الخدمة دون أي جدوى، بل وتأخذ “نوبات الحرس” من عمرهم ربيعه. وفوق هذا كله “نُحسب لدى شريحة واسعة من أبناء البلد على أننا أعداء ومجرمون، فماذا اقترفنا لنحاسب بكل هذه القسوة؟”.
شريطٌ قديم حزين، “تعلكه” آلة التسجيل كل يوم، تماماً كما نجترّ أيامنا هنا -يصف الجندي حاله-.. ويتابع: “تذهب بنا ذاكرتنا برحلة يومية طويلة، تأخذني هذه الآلة إلى حيث أبي كان يُغذّينا بمخزونه الموسيقي الرهيب.. أستذكر كل تلك المشاهد فتستيقظ الأبوّة في داخلي. تدفعني لتسجيل شريطي الخاص عندما أهدم جدران هذه الحجرة الكئيبة.”
يتوجه لي بالكلام: ” لن أورث لابني شريطاً حزيناً كهذا، هو العهد الذي أحيا لأجله، ولكن إن حدث وسردتَ قصتي لأحد ف “احكي لهم يا صاحبي.. ما ظل صبر عندي”.
وهاج عزام
بواسطة إنصاف سليطين | ديسمبر 14, 2021 | العربية, غير مصنف
ولدت في ثمانينيات القرن الماضي لأسرة متوسطة، تعيش من راتب معيلها الشهري. قضيت طفولتي بين شوارع مدينة ساحلية صغيرة وصخور قرية نائية في اعالي الجبال. بيت في المدينة وآخر ريفي مع بستان كبير كان جنتنا الصيفية.
كلها كانت بتدبير والدي الموظف الحكومي العتيق. ورغم محدودية الدخل، كان كل شيء مؤمنا لنا تقريبا نحن أبناؤه السبعة. كلنا على مقاعد الدراسة حتى دخولنا الجامعة وتخرجنا منها. مصاريفنا مقدور عليها، لا ينقصنا شيء سوى بعض الكماليات الممكن الاستغناء عنها.
قضيت شبابي كله بين عشريتي الألفية، الأولى والثانية. والآن، لدي عمل الخاص ودخلي الذي يفترض انه خرج من إطار المحدود، لكن هذا الدخل يتسرب قبل ان انتهي من التفكير في تأمين اللوازم وسد النواقص، الحاجات الأساسية قبل الكمالية. العاملون معي، أسرتي الثانية اشتدت عليهم ضغوط الحياة ولم تترك لهم سوى خيار السفر.
المنطق يقول مع مرور الزمن و التطور الذي طرأ، يجب ان يكون الأمر افضل من قبل، لكنني كل يوم احسد أبي. اربعة عقود، يفترض أنني تقدمت فيها إلى الأمام. المس مع مرور كل ثانية فيها كم تراجعت للخلف.
انني واحدة من ملايين صار المستقبل وراءهم. كيف يمكن ان اعيش اليوم بلا ماء ولا كهرباء ولا وقود للمواصلات الا بتكاليف تفوق قدرتي على البقاء! التفكير بزيارة الطبيب هم، وتأمين تعليم الابناء قضية كبرى. شراء مستلزمات المعيشة صخرة تجثم على صدورنا، واشعال شمعة في الظلام صار ترفا. هل سأقضي ما تبقى من عمري و انا ألعن الظلام لان تكلفة الشمع تفوق ما في جيبي؟
هل بت امام خيارين اما ان أغادر خارج الحدود او اغادر خارج الحياة؟ انا أحب الحياة واحب ان اكمل طريقي فيها فوق أرض تعنيني كل ذرة من ترابها وغبارها. كيف احل هذه المعادلة ؟
نريد ان نستمر. نريد ان نبقى. نريد ان نعمل. نريد ان نقضي أعمارنا فيما يفيدنا ويفيد الآخرين لا ان نفنيها في اللهاث وراء سراب لا يمكن ان يتحقق. نريد ان نبقى هنا. أعيدوا لنا بلادنا التي نشعر باغتراب عن كل ما فيها.
نحن أبناء النور لا يمكن ان نحيا في العتمة. حين امشي في العتمة لو لدقائق قليلة، المس انني عجوز في الثمانين تتمسك بما حولها وتحاول التقدم ببطء وهي تفتح عينيها عن آخرها ولا تكاد ترى، ترعبها فكرة السقوط والكسر والرضوض فلا طاقة لاستطباباتها ومعالجتها.
نريد ان نحيا شبابنا بحيوية، لا بعجز. نريد قوانين واجراءات داعمة لا محبطة مقيدة.
نريد من القائمين على القطاعات المختلفة ان يبتكروا وسائل تعيننا على الإنجاز و البناء، لا ان يتفننوا في إعاقة كل ما نقوم به، لأن تفكيرهم لا يسعفهم و يجربون بنا مرارا و تكرارا حتى يتأكد فشلهم. نحن لسنا فئران تجارب، نحن لسنا “هامستر”، إننا بشر.
كتبت هذه في أواخر ٢٠٢١ ، و كل المعطيات تقول اننا في ١٩٤٠. افيدوني في اي عام نعيش؟
* صورة، محمد الرفاعي، أ ف ب
بواسطة فراس كرم | ديسمبر 14, 2021 | العربية, غير مصنف
بين ما تبقى من حجارة وأعمدة وجدران أثرية تعود لمعابد اثرية تم بناؤها في القرن الثاني الميلادي، في منطقة بابسقا شمال إدلب 40 كلم، شيد أبو مصطفى وعائلته خيمتهم الصغيرة، فاراً من ويلات الحرب التي نالت من بلدته الصغيرة معر شمارين جنوب شرقي إدلب، قبل نحو 3 سنوات، وفضل الإقامة والكثير من العائلات بين هذه الأبنية التاريخية، ولكل منها أسبابها في إختيار هذه الأماكن التي هجرت ودمرت قبل أكثر من ألف عام.
ويقول أبو مصطفى (48 عاما)، أنه أجبر في نهاية العام 2019 على النزوح وأسرته من قريته، اثر عملية عسكرية برية وقصف جوي، دفعه وأسرته إلى مغادرة قريته ليلاً، نحو المجهول، ليجد نفسه وأطفاله وزوجته، بالقرب من الحدود السورية التركية دون مأوى، وسط عاصفة مطرية ورياح عالية، ما دفعه وأسرته إلى الإحتماء بجدران وأحجار ضخمة تعود لأبنية تاريخية”.
ويضيف، ” كانت تلك الفترة هي من أصعب الفترات التي عايشنا فيها ظروف صعبة للغاية (نزوح وتشرد وبرد وخوف)، يصعب على الإنسان تحملها، و وجدنا من هذه الجدران والأبنية التاريخية ذات الأحجار القوية والعالية مكاناً يوفر لنا الحماية من العواصف والرياح والأمطار، فبادرنا إلى الإقامة بينها والتعامل مع صعوباتها”.
ويروي “أبو زيد، وهو نازح آخر من ريف حماة، سبب اختياره الإقامة بخيمته، وسط أعمدة وحجارة مدمرة ضخمة تعود لمعبد روماني في منطقة البردقلي شمال إدلب، ويقول “إن إقامتي وسط هذه الزحمة من الأعمدة
والحجارة والقناطر الأثرية، أفضل بكثير من العيش في زحمة المخيمات وإكتظاظها بالبشر، فضلاً عن أننا نستغل توفر التوابيت والأحواض الحجرية التاريخية التي يمكن أن نخزن فيها مياه الشرب والإستعمالات المنزلية”.
ويضيف، “بالرغم من أنني وأسرتي نعيش حياة هادئة وسط المباني الأثرية، إلا أن هناك ثمة صعوبات، ومع مرور الوقت، تكيفنا معها، فبعدها عن المدارس تشكل صعوبة بالغة على الأطفال في الذهاب والعودة إلى المدرسة، فضلاً عن إنتشار العقارب والأفاعي التي كانت تخرج علينا في العام الأول بأعداد كبيرة، إلا أنه مؤخراً تقلصت أعدادها، بعد أن تحول المكان من مهجور إلى مكان مسكون بالبشر”.
بينما وجد “أبو خالد”، نازح من ريف حلب الجنوبي، من الحجارة تعود لمعبد بيزنطي في منطقة رأس الحصن على الحدود السورية-التركية، فرصة يمكنه إعادة بنائها مجدداً وتحويلها لمسكن. وقال “في عمل استمر على مدار شهر متواصل أستطعنا أن وأفراد أسرتي صغاراً وكباراً تجميع الأحجار المبعثرة هنا وهناك وبناء غرفة إلى جانب جدار قائم، وقمنا بإملاء الشقوق والفواصل بالتراب المخلوط بالقش، لمنع دخول الحشرات والأفاعي والعقارب إلى داخل الغرفة، وبعد ذلك أنشأنا ممراً مرصوفاً بالحجارة من باب الغرفة إلى الطريق العام، لتفادي مياه الأمطار والوحل أثناء ذهاب الأطفال إلى المدارس”.
ويضيف، بغصة وحسرة: ” كنا سابقاً (قبل2011)، نقوم بجولات ونزهات سياحية في فصل الربيع مع الأهل والأقارب إلى هذه الأماكن الأثرية، ولم يخطر على عقولنا حينها أنه سيأتي يوم ونقيم فيها وتكون هذه الأطلال موطناً جديداً نلجأ له بعد سنوات من المعاناة والتنقل “.
وقال بكار الحميدي وهو ناشط في محافظة حماة، “الحرب السورية وضعتالسوريين أمام خيارات صعبة في السكن والإقامة أثناء النزوح، فعدد كبير من النازحين وجدوا من الأبنية التاريخية التي تعود للعهود الوثنية والرومانية والبيزنطية، في محافظة إدلب، أماكن إقامة مؤقتة، فمنهم من جدد مبنى حجري مدمر وآخر إستغل مدفناً أثرياً ليكون مكاناً أمناً لبضع رؤوس من الماشية يمتلكها، وآخرين وجدوا من التوابيت الأحواض الحجرية وسائل لتعبئة مياه الأمطار وإستعمالها لاحقاً”.
ويضيف، “هناك ثمة رغبة من قبل البعض، في الإقامة بين المعالم الأثرية، لإعتبارها مصدر رزق بالنسبة لهم، حيث يقومون بالتنقيب والبحث بين الأعمدة والحجارة عن لقى وكنوز وعملات أثرية، تعود لحقب
تاريخية قديمة، منها الرومانية والبيزنطية، وبيعها للإستفادة من ثمنها في تلبية متطلباتهم وأحتياجاتهم في الحياة”. وأوضح، “ربما التنقيب والبحث عن اللقى الأثرية من قبل البعض يشكل تهديداً على المعالم الأثرية، إلا أن قصف قوات النظام والطيران الروسي سابقاً، دمر الكثير من المعالم والأبنية الأثرية على إمتداد البلاد، حيث عمد النظام خلال الأعوام السابقة على قصف مدينة أفاميا التاريخية 60 كلم غربي حماة، وأدى القصف حينها إلى تغيير كبير في المعالم وتدمير عدد كبير من الأعمدة الحجرية والتيجان والقناطر وإحداث حفر كبيرة في وسط سوق أفاميا الشهير، وكما هو معروف أن لأفاميا تاريخ عريق يعود إلى سنة 333 قبل الميلاد، وتأسست فعلياً على يد الملك سلوقس الأول نيكاتور (أحد خلفاء القائد المقدوني الإسكندر الأكبر)، بعد سلسلة من المعارك مع الإمبراطورية الفارسية، وقد حازت في تلك المرحلة اسم أفاميا، الذي أطلقه عليها الملك سلوقس تكريماً لزوجته أباميا (حُرِّفَ الاسم لاحقاً إلى حرف الفاء بدلاً من الباء). وأصبحت المدينة مركزاً حضارياً بارزاً في العصر السلوقي، وباتت\ العاصمة العسكرية للدولة السلوقية”.
وأشار، إلى أن قوات دمشق عمدت أيضاً إلى قصف صوامع ومعالم أثرية في منطقة البارة وتل مرديخ في جنوب إدلب، كما وأنه في عام 2016، ألحقت الغارات الجوية أضراراً جسيمة بكنيسة القديس سمعان، وحطمت بقايا الأعمدة التي يقال إن القديس الذي حملت هذه الكنيسة اسمه عاش فوقها لما يقرب من 40 عاماً قبل موته في عام 459 ميلادية.
وتُعد كنيسة القديس سمعان العمودي أحد مواقع التراث العالمي لليونسكو لعام 2011م، وهي أقدم ما بناه البيزنطيون من الكنائس. وتوجد في شمال غرب مدينة حلب، وقد بُنيت هذه الكنيسة تخليداً لذكرى الراهب القديس سمعان، وهي تحتوي على العمود الذي تنسك فوقه القديس، وهو بطول 15 متراً
بواسطة يمامه واكد | ديسمبر 13, 2021 | العربية, مقالات
“إذا ضل الدولار يطلع نحن بالداخل رح نبيع أعضاءنا”، بهذه الجملة علق أحد المتابعين على التقرير الصادم الذي عرضته قناة أميركية عن حالات بيع الأعضاء من لاجئين سوريين في تركيا.
يبدو أن الإرتفاع الكبير لأسعار صرف الدولار في سوريا وسوء الأوضاع الاقتصادية مهدا الطريق لكثير من السوريين لبيع أجزاء من أجسادهم مقابل مبالغ مالية حدّ آلاف الدولارات، علّه يخفف من مرارة الأيام قادمات الأيام، إذ لا شيء ينبئ بأنّ القادم يكون خيراً، فهل يصل السوريّ وقتاً يصير فيه باب الرزق الوحيد له هو بيع كلية أو سواها من جسده الغض الذي زادته هموم العيش نحولاً.
الكلية مقابل العيش
“بعت كليتي لشخص محتاجها، أنا فيني عيش بكلية وحدة وخلي عيلتي كلها تعيش، بحق الكلية التانية”. يقول مازن ف ( 50 عاماً) لـ “صالون سوريا”. مازن يعمل كسائق سيارة أجرة في مدينة دمشق. باع كليته بمبلغ 18 مليون سوري (5.200 دولار أميركي)، عبر وسيط لم يرغب بتسميته، “إذا بحت بتفاصيل عنه قد أضرّه، وبالتالي أضرّ نفسي، لأنني أعلم جيداً أنّ هذه التجارة ممنوعة، ولكن هل ظل أمامي حل آخر؟”.
مازن تعرف على الوسيط عن طريق سائق أجرة آخر باع كليته بذات الطريقة وتم الأمر خلال ليلة وضحاها.
يقول مازن: “اشتريت بالمبلغ الذي حصلت عليه سيارة الأجرة التي أعمل عليها الآن، كان ذلك في صيف العام ما قبل الماضي”، يخبر “صالون سوريا” أنّه تمكن من سداد جميع ديونه، وبالتالي أيضاً تمكن من تحسين مستوى حياة أسرته، “اشتريت السيارة بسبعة ملايين، والباقي وفرته لمصاريف أخرى، اليوم سيارتي يتعدى ثمنها ثلاثين مليون ليرة سورية، الحمدلله”.
ربما يكون حظ مازن أفضل من حظ كثر لا زالوا يبحثون عن مشترٍ ليبيعوا أعضاءً من أجسادهم مقال مبلغ مادي، إن كبر أو صغر، إلا أنّه لا شك سيحل مشاكل كبرى.
“أبو عرب” أحد هؤلاء “الغلابة”، يتنقل من منشور إلى آخر في موقع “فيسبوك” عارضاً كليته للبيع عبر تعليق مختصر “متبرع كلية زمرة الدم A+ مقابل تعويض مادي يلي بيعرف حدا يخبرني، للتواصل خاص”. لا يخشى الرقابة والوقوع في أخطار الملاحقة الأمنية وقرارات منع تجارة الأعضاء، قام بوضع مناشدته تلك على واحد من منشورات مشفى الكلية الجراحي. ويصطلح فعلاً على تسميتها مناشدة، فهو ككثر من السوريين عزيزي النفس، يطلب ما يسميه “تعويضاً”.
لايهم ما ينتج عن العملية الجراحية من مخاطر جسدية، بل الأهم بالنسبة لهؤلاء المبلغ المادي الذي يحصلون عليه والكفيل بأن ينسيهم الكابوس الأسود الذي خيم على أيامهم نتيجة سوء المعيشة والغلاء الفاحش للمواد الغذائية والاستهلاكية. لكن السؤال ماذا يفعل مازن وأبو عرب وغيرهما بعد نفاذ المال والعملة الآخذة بالانهيار يوماً تلو آخر؟.
خصية للبيع
رغم أن بيع الكلية والقرنية هو الشائع بشكل أكبر في سوق بيع الأعضاء بسوريا، فإن لبيع الخصية نصيب من هذه التجارة، يخضع الأمر للعرض والطلب، في محاكاة للسوق الاقتصادي العام، الرجال وحدهم هم المستهدفون هنا، وحتى وإن لم يكن لها “زبائن” في سوريا فالعرض قائم في دول مجاورة.
“أنا جاهز للتبرع بخصيتي مقابل مبلغ مادي وأنا في سوريا”. كتب شخص اسمه أبو ثائر هذا التعليق على منشور في صفحة عراقية تبحث عن رواد لبيع الأعضاء في الدول القريبة، وبالمثل قام عبود عبود بالتعليق على المنشور ذاته معلناً جهوزيته الكاملة لبيع خصيته مرفقاً مكان إقامته ورقم هاتفه، كتب: “بدي اتبرع بالخصية وأموري تمام ومتزوج وعندي عيال وأنا من سوريا دمشق”. هل يبدو الأمر جنوناً؟ مغامرة؟ مجازفة؟ كل هذا يصلح لتسمية ما كتبه عبود على العلن، ولكنّها الحاجة، وهل ثمة ما يقهر الرجال أكثر من الحاجة والعجز أمام أولاده.
لا تقتصر مناشدات بيع الرجال للخصية في الصفحات المخصصة لبيع الأعضاء على “فيسبوك” بل تتعدى ذلك للنشر علانيةً في صفحات مخصصة لبيع الأثاث المنزلي والكهربائيات وحتى بيع وشراء الموبايلات. أمر غريب حقاً، ولكن مجدداً هي الحاجة مشفوعة بجهل القوانين.
الفقر في البلاد يجرد الرجولة من مضمونها الجسدي، الحصول على المال بأية طريقة وحده يجسد مقولة الرجال بأفعالها، أن يخسر الشخص عضواً من الجسد ليبقي على شيء من كرامته بسبب قلة موارد الكسب وفرص العمل واستبداد تجار الأزمة بالشعب وقوتهم، وتغافل الرؤية الاستثمارية عن انتشال المساكين من كابوسهم المظلم.
في الطب
“سهى” اسم مستعار لطبيبة جرّاحة تحدثت إلى “صالون سوريا”. الطبيبة لم ترغب الكشف عن اسمها لئلا تطالها المساءلة القانونية أو الطبية العامة عن هويات أشخاص بعينهم، ترى أنّ الوازع الأخلاقي والأمانة الطبية تقتضي صون تلك الأسرار، تحدثت سهى عن تجربتها في هذا النوع المشبوه من الإتجار بالأعضاء، وكشفت أنها عاينت عدة حالات ممن باعوا أعضاءهم وخضعوا لعمليات جراحية ضمن ظروف غير صحية، لكنهم بعد ذلك أخذوا يعانون من مضاعفات كثيرة لازالوا لحد الآن يتلقون علاجاً لها.
سئلت عن مسؤولية الطبيب في إجراء هذا النوع من العمليات ونقل الأعضاء البشرية، أجابت بأنّ الأهم بالنسبة للطبيب هو الحصول على موافقة اللجنة الطبية لإجراء العملية بدافع إنساني، ولايخفى على أحد أن هذا النوع من العمليات يتضمن صفقة مالية كبيرة بين البائع والمشتري!، وأصبحت تلك العلاقة الوطيدة هي التي تؤمن سبل العيش الكريم للفقير وتاجر البيع بالأعضاء على حد سواء، وكل ذلك في مغافلة للقانونين الإنساني الطبي والجنائي.
في القانون
يعاقب القانون السوري جريمة الاتجار بالأعضاء البشرية بحسب مرسوم مكافحة جرائم الإتجار بالأشخاص رقم 3 لعام 2010، وتم تحديد العقوبة لمن يقدم على بيع عضو من جسمه ضمن شبكة أو خليه تعمل في هذا الأمر، وفق المادة 10 من المرسوم، بـ “يعاقب بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات، وبالغرافمة من مئة ألف إلى مئتي ألف ليرة سورية، كل من انضم إلى جماعة إجرامية هدفها، أو من بين أهدافها، ارتكاب جرائم الإتجار بالأشخاص، مع علمه بأغراضها”.
رئيس قسم الطب الشرعي في جامعة دمشق الدكتور حسين نوفل كشف أن هناك عصابات طبية تتعامل مع عصابات عربية ودولية للمتاجرة بالأعضاء وخاصة بقرنية العين، و هناك آلاف الحالات خاصة في بعض المناطق الحدودية وفي مراكز اللجوء.
مضيفاً أن هذا الكشف لا يعكس إلا قمة جبل الجليد لتلك الجريمة المنظمة وشبكتها العنكبوتية وأعمالها التي لا تقتصر في حدود بلد واحد وتطال سرقة الأطفال الرضع من عائلاتهم ضحايا الحرب.
على اتجاهين
كثيرة هي الطرق التي تهدف لاجتذاب الزبائن – بائعي الأعضاء البشرية – ومن وسائل التواصل الاجتماعي إلى الإعلانات المنتشرة في شوارع دمشق وتلك القريبة من المستشفيات والصيدليات، غالبية الإعلانات تعنون الضرورة الإنسانية لإيجاد متبرعين من زمر دم مختلفة أو كلية أو قرنية مع مكافأة مادية، وهذا يؤخذ باتجاهين، حاجة إنسانية في حالات معينة، وحالة مغافلة للقانون في مكان آخر وحالات أخرى، والأكيد أنها تخفي في طياتها كواليس سلسلة صفقات كبيرة لتجارة الأعضاء، الفقر أم الحاجة، والحاجة لمن يدفع المال ويبقي على حياة شخصين حالفهم الحظ ولم يكونوا ضحايا قذائف الحرب التي أزهقت أرواح الألاف بدون أن يدفع لهم أحد!