بواسطة ابراهيم حميدي | ديسمبر 29, 2021 | العربية, غير مصنف
خمسة عناصر مفتاحية خيّمت بظلِّها على سوريا وأهلها، حيثما كانوا، في السنة المنصرمة. جميع الخيوط، ليست بذات الأهمية، لكنّ تشابكها ومآلاتها ستترك أثراً في مستقبل البلاد والعباد خلال السنة المقبلة أو السنوات اللاحقة، كما أنها ستترك آثارها في قرارات «اللاعبين» الخارجيين والجيوش الخمسة (روسيا، وإيران، وتركيا، وأميركا، وإسرائيل) والتأرجح بين التسويات والصدامات على أرض الشام.
«دويلات» ودولة
للسنة الثانية، بقيت خطوط التماس ثابتة في الدولة السورية بين مناطق النفوذ الثلاث أو «الدويلات السورية»: واحدة تحت سيطرة الحكومة بدعم روسي وإيراني، وتشكّل تقريباً ثلثي مساحة سوريا البالغة إجمالاً 185 ألف كلم مربع، وسط البلاد وغربها وجنوبها، كانت قبل سنوات تسمى «سوريا المفيدة»، إلى أن تم اكتشاف أن سوريا المفيدة حقاً تقع في الضفة الأخرى من نهر الفرات، وهي تشكل المنطقة الثانية من حيث الثروات والمكونات والجيوسياسيات التي تختزن معظمها، وتمثل من حيث الجغرافيا أقل من ربع مساحة البلاد، وتقع هذه المنطقة تحت سيطرة التحالف الدولي بقيادة أميركا وحلفائها في «قوات سوريا الديمقراطية» الكردية – العربية، وتقع عموماً شرق نهر الفرات، مع جيبين في منبح بريف حلب شمالاً وفي التنف جنوب شرقي البلاد، قرب حدود الأردن والعراق.
في اللعبة الكبرى، يقع «الجيب الكبير» في زاوية الحدود السورية – التركية – العراقية. ولهذا معنى كبير. يضاف إليه جيب جيوسياسي آخر، يقع في الزاوية السورية – العراقية – الأردنية، في قاعدة التنف. يضاف إليه عنصر آخر، وهو أن هذه القاعدة هي «العين الساهرة»، التي تستفيد من طاقاتها إسرائيل في الإطلالة استخباراتياً على سوريا والعراق… و«معاقل إيران».
أما منطقة النفوذ الثالثة فهي تقع تحت سيطرة فصائل سورية أو «مهاجِرة» مختلفة، مدعومة بدرجات متفاوتة من الجيش التركي، وتضم ثلاثة جيوب: واحد بين رأس العين وتل أبيض شرق الفرات، وثانٍ في عفرين وجرابلس والباب بريف حلب شمال سوريا، والثالث في إدلب وأقسام من أرياف حماة واللاذقية وحلب، في شمال غربي البلاد.
وتشكل هذه الجيوب نحو عشرين ألف كيلومتر، أي ضِعف مساحة لبنان. وتضم بشرياً نحو 3.5 مليون شخص، يضاف إليهم عدد مماثل يقيمون لاجئين في تركيا، التي «تحتضن» أكبر عدد من المقترعين السوريين في حال أُتيحت لهم ذات يوم فرصة الاقتراع. إنهم حقاً «خزان بشري».
ومع لمسة مبالغة، يذكّر واقع «الدويلات الثلاث» تحت المظلة الروسية منذ 2015 بـ«دويلات سوريا» خلال فترة الانتداب الفرنسي في العقود الأولى من القرن الماضي، إذ منذ الاتفاق بين الرئيسين الروس فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب إردوغان في موسكو في 5 مارس (آذار) من عام 2020 لم يطرأ تغيير كبير على هذه الخطوط بين «الدويلات». وقد سعت دمشق، بل وعد موالون للسلطات، بشن حملة عسكرية للتقدم نحو إدلب، لكن الجانب الروسي كان ينصح ثم يردع هذه الرغبات، التزاماً بتفاهماته مع تركيا. وهي التزامات مرتبطة بلعبة أكبر بين بوتين وإردوغان تخص ليبيا وناغورنو قره باغ وأوكرانيا ومصير «حلف شمال الأطلسي»، وصفقات اقتصادية وعسكرية وجيوسياسية بين أنقرة وموسكو. في ظرف كهذا، مسكينة دمشق وإدلب عندما ترتميان على طاولة «القيصر» بوتين و«السلطان» إردوغان.
الجروح ليست أقل عمقاً عندما تشرَّح الخريطة السورية على طاولة البيت الأبيض والكرملين. إذ تعززت خطوط التماس في السنة الماضية لدى تسلم الرئيس جو بايدن الحكم، والانسحاب الكارثي من أفغانستان، حيث اتخذت واشنطن قراراً بعدم الانسحاب العسكري من شمال شرقي سوريا، وأبلغت ذلك إلى الروس وحلفائها الأكراد السوريين، بحيث بدا أن الوجود العسكري الأميركي باقٍ على حاله، على الأقل إلى نهاية ولاية بايدن بعد ثلاث سنوات.
هذا الثبات الأميركي، لم يعد رهن تغريدة من «المغرد الكبير» دونالد ترمب، إذ يعود ثبات الخطوط أيضاً إلى تفاهمات عسكرية روسية – أميركية تضبط العمليات بين الجيشين منذ منتصف 2017، وجرى تأكيدها في نهاية 2019 بعد الانسحاب الجزئي الأميركي بقرار أو تغريدة من ترمب، ودخول قوات روسية وسورية وتركية إلى منطقة النفوذ الأميركية.
أمام الثبات في الخطوط، فقد حصل تغيير وحيد في جنوب غربي سوريا، إذ إن الجانب الروسي قاد أو فرض عملية مصالحات، تضمنت «انقلاباً» على تفاهمات سابقة أميركية – أردنية – روسية في منتصف 2018، وقضت وقتذاك بعودة قوات الحكومة مقابل خروج إيران وتخلي المعارضة عن السلاح الثقيل. التسويات الجديدة قضت بتخلي المقاتلين المعارضين عن جميع أنواع السلاح، بما فيه الشخصي، وعودة كاملة لدمشق إلى درعا «مهد الثورة» التي انطلقت في ربيع 2011، ذاك الربيع الذي لا يحبه بوتين، واكتوى بنيرانه في دول الكتلة الشرقية قبل عقود.
قَبِلت قوى إقليمية، تقدم العربات الروسية إلى جنوب سوريا، على أمل، أو رهان، بأن يؤدي ذلك إلى إبعاد إيران عن حدود الأردن وخط فصل الاشتباك في الجولان مع إسرائيل. لم لا، ما دام أنه ليست هناك ضمانة أخرى لـ«حماية أمن الحلفاء» جنوب سوريا، غير الجرأة الروسية؟
غارات إسرائيل
هذه «الجرأة» بدت في الغطاء الذي قدمه بوتين لإسرائيل في ملاحقة إيران عسكرياً في سوريا. فعلاً، شيء لافت أن يسمح بوتين لإسرائيل بقصف مكثف للإيرانيين، حلفائه في سوريا وغيرها.
في العام المنصرم، حصلت في سوريا بعض المناوشات هنا أو هناك. فقبل قمة الرئيسين بوتين وإردوغان في نهاية سبتمبر (أيلول) الماضي، قامت طائرات روسية بقصف فصائل محسوبة على تركيا في ريفي إدلب وحلب، كما استمر القصف المدفعي عبر «الجبهات»، لكن لم يحصل تغيير جوهري على مكان الخطوط.
التغيير الوحيد، أو ربما الثابت الوحيد عسكرياً، هو استمرار القصف الإسرائيلي في جنوب سوريا وشمالها وشرقها ووسطها وغربها. قد يكون هذا بين الأمور القليلة التي تحظى بدعم الكرملين والبيت الأبيض: أمن إسرائيل. استمرت الغارات الإسرائيلية على «مواقع إيرانية» امتداداً لـ«حرب الظل» الإيرانية – الإسرائيلية في البر والبحر والجو في منطقة الشرق الأوسط. ومنذ تدخل روسيا في سوريا نهاية 2015، حصل رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو، على «حرية الحركة ضد إيران في سوريا» من الرئيس فلاديمير بوتين. ورغم حصول بعض التوترات، لكن قاعدة حميميم بقيت ملتزمة بعدم الرد وعدم تشغيل منظومات الصواريخ المتطورة من «إس 400» و«إس 300» ضد الطائرات الإسرائيلية لدى استهدافها «مواقع لـ(حزب الله) في الجولان، وقواعد عسكرية إيرانية، ومصانع أو مخازن صواريخ باليستية».
خضعت هذه التفاهمات لاختبار لدى تسلم نفتالي بنيت موقعه رئيساً للوزراء في يونيو (حزيران) الماضي. وبالفعل، سعت روسيا إلى «تقييد» حركته في سوريا، إلى أن التقى الرئيس بوتين في سوتشي في 22 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وقبل اللقاء، استهدفت مسيرات إيرانية قاعدة التنف الأميركية جنوب شرقي سوريا، «رداً» على قصف إسرائيل قاعدة إيرانية في ريف حمص، ضمن مساعي طهران للضغط على موسكو قبل لقاء بنيت – بوتين. لكنّ هذا اللقاء استمر لخمس ساعات، وكان «حاراً وسرياً ودافئاً»، وعاد رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد إلى تل أبيب بـ«أفضل مما كان في جعبة نتنياهو». جرى تفعيل آلية التنسيق العسكرية بين قاعدة حميميم وتل أبيب، وصعّدت إسرائيل من غاراتها في سوريا، بل إنها استخدمت صواريخ أرض – أرض لقصف ريف دمشق في أكتوبر، ثم قصفت للمرة الأولى ميناء اللاذقية على البحر المتوسط.
وقبل أن يطوي العام أيامه الأخيرة، كشفت مصادر إسرائيلية عن استهداف عشرات الأهداف لـ«حزب الله» في جنوب سوريا خلال السنوات الثلاث الماضية من دون رد إيراني أو من «حزب الله». وكان آخرها أمس، عندما استهدفت إسرائيل مطار اللاذقية على بُعد عشرين كيلومتراً من قاعدة حميميم الروسية، وذلك للمرة الثانية في أقل من شهر.
المساعدات الإنسانية
منذ وصول بايدن إلى الحكم، تراجعت أولوية الملف السوري في أجندته، بشكل أكبر من تراجع ملفات الشرق الأوسط الأخرى. واكتفت الإدارة الأميركية بتحديد ثلاثة أهداف: تقديم مساعدات إنسانية إلى كل السوريين، ومنع عودة «داعش»، والحفاظ على وقف النار وثبات خطوط التماس.
وضمن الصورة الأوسع ثنائياً ودولياً، أبلغ بايدن بوتين لدى لقائهما في جنيف في يونيو الماضي، أن تمديد قرار مجلس الأمن للمساعدات الإنسانية «عبر الحدود» قبل انتهاء ولاية القرار في يوليو (تموز)، هو «الاختبار» لإمكانية التعاون حول ملفات أخرى تخص سوريا. وبالفعل، اتفق مبعوثو الرئيسين خلال لقاء سري في جنيف بداية يوليو على مسودة قرار جديد، تضمن مقايضة: روسيا توافق على تمديد قرار المساعدات «عبر الحدود»، مقابل موافقة أميركا على تقديم المساعدات «عبر خطوط التماس» وعبر دمشق، إضافةً إلى تمويل مشاريع «التعافي المبكر». الهدف الروسي من هذين البندين: توسيع الاعتراف بسلطة دمشق والالتفاف على «الخط الأحمر» الأميركي – الغربي – العربي بـ«عدم تمويل مشاريع الإعمار قبل تحقيق تقدم لا رجعة عنه في العملية السياسية وفق القرار 2254».
عُقد لاحقاً لقاءان آخران بين الروس والأميركيين في جنيف، لبحث تمديد القرار لستة أشهر أخرى في بداية العام المقبل وتوسيع المساعدات «عبر الخطوط» و«التعافي المبكر»، إضافة إلى تساهل واشنطن بتقديم استثناءات من العقوبات لدعم المشاريع الإنسانية ومواجهة «كورونا».
وبقي الملف الإنساني رئيسياً في جدول المحادثات من دون العبور إلى قضايا سياسية أعمق وأكبر، حتى إن المبعوث الأممي غير بيدرسن نجح بالكاد في عقد اجتماعات بسيطة للجنة الدستورية. لكنّ موقف إدارة بايدن هذا، وعدم اهتمامها بالملف السياسي، فتحا المجال للعنصر الرابع الأساسي في سوريا، الذي يتعلق بالتطبيع مع دمشق، خصوصاً في ضوء إلحاح وإصرار الجانب الروسي على العرب لإعادة دمشق إلى «الحضن العربي»، والاعتراف بـ«الأمر الواقع» وإعادة «الشرعية إلى الحكومة الشرعية»، وضخ الأموال لإعمار سوريا، و«عدم تكرار التجارب الغربية الفاشلة في تغيير الأنظمة في العراق وليبيا وغيرها».
التطبيع العربي
منذ نهاية 2011 اتخذ مجلس الجامعة العربية قراراً بـ«تجميد» عضوية سوريا فيه. وبقي الوضع على حاله سنوات، بل إن ممثلي «الائتلاف الوطني السوري» المعارض حضروا مؤتمرات للقمة العربية، وحظي باعتراف دول واسعة في الجمعية للعامة للأمم المتحدةـ. لكن الحكومة بقيت ممثلة في مؤسسات الأمم المتحدة، لأن مجلس الأمن لم يتخذ قراراً بتجميد العضوية.
ومع تغير الظروف في سوريا وتدخل إيران وتركيا وتغيير ظروف الإقليم والعالم خلال عقد، بدأت بعض الدول تدريجاً بإعادة فتح أبواب مع دمشق، حيث عادت سفارة الإمارات والبحرين للعمل جزئياً في نهاية 2018، وجرت زيارات أو اتصالات أمنية وسياسية، علنية وسرية، من مسؤولين عرب مع الحكومة السورية. لكن لم يكن هناك إجماع على عودتها إلى الجامعة وحضور القمم العربية.
ومع تسلم إدارة بايدن وغياب الدور القيادي الأميركي في الملف السوري وتخليها بوضوح عن سياسة «الضغط الأقصى» التي اتّبعتها إدارة دونالد ترمب ضد دمشق وطهران، ومع «تغييرات في الواقع»، إضافةً إلى إعلان إدارة بايدن بوضوح القطيعة مع مبدأ «بناء الأمم» و«تغيير الأنظمة» بعد فشل تجربة أفغانستان عقب عقدين، والعراق وليبيا بعد سنوات، مضت دول عربية بخطوات انفرادية أوسع نحو التطبيع، حيث تلقى العاهل الأردني الملك عبد الله في بداية أكتوبر اتصالاً من الأسد، الذي استقبل في نوفمبر (تشرين الثاني) وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد. وهاتان الخطوتان كانتا الأبرز في مجال التطبيع العربي منذ 2011، وإن كانت سبقتهما خطوات أخرى، تضمنت اتصالات من قادة عرب بالأسد بعد الانتخابات الرئاسية التي جرت في مايو (أيار) ولدى أداء القسم في يوليو.
لكن، بعد مرور أشهر على تلك الخطوات، لوحظ جمود في مسار التطبيع العربي، وانخفض سقف التوقعات باحتمال حضور سوريا القمة العربية المقررة في الجزائر نهاية مارس المقبل. وقيل إن السبب هو أن دمشق لم تقم بتقديم تنازلات للدول العربية فيما يتعلق بالعملية السياسية الداخلية، أو «خروجها من الأجندة الإيرانية»، أو محاربة تهريب المخدرات وتفكيك شبكاتها، أو محاربة الإرهاب وتبادل معلومات عنه.
وعليه، تلاشت آمال سوريين في تحسين الأوضاع الاقتصادية. وهذا هو العنصر الخامس البارز في سوريا في 2021.
أزمة وهجرة
مشهد السوريين يركبون «قوارب الموت» للهروب من الحرب عبر البحار إلى أوروبا، كان صادماً في 2015، وساد اعتقاد أنه انتهى، خصوصاً مع ثبات «خطوط التماس» وبعض الإشارات التطبيعية العربية والتغيير في مواقف دول غربية وعربية. لكن الأسابيع الأخيرة قدمت صورة مختلفة، حيث وصل السوريون إلى حدود بيلاروسيا مع بولندا «هرباً من الجحيم» في سوريا للوصول إلى «الحلم الأوروبي». كما تناقلت وسائل تواصل اجتماعي صور سوريين بالآلاف أمام مؤسسات الهجرة للحصول على جوازات سفر.
المحرك الرئيسي لموسم الهجرة في 2015 كان الحرب والأمان. والدافع الأساسي للموسم الجديد من الهجرة كان اقتصادياً، وغياب الأمل لدى فئة واسعة من السوريين، خصوصاً في منطقة سيطرة الحكومة. وظهر انطباع بأن «النصر العسكري» لم يُترجم إلى ملاءة اقتصادية ومكاسب معيشية وأخرى تتعلق بالأمان والعيش اليومي.
كان الرهان على رفع العقوبات بعد التطبيع العربي، وعودة الكهرباء والنور إلى دمشق وأخواتها، بعد إشارات وخطوات التطبيع وبيانات الدعم وإشارات الصمت ودعم إدارة بايدن لموافقة مصر على مد «أنبوب الغاز العربي» إلى سوريا ولبنان عبر الأردن. لكن سيف عقوبات «قانون قيصر» بقي مسلطاً ومتحالفاً مع شبكات الفساد في سوريا والترهل الإداري وغياب الخبراء، فبقيت دمشق في الظلمة، يعاني أهلها الفقر والجوع، أو يبحثون عن حلم وراء الحدود، وبقي أهلها وشبابها يطاردون الأحلام والأنوار في جغرافيا وضفاف أخرى.
مآلات وأسئلة
لا شك أن عام 2021 كان محطة في الصراع السوري بعد عِقد على اندلاعه، فتح عيون السوريين. فثبات خطوط التماس لم يُنهِ المعاناة، بل إن المعاناة عنوان يجمع السوريين حيثما كانوا، داخلاً أم خارجاً. فمن هو في الداخل يريد الهجرة، والمهاجر يريد توفير ظروف العودة. وعليه، سيكون العام المقبل محطة أساسية أخرى لفحص هذه التطورات التي تبلورت في السنة المنصرمة، والحصول على إجابات لأسئلة رئيسية: هل تبقى خطوط التماس ثابتة؟ وإلى متى؟ وهل مصير سوريا التقسيم أم اللامركزية أم العودة إلى «السيادة الكاملة»؟ هل ينعكس أي توتر في أوكرانيا على التفاهمات الأميركية – الروسية شرق الفرات من جهة، أو الترتيبات الروسية – التركية في إدلب من جهة أخرى، ويغيِّر حجم وحدود «الدويلات»؟ هل يبقى الضوء الروسي أخضر أمام إسرائيل في ملاحقة إيران في سوريا؟ وكيف سينعكس مصير مفاوضات الملف النووي الإيراني، اتفاقاً أم انهياراً في سوريا؟ هل تبقى «حرب الظل» الإسرائيلية – الإيرانية مضبوطة أم تفلت من أيدي «الساحر» بوتين؟ ما مصير التطبيع العربي وحدوده وبرنامجه الزمني؟ وهل تحضر سوريا القمة العربية في الجزائر؟ وكيف سيكون مسار التطبيع العربي وموقف واشنطن منه في حال فاز الجمهوريون بالانتخابات النصفية المقبلة؟ وأين سوريا في الحوار الروسي – الأميركي؟ هل ينجح المبعوث الأممي في مقاربة «خطوة مقابل خطوة» وتشكيل «مجموعة اتصال جديدة»؟ بين هذا وذاك، أين سيكون السوريون؟ هل يعود الموجودون في الخارج أم يغادرون «الكابوس»؟ أم بالفعل، يسمع الخارج نصيحة أهل الداخل، عندما قالوا: «لاتعودوا، نحن نريد الخروج من الجحيم»؟
* نقلا عن صحيفة “الشرق الأوسط”
بواسطة فراس كرم | ديسمبر 29, 2021 | العربية, مقالات
تنافست المدن السورية على صناعة العديد من أصناف الحلويات، على مر عقود طويلة. لكل مدينة أو منطقة سورية، قصة نجاح وإتقان بصناعة نوعاً محدداً من الحلويات الشعبية. لكن شهرة مدينة أريحا في ادلب احتلت مركزاً نافس الجميع، بصناعتها وإتقانها لـ “الشعيبيات” ذات الطعم والمذاق المميز، منذ أكثر من مئتي عام، حتى أصبحت موروثاً شعبياً ميز هذه المدينة وأكسبها شهرة على إمتداد سوريا حتى أطلق عليها “شعيبيات أريحا”.
زار “صالون سوريا” مدينة أريحا 15 كيلو متر جنوب إدلب، بين مساحات من أشجار الكرز والمحلب، على سفوح جبل الأربعين ( 900 متر عن سطح البحر) وعلى الطريق الدولي الواصل بين حلب واللاذقية، وكان أكثر ما لفت الإنتباه، كثرة محالها التجارية لصناعة وبيع “الشعيبيات” في مدخلها وشوارعها الرئيسية، وتوافد الزبائن من أبناء المنطقة، وآخرون من مناطق بعيدة صادف مرورهم في مدينة أريحا دفعهم شهرة مذاق شعيبياتها لتناولها، وحملها لأسرهم وأقاربهم وأصدقائهم.
في محل لبيع وصناعة الشعيبات يقف ثلاثة من أبناء “العم أبو أحمد” إلى جانب طاولة مسطحة مصنوعة من الرخام، يعملون بجد ونشاط في صناعة الشعيبيات. عبر عدة مراحل تبدأ بالمكونات الأساسية، اي العجن والتمسيد والتوريق وحشوها بمنتجات من مشتقات حليب الأغنام والأبقار، ووضعها بعد ذلك داخل الفرن مدة 25 دقيقة، وإخراجها وإضافة القطر لتصبح بذلك شعيبية ذات مذاق ونكهة خاصة تفدرت بصناعتها مدينة أريحا عن باقي المناطق السورية.
اسباب تميزها
وعن سر نجاح وشهرة شعيبيات أريحا، قال “أبو أحمد” : “لقد ورثنا هذه المهنة وإتقانها عن آبائنا وأجدادنا منذ عشرات السنين، وإن ما أكسب شهرة مدينة أريحا وسر نجاحها في صناعة هذا النوع من الحلويات (الشعيبيات)، يأتي من الإهتمام والإتقان بطريقة صناعتها، بدءاً من طريقة التحضير مروراً بالمكونات والإضافات الطبيعية، وصولاً إلى وضعها داخل الفرن وشواؤها وإخراجها بعد 25 دقيقة تقريباً وسكب (القطر) عليها، لتكون بعد ذلك جاهزة للأكل”.
ويضيف، “تمر صناعة الشعيبية بعدة مراحل، وأولها العجين المكون من الدقيق من القمح القاسي الجيد والماء وقليلاً من الملح، ثم عجنه داخل عجانة آلية صغيرة، ثم تقطيعه لقطع وزن الواحدة منها كيلو غرام تقريباً، ثم بعدها تأتي مرحلة التقطيع إلى قطع صغيرة والرق اليدوي وبعد ذلك مرحلة التوريق وهي أهم مرحلة في هذه الصناعة حيث نقوم بشد قطعة العجين ولفها على شكل طبقات ودهنها بالسمنة، ثم لفها مجدداً على شكل قطع دائرية صغيرة بشكل طولاني وحشوها بحشوة غالباً ما تكون من منتج حيواني (اللباء أو القشطة أو القريشة)، أو حشوها بمنتج نباتي (ثمار الجوز أو الفستق الحلبي)، في صينية بعدد 40 قطعة تقريباً، وإدخالها الفرن بين 25 إلى 30 دقيقة، ليتم شواؤها وإخراجها، وسكب القطر المصنوع من السكر والماء عليها، لتصبح بعدها (شعيبية ريحاوية) جاهزة للبيع والأكل”. وتابع: “بالرغم من قلة المكونات التي تكسب الشعيبية الريحاوية مذاقها الفريد كالسمن العربي والمشتقات الحيوانية الاخرى، وغلاء أسعارها، إلا أننا ما زلنا نحافظ على صناعة الشعيبيات بذات المواصفات التي اعتاد عليها الزبون منذ عشرات السنين، ونبيع يومياً ما بين 250 إلى 300 شعيبية لزبائننا غير مهتمين لأسعارها التي وصلت فيها سعر الشعيبية 8 ليرات تركية أو ما يعادل نصف دولار أميركي”.
لكل الاوقات
من جهته، قال أبو أحمد وتد أحد أبناء مدينة أريحا، إن “الشعيبيات بالنسبة لأهالي مدينة أريحا والمناطق المجاورة لها، تعتبر بمثابة أكلة مناسبة لجميع الأوقات والمناسبات وليست كغيرها من الحلويات المقترنة بالمناسبات، ويأكلها الكبير والصغير والعامل أثناء توجهه صباحاً إلى العمل بدلاً من الإفطار في المنزل، وأيضاً تعتبر أكلة مميزة لدى زوار المدينة والمسافرين، إضافة إلى حضورها في الأفراح والمناسبات الجميلة”.
ويضيف، “إن كل من آل حلوم وآل البيك وعوائل آخرى كانت هي الأشهر في مدينة أريحا بصناعة الشعيبات ذات المذاق اللذيذ والطيب، ووصل الحال بأبنائها إلى نقل هذه الصناعة إلى مدن ومناطق أخرى في محافظة إدلب كمدينة الدانا وسرمدا ومعرة مصرين وبنش وجسر الشغور، وآخرون افتتحوا محال لصناعة هذا النوع من الحلويات في دول اللجوء مثل تركيا ولبنان والأردن، ضمن محال تجارية كتب على أبوابها (شعيبيات أريحا)، لتصبح بذلك شهرة شعيبيات أريحا على نطاق دولي وليس محلي فقط”.
“أبو حسن” سائق شاحنة لنقل البضائع من ريف حلب، قال : “تجولت وتنقلت بين مختلف المحافظات السورية لطبيعة عملي كسائق سيارة شحن بضائع لسنوات طويلة، وتناولت من مختلف أنواع الحلويات في كثير من المناطق والمحافظات السورية، إلا أنني لم أتذوق أو أجد ألذ من (شعيبيات أريحا)، وفي كل مرة يصادف مروري بمدينة أريحا، أقف وأتناول الشعيبيات وأشتري عدداً منها لأسرتي وأقربائي وأصدقائي، حرصاً عليهم من خيبة أمل قد تطالهم حين يعلمون أنني مررت بمدينة أريحا ولم أجلب لهم الشعيبيات التي تعودوا عليها ومذاقها اللذيذ”.
وعن تاريخها، قال أبو مصطفى صاحب محل لصناعة الشعيبيات في مدينة أريحا: “هناك من يقول أن إنطلاق صناعة الشعيبيات في مدينة أريحا بدء قبل نحو 200 عام تقريباً، وكانت تصنع في البيوت وعلى التنور أو الموقدة والفحم الطبيعي، وكانت تسمى حينها بحسب الأجداد بالأكلة (الشعبية) ولم تكن الشعيبية على هذا الشكل، بل كانت تصنع من دقيق قمح سادة، وتعجن بالزبدة البلدية وكانت حشوتها قشطة عربية أو لباء ويجري تحليتها أنذاك بالعسل الطبيعي لعدم توفر السكر وإنتاج القطر حينها”.
ويضيف، أنه ” مع مرور الوقت والزمن تطورت صناعة الشعيبيات مع توفر المكونات وأفران الغاز، وباتت صناعة تعتبر مورداً إقتصادياً لعدد كبير من أبناء مدينة أريحا، فمنهم صاحب العمل والعمال ومنتجي المكونات الأساسية (إنتاج السمنة العربية والقشطة واللباء والقريشة)، التي تدخل في صناعة الشعيبية”.
بواسطة يمامه واكد | ديسمبر 28, 2021 | العربية, مقالات
“حتى الفلافل والفول خذلونا، وارتفاع الأسعار دبحنا، والتجار تبرر بسعر الدولار، تخيل الخس اللي بينحط ع سندويشة الفلافل صار سعرو مرتبط ببورصة الدولار!” يتنهد أبو عادل ( 40 عاماً) وهو يقف أمام محل لبيع الفول والحمص بمدينة جرمانا أكثر مدن ريف دمشق اكتظاظاً بالسكان، يشوح بعينيه بين المارة راثياً حال ما آلت إليه الأكلة الشعبية الأشهر أو اصطلاحاً أكلة الفقراء والتي للأسف لم تعد كذلك، في بلد فاخر وفاخر هو وجاره اللبناني بأنّهم صنّاع هذه الأكلات وأصلها وسببها ومصدرها، يقول ” منين بدنا نجيب مصاري وأكل، كنا نشتهي اللحمة، وهلأ صرنا نشتهي الفول والفلافل، ما بقي في شي ناكله، ال هم شبعنا، قلبنا من الحامض لاوي”.
أبو عادل يعمل موظفاً في مؤسسة حكومية يشرح لـ “صالون سوري” كيف بدأت أسعار المواد الغذائية والفواكه والخضروات بالارتفاع حتى لم يعد بمقدوره وأمثاله من الموظفين الحكوميين القدرة على تحمل تكاليف المعيشة بالنسبة لتأمين الغذاء له وأسرته، وكلمة أمثاله لا تعود فقط –كما اتضح- على الموظفين، بل تعود على شعب بأسره، إلا من رحم ربه وصار أميراً في حرب مزقت البلاد والعباد.
2010-2022
“مافي أمل. بتزيد الرواتب من هون، وبتزيد الأسعار بعدا، والكل عم يركض وما عم يلحق، القصة ما بدها علم، صارت واضحة للجاهل والمتعلم، الزيادة مندفعها من جيوبنا سلفاً”، يعلق الموظف شفيق خير على زيادة الرواتب التي أقرتها الحكومة مؤخرا بمقدار 30 بالمئة، لكن يبدو أنه غير متفائل أبدا بهذه الزيادة التي يتوقع منها حملاً إضافياً بارتفاع تكاليف المعيشة والمواد الغذائية، وبالتالي زيادة البؤس الحياتي لأصحاب الدخل المحدود، بات هؤلاء يتشابهون بكل تفاصيل المعاناة وثقل الأيام وعدم انتظار القادم الموعود مع شريحة الفقراء وهي الأعظم في البلاد، ولعل القادم المشرق الذي تعد به الحكومة بتحسين ظروف المعيشة للمواطنين يدور في مخيلتها فقط دون النظر لأحوال الناس والأرواح المتعبة والمتهالكة، الأمر واضح بالشارع، يضيف شفيق: “انظر نسبة التسول والتشرد في الشوارع، متى كانت سوريا هكذا، هل يصدق عاقل أن نسبة الجهل والأمية وصلت حدود صفر بالمئة عام 2010، كيف سنروي لأطفالنا هذه السيرة، سيفكروننا مجانين، وهم الذين تربوا على الفقر والحاجة والحلم بصحن الفول والحمص والفلافل، ونحن على أبواب عام 2022”.
القصة برمزيتها
“الله يرحم يوم الجمعة، فرقتنا الحرب وما عاد في طعم لأي شي”. تتحسر أم إياد (65 عاماً) على أيامها ما قبل الحرب حينما كانت تجمع هي وزوجها كل يوم جمعة أولادها وأحفادها بطقس شهير لدى كل السوريين. العائلات كانت تلتف حول بعضها البعض على مائدة إفطار واحدة، والطبق الرئيسي فيها أكلة الفول والفلافل والمسبحة”. تكمل لـ “صالون سوري”: ” كنت أتمنى لو أن أكلة الفول التي كنت أجمع أولادي وأحفادي عليها في يوم العطلة ستبقى تجمعني معهم إلى اليوم، راحت أكلة الفول وراحت ذكرياتها معها، متل ما راح كل شي حلو وأخدت هالحرب معها زوجي وولادي التنين”.
أم إياد التي نزحت من داريا قبل ثمانية أعوام جراء الحرب ودمار منزلها، كانت ككل الأمهات همها الوحيد في الدنيا إسعاد عائلتها و الدعاء لأولادها وزوجها بالرزق والصحة والهناء، اليوم بقي لها الدعاء لحسن ختام حياتها. هكذا تقول، تعيش منتظرة مساعدة أهل الخير لها لإعانتها على مرارة العيش وضيق الحال بعدما توفي زوجها وولديها.
الحرب فرقت وشردت الكثير من العائلات، وأكلة الفول لا تزال عالقة في أذهان من بقي حياً في هذه البلاد، لا طعم لها بعد اليوم عندما كان لها النصيب الأكبر في المائدة إما بسبب رحيل الأحبة أو بسبب الغلاء وسوء الحال و الفقر والجوع، تعددت الأسباب والمحنة واحدة!، قد يبدو الأمر بسيطاً قياساً بما عاناه السوريون من ويلات في سنوات خلت، ولكن القصة برمزيتها المغرقة بالذكريات، باختصار، طعام الفقراء ما عاد للفقراء.
بمنتهى التقنين
تقف “رولا خير” (19 عاما) طالبة جامعية أمام محل فلافل القريب من سكنها الجامعي وتسخر من الحال التي وصلت إليه أسعار الأطعمة والمأكولات، تقول: “سعر سندويشة الفلافل ألفين ليرة وإذا بدي أكلها كل يومين بدي 30 ألف بالشهر، وطبعاً هادا أرخص شي بالأكل، كيف بده يكفيني المصروف؟”.
رولا حالها كحال الكثيرين من أبناء المزارعين والفلاحين ومعدومي الدخل في سوريا، فإن كان التعليم الجامعي لازال متاحاً لهم، تبقى مصاريف الجامعة والمعيشة والتنقلات والطبابة تثقل كاهلهم وتزيد على أرواحهم غصة الألم والتحسر على أيام الطفولة التي عاشوها مطلع الحرب والقادم من الأيام حيث البطالة والشح وتفاقم سوء الحال، وخير المطالع صار تسليماً على الماضي الذي لن يعود.
نشرة أسعار
بداية شهر تشرين الأول (اكتوبر) الماضي حددت محافظة دمشق نشرة أسعار جديدة للفول والمسبّحة والفلافل والمعجنات، لتصبح سندويشة الفلافل بـ 1200 ليرة سورية، وكيلو المسبحة بـ 4200 ليرة، وكيلو الحمص المسلوق بـ 2400 ليرة سورية، وكيلو الفول المسلوق بـ 2000 ليرة، وصحن المسبحة بالزيت أو صحن الفول بالزيت أو صحن حمص حب بالزيت مع سرفيس وخبز (200 غرام) بـ 1800 ليرة”، وزبدية فتة بالسمن أو فتة بالزيت مع سرفيس 3 أنواع (500 غرام) بـ 2300 ليرة”، ولكن هل من ملتزم، تقول امرأة للتو اشترت من محل فلافل في المزة بأسعار تقارب ضعف التسعيرة الرسمية.
“نحنا نحاول الالتزام بنشرة الأسعار، لكن لا نستطيع دائماً بحكم كل شيء بيرتفع حولنا من أسعار، وطبعا بزيد عليها في كل طلب سعر السرفيس (مخلل) والخبز”. يشرح سامر الحمصاني صاحب محل للفول والفلافل وسط دمشق لـ” صالون سوريا” سبب زيادة الأسعار من قبل البائعين على نشرة الأسعار الأصلية المحددة من قبل محافظة دمشق فتختلف التسعيرة باختلاف طلب الزبون والمرفقات التي يحتويها كل طبق أو سندويشة وبخبز سياحي أو عادي، وطبعاً تنطبق تلك الزيادة على سعر سندويشة الفلافل التي تباع بزيادة قدرها 600 ليرة، تبعاً للمكونات الموجودة ضمن السندويشة كالمخلل والخضار، ولا تقتصر مضاعفة الأسعار تلك على أطباق الفول وسندويشة الفلافل، وتطال أيضاً سعر قرص الفلافل الذي يتراوح سعره في بعض المناطق من 100 إلى 150 ليرة، علماً أن نشرة الأسعار حددت سعر القرص بـ 90 ليرة.
بينما يحرص بعض البائعين على الالتزام بنشرة الأسعار الواردة من محافظة دمشق، لتذهب تلك الالتزامات أدراج الرياح لدى الكثير من أصحاب مطاعم الفول والحمص الذين يبيعون الفول والحمص بأسعار مضاعفة، ويؤكدون أن السبب في ارتفاع أسعار هذه المأكولات الشعبية هو زيادة سعر زيت القلي وارتفاع أسعار الحمص إلى أكثر من 4000 ليرة للكيلو غرام، و سعر كيلو الفول إلى نحو 5000.
” المواطن السوري لم يعد بإمكانه تناول حتى الفلافل بسبب الارتفاع الجنوني بأسعار الزيوت، وهذا أمر غير منطقي”. يعلق نائب رئيس لجنة التصدير في اتحاد غرف التجارة السورية فايز قسومة على حال ما وصلت إليه أسعار ما كانت تسمى بأكلة الفقراء، حيث أن السبب الرئيسي يعود لارتفاع أسعار الزيوت، كاشفاً وجود خمسة معامل تنتج الزيت النباتي وهي المسيطرة والمتحكمة بالسوق، ولهذا فأسعار الزيوت “عالية”. وبحسب قسومة فإن استيراد الزيت النباتي ممنوع حالياً في لحين إقناع “وزارة الصناعة” بموضوع الاستيراد، و في حال تم ذلك فإن الأسعار ستنخفص بمعدل 60 بالمئة.
انعدام الأمن الغذائي
في ختام زيارته إلى سوريا في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، حذر مدير برنامج الأغذية العالمي من التدابير القاسية التي يضطر الأهالي لاتخاذها بسبب الجوع والفقر، ونقلا عن الأمهات اللواتي التقى بهن خلال زيارته، يقول بيزلي إنهن، مع الشتاء القادم، “عالقات بين المطرقة والسندان فإما أن يطعمن أطفالهن، ويتركونهم يتجمدون من البرد، أو يبقونهم دافئين ولكن بلا طعام، إذ لا يمكنهن تحمل تكلفة الوقود والطعام معا”.
وبحسب بيان برنامج الأغذية العالمي، يعاني الآن حوالي 12.4 مليون شخص – ما يقرب من 60 في المائة من السكان في سوريا – من انعدام الأمن الغذائي ولا يعرفون من أين ستأتي وجبتهم التالية. وهذا أعلى رقم تم تسجيله في تاريخ سوريا بزيادة نسبتها 57 في المائة عن عام 2019.
تحذيرات أممية ربما ليست بجديدة حول خطورة الأمن الغذائي في سوريا تتصاعد عاماً بعد أخر منذ بدء الحرب في البلاد، أجراس الأمعاء الخاوية لدى السوريين باتت تدق ناقوس خطر المجاعة مع الفقر وسوء الأوضاع المعيشية.
الأكلة الشعبية للذكرى
بعد موجة الغلاء الكبيرة في أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية لجأ الكثير من السوريين إلى الاستغناء عن العديد من الأكلات والأطعمة المفضلة لديهم والاعتماد على الأكلة الشعبية الفول والمسبحة وسندويشة الفلافل المعروفة بطيب مذاقها ورخص ثمنها، لكن يبدو أنها بدأت تبتعد عن جيوبهم الفارغة يوماً بعد آخر، وباتت حلماً بعيد المنال عنهم أيضاً، بعد أن صار ثمنها، بعيدا عن متناول جيوبهم، بسبب استمرار ارتفاع الأسعار الجنوني. سندويشة الفلافل الأكلة الشعبية التي كانت قبل الحرب في متناول أغلب العائلات السورية، ربما ستدخل أخيراً في إطار “التراث غير المادي” لسوريا لتبقى ذكرى للأجيال القادمة!، مجدداً، تلك الأجيال التي لن تصدق يوماً أنّ بلدهم كانت بلد خير.
بواسطة الحسناء عدرا | ديسمبر 27, 2021 | العربية, مقالات
إذا كنتَ تريد شراء شجرة ميلاد لهذا العام، فعليك التفكير ملياً عزيزي السوري قبل الإقدام على تلك الخطوة المجازفة، لأنك بذلك تعرض عائلتك لخطر الجوع طوال أشهر.
تظهر علامات الدهشة واضحة على ملامح الشابة رنيم لدى سماعها سعر شجرة الميلاد التي وصلت إلى 550 ألف ليرة أي ما يعادل راتب موظف فئة أولى لمدة ثمانية أشهر. ينهال عليها البائع بسيل من عبارات الترغيب وميزاتها النادرة التي يتقنها البائعون عن ظهر قلب، تقول الشابة:” َساومتُ شجرة سرو بطول 210 أمتار بسعر 5500ألف نخب ممتاز ، بينما الأقل جودة بسعر 175 ألف ليرة سورية، فيما تراوحت أسعار كرات الزينة بين 1000 لغاية 3000آلاف للقطعة الواحدة، للأحجام الصغيرة، أما الحجم الكبير تصل إلى 25 ألف ليرة سورية”.
وعن سبب ارتفاع أسعار الزينة وشجرة الميلاد، يفسر أحد بائعي المحلات في باب توما وسط دمشق، لـ “صالون سوريا” :” قفزت أسعار الزينة وأشجار الميلاد خمسة أضعاف عن العام الماضي، فحينها كان الدولار الواحد يعادل 500 ليرة سورية، أما الآن فوصل إلى 3500، فالشجرة كانت تبلغ 90 ألف أما هذا العام تفوق نصف مليون، وكذلك الأمر بالنسبة للزينة وشرائط الإضاءة وسواها”، يعقب الرجل: “أنه يضطر إلى رفع أسعار بضاعته مع كل صعود للأرز والسكر والزيت، فإن لم يفعل ذلك، فكيف سيعيش” وعن نسبة الإقبال على شراء أشجار العيد هذا العام، يجيب البائع”: أجل، هناك إقبال جيد، نتوقف عن البيع بداية العام الجديد، والبضاعة المتبقية نبيعها السنة المقبلة حسب مزاج الدولار وهكذا”.
عروض مغرية
بائع آخر يقدم عروض مغرية على أشجار الميلاد في محاولة لجذب المزيد من الزبائن وسط تدهور الليرة السورية وانخفاض القدرة الشرائية، يردد الشاب على مسامع الزبائن أسعار الخصومات بالقول: “بدل 700 صارت 450 ألف، كل قطعتين زينة بـ 15 ألف، أكسب العرض”، على وقع أصوات الباعة التي تغص بشوارع سوق القصاع، تسأل جويل عن أسعار شجرة الميلاد لإشباع فضولها، تقول :”الحمد لله أنني احتفظت بشجرتي منذ عامين قبل غلاء الأسعار، كنت سأتهور وأتخلص منها لاهترائها قليلاً، لكن هذا أفضل من دفع نصف مليون”، حال ربا ليس بأفضل، فلم تتكبد أي نفقات هذا العيد، فهي ما زالت تدخر أغراض الزينة والشجرة من السنوات السابقة، تقول:” توقعت ارتفاع الأسعار، لذلك لم أفرط بها أبداً، أنزلتها من العلية ونظفتها وعادت جديدة”.
اما ميرنا، فتخلت كليا عن تقليد شراء شجرة الميلاد منذ سنوات عديدة مضت. يرجع ذلك إلى أسباب عديدة، منها، المادية والنفسية، توضح الشابة” لا نملك شجرة، ونسينا هذا الطقس منذ أكثر من أربع سنوات، قد يكون السبب نظرا لعدم وجود أطفال في المنزل، لكن لا شك في الأمر أنها أصبحت مكلفة جدا، لكن تكمن المشكلة بالجو العام المشحون والمتعب الذي ينعكس على نفسيتنا، لا أحد هنا سعيد، فالوضع الاقتصادي الخانق يؤثر على صحتنا النفسية”.
اريد عاما دافئا
فرضت سوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية تغيرات عميقة على ممارسة طقوس عيد الميلاد في سوريا. ففي هذا العام بهتت بهجة العيد فاحتفل السوريين في عماء مظلم وبرد قارس، ما تسببت في بث أجواء من كآبة موحشة وفرحة مقننة. توضح ربى: “لم أشعر بجو العيد، الإنارات مطفئة في الشوارع والظلام يكسو البلاد وكأنها شبح، لم أهناً بمنظر الشجرة المزينة لأن الكهرباء مقطوعة على الدوام، ظلت شجرتي قابعة في زاوية منزوية بالمنزل يلفها حبال من الضوء تنتظر رحمة التيار الكهربائي، افتقد لعيد ميلاد قبل اندلاع الحرب في سوريا”.
“تحول العيد إلى زيارة الكنيسة وأداء واجب الصلاة فقط”، هكذا أصبح العيد بالنسبة لعائلة أم فادي، فيما صار إعداد الحلويات وشراء الشجرة وتزيينها ضمن اللائحة السوداء، تقول” هذا العام الثاني على التوالي، لا أقوم بإعداد البيض الخاص بالعيد والحلويات الآخرى، أصبح في عداد النسيان، كيف سأصنع الحلوى والكهرباء تأتي ساعتين في اليوم الواحد”.
تختصر أم فارس أمنياتها في عيد الميلاد لهذا العام بأن ” تتنعم بالكهرباء والدفء، بينما الأحلام الكبيرة وضعتها على الرف جانباً”، تعقب السيدة الخمسينية: “بدي كهرباء لأقدر شوف قدامي، ومازوت لدفي عظامي”، هذه الأمنية يتشاركها معظم السوريين الذين تحولت أحلامهم إلى كيفية تأمين سبل العيش وتحصيل رزقهم، بينما يبقى حلم السفر خيار وحيد للخلاص والنجاة من الحياة في بلادهم، تعبر الشابة فرح عن أمنيتها الملحة بالسفر” هو طوق النجاة لي، بت أفكر في مواعيد وصل الكهرباء بدل مواعيد امتحانات الجامعة، أرتب مواقيت استحمامي ودراستي على إيقاع التيار الكهربائي”.
تنشر سوزان على أحد مجموعات التواصل الاجتماعي على “فيسبوك” منشوراً تبحث فيه عن شجرة ميلاد مستعملة بسعر مقبول لا يتجاوز 100 ألف ليرة سورية، تقول الشابة لـ “صالون سوريا”: ” لا أملك المال لشراء جديدة، وفي الوقت ذاته لا أريد أن أتخلى عن فكرة الشجرة التي هي تجسد فرحة العيد ، لذلك فكرت بنشر إعلان لشراء واحدة مستعملة، أرسل العديد لي صورا مرفقة بالأسعار وسأختار منها ما يناسب ميزانيتي”، يتبادل أعضاء المجموعة أسعار الأشجار المتداولة في السوق التي وصلت إلى المليون ليرة سورية، تعلق إحداهن على ذلك بالقول:” أفضل قطع عدة أغصان من شجرة الصنوبر في قريتي على أن أدفع هكذا مبلغ”.
بواسطة صدام حسين | ديسمبر 27, 2021 | العربية, غير مصنف
كان أحد المواطنين يهمّ بإفراغ محتويات ظرف «الإندومي» في وعاء، عندما أطلقت الحكومة السورية، برنامجاً لتأريخ “المأكولات الوطنية”. كاد هذا المواطن، ينسى طعم المأكولات الشهية التي يشتهر بها المطبخ السوري، لأن مكوناتها أضاعت عنوان منزله منذ سنوات.
تخشى الحكومة على “المأكولات السورية” من السرقة وادعاء الملكية، لان «العدو ينشغل حالياً بتسجيل الملكية الفكرية لمأكولات طوّرتها جداتنا على مدى قرون». لكن المواطن يرى أن بعض من في الحكومة منشغل بسرقة مكونات وجبات البلد، ومواد هذه الطبخات، فيما اكتفى العدو بسرقة الوصفات.
معركة الأمعاء الخاوية
فرغت «السلة الغذائية» للمواطن السوري من معظم المواد الأساسية، إلا من بعض ربطات المعكرونة، وحصص البرغل والعدس التي تقدمها بعض الجمعيات الخيرية على شكل «كرتونة معونة»، إضافة إلى بضعة كيلو غرامات من الأرز والسكر وليتر واحد شهرياً من الزيت، بموجب “البطاقة الذكية”، ضمن همروجة الدعم التي تقدمها الحكومة للمواطن، وتهدد برفعها عنه في كل مناسبة.
يعاني اليوم أكثر من ١٢ مليون سوري داخل البلاد والملايين في المخيمات، من انعدام الأمن الغذائي حسب تقارير الأمم المتحدة، ويعاني معظم السوريين من سوء التغذية بعد خروج مكونات البروتين والمواد الدسمة من وجباتهم. فاكتفى معظم السوريين بوجبة واحدة في اليوم، فيما ينام معظم الأطفال بلا طعام، وبات الشعب السوري يخوض «معركة الأمعاء الخاوية»!.
انفصال عن الواقع
تقول مذيعة يرافقها «شيف غربي» في إحدى فقرات الطبخ على أحد التلفزيونات: «سوف نحضر لكم اليوم طبقاً مكوناته موجودة في كل بيت»!. وتتضمن هذه المكونات “كيلو واحد من اللحم الأحمر، ونصف كوب من الصنوبر واللوز”. وعندما تدخل ربة المنزل إلى مطبخها لتحضير الوصفة، لا تجد إلا الكوب الفارغ.
أصبحت برامج الطبخ «المنفصلة عن الواقع» على التلفزيونات الرسمية والخاصة بمثابة تعذيب للمواطن الذي يشاهدها ويتحسّر، لأن أقل طبخة منها تكلف معظم الراتب بحال توفر الغاز المنزلي للطهو، حتى إن جرة الغاز فرغت في إحدى البرامج على الهواء مباشرة، في أدق تعبير عن حالة المطبخ السوري.
ومن حسن حظ المواطن السوري أن الكهرباء تبقى مقطوعة في معظم الأوقات، وإلا كان سيشاهد “مجازر الطعام” على قناة «فتافيت» وأخواتها من قنوات الطبخ التي تبث الوصفات مما لذ وطاب على مدار الساعة.
الشيف عمر
يطهو «الشيف عمر»، وهو طباخ سوري مشهور، يعيش خارج البلاد عشرات الأطباق التي يشتهر بها المطبخ السوري. ويمتلىء «يوتيوب» بعشرات الطهاة الذين يقدمون لنا «الكبب بأنواعها، والشيش برك والشاكرية والمقلوبة والمحاشي واليلنجي والـ داوود باشا، والكباب».
يثني المتابعون العرب عبر التعليقات على المطبخ السوري، ويتضرعون بالدعاء من أجل سوريا. أما المواطن السوري، فيشاهد أطباق بلده بكل فخر واعتزاز، ويعود بعدها إلى الواقع ويتناول طبقه اليومي من شوربة العدس والمجدرة، التي لطالما كانت رمزاً للفقر، ومع ذلك أصبحت تكلفتها كبيرة نسبياً.
بيت المونة
أما «بيت المونة» الذي تمتاز به بيوت السوريين، وهو تراث صنعته جداتنا أيضاً، أصبح ركناً فارغاً تعبث به الفئران دون أن تجد ما تأكله. قطرميزات المكدوس والمربيات واللبنة والجبنة والزيتون، أصبحت جزءاً من الماضي وصار السوريون يشترونها بالغرامات.
غاب صحنا «الفتوش والتبولة» عن موائد السوريين المشهورة بأنها «عامرة» ومتنوعة، لأن تكلفتها باتت تعادل الحد الأدنى للأجور، وفي ظل تحليق أسعار الخضروات الأساسية أصبحت الفاكهة رفاهية غير متوفرة في جميع المواسم. أما الحلويات أصبح شراؤها ضرباً من الخيال، ولم تزر البقلاوة والكنافة وحلاوة الجبن بيوت معظم السوريين منذ فترة طويلة.
مطاعم خمس نجوم
على المقلب الآخر ، تمتلئ مطاعم سوريا من فئة الخمس نجوم بزبائن طبقة الـ 1 بالمئة المخملية التي تشكلت من “أمراء الحرب” والمسؤولين الفاسدين، ومحدثي النعمة، فيما أصبح الدخول إلى مطعم حلماً صعب المنال لـ 99 بالمئة من محدودي ومعدومي الدخل. هل هي حالة طبيعية أن يكون حلم المواطن السوري أن يتناول وجبة بسيطة في مطعم ولو لمرة واحدة في الشهر؟!.
تغيب اليوم ثقافة «الديليفري» في سوريا، ليس بحكم العادات والتقاليد، وإنما لأنها أصبحت رفاهية لا يملكها الموظف الفقير الذي لا يتجاوز دخله 20 دولاراً أميركياً. فيما يعتبر طلب «وجبة بيتزا ساخنة» إلى المنزل مثلاً أمراً اعتيادياً يقوم به مليارات البشر يومياً على هذا الكوكب.
النيل من هيبة المطبخ السوري
كي لا نُتهم بـ «النيل من هيبة المطبخ السوري والقدود الحلبية»، ونحن لا نقلل هنا من أهمية التراث المادي واللامادي والحفاظ عليه من السرقة. نقول إنه أمر بالغ الأهمية تسجيل وتوثيق كل ما له علاقة بالهوية الثقافية الجمعية للسوريين من آثار، وقدود حلبية، ومأكولات شعبية، وحرف تقليدية، ولا شك بأن سرقة العدو للفلافل والحمّص والزعتر استيلاء على الثقافة والهوية لا يقل عن جريمة سرقة الأرض. لكن ما الفائدة إذا سجلنا طبقاً ما على قائمة التراث العالمي، وأصحاب هذه الطبخة غير قادرين على طهوها؟.
أفضل طريقة للحفاظ على المأكولات السورية، هي أن نكون قادرين على طبخها باستمرار، لأن الجائع عادة لا يهتم بالتراث. هكذا يقول فقه الأولويات، ولا يمكن أن تتحول بلدنا من لاعب مهم ومؤثر على مستوى الشرق الأوسط، إلى خوض معارك المطبخ.
تعجز الحكومة اليوم عن تقديم حل منطقي لأزمة الجوع في سوريا. البلد الذي كان يتغنى بالاكتفاء الذاتي، وأصبح يستورد القمح في ظل العقوبات والحصار، والفساد الذي أكل الأخضر واليابس، وفي حين تأكل طبقة الواحدة بالمئة البيضة والتقشيرة، يأكل بعض أهل سوريا اليوم من حاويات القمامة.
أنا سوري آه يا نيالي
بث التلفزيون السوري خبراً عاجلاً ملأ نصف الشاشة ومفاده أن «اليونسكو أدرجت القدود الحلبية على لائحة التراث الإنساني». خبر بالغ الأهمية في ظل الصراع الثقافي، وربما يحفظ التراث من الضياع والتشويه والسرقة. لكن المواطن السوري، مهدد أيضاً بالانضمام إلى لائحة التراث العالمي بحال استمرت الكارثة الحالية.
الاحتفال العارم في ساحة الأمويين، وحالة الطبل والزمر وامتطاء التراث، لم تمنع المواطنين من إطلاق النكات. فالبعض وجد أن القدود الحلبية ترفع مستوى الصمود، و تعزز الشعور القومي، فيعيش المواطن مع القدود حالة من الطرب الدائم والسلطنة، تنسيه هم قلبه، فيواجه انقطاع الكهرباء بـ «رقص السماح والشيخاني» بدلاً من الدبكة، وربما يستخدم «قدك المياس» مع الزعتر بديلاً عن الزيت، ولا مانع من إدراج أغنية «أنا سوري آه يا نيالي» على قائمة اليونسكو، لتكون دليلاً على الكائن السوري على هذه البقعة من الأرض بعد انقراضه.
من مال الله يا محسنين
ــ دخل سائح أجنبي إلى سوريا، فاستوقفه متسول وقال له «من مال الله يا محسنين»، فقال السائح: كم هذا رائع! هل هذا من القدود الحلبية؟، فرد الشحاذ قائلاً: «لا والله يا غالي هاد موشح يومي للسوريين».
ــ يقول مواطن سوري ساخراً إن الحكومة قررت توزيع القدود الحلبية على المواطنين عبر البطاقة الذكية، ولكنه يتخوف من ظهور سوق سوداء للموشحات!.
ــ من يشاهد بعض فقرات الطبخ على بعض التلفزيونات يظن أن المطبخ السوري أفضل بـ 50 مرة من العام 2011.
ــ كما كان يفعل «أبو عنتر» في إحدى المسلسلات، يسعى بعض السوريين للحصول على إقامة في سجن عدرا، الذي يؤمن لهم الطعام والشراب والدفء مجاناً. ولهذا يرفعون سقف الانتقاد عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لعل وعسى يطالهم قانون الجرائم المعلوماتية الجديد.
الشنكليش واليورانيوم
ــ يرى البعض أن العدو الذي يخصب اليورانيوم سوف يعجز عن سرقة طريقة جداتنا في تعفين «الشنكليش» وصناعة «الجظ مظ».
ــ يعتقد مواطن سوري أن سرقة المأكولات هو من اختصاص الحكومة الوطنية ولن نسمح للدول الإمبريالية أن تسرقها.
ــ فيما تستعد الحكومة لتسجيل المأكولات السورية على لائحة التراث العالمي، لم يحسم الجدل محلياً بعد حول إن كانت حلاوة الجبن حمصية أو حموية!.
ــ غابت ظاهرة موسوعة غينيس وأطول سيخ كباب وأكبر سيخ شاورما، نتيجة الأوضاع الاقتصادية.
ــ كانت دمشق وحلب تشتهر برائحة الطعام الشهي التي تفوح في حاراتها على مدار العام، ولكنها تفوح حالياً لمدة محدودة في «شارع الأكل» الذي تحول إلى مهرجان سنوي.
كل لقمة بغصّة
ــ غصّ مواطن سوري وكاد يختنق بلقمة الخبز التي كان يضعها في فمه عندما سمع تصريح رئيس الوزاء حسين عرنوس يقول إن “تكلفة ربطة الخبز ١٢٠٠ ليرة ونبيعها ب ٢٠٠ ليرة”، شعر هذا المواطن بالذنب لأنه يكلف الحكومة فوق طاقتها.
ــ أضافت “الوكالة الدولية للطاقة الذرية” ملف أكياس الخبز في سوريا إلى مفاوضات فيينا، للتأكد فيما إذا كانت مسرطنة، وعدَلت المنظمة عن الفكرة عندما رأت الشعب السوري يفرد الخبز على الأرض.
ــ نشرت وكالة “سانا” خبراً عن أطعمة يجب تجنبها عند الإصابة بتسمم غذائي ومنها “اللحم والدجاج والديك الرومي والمأكولات البحرية”، وهنا علق مواطن ساخراً بأن وكالة سانا نسيت الأفوكادو والكافيار.
حمام بارد
ــ جرب مواطن سوري نصيحة خبير استضافته إذاعة دمشق ونصح عبر أثيرها بالاستحمام بمياه باردة، فتعلم المواطن رقصات مايكل جاكسون جميعها تحت الدوش، وهو يتلقى العلاج في المستشفى حالياً.
ــ يترقب الجمهور السوري برنامجاً صباحياً على الإعلام الرسمي عن فوائد المجاعة بعد أن اقترب منها.
ــ من المواضيع المقترحة للبرامج الصباحية في الفترة المقبلة: فوائد الركض خلف السرفيس، أضرار الكهرباء، فوائد الوقوف على الطوابير، برنامج خاص عن مزايا عذاب القبر، وفوائد العيش في مقبرة.
*الصورة من صفحة سلوى زكزك
بواسطة لامار اركندي | ديسمبر 26, 2021 | العربية, غير مصنف
ما أن تذكر حرفة الفخار في ضواحي مدينة القامشلي وريفها، حتى تقفز في ذاكرة أهلها عائلة “الفاخوري” الأرمني العم ميساك انترانيك بيدروسيان، التي امتهنتها لسنوات طويلة. اذ تنتج عائلة ميسان (88 عاماً) أجود أنواع الفخاريات، وتعتبرها مصدر رزق رغم العوائق التي تعترضها في تصريف منتجاتها في الأسواق.
حافظ الجد انتراتيك، على إرث العائلة الثمين في تشكيل تحف وخزفيات فخارية زاهية تبهر الناظرين إليها، فهي شاهدة على براعة ما ورثه من آبائه وأجداده منذ ما يقارب 400 عام. وجابت عائلة بيدروسيان، معظم بلاد الشام قبل الحرب العالمية الثانية في رحلة للبحث عن قوت عيشهم، وانتهى بهم المطاف في مدن سورية عدة قبل محطة ترحالهم الأخيرة إلى مدينة القامشلي قبل 88 عاماً ليلد بيسان بموهبة فريدة امتزجت بشغف الفن وحب الحياة فكانت أسرتها الأخيرة التي لا زالت تواظب على ممارسة المهنة.
شغف المهنة
يقول العم “ميساك” لـ “صالون سوريا” بأن عائلته هي الوحيدة والمنفردة في صناعة الفخار، والتي حافظ على مزاولتها في المدينة منذ السنوات العشر الماضية ومقاومة انقراضها، حيث يقضي المسن الماهر برفقة ابنه انتون ساعات طويلة لا تعرف الكلل والملل داخل فاخورته الطينية البدائية، والتي توقن من يدخلها لأول مرة ٖبأن الزمن توقف لمئات السنين بين زوايا وجدران تلك الرقعة الصغيرة المجسدة للوحة طفولة “انتراتيك” وشبابه وخريف عمره مثابراً على اعتلاء منصة الدولاب الدائري ،متحكماً بالعجينة لتصبح طيعة بين راحتيه المجهدتين وهو يديرها كيفما شاء وسط عملية سيطرة مذهلة للفه لها بأطراف أصابعه في كل اتجاه ٖ مستمداً حنكته في هذا الفن منذ طفولته.
تجهيز الفخار*
يوضح “الفواخيري” المراحل التي تتدرجها العجينة الفخارية قبل انتهائها بشكلها الأخير قائلاً :”علينا الحرص في انتقاء نوعية الطين وغربلتها جيداً بالغرابيل الناعمة، ثم نقع الطينة في أحواض خاصة بها لثلاثة أو أربعة أيام، وبعدها نعجنها بأقدامنا لنحصل على العجينة المناسبة، وتقطيعها وتكويرها باليدين، فتسطيحها على سطح آلة المرجل وتدويرها بالرجل لنتمكن بعد ترطيبها بالمياه التحكم بأشكالها وتحويلها لصحون أو كؤوس أو جرار وغيرها من الفخاريات وأخيرا شوائها وتلوينها”.
تحتاج هذه المهنة لروح إبداعية في العمل ورغبة في التشكيل والرسم والتزيين، كاحتياجها أيضاً لأدوات أساسية يصفها “الفواخيري”، بالعديدة لـ “مهة فنية جميلة ومنهكة”، يحصيها الخزاف المسن بوجود “حوضين: واحد لوضع التراب أما الثاني، لتصفيته من الشوائب. القاعدة، الميل والقرص المعدني ودولاب خشبي لتدوير العجينة ليتم تقطيعها بلأرجل والخيط وفق الشكل المطلوب. ايضا، أكياس من الخيش لتنشيف الطين. دلو غميق وأباريق للقياس ووعاء بلاستيكي يملأ بالماء أثناء العمل على الدولاب ،قطع عدة من الإسفنج مختلفة الأحجام”.
هناك ايضاً، قطعة بلاستيكية ملساء وصغيرة الحجم لقطع زوائد العجين الزائدة والمتساقطة من الدولاب. إبر أو دبابيس للزخرفة، قطع معدنية للتلميس، أسلاكا قاطعة لنزع القدور عن الدولاب وفي النهاية الفرن أو الكور.
مهنة تقاوم الزوال
يحز في قلب العم “ميساك” ذهاب هذه الحرفة وغيرها إلى الزوال ودعا إلى التمسك بتراث الأجداد،فعائلته باتت الوحيدة الممتهنة لها والرافضة لزوالها. يتحدث عن صنعه لأنواع مختلفة من الفخار فمنها البورسلان ومنها الخزف الحجري المتسم بصلابته وألوانه البنية ،الحمراء،الرمادية،اليضاء والسوداء. ويعلل الفواخيري المسن أسباب ظهور صناعة الفخار في الماضي إلى افتقار الناس قديماً للأدوات المنزلية الضرورية. ويقول: ” فسدّت هذه المهنة حاجتهم الماسة في حفظ الطعام وطهيه وتخزين المياه والزيوت والعسل ،فصنعت الفخاريات لحفظ أدوية الطبابة الشعبية آنذاك ،ناهيك عن فوائدها الصحية”.
يتهافت زبائن ورشة “ميساك” لشراء تلك الأدوات الجميلة ذات الأشكال التراثية رغبة منهم في استحضار شيء من الماضي الجميل تعبق أسواقه برائحة مهنة تغنى بها الأجداد. ولا زالت مدينة القامشلي تزخر بالعديد من المهن التراثية والحرف الشعبية. وتعتبر صناعة الفخار أقدمها وأكثرها شهرة رغم تطور الأدوات والآلات المصنعة للفخار، إلا أن الطرق القديمة المقاومة للاندثار تبقى أجودها حتى يومنا هذا.