تدريباتنا

حول تفاقم الهويات وترهل التشاركية في سورية

بواسطة | أغسطس 16, 2026

بينما كانت معظم مناطق محافظة السويداء السورية تستذكر ضحايا الانتهاكات والمجازر التي مضى عليها عام، جرّاء المعارك بين القوات الحكومية الجديدة وفصائل معارضة لها، تتذكّر مناطق سورية أخرى، في المقابل، أن أعلاماً إسرائيلية رُفعت فوق الجراح السورية هناك، وأن مبنى وزارة الدفاع وسط دمشق، الذي تعدّه إسرائيل رمزاً مهمّاً للدولة السورية، قد قُصف بطيرانها بذريعة اقتحام الجيش السوري الجديد عدداً من قرى السويداء ذات الأغلبية الدرزية. وتتذكّر أيضاً أن قوات عسكرية هناك، كان معظمها يدين بالولاء المطلق لنظام الأسد ومخابراته، أصبح اسمها اليوم “الحرس الوطني”، وأنها تسيطر على القرارين السياسي والاجتماعي هناك، في حين ترفض شريحة واسعة من الأهالي، تحت نير الانقسامات، إسرائيل والحرس الوطني، وترفض الحكومة الانتقالية في دمشق أيضاً!

بهذه الخلاصة المعقّدة والقاسية، يمكننا تلخيص صورة مهشّمة للهوية السورية، كان يُفترض بأصحابها أن يبحثوا عن عمق انتمائهم الثقافي والفكري ضمن إطار وطني، بعد سقوط أحد أعتى الأنظمة المجرمة في تاريخ المنطقة؛ نظام عائلة الأسد. وبدلاً من أن تلتفت بعض المناطق، التي تحكم أغلبَها انتماءاتٌ دينية ملوّثة بالمصالح السياسية، إلى ما زرعته حوكمة النظام السابق من هيمنة وإضعاف إداري، اتخذت تلك المناطق، وبسبب سلوكيات سلطوية ربما أُعيد تدويرها، موقفاً متباعداً من السلطة التي تمسك زمام الحكم اليوم في دمشق. وكان ذلك فاتحةً لأسئلة الهويات المناطقية، والثقة بالسلطة والثورة، ولتوارد الخواطر والأفكار والمشاهد عن خطف اللحظة التاريخية بغرض التفرّد وفرض الوقائع الجديدة، ولو بالدم من جهة، أو بالاستعانة بالعدو من جهة ثانية.

لم تدخل الحوكمة المؤسسية بعدُ في رهان الخصوصية والتغيير الثوري؛ فقد تراجعت بوضوح أمام ترهّل المؤسسات التي لا تزال تعمل، حتى اللحظة، بقوانين نظام الأسد ومراسيمه. وحلّت منظمات المجتمع المدني الدولية والمحلية مكانها إلى حدٍّ كبير، وهي تُعدّ، في أساسها، أدوات نفوذ ناعم توظّفها السفارات والجهات غير الحكومية للعب دور في تهيئة الظروف لإعادة الثقة بالمجتمع المدني، بعيداً عن الدولة وما تعانيه من صراعات وولاءات. ولمراقب المشهد المحلي في سورية، تبدو منظمات المجتمع المدني أكثر ديناميكية وحيوية وإنتاجية من المؤسسات الرسمية؛ في الإعلام والأبحاث، وفي الاقتصاد والاستشارات، وفي العقارات والتعليم، وحتى في التفكير السياسي. نحن لا نقلّل من شأن سقوط النظام، كما قال لكاتب هذه السطور أحد القرّاء، وإنما نحاول أن نحدّد موضع الخلل الجوهري في تعطّل التنمية الإدارية، بعيداً عن حسابات السلطة ومسطرة الثورة. هل تبحثون عن الكفاءات؟ إذن، ضعوا لنا، بمنتهى الشفافية، ما سوف تجود به شراكات الحوكمة من تغيير في المؤسسات ووزارات الدولة، بعيداً عن سلطة “الشيخ” في الطابق العلوي، والخطاب الإعلامي الذي يُظهر وزراءً وهم يوبّخون موظفيهم بسبب التقصير.

إن مظاهرات جرمانا الأخيرة، التي خرجت مع حلول ذكرى “تموز الأسود”، بحسب ما يصفه البعض، ودلّت على صراع داخلي، لم ترفع علم الدولة السورية الجديد، بل رفعت علماً طائفياً، كما في السويداء، ولم يكن ينقصها سوى أن ترفع أعلام العدو أيضاً! وهذا إنما يعكس مدى عمق الشقاق بين الحكومة والمناطق ذات الامتداد الطائفي. ويروي أحد الشبان الذين صوّروا المظاهرات، في مقابلة خاصة أجريتها معه، قائلاً: “هناك خصومة عنيفة بين الشباب في جرمانا والقيادة الروحية الدرزية”. وبسبب ذلك، يعتقد أن ما حدث جاء متزامناً مع ذكرى أحداث السويداء المؤسفة، وكان تتويجاً لهذا التوتر.

ولكن الأمر يبدو، من ناحية أخرى، مختلفاً تماماً؛ ففي جرمانا نماذج عديدة للحوكمة الإدارية من خلال منظمات دولية مدعومة من الخارج، كما هي الحال مع منظمة ألمانية لديها مشروع هناك اسمه “سورية الصغرى”، تتوسّع من خلاله أنشطتها الاجتماعية والفكرية والتنموية. وهي تعلن بوضوح، عبر منصات التواصل الاجتماعي، عن المناقصات والتعيين والتعاقد، وتقدّم الحلول المتعلقة بالبنى التحتية، وكذلك توظّف الكفاءات. التمويل واضح، وكذلك التوجّه، وهذا ما لا يعدّه البعض إضعافاً للحكومة، التي قد تنشغل بعض مؤسساتها بتقييد الحريات العامة، في الوقت الذي تنشط فيه مؤسسات أخرى في ملاحقة المشكلات وتوثيقها في الإعلام. وذلك حسن جداً، ولكنه يحتاج إلى عدوى حقيقية تصيب العمل السياسي. ومن هنا، يمكننا التوقف قليلاً عند مؤسسة مجلس الشعب، الذي عيّن الرئيس السوري نصف أعضائه. ولكن المشكلة الأكبر تكمن في أن يبرّر هذا المجلس، في موضع ما، سلوكيات الحكومة، في حين أن من أبرز مهامه مراقبة أداء السلطة التنفيذية، من الرئيس إلى أصغر موظف في خدمة هذا الشعب، الذي ذاق ما ذاقه من مرارات التغييب والتجهيل بحقّه في أن يعيش بكرامة وحرية، من دون منّة من حكومة، أو ثورة، أو سلطة، أو زعامة. فكيف إذا راح أحد أعضاء هذا المجلس يبرّر تجميد النشاط الحزبي والسياسي في البلاد؟ إذا لم تسهم الأحزاب، خلال المرحلة الانتقالية، في تشكيل بنية الدولة، فإن دورها الكركوزي سيكون جاهزاً بعد تثبيت الحكم والسلطات الثلاث، “التشريعية، التنفيذية، القضائية”، التي يسيطر الرئيس على معظمها، وفقاً للإعلان الدستوري الذي أعلنه حكام سورية الجدد.

من خلال مراقبة الأحداث اليومية، وكذلك بالرجوع إلى أكثر من عام ونصف على سقوط النظام في سورية، وبكشف النمط السلطوي الذي تمضي عليه الحكومة ومؤسساتها، إلى جانب العمل الموازي الذي تؤديه منظمات داعمة على الأرض، نستطيع أن نشير إلى أن عرقلة النمو والتغيير تتقدّم على حساب الانفتاح الدولي، الذي قد تتأخر انعكاساته على المجتمع السوري من حيث الخدمات، والتسهيلات، والرفاه، والأثر. فالمعلّقون على التجربة يعانون من مشكلة عميقة في تقييم المشهد؛ مشكلة ذروتها في عدم الوصول بعد إلى مستوى النظرة الوطنية نحو سورية الجديدة. وأعتقد، بحسب اطلاعي المستمر على المناخ السياسي رقمياً، أن الواقع الميداني على الأرض قد يختلف كلياً عمّا تنقله الشاشات والحسابات المؤيدة للحكومة، التي لم يكن معظمها يوماً مع الثورة تماماً، والحسابات المعارضة لأدائها، التي ينتمي أغلب أصحابها إلى عمق الحاضنة الاجتماعية التي جعلت نظام الأسد يستمر سنوات طويلة.

وتظهر جلياً صورة الرغبة العامة في ضرورة نجاح التجربة، لكن الجميعَ تعيق تقدّمَهم، على نحو ما، الهوياتُ المناطقية أو الدينية، وتعيق فهمَهم منهجيةُ السؤال المتوازن، والاعتيادُ المسبق على إجابات عامة وجاهزة، وكذلك التنمّرُ السياسي واحتقارُ الخصوم من أبناء البلد بصورة عنيفة. فكل طرف يراقب التجربة من داخل مخاوفه الخاصة، ويقرأها استناداً إلى خساراته السابقة أو تطلعاته المؤجلة، ثم يعيد تقديم موقفه على أنه التعبير الأكثر اكتمالاً عن المصلحة الوطنية. وبهذا، يتحول الخلاف السياسي إلى امتحان للهوية والانتماء، ويصبح النقد اتهاماً، والدفاع عن السلطة ولاءً، والاعتراض عليها خيانةً أو حنيناً إلى الماضي، فتضيق المساحة التي يمكن أن يلتقي فيها السوريون على أسئلة الدولة، والعدالة، والحقوق، والتشاركية.

وأغلبهم، من دون هوادة، يمرّغون الخطاب في انتماءاتهم الضيقة، وفي الرأي الذاتي، واللغة الحالمة الرومانسية في موضع ما، والرأي الذي يعيش صراعات المقارنة بين الماضي والحاضر، وبين الداخل والخارج، والرأي الذي نادراً ما يفهم طبيعة المجتمع وتأخّر التغيير لأسباب نمطية تسيطر على خيال الشعب وحريته. وفي ظل هذا المناخ، يصبح الوصول إلى رؤية وطنية مشتركة أكثر صعوبة، لأن كل جماعة تريد من الدولة الجديدة أن تشبه مخاوفها أو طموحاتها، وأن تعترف بخصوصيتها قبل أن تعترف بغيرها، فيما تبقى فكرة المشاركة العامة مهددة بالتراجع أمام رغبة كل طرف في حماية موقعه أو فرض روايته. وهنا يظهر الإنذار الحقيقي؛ أن تستمر الهويات في التفاقم، وأن تتحول المرحلة الانتقالية إلى ساحة لتثبيت الانقسامات القديمة بأسماء جديدة، بدلاً من أن تكون فرصةً لبناء عقد وطني يعيد للسوريين ثقتهم بالدولة وببعضهم بعضاً.

مواضيع ذات صلة

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات...

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

مواضيع أخرى

قبرص تعيد ترتيب الوجود السوري: حماية أقل وعودة أكثر

قبرص تعيد ترتيب الوجود السوري: حماية أقل وعودة أكثر

تواجه قبرص تحديات خطيرة في المرحلة الأخيرة من مسار انضمامها المحتمل إلى منطقة شنغن؛ أبرزها الأمن القومي، والطاقة، والهجرة، والصراع المفتوح في الشرق الأوسط". بهذه الكلمات يختصر دبلوماسي رفيع المشهد الذي تتحرك فيه الدولة القبرصية، وهي تراقب، من موقعها في أقصى شرق...

انتهت الحرب بسوريا لكنّ غودو لم يعد بعدْ

انتهت الحرب بسوريا لكنّ غودو لم يعد بعدْ

في مسرحية "في انتظار غودو"، لا يقع الحدث الذي ينتظره الجميع. يمضي النهار، وتتكرر الحوارات، ويغادر الأمل ثم يعود، لكنّ غودو لا يأتي. لم يكتب "صمويل بيكيت" مسرحيته عن الحرب، بل عن الانتظار؛ عن تلكَ اللحظة التي يتحول فيها انتظارُ الغد من حالة مؤقتة إلى أسلوب حياة....

الثقافة السورية بين الانقسام والإقصاء: تقويض المشترك الوطني

الثقافة السورية بين الانقسام والإقصاء: تقويض المشترك الوطني

يُقال إن رئيس اتحاد الكتّاب العرب الأسبق، الدكتور حسين جمعة، لم يكن يعترف بقصيدة النثر ولا يعدّها شعراً؛ فالشعر عنده كان ما نُظم على بحور الخليل فقط. كان ذلك مجرد رأي، ورغم أنه كان يترأس مؤسسة ثقافية، فإنه لم يعمل على إقصاء من يكتبون قصيدة النثر، ولم يحارب هذا الجنس...

تدريباتنا