بعد مرور أكثر من عامٍ على تولي الحكومة الجديدة شؤون الدولة، شهدت البلاد...
تدريباتنا
ورشة تدريب صالون سوريا
أجرى فريق #صالون_سوريا، دورة تدريبية عن الانواع الاعلامية والصحافة الحساسة...
في غرفةٍ تشحّ فيها الكهرباء ويغيب عنها الدواء، تروي هبة ناصر، البالغة من العمر سبعةً وعشرين عاماً، كيف تحوّل المشفى المتخصّص بعلاج السرطان في دمشق إلى ما يشبه المقبرة، على حدّ وصفها لبي بي سي عربي في مايو/أيار 2026. تكلّفها جرعات العلاج الكيميائي الشهرية نحو ستمئة دولار، أي ما يفوق دخلها ستّ مرّات، بعدما كانت تُصرف مجاناً قبل عامٍ ونيّف. وحكاية هبة، بما رافقها من حشراتٍ وقوارض وأسرّةٍ ملطّخة، ليست استثناءً عابراً؛ إنّها صورة مكثّفة لقطاعٍ يحاول النهوض من تحت ركام حربٍ طويلة.
لم يكن المشهد كذلك دائماً. فقد دخلت سوريا الحرب بلداً متوسّط الدخل بمؤشّراتٍ صحّية معقولة، قبل أن ينهار كلّ شيء؛ إذ تراجع متوسّط العمر المتوقّع من سبعين عاماً عام 2010 إلى خمسةٍ وخمسين عاماً عام 2015، وغادر البلاد أكثر من نصف أطبّائها الثلاثين ألفاً، وفقاً لمعهد بروكينغز. واليوم، تقدّر وزارة الصحّة أنّ نحو ثلاثين بالمئة من المستشفيات قد دُمّر، في بلدٍ لا يملك سوى خمسمئةٍ وستّة عشر مستشفى، منها مئةٌ وثمانية عشر مستشفى حكومياً فقط. وتكشف تقييمات البنية المتضرّرة لعام 2026 عمق الجرح؛ ففي حمص وحدها، تضرّر أكثر من نصف المستشفيات بين عطبٍ بليغٍ وتدميرٍ كامل. ويُضاف إلى ذلك حصيلة الألغام التي أزهقت سبعمئةٍ وخمساً وعشرين روحاً منذ سقوط النظام في ديسمبر/كانون الأول 2024، وتراجع التحصين ضدّ الحصبة من سبعةٍ وثمانين بالمئة إلى أربعةٍ وستّين بالمئة.
غير أنّ الجرح الأعمق ماليٌّ في جوهره. ففي بلدٍ يحتاج فيه نحو 12.8 مليون نسمة إلى رعايةٍ صحّية، لم تتلقَّ خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2026 سوى 3.7 بالمئة من أصل 3.19 مليار دولار مطلوبة، ولم يصل إلى شركاء القطاع الصحّي منها إلا ثمانية عشر مليون دولار. وفي حياة الناس، يشكّل العجز عن الدفع جداراً أول؛ إذ يضع مسح منظّمة ريتش في مايو/أيار 2026 الصحّة بين الحاجات الثلاث الأولى لدى نصف المجتمعات المشمولة، فيما تشكو ثمانٍ وسبعون بالمئة منها صعوبة الوصول إلى الخدمة، تتقدّمها كلفة العلاج الباهظة ثم غياب الدواء. ومن هنا تتّضح المفارقة القاسية: راتب الطبيب الحكومي بعد التعديل يدور حول ستّمئة دولارٍ شهرياً، وهو نفسه ثمن شهرٍ واحدٍ من علاج هبة.
في هذا المناخ، طفا نقاشٌ حسّاس حين تحدّث مسؤولون عن شراكةٍ مع القطاع الخاصّ في إدارة المستشفيات الحكوميّة، قبل أن يصدر نفيٌ رسميّ يؤكّد أنّ الصحّة ليست للبيع. والسؤال المطروح بقوّة هنا: كيف تُصان الصفة العامّة لنظامٍ نجا من الحرب، من دون أن يتحوّل المريض إلى مصدر دخل؟ تحذّر التجارب الدولية من خصخصةٍ ترفع الكلفة وتكرّس الفوارق الطبقيّة، في حين يبقى الإنفاق الحكومي محدوداً؛ إذ لم تخصّص موازنة عام 2024 للوزارة سوى ما يعادل مئةٍ وثلاثةٍ وستّين مليون دولار. أمّا وعد وزير الماليّة بمضاعفة الإنفاق على الصحّة والتعليم والرعاية ثلاث مرّات في عام 2026، فيبقى معلّقاً إلى أن تتأكّد أرقامه.
على أنّ الصورة لا تخلو من بصيص أمل. فعام 2025 كان أوّل عامٍ تستعيد فيه وزارة الصحّة قيادتها الكاملة للقطاع، بالتنسيق مع أكثر من مئة منظّمة عاملة، حتى قُدّمت نحو عشرين مليون استشارةٍ خارجيّة، ونحو عشرين مليون جرعة علاج. وأطلقت الوزارة الاستراتيجية الصحّية الوطنية للفترة 2026–2028، ودشّنت بوّابة الصحّة الرقميّة في خمسة مشافٍ، مع نيّة التوسّع، وعقدت ورشةً للمشاركة المجتمعيّة بالتعاون مع منظّمة الصحّة العالميّة والاتحاد الأوروبي. وفي موازاة ذلك، وقّعت مع بنك التنمية الألماني وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي مذكرةً لتأهيل خمسة مستشفيات وخمسةٍ وعشرين مركزاً صحّياً، يستفيد منها نحو 895 ألف مريض. كذلك، أُقرّت زيادةٌ بنسبة خمسين بالمئة على الأجور بموجب المرسوم 67، ورفعٌ إضافي موجّه للأطبّاء والممرّضين بموجب المرسوم 68. وتبرز الصناعة الدوائيّة المحليّة، التي يحميها قرار التسجيل والاستيراد رقم 4 لعام 2026، بوصفها ورقةً استراتيجيةً راهن عليها الوزير من جنيف حين تحدّث عن الانتقال من الطوارئ إلى التعافي المستدام.
ومن خلف هذه الخطوات، تتلمّس الحلول طريقها في خيطٍ واحد؛ فالمطلوب استبدال التمويل المتقطّع بشراكاتٍ مستدامة، وصون الطابع العامّ للنظام من خصخصةٍ تتسلّل عبر الأبواب الخلفيّة، وإتمام التحوّل الرقمي، وردم فجوة الكوادر عبر أجرٍ عادل، وتوزيعٍ متوازن بين المحافظات، وتدريب عشرة آلاف عاملٍ صحّي. ويظلّ الدواء المحلي وإتاحته في صلب هذه الأولويات، إلى جانب إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسّسة عبر الوقاية والمشاركة المجتمعيّة.
تبقى المحصّلة معلّقةً على سؤالٍ أخلاقيّ قبل أن تكون إداريّة: هل يعود المشفى العامّ مكاناً للرعاية، أم يستقرّ متجراً تُقسَّم أرباحه؟ في غرفة هبة ناصر، حيث تُضيء الهواتف ما عجزت الكهرباء عن إنارته، يتّضح أنّ امتحان التعافي المستدام لا يُقاس بعدد المشافي المرمّمة وحدها، بل بأن يبقى الدواء حقاً لا امتيازاً، وأن يظلّ المستشفى رمزاً لتكافل المجتمع، لا مقبرةً للفقراء.
المصادر
بي بي سي عربي، شهادة هبة ناصر، مايو/أيار 2026.
خطة الاستجابة الإنسانية ونشرة القطاع الصحي، OCHA/WHO، مارس/آذار 2026.
مسح رصد الوضع الإنساني، منظّمة ريتش، مايو/أيار 2026.
بروكينغز، الحرب على النظام الصحي السوري.
وكالة سانا: بوابة الصحة الرقمية، ورشة المشاركة المجتمعية، وتصريحات وزير الصحة من جنيف.
مواضيع ذات صلة
مواضيع أخرى
تدريباتنا
هل سيتغير الوجه المدني لسوريا؟
بعد مرور أكثر من عامٍ على تولي الحكومة الجديدة شؤون الدولة، شهدت البلاد...
ورشة تدريب صالون سوريا
أجرى فريق #صالون_سوريا، دورة تدريبية عن الانواع الاعلامية والصحافة الحساسة...






