بعد مرور أكثر من عامٍ على تولي الحكومة الجديدة شؤون الدولة، شهدت البلاد...
تدريباتنا
ورشة تدريب صالون سوريا
أجرى فريق #صالون_سوريا، دورة تدريبية عن الانواع الاعلامية والصحافة الحساسة...
في مسرحية “في انتظار غودو“، لا يقع الحدث الذي ينتظره الجميع. يمضي النهار، وتتكرر الحوارات، ويغادر الأمل ثم يعود، لكنّ غودو لا يأتي. لم يكتب “صمويل بيكيت” مسرحيته عن الحرب، بل عن الانتظار؛ عن تلكَ اللحظة التي يتحول فيها انتظارُ الغد من حالة مؤقتة إلى أسلوب حياة. وحين يطول الانتظار، لا يعود الإنسان يسأل متى سيتغير الواقع، بل يتكيف مع فكرة أنّ المستقبل قد لا يصل أبداً كما تخيله. وربما لهذا تبدو سوريا اليوم أمام تحدٍ يتجاوز انتهاء المعارك. فمع انحسار المواجهات العسكرية، والحديث المتزايد عن رفع العقوبات، وعودة الشركات، وخطط إعادة الإعمار، ما يزال كثير من السوريين ينظرون إلى الغد بحذر. ليست المشكلة أنهم لا يرون مؤشرات التحسن، بل أنهم لم يعودوا يثقون بسهولة بأنّ الزمن سيواصل السير في الاتجاه نفسه. فالحرب لا تترك وراءها مدناً مهدمة فقط، بل تترك علاقة مضطربة مع المستقبل، يصبح معها الاستقرار احتمالاً أكثر منه يقيناً.
تشيرُ تقديرات الأمم المتحدة إلى أنّ الاقتصاد السوري انكمش إلى أقل من نصفِ حجمه مقارنة بما قبل عام 2011، ومع ذلك فإنّ الأرقام، مهما كانت مهمة، لا تفسر وحدها المزاج العام. فالاقتصاد يمكن أن يبدأ بالتعافي بمجرد عودة النشاط والإنتاج، أما الإنسان فلا يتعافى بالسرعة نفسها، لأنّ ما تضرر خلال سنوات الحرب لم يكن الدخل وحده، بل الإحساس بأنّ الغد يمكن التخطيط له. كما تؤكد دراسات المجتمعات الخارجة من النزاعات أن آثار الحرب تستمرُ طويلًا بعد توقف القتال. فوقف إطلاق النار لا يعيد تلقائياً أنماط الحياة السابقة، ولا يعيد الثقة بالمؤسسات أو القدرة على اتخاذ قرارات طويلة الأجل. وتشير تقديرات البنك الدولي وبرامج الأمم المتحدة إلى أنّ التعافي الاقتصادي كثيرًا ما يسبق التعافي الاجتماعي، لأنّ الأسواق تستطيع استئناف نشاطها بدافع الحاجة، بينما يحتاج الشعور بالأمان إلى تجارب متكررة تثبت أنّ الاستقرار أصبح قاعدة لا استثناء.
لعلّ أشد ما تفعله الحرب قسوة أنها تغيّر علاقة الإنسان بالزمن. ففي الظروف الطبيعية، يبني الناس حياتهم على افتراض بسيط: أنّ الغد سيكون امتداداً لليوم. أما في سنوات النزاع فيصبح هذا الافتراض نفسه محل شك. يتراجع التفكير البعيد، وتغدو الأولوية للنجاة من الأسبوع المقبل، أو حتى من اليوم التالي. ومع مرور الوقت لا يبقى هذا السلوك مجرد استجابة ظرفية، بل يتحول إلى عادة ذهنية تستمر حتى بعد زوالِ أسبابها.
في أحد مقاهي دمشق، كان الحديث يدور حول مشروعٍ صغير يخطط أحد الأصدقاء لإطلاقه. استمع الجميع باهتمام، ثم قال أحدهم بعد لحظة صمت: “استنى شوي، خلي الأمور تثبت”. لم يناقش جدوى المشروع ولا مصادر تمويله، بل علّق القرار كله على الزمن. وكأنّ المشكلة لم تعد في الفكرة، بل في السؤال الأعمق: هل يمكن الوثوق بأنّ الغد لن ينقلب فجأة على اليوم؟ لهذا في الأحاديث اليومية تتكرر عبارات مثل: “لسه بكير” و”خلينا ننتظر”، و”ما حدا بيعرف شو بصير”. قد تبدو كلمات عابرة، لكنها تعكس طريقة كاملة في قراءة الواقع. فالحرب علمت الناس أنّ الخطط قد تنهار بين ليلة وضحاها، وأنّ النجاح الحقيقي كان في القدرة على تعديل المسار بسرعة، لا في الالتزام بخطة طويلة. وما كان يوماً استجابة عقلانية لسنوات الفوضى قد يتحول اليوم إلى عائق أمام أيّ بداية جديدة.
الأمر هنا لا يتعلق بالتشاؤم بقدر ما يتعلق بالذاكرة. فالذاكرة لا تحفظ الوقائع وحدها، بل تحفظ أيضاً الإيقاع الذي عاشت عليه. سنوات الانقطاع المتكرر، في العمل والدخل والخدمات وحتى في المكان، تجعل الحذر يبدو أكثر حكمة من التفاؤل، لأنّ التجربة علمت أصحابها أنّ الاستقرار قد يكون مؤقتاً. وهكذا يصبح الزمن نفسه موضع اختبار دائم، ويغدو الانتظار خياراً يبدو أكثر أماناً من المبادرة. وهذه ليست خصوصية سورية. ففي البوسنة والهرسك، بدأت الأسواق وإعادة الإعمار تستعيدُ نشاطها بعد اتفاق دايتون بوتيرة أسرع من استعادة العلاقات الاجتماعية عافيتها، إذ احتاجت المجتمعات المحلية سنوات حتى تتجاوز آثار الانقسام. وفي رواندا، لم يكن النمو الاقتصادي بعد عام 1994 كافي لطي صفحة الإبادة الجماعية، بل رافقته جهود طويلة للمصالحة والعدالة المجتمعية، لأنّ إعادة بناء الإنسان استغرقت زمناً أطول من إعادة بناء الاقتصاد. وحتى في لبنان، ظل منطق الحذر حاضراً في السياسة والاقتصاد بعد انتهاء الحرب الأهلية وكأنّ الماضي بقي يقيس احتمالات المستقبل.
ومن هنا يمكن لنا فهم مفارقة الاستثمار. فكثيراً ما يُنظر إليه باعتباره أموالاً تبحث عن فرص، لكنهُ رهان على الزمن في جوهره . المستثمر لا يشتري الحاضر، بل يشتري ما يتوقع أن يكون عليه الغد. ولهذا لا تكفي الحوافز أو التصريحات لجذب رؤوس الأموال، إذا بقيت القواعد متقلبة، أو ظل المستقبل غامضاً. فكلما انخفضت القدرة على التنبؤ، ارتفعت كلفة القرار حتى لو بدت الفرص الاقتصادية واعدة. والأمر نفسه ينطبق على الناس. شراء منزل، أو افتتاح مشروع، أو العودة من اللجوء، أو حتى اتخاذ قرار بالزواج والإنجاب، ليست قرارات اقتصادية فحسب، بل رهانات على أنّ المستقبل سيكون أكثر استقراراً من الحاضر. ولذلك فإنّ إعادة بناء الاقتصاد لا تنفصل عن إعادة بناء الإحساس بأنّ الزمن عاد يسير بصورة طبيعية.
الحرب، إذاً؛ قد تنتهي بوصفها حدثاً عسكرياً وسياسياً لكنها لن تنتهي في وجدان الناس بالسرعة نفسها. واستعادة الحياة لا تتحقق بمجرد توقف القتال، إنما حين يصبح الأمن اليومي واقعاً وتستقر المؤسسات على قواعد واضحة، وتستعيد الخدمات والاقتصاد قدرتها على منح الناس ما هو أثمن من الدخل؛ القدرة على التخطيط.
في نهاية “في انتظار غودو“؛ يقرر الرجلان أن يغادرا، لكنهما لا يتحركان. ليست المشكلة أنهما لا يعرفان الطريق، بل أنّ الانتظار أصبح عالمهما الوحيد. وهذا هو التحدي الأكبر الذي تواجهه المجتمعات الخارجة من الحروب؛ أن لا يتحول الحذر الذي كان ضرورة للبقاء، إلى أسلوبٍ دائم في الحياة. سوريا الجديدة لن تُقاس بعدد الأبنية التي ستُشيَّد، ولا بحجم الاستثمارات التي ستدخلها، بل باليوم الذي يتوقف فيه السوري عن انتظارِ استقرار الغد، لأنهُ أصبح يعيش استقرار اليوم. عندها فقط يمكن القول إنّ الحرب انتهت حقاً، ليس في الخرائط العسكرية وحدها بل في الزمن الذي يحمله الناس داخلهم.
مواضيع ذات صلة
مواضيع أخرى
تدريباتنا
هل سيتغير الوجه المدني لسوريا؟
بعد مرور أكثر من عامٍ على تولي الحكومة الجديدة شؤون الدولة، شهدت البلاد...
ورشة تدريب صالون سوريا
أجرى فريق #صالون_سوريا، دورة تدريبية عن الانواع الاعلامية والصحافة الحساسة...






