تدريباتنا

كحل عربي”: هذيان بطعم الوِحدة”

بواسطة | مايو 11, 2018

إن ما يفصلنا عن صراخكِ الجوفيّ هو هذا: اللاشيء. عندما تكونين وحيدةً وسماؤكِ بلون الخيبة، عندما يعيدُ صوتكِ الجوابَ كاملاً عن أسئلةٍ بلاصوت، عندما تكذبُ عيناكِ الكحليتان على الطريق الذي يؤدي إلى اللا مكان. عندها، فقط، يغدو اللاشيء خيطٌاً يربطكِ بالعالم، وريحاً لا تُرى، لكنها تعبقُ بالكلمات، تهزُّ الخيطَ فتولدُ موسيقا تهجم موجةً في إثر موجة. ونغدو نحنُ، مشاهديكِ، مشاركيكِ الفعل، لا يفصلنا شيءٌ عن تدفقكِ الذي ترميه في وجوهنا، ونصبح جزءاً من همسكِ، ضحككِ، بكائكِ، رقصكِ وغروبكِ الذي يموت الآن ويولد حجراً فوق مياهنا الساكنة. وتصبح أجوبتكِ هي الأسئلة التي تطرحها الورقة على المهب، سقوط المهبّ ذاته في التجربة التي تعني: كم أنتِ كثيرةٌ في وحدتكِ التي تشخصينها كتمثالٍ حي يصرخ ويحاور أشياءه: مرآته، سريره، ثيابه، أدوات زينته وتفاصيل وحدته ذاتها، فتبدو الأشياء وقد تأنسنت واحتفظت بروحها إلى الأبد، في وقتٍ يكاد يكون الإنسان نفسه شيئاً.

ذلك ما يقوله “كحل عربي”، مونودراما الحجرة للشاعرة سوزان علي، الذي شخصته بتوتر خلّاق الممثلة روجينا رحمون، في محاولة لنقل المسرح إلى فضاء آخر، فضاء مغلق من حيث الحيز لكنه مفتوح على احتمالات عالية من الشعور والتأثير والتلقي.

هنا لن نشاهد خشبة، لن نشاهد التدرج المنظوري للمقاعد التي تعلوها الرؤوس ولا يحجبنا عن الفعل أية ستارة. سنكون ضمن الفضاء ذاته نتلقى الكلمات والانفعالات وكأنها فينا. ذلك ما يفرضه البقاء لصقاً مع نفَس الممثلة وأدق سكناتها. وكل ما يمثله الديكور هو غرفة مستطيلة، مقعدان بلا مساند ظهر، طربيزة، برواظ خشبي فارغ يمثل التلفزيون، برواظ آخر يمثل مرآة بلا مرآة، خزانة تبدو كحقيبة كبيرة، سرير وحده أخذ شكله الكامل لكنه مملوء بالفراغ، وحنفية ماء لا تتوقف عن التنقيط. هل بقي شيء من العناصر؟ نعم. بقي هناك خمسون مشاهداً وجهاً لوجه مع الممثلة وكل هذا الهذيان.

“لما بتصير حيطان البيت من لحم ودم، وبيصير للذاكرة إبرة وخيطان”

بهذه الجملة يوسم بروشور العرض، وكأنه باقتضابه يلخص ما فعلته تلك المرأة الوحيدة المصابة بالخيبة، خيبتها من الزمن الذي غيب والديها، خيبتها من حبيبها الذي هجرها، ويبرز الفقد وكأنه الموضوع الأساسي للعرض، عاكسةً بذلك صورة لكل السوريين الذين عانوا بمجملهم فقداً من نوع ما، وتغدو وحيدة بشكل لا يطاق فتقرر السفر، وهنا يبدأ ذلك الحوار مع ذاتها وأشيائها، الحوار الذي نكتشف من خلاله مأساتها الحية.
ويبدأ العرض برسم لوحات وتعليقها في براويظ فارغة معدة لاستقبال فقد ما. برسمها للوحات سريعة وآنية ومنقولة عن جسدها ، تحاول الممثلة نقل أجزاء من جسدها على الورق بالنظر إليه ورسمه، إلا أننا نكتشف أن ما قامت برسمه هو شيء مختلف: بيت، شجر، طفل وكأنها ذاتها الأشياء المفقودة، مؤكدةً على أنها جزءٌ  من ذاتها أيضاً. وتبدأ بعد ذلك بإسقاط حزنها على الأشياء، فتحاور التلفزيون محملةً إياه سبب نقل خبر وفاة والديها بانفجار، وتصرعلى عدم أخذه معها عندما تسافر، تحاور المرآة متذكرة لحظات عشقها لـ”رامي”، الذي نفهم بأنه كان رساماً في بداياته وأنها كانت ملهمته “لهديك الفترة بس” وهجرها ليحب فتاة أخرى. في هذا الجزء المحوري من العرض تعيش المرأة أقسى تناقضاتها بين الرقص ووضع المكياج ويأخذ الكحل العربي دلالته من خلال تلطيخه عيني المرأة “لأنه يخفي الدموع” إلا أن الدموع رغم الكحل تخرج مصرةً على الهطول. تحاور حنفية الماء، ربما لأنها تثرثر باستمرار ولم تصلحها عن عمد لحاجتها للصوت. تهاجم السرير الذي تحلم أن يضمها بكثير من الحنان مع حبيبها المفقود أيضاً، تحاور ثيابها وخزانتها ودائماً تسأل “بدكن تروحو معي؟” لوين؟” هذا السؤال برز بشكله الحاد عندما سألت ثيابها السوداء، وكل ثيابها سوداء بدءاً من الفستان الذي ترتديه إلى الثياب الأخرى، عاكسةً تلك الحالة من انسداد الأفق، الأفق الأسود بطبيعة الحال.

هذا التناقض الذي تعيشه المرأة في لحظات يومها، يتكثف أيضاً في قرارها بالسفر. فنحن نفهم أننا أمام امرأة على وشك السفر. لكن ماذا عن التعلق بالأسماء وبالصور وبالأشياء حتى لو كرهتها، وبالذاكرة. ماذا تفعل بذاكرتها، بذاكرة الأشياء نفسها؟ هل تسافر؟ إن اللحظة التي انتهى عندها العرض تبدو غائمة إذ يوحي بقاؤها تحت قطرات الماء أنها باقية. ومن جهة أخرى يظهر مزيج الأصوات المختلطة بأنها سافرت. ويبقى التناقض في اتخاذ القرار وتضادات الرغبة هو الواضح أمامنا وعلى بساط الغرفة.

إن ما شاهدناه من نقل المسرح بكل عناصره إلى الغرفة، ومناقشة حالة الفقد التي نعيشها، هو محاولة لتأكيد الحضور وإيجاد فضاء بديل وفتح مسارات أخرى للمسرح لمواكبة حالات فنية وإبداعية جديدة .

كحل عربي
تأليف وإخراج: سوزان علي
تمثيل: روجينا رحمون
تصميم الإضاءة: أدهم سفر
سينوغرافيا: سها علي
موسيقا: جمال تركماني
مدير الإنتاج: رامي سمان
مكان العرض: غاليري مصطفى علي، دمشق.

مواضيع ذات صلة

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات...

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

مواضيع أخرى

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

ربما كانت سوريا، عبر تاريخها، من أكثر بلدان العالم "اكتظاظاً" بالأحزاب والسياسيين والزعماء و"القادة الملهمين"، حتى يُنقل قول معروف على نطاق واسع عن الرئيس شكري القوتلي عندما سلَّم سوريا الديمقراطية الصاعدة لجمال عبد الناصر مرغماً تحت ضغط الضباط البعثيين والقوميين...

حين يصبح الجسد وطناً: شعر وداد نبي بين المنفى والذاكرة

حين يصبح الجسد وطناً: شعر وداد نبي بين المنفى والذاكرة

قارة اسمها الجسد عنوان المجموعة الشعرية الصادرة باللغة الإيطالية للشاعرة السورية وداد نبي، والتي فازت بجائزة كامايوري الدولية للشعر 2025 في إيطاليا. صدر الكتاب عن دار دي فيليتشه، وقام بترجمة المجموعة الناقد سيموني سيبيليو. تحوي المجموعة قصائد منتقاة من...

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

يمثل قطاع الكهرباء في سوريا عصب الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وهو اليوم أمام مفترق طرق مصيري، إذ يقف بين إرث من الإهمال المتراكم والدمار الذي طال البنية التحتية لعقود، وبين فرص تاريخية لإعادة البناء تتقاطع فيها قرارات محلية مصيرية مع تحالفات إقليمية معقدة وصفقات غاز...

تدريباتنا