تدريباتنا

علامَ تستند البيوت؟

بواسطة | ديسمبر 31, 2018

حاولنا ألّا يصير الصمت قيداً، خاصّةً ونحن نواجه به دخانَ المحرقة الذي يلفُّ البيتَ، ورشقاتِ الدم التي تسكبها الشاشات.

ابتدأتُ ترجمة فصلٍ جديد من أسرار الغابة، وتهيّأَتْ لحياكةِ جوربٍ من الصوف.

في المسافة الفاصلة بين كتفينا، على الأريكة القلقة، كانت الزفرات تتشابك ورفيفُ الأجفان يتموّج؛ مثلما تتبادل الأشجار بجذورها إشاراتٍ عن جفاف التربة، أو دنوِّ عاصفةٍ، أو هجمةِ دخيل. مسافة تصرّ على الهبوط يوماً بعد يوم، رغم تناقُصِ المقيمِينَ ونُدرةِ الضيوف، لأنّ كائناتٍ غامضةً تَنخر الخشبَ؛ وتيّاراتٍ خفيّةً تفتق المخملَ. كم مرّةً عاتبْنا السقفَ ونحن نرمّمها بالمسامير ونحشوها بالقشّ. في عينيها يقينٌ أنّ النعيم زال، وفي نبضان صدغيَّ رهبةٌ من تابوتٍ سينغلق.

كان عليَّ أن ألتقيها قبل جفاف الأنهار، فأقتبسَ طواعيةَ اليدين للمخيّلة، وتَمضيَ القامة بين المتاهات مثل سهمٍ ليّنٍ خبير، ويتّقدَ الذهن من طلاقة المُحيّا.

ساعاتٌ، لا المسلّةُ تَضلُّ ولا الخيط ينعقد.

يغيب المعدن تحت الحبكات، ثم يَبْرز لامعاً مثلما يَعرض الطفل للشمس مهاراتِه الجديدة في الغوص والعوم. تكاد تُسْمَعُ من عناق اللونينِ همهماتُ راقصينِ حافيينِ في قاعةٍ خاوية.

لمن ستكون الغلبة؟ للناريِّ الملتفّ كلدغات الشهوة، أم للَّيْليِّ الحائم كفراشات الظنون؟

واضحٌ أنّ الأحمر سينفرش لباطنِ القَدم ويطوِّق الكاحلَ، أمّا الأسود فيكفيه أن يتقن ما نُذِر له: كُحْلاً يَحرس، وزنّاراً يغوي.

كلما تعثرتُ بمصطلح أو حيّرني لغزٌ من حياة الشجر، خرجتُ إلى الشرفة آملاً أن يعيْنني المشيُ على الاشتقاق، ويَكشفَ لي قمرُ الشتاءِ الصلةَ بين جَرْس الكلمة ومعناها، ويسجدَ الغيم هناك على جذوع السنديان المبقَّعة بدماء رُفقائي.

لا داعي للقياس! سبحان من أسرى بالضمير من الأنامل إلى الأهداب، فصارت النظرةُ ميزانَ ذهب.

لو لم تُزَمَّ كلُّ فردةٍ بوردة، لسكبتُ فيهما ما يسكبه حرّاس القلعة في أبواق النصر.

غداً سوف تضحك وهي تجرّبه أمام ابنتنا، متّخذةً من باب الشرفة المشمس مرآةً. ستتعالى ضحكاتهما عفواً، ولن أبوح بسرّ هذه الدغدغات.

                                             -2-

في غيابه، أنبأَني البرْدُ أنّ الضوء نصالٌ في الظهر؛ والظلمةَ درعٌ مسموم.

نذرتُ، إنْ عاد، ألّا ألتمس من الموسيقى شيئاً غير النَّسيان.

رشيقٌ منعزل. أصغرُ من لهفة الواصل، وأكبر من كفِّ المودِّع. يحلّق مفرَداً بمساراتٍ قوسيّة منخفضة، كالرشقات التي تنثرها النافورة في باحةٍ مُطفأة. ويستقر منزوياً شِبهَ ساجد، لاهياً عن أي خطَر، منشغلاً بذاته. يسبل جناحيه في الفيء، ويموّج رأسَه في الشمس.

كلما مسَّه شعاعٌ أطلق صفراتٍ رنّانة يمتزج فيها مرَح العابثِ بتمتمة الزاهد، ويختلط عزمُ رافعِ الأعمدة بشجنِ التائهِ وسط الأنقاض. في إيقاعها المعدني السريع امتنانٌ للنهار، وفي صداها الحجري المترنّح رهبةُ من الليل. موجَزةٌ كرسائل اللَّهَب، كثيفةٌ كرشفة النبيذ، صريحةٌ كعتاب المطر للنافذة.

لا يلبث فوق الغصن غير دقائق، يقتات من قشر الزيتونة ما يعينه على الرحيل؛ وينهل من ضميرها ما يستدلّ به على خطّ الإياب.

لسوادِ إهابِه ونصوعِ عنقِه وتَراخي ذيلِه، أطلق عليه أبناء الريف الساحليّ اسمَ《 الرُّوَيْهِب 》تصغيراً يجمع بين الدلال والإجلال لاسم الراهب، وغبطةً لِما في حياة هذين الكائنين من خفّةٍ وغموضٍ وثقة.

أديْنُ له بقدرتي على احتمال لدغاتِ الضجر، والحذَرِ من نوايا الخريف، وتأويلِ رؤى الأمواج.

كم بيتاً تماسَكَ وصفا لأن صفراته شدّت الضلوعَ و مسّدت الرُكب وسكّنتْ رجفاتِ الشفاه!

يهبنا هذا الرنينُ اللمّاع يقيناً بأن صدوع أمسنا المهجور آيلةٌ للالتئام، وتقْنِعنا هذه البحّة اللّدنة أنّ رطوبة الملجأ شفاءٌ لحرقات الخدود من لفحات البادية.

                                                  -3-

أتمتِمُ باسمكَ، لأن كل الأشياء فقدتْ أسماءها.

لأن الزمان استدارَ كهيئته الأُولى مبهَماً لاهباً.

لا لكي أقوى على النوم. ما أكرمَ السَّهَرَ ووجهُكَ سقفي!

ما أوهى مطارقَ الليلِ على قامةٍ شَدَدْتَها.

نهارٌ أنّى أطلقتَني: الطفلُ الذي كان يحبو حول الساقية، وكلّما رأى صورتَه لَطَمَ الماءَ.

الشابُّ الذي أبى، قبل أن يَغرق صاحباه، أن يخوض في نهرٍ لا يَبِيْنُ قاعُه.

المنفيُّ اللاهث بين الإسفلت والشمس: خفيفاً كسنبلةً فرَّتْ بها قَطاةٌ من بين المناجل.

تحت القضبان معصوبَ العينين، يمسُّ حفيفُ هذه الحروفِ خدَّيَّ؛ يرنُّ الموج في عظامي وتُنثَرُ على رُكبتيّ رسائلُ الزبد.

عندي، بَدَلَ البستانِ الذي أحرقوه، أصيصٌ في الشبّاك. إذا غفوتُ قبل أن أسقيه، نبَّهتْني لصلاةِ الفجر حمامة.

                                -4-

أمطرتْ في الصيف، لأن الصفحات التي كُتبتْ شتاءً شابَها الدمُ.

شاءت الريح أن تطوِّقَ الغيومَ الناشئة من لهاثنا، وتردَّها إلى الأرض بَرَداً يحرق وهديراً يجرف.

نَمَتْ لحزنِ أيلولَ مخالبُ، ولمّا تَظهرْ حبّةُ زيتون.

قد نجد لشقوقِ الأيدي والشفاه علاجاً. لكنْ، علامَ تستند البيوت إذا أنكرتنا العصافير؟

                            -5-

دامَ اهتزازُ الحبلِ فترةً أطول من التي سبَّبَتْها جفلةُ الطائر.

تلمّستُ موضعَ ارتطام رأسي بباب الشرفة، فهرّتْ منه قِطعُ كلسٍ رطب.

توتَّرَ الحبل. سَرَتْ فيه ذبذباتٌ متصاعدة. بدا عازماً على الإفلات من المسمارَين، راغباً في اللحاق بالراحل أو الالتفافِ على عنقي.

                                         -6-

مَنَّيْتِني ب《 هناك》. خالَطَ بحّتَكِ لهاثٌ كخفقان اللّهب، وربّما أَتْبَعْتِ الكلمةَ بإيماءةٍ للأعلى، مثلما يلوّح الطفل لغيمةٍ ارتدَتْ وجهَ أُمِّه قبل أن تتمزق.

تقولين《 هناك》، كأننا محمولون على أجنحة لا ملفوفون بسلاسل؛ كأن السفر أغنيةٌ لا انسلاخ، كأن مطارق الوقت تصير حريراً في بعض الأمكنة.

وحقِّكِ ما سبحتُ في نهرٍ إلّا جفَّ، ما استندتُ إلى شجرةٍ إلّا أُحرِقتْ، ما سامرتُ كتاباً إلّا دِيْسَ.

لا أعرف غير《 هناك》 واحدة، وكلُّ ما《 هنا》 كدْحٌ لها وفرارٌ منها ونِزاعٌ عليها. تلك التي تُنسَج أفياؤها من حسراتنا، وتُرفَع قبابُها من ارتجافات الرُّكَب، وتنبثق ينابيعها من نيران الشفاه.

إنّ في يأسي قوّةً لا تتقنها إلّا الموسيقى. وقد عهدتُ إليها رَفعَ قواعدِ غدي. فكثيرٌ ممّا قُدِّرَ عليّ يَمُوج الآن تحت الجلد، يهدر في دمي، يرنُّ في العظام.

                                       -7-

توقّعتُ من حديد الأعمدة أن يفقأ عيونَ سارقِيه، ويُنشِبَ في وجوههم وأيديهم براهينَ على بأسٍ أغرتنا به الكتب، وأرهبتنا منه الأسلحة.

أملتُ- على الأقلّ- أن يتناثر في العتمة كسهامٍ من الجمر إكراماً للنيران التي صهرَتْه، أو يتفتّتَ شظايا في باحات الكارثة وفاءً للظهور التي استندتْ إليه.

لا أنْ يلتوي ويتكوّم في الشاحنات كأكداس الحطب، ويتجرجرَ خلف العجلاتِ كأذيال قطيعٍ مفجوع.

هذا دليل على أن المواد التي أنشأْنا بها الأمسَ كانت غباراً. وإلى أن تُخرج لنا الأرض معدناً أعزَّ وأصلَب، سأنسج لي بيتاً من ضباب الأسئلة.

                              -8-

ابيضَّت الأجفان. كنتُ أظنها معصومةً، لا سيّما وهي بهذه الهشاشة والتبعثر والانطواء.

حتى لو كان القفل مجرَّدَ زخرفة، لا بدَّ من أن يحطّمه السارق: إمّا عند الدخول استقواءً على العتمة، أو عند المغادرة انتقاماً من خيبة المسعى.

                        -9-

صحيحٌ أن الولد طيرٌ، لكنّ الأب شجرة. عنيدان في المهبّ، طيِّعانِ إذا رنّت الأجراس.

لَيْلَ واكبكِ المطر، حمدتُ المُنشئَ على ما وُهِبْنا: طلاقة الجناحين، واستقامة الجذع.

فلا أثْنَتْكِ المسافةُ عن اللهفة ،

ولا زادني فراغُ العشِّ إلّا ابتكاراً الخفيف.

                    -10-

حالَما أهيّئُ حقيبةَ السفر، تضجُّ العصافير على الشرفة.

أحَدُها( ولا أعرف إن كان هو دائماً نفسَ العصفور) يلتصق بفجوةٍ رطبةٍ في الحائط، نافضاً جناحيه، صافراً بنزَق.

عصافيرُ أخرى تتناتفُ كسرةَ خبزٍ قُربَ الباب،  مع أنّ الفتات منثور.

تتزاحم على دمعةٍ من مطر الليل، والنهرُ تحتنا.

تتراجفُ في ظلِّ الكرسيّ، والشمسُ غامرة.

تَكرَّرَ هذا المَشهد صباحاتٍ عديدة، حتى ظننتُ أنها تفتقد شيئاً في غيابي، أنها تدرك من حرارةِ زفراتي إلى أين أنوي، أنّ شِجارها استبطاءٌ وصَخَبَها رسالة.

                      -11-

لم يفاجئني سؤالكَ:《 من نحن؟》، بل ظنُّكَ أنّ لديَّ جواباً.

وددتُ لو أتْبَعتَ ميمَ الحيرةِ بالألِفِ الذاهلة كأجنحة اللّهَب، لا بهذه النُّونِ المطمَئنّة كقاع الهاوية!

مواضيع ذات صلة

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات...

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

مواضيع أخرى

باحثة أمريكية: “أدب السجون السوري” امتدادٌ لكتابة المنفى

باحثة أمريكية: “أدب السجون السوري” امتدادٌ لكتابة المنفى

في كتابها “قراءات في أدب السجون السوري: شاعرية حقوق الإنسان” (Readings in Syrian Prison Literature: The Poetics of Human Rights)، والذي رأى مترجمه الكاتب والمترجم السوري حازم نهار أن يعنونه بـ “أدب السجون السوري: بويطيقا حقوق الإنسان”، تعتمد الباحثة...

هل سيتغير الوجه المدني لسوريا؟ 

هل سيتغير الوجه المدني لسوريا؟ 

بعد مرور أكثر من عامٍ  على تولي الحكومة الجديدة شؤون الدولة، شهدت البلاد مجموعة من القرارات والممارسات والسلوكيات، التي بدأت تُثير قلق ومخاوف كثير من السوريين، الذين رأوا أنها تحاول تكريس سياسة اللون الواحد، وتسعى لتقييد الحريات المدنية العامة والخاصة، هذا عدا...

نساء سوريا بين الخطف والإنكار: وجه آخر للانهيار الاجتماعي

نساء سوريا بين الخطف والإنكار: وجه آخر للانهيار الاجتماعي

يعود الخطف مرة أخرى إلى واجهة الأحداث السورية، لكنه في الحقيقة لم يتوقف أبداً؛ إنما هناك فترات من التباعد بين الحالات، ويرافق ذلك تغيّر في الأسلوب والإعلان. يواجه السوريون اليوم ظاهرة جديدة، وهي استخدام الفتيات لنشر الفكر الدعوي من قبل جهات تعمل في السر، ليصبحن...

تدريباتنا