تدريباتنا

حرائق غابات سوريا ولبنان ستعطل مناعة المنطقة الصحية، ما العمل؟

بواسطة | أكتوبر 15, 2020

لم تفق حرائق الغابات في سوريا ولبنان هذا العام المعدلات الطبيعية فحسب، إنما بلغت بساتين الزيتون والفواكه ومناطق مأهولة بالسكان. وقد التهمت النيران إضافة إلى ذلك أشجاراً معمرة عمرها مئات السنين ونباتات أصلية مستوطنة في شرق البحر الأبيض المتوسط، وأعداداً هائلة من أشجار الزيتون وبساتين الفواكه. وخسرت سوريا تحدياً أعداد هائلة من الأشجار المثمرة.  ففي بلدة (حب نمرة) وحدها في محافظة حمص احترقت ما يقارب 1000 ألف شجرة زيتون، إضافة الى أشجار مثمرة أخرى مثل الرمان والتين وعرائش العنب. وكذلك الحال في بلدات وقرى أخرى في نفس المحافظة كالمُزَينة وقرب علي وزوَيتينة. وأشارت مصادر في حمص تواصلت معها عبر الهاتف الى ان الحرائق التهمت 80٪ من الأشجار المثمرة، الزيتون تحديداً، بينما التهمت 20٪ من الأحراج.

وتعد حرائق الغابات والأحراج في كل من سوريا ولبنان هذا العام أكبر سلسلة حرائق على مر السنين في المنطقة وسوف تكون آثارها كارثية على مصادر الغذاء والصحة والبيئة إن بقيت الاستجابة الحكومية والمجتمعية والإقليمية كما هي عليه الآن في التعامل مع الحرائق. وبحسب وزارة الزراعة السورية إن النيران التهمت غابات عذرية تحتوي على نباتات متنوعة ونادرة، وفي محافظة اللاذقية وحدها أحرقت ما يقارب 600 هكتاراًبعدما نشبت فيها 79 حالة حريق وهو الرقم الأكبر في تاريخ الحرائق في سوريا. وبحسب المعلومات شبت 500 حالة حريق في كل من سوريا ولبنان هذا العام، الأمر الذي سيترك آثاراً مستقبلية على جميع مناحي الحياة الصحية والاقتصادية والبيئية في عموم المنطقة.

تتضارب المعلومات الرسمية وغير الرسمية بخصوص أسباب الحرائق، ففيما يشير بعض منها إلى مساهمة التغير المناخي المتمثل بارتفاع درجات الحرارة وانخفاض مستوى الرطوبة وتيارات رياح جافة في نشوب الحرائق، يشير بعض آخر منها إلى أن قيام الفلاحين بحرق الأعشاب اليابسة وتنظيف الأراضي في هذه الفترة من السنة يزيد من احتمالية نشوبها، ناهيك باستغلال الغابات والأحراج المحروقة في الزراعة والتحطيب وتجارة الفحم؛ وهناك طرف ثالث يتحدث عن فعل فاعل ويد تخريبية مخفية وراء الحرائق.

بادئ ذي بدء، إن الجزء الأسفل من البحر الأبيض المتوسط، يشهد ارتفاعاً ملحوظاً في درجات الحرارة الناتج عن التغير المناخي، وأصبح صيفه طويلاً ينتج عنه تيبّس مساحات واسعة داخل الأشجار والأحراج. وأدى التغير ذاته إلى هبوط مستوى الرطوبة وزيادة تيارات هوائية جافة. ومن شأن هذه التغيرات المناخية زيادة قوة الحرائق، إنما لا يمكن نسيان الإدارة الفقيرة للغابات والحراج والنشاط البشري المتمثل بالزراعة، التحطيب، التفحيم، التنظيف والعمران. وتشير نقاط توزيع نشوب الحرائق، إلى أن مصادرها متنوعة ولا تتصل بالضرورة مع بعضها، أي أن العامل المناخي يساعد على سرعة تفشيها وليس شرارتها. على سبيل المثال، ليست بساتين الزيتون في محافظة حمص متصلة بالغابات الساحلية، أي أن هناك عوامل أخرى، وهي في الغالب بشرية ولها علاقة مباشرة بعمليات التنظيف وحرق الحشيش والمساحات الحرجية بطرق بدائية.

النتائج

تعمل الغابات بطريقة عملاقة في تصفية وتخزين مكونات الهواء باستمرار، وتخزن كل شجرة في دورة حياتها 22 طناً من ثاني أكسيد الكاربون في جذوعها وأغصانها وأنظمة جذورها، ناهيك بإنتاجها هيدروكربون كوقود للنمو ودورها في سقوط الأمطار. وعلى رغم أن موت الأشجار يؤدي إلى إطلاق غاز الكاربون بعد انتهاء دورة حياتها بفعل الفطريات والبكتريا، لكن معظمه يبقى محصوراً في النظام البيئي الخلاق الذي يعمل وينظم نفسه بشكل دائم. خاصة أن الغابات القديمة تأوي تنوعاً بيولوجياً هائلاً وتفوق طاقتها في احتواء الأحياء الدقيقة وتخزين الكاربون، طاقة الغابات الصغيرة بفارق كبير للغاية. تالياً، إن موت الغابات جراء الحرائق يطلق المزيد من ثاني أكسيد الكربون والحرارة ليس في سوريا ولبنان فحسب، بل في عموم المنطقة، ذاك أن الغابات والحرجيات المتوسطية لها تأثير مناخي من ناحية الرطوبة والأمطار والرياح على عموم المناطق الداخلية جنوب البحر الأبيض المتوسط. تالياً، إن الغازات الدفيئة التي كانت تمتصها الأشجار تجد طريقها إلى رئاتنا بعد الحرائق.

وبما أن الغابات تشكل الموئل الطبيعي للأحياء الدقيقة وتؤوي 80٪ من الأحياء البرّية، فسيؤدي تخريبها إلى إطلاق فيروسات وأمراض كانت تؤويها الغابات ذاتها لآلاف السنين، الأمر الذي لا يغير شكل المنطقة الطبيعي فحسب، بل يعطل النظام الأيكولوجي ويغير أنماط الحياة فيها أيضاً. ويعد انخفاض التنوع الأحيائي إثر حرائق الغابات أو استغلالها من أجل الزراعة سبباً من الأسباب المباشرة لانتشار الأمراض المعدية الناشئة. تشير التقديرات (اجتثاث الغابات مصدر لتفشي الأوبئة) إلى أن ما يصل إلى 75 في المئة من الفايروسات الجديدة، حيوانية المنشأ وتنتشر جراء قيامنا نحن البشر بإزاحة الحيوانات من موائلها الطبيعية غالباً.

الحلول

على رغم أن الأشجار الجديدة التي تنبعث على أنقاض الغابات المحروقة لن تحمل قدرة الأشجار المعمرة على تخزين ثاني أكسيد الكربون ولن تكون الغابات الجديدة قادرة على إيواء الأحياء البرّية و(ميكرو-أورغانيزم) مثلما كانت تلك القديمة المعمرة، تعد إعادة التشجير حلاً جوهرياً من بين الحلول المقترحة والقائمة على الطبيعة. ويقتضي ذلك إعطاء الأولوية في السياسات التخطيطية للمشكلات البيئية وسبل إصلاحها، بدءاًبإصلاح الوسائل القديمة في الممارسات الزراعية وصولاً إلى تحرير السياسات البيئية من مركزية الدولة الفاشلة عبر تفعيل الإدارات المحلية وإشراك المجتمعات في إدارة النظم الطبيعية. ويعد تعليم الكبار بخصوص التغير المناخي والظواهر القاسية الناتجة عنه، سبيلاً آخر من سبل مواجهة المتغيرات. فبدل التركيز على الإنذار المبكر حول حدوث الحرائق، يتوقع أن يلعب الوعي بالتغير المناخي والآثار التي يتركها على حياتنا، دوراً ملحوظاً في منع حدوثها أو وضع حد لها. وبما ان دور الغابات في حماية النظام الطبيعي كَوني ولا يخص إقليماً معيناً يتعين على الدول والبلدان والمجتمعات إنشاء فيدراليات إقليمية بخصوص المصادر الطبيعية المتجددة وسبل حمايتها، ذلك أن أمن المنطقة مرتبط بشكل مباشر بأمن تلك المصادر. ويمكن التطرق في ذات السياق الى أهمية دور تحويل الغابات العذراء والحرجيات الى محميات طبيعية بغية حمايتها من النشاط البشري الزراعي والعمراني.

*تم نشر نسخة من هذا المقال في موقع DARAJ

مواضيع ذات صلة

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات...

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

مواضيع أخرى

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

ربما كانت سوريا، عبر تاريخها، من أكثر بلدان العالم "اكتظاظاً" بالأحزاب والسياسيين والزعماء و"القادة الملهمين"، حتى يُنقل قول معروف على نطاق واسع عن الرئيس شكري القوتلي عندما سلَّم سوريا الديمقراطية الصاعدة لجمال عبد الناصر مرغماً تحت ضغط الضباط البعثيين والقوميين...

حين يصبح الجسد وطناً: شعر وداد نبي بين المنفى والذاكرة

حين يصبح الجسد وطناً: شعر وداد نبي بين المنفى والذاكرة

قارة اسمها الجسد عنوان المجموعة الشعرية الصادرة باللغة الإيطالية للشاعرة السورية وداد نبي، والتي فازت بجائزة كامايوري الدولية للشعر 2025 في إيطاليا. صدر الكتاب عن دار دي فيليتشه، وقام بترجمة المجموعة الناقد سيموني سيبيليو. تحوي المجموعة قصائد منتقاة من...

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

يمثل قطاع الكهرباء في سوريا عصب الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وهو اليوم أمام مفترق طرق مصيري، إذ يقف بين إرث من الإهمال المتراكم والدمار الذي طال البنية التحتية لعقود، وبين فرص تاريخية لإعادة البناء تتقاطع فيها قرارات محلية مصيرية مع تحالفات إقليمية معقدة وصفقات غاز...

تدريباتنا